الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
أخرج ابن جرير، عن ابن جريج: أنها نزلت في الصدِّيق رضي الله عنه، لَمَّا حلف أَلَّا ينفق على مسطح ابن خالته، وكان من الفقراء المهاجرين، حين وقع في إفك عائشة رضي الله عنها.
والمعنى: ولا تجعلوا الله - لأجل حلفكم به - عرضة وحاجزًا: يمنعكم عن البر والتقوى، والإصلاح بين الناس.
وقيل: معناه: لا تجعلوا الله غرضًا لأَيمانكم، بكثرة الحلف به في كل حق وباطل، لأن في ذلك جرأةً على الله تعالى.
وهذا هو التفسير المأثور عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وبه قال الجبائي وأبو مسلم. ويكون: {أَن تَبَرُّوا} علة للنهي، على معنى أنهاكم عن الحلف: رغبة بركم وتقواكم وإصلاحكم.
فإذا حلف الإنسان على ترك خير، فليفعل الخير، وليكفر عن يمينه، ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف.
قال ابن عباس: لا تجعل الله عرضة ليمينك، ألا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك، واصنع الخير.
وروى مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَفْعَل الذي هُوَ خَيْرٌ".
والآية توحي بالإقلال من الإقسام، حتى لا يعتادها اللسان.
وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ} (1).
والبر: الخير مطلقًا. والتقوى: مراعاة الله في السر والعلانية، واتقاء غضبه، والإصلاح بين الناس: إزالة ما بينهم من جفاءٍ وعداوة.
(1) القلم: 10
وكل ذلك رغَّب فيه الشارع. فلا ينبغي الحلف على ترك شيٍ منه. ومن حلف فليكفر عن يمينه، بعد أن يفعل الخير الذي حلف على تركه.
هذا تحذير بليغ، خُتِمَت به الآية، ليعلم كل مؤْمن: أن الله سميع لكل ما يقوله، عليم بكل ما يفعله أو ينويه، وأن عليه مراعاة الله في الأفعال والأقوال والنيَّات.
225 -
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
…
} الآية.
الإيمان ثلاثة أقسام: الأول: يمين لغو: لا يُعتد بها، ولا مؤاخذة عليها. وهي اليمين التي تجري على الألسنة في الأحاديث، لمجرد التأكيد مِثل: لا والله، وبلى والله، وهذا هو المروي عن عائشة في تفسير يمين اللغو.
ويرى آخرون: أنه القسم الذي يعتقد المقسم أنه صحيح، ثم يتبين خطؤه.
ويرى بعضهم: أنه قسم الغضبان الذي يخرجه الغضب عن اتزانه. ويعده بعضهم: يمين المكره، أو الذي يقسم وينسى قسمه، فيخالف ما أقسم عليه.
وهذا كله لا كفارة فيه، على أَرجح الآراء.
والقسم الثاني: هو أن يحلف الحالف على ترك أمر غير محرم ولا مكروه، فإذا رأى الأولى أن يخالف ما أقسم عليه - فعل الأولى وكفَّر عن يمينه: بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وإذا أقسم الحالف على فعل معصية، أو ترك طاعة، فواجب عليه أن يخالف ما أقسم عليه، ويكفر عن يمينه.
والقسم الثالث: أن يقسم كاذبًا متعمدًا ليخدع السامعين، فهذا إثمه عظيم. فعلى هذا المقسم أن يبادر بالتوبة والإنابة إلى الله.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مِنِ اقْتَطَع حقَّ امْرِيءٍ مسلمٍ بيَمينِه، فَقَد أَوجبَ اللهُ له النارَ. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟. قال: وإنْ كان قضيبًا منْ أَراكٍ" رواه مسلم وغيره.
{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} :
أي أن الله سبحانه، رحيم بعباده: لا يعاقبهم على أَيمان اللغو غير المقصودة، ولكنه يعاقب من أقسم به كاذبًا متعمدًا، لأنه مخادع منافق. يفحم اسم الله ليخدع به الناس، جلبًا لمنفعة، أو دفعًا لمضرةٍ.
لا يعجل بعقوبة المسيءٍ، لعله يتوب وينيب.
المفردات:
{يُؤْلُونَ} : يُقسمون. يُقال: آلى عليه. ومنه: أَقسم. والأَلية: اليمين.
والإيلاءُ شرعًا، معناه: أن يحلف الرجل أن لا يقرب زوجته.
{تَرَبُّصُ} : التربص، الانتظار.
{فَاءُوا} رجعوا. وفاءَ الرجل إلى امرأَته: رجع إليها، بعد أن حلَف أَلَّا يقربها.
التفسير
226 -
{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
…
} الآية.
وردت هذه الآية الكريمة متممة لأَحكام القسم، ومكملة لتنظيم الأُسرة الإسلامية، على أساس من صلات المودة والرحمة، والتعاون المثمر، والاحترام المتبادل.
واعلم: أن للنفوس والشيطان تأثيرًا على سلوك الناس، فقد يحدث بين الزوجين ما يعكر الصفو بينهما، تأْثرًا بهوى النفس ووسوسة الشيطان، فيحلف الزوج: أَلَّا يباشر زوجته، ويجعلها بذلك كالمعلقة: لا هي متزوجة، ولا هي مطلقة، فيمزق بذلك شمل الأُسرة، ويقطع أواصر المودة والرحمة، ويعرِّض الذرية للانحراف الخلفيَّة.
فأَنزل الله هذه الآية الكريمة، علاجًا لهذه الحالة.
فقد تحدثت عن الإيلاء، وهو الحلف على أَلَّا يباشر زوجته، وبينت أحكامه.
والإيلاءُ شرعًا: أن يقول لزوجته، والله لا أقربك أربعة أشهر، أو أربعة أشهر فصاعدًا، أو لا أقربك على الإطلاق.
وعلى هذا الأئمة الأربعة، عدا الشافعية، الذين قالوا: لا إيلاءَ إلا في أكثر من أربعة أشهر، فلو حلف لا يقربها أربعة أشهر فما دونها، لا يكون إيلاءً شرعًا عندهم، ولا يترتب حكمه عليه، بل هو يمين كسائر الإيمان، إن حنث كفّر كفارة يمين، وإن برَّ فلا شيء عليه.
وبعض العلماء - كالنخعي وقتادة - يرونه موليًا إن حلف ألا يقربها أي مدة، قلَّت أو كثرت.
وحكم الإيلاء عند غير الشافعي: أنه إن فاء إليها - أي رجع عما حلف عليه - بمباشرتها في المدة التي حلف عليها، أو بالقول - إن عجز عن الوطءِ - صح الفيءُ، وحنث القادر. ولزمته كفارة اليمين. ولا كفارة على العاجز. وإن مضت الشهور الأربعة، بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة بإيقاع الطلاق من الزوج أو الحكم.
ويقول الشافعية: إن المولي له التلبث مدة أربعة أشهر، فلا يطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء بعودته إلى المباشرة، حنث في اليمين ولزمته الكفارة، وإذا مضت أربعة أشهر، ولم يفيء ولم يطلق، طولب بأحد الأمرين، فإن أباهما، طلق عليه الحاكم.
وخلاصة المعنى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ} : أي يحلفون ألا يباشروهن على النحو السابق، انتظار أربعة أشهر دون مباشرة، وليس عليهم إثم في ذلك، فإن فاءُوا - أي رجعوا - إلى المباشرة في أثنائها - مخالفين بذلك ما حلفوا عليه - حنثوا ي أيمانهم، ولزمتهم كفارة يمين، وإن الله غفور لذنب الحنث في اليمين، لما فيه من المصالحة بين الزوجين، وغفور لما قصده المولِي من ضرار بالمرأة بإيلائه، لأن الفيئة توبة.
وإن لم يفيئوا وعزموا الطلاق، وقع الطلاق بمضي الشهور الأربعة عند غير الشافعي، وبإيقاع الطلاق عند الشافعي، فإن الله سميع لإيلائهم، عليم بطلاقهم ونياتهم، فيجازيهم على وفقها.
المفردات:
{يَتَرَبَّصنَ} : ينتظرن.
{قُرُوءٍ} : القروءُ، جمع قُرء. وهو الحيض، أو الطهر منه.
{وَبُعُولَتُهُنَّ} : البعولة، جمع بعل، وهو الزوج.
{بِالْمَعْرُوفِ} : هو ما يعرفه العقل، ويستحسنه الشرع والعرف.
التفسير
228 -
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
…
} الآية.
بعد أن ذكر الله - في الآية السابقة - حكم المولين من نسائهم إن عزموا الطلاق، ناسب أن يذكر بعدها - في الآيات التالية - أحكام الطلاق.
والمراد بالمطلقات في الآية الكريمة: المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض. أما غير المدخول بهن: فلا عدة عليهن.
وأما أولات الأحمال: فـ {أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
وأما غير بالغات الحلم أو اليائسات من المحيض: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} .
مأخوذ ذلك من قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (1).
وأما الإِماءُ: فعدتهن قُرْآنِ بالسنة. راجع الآية الرابعة من سورة الطلاق.
وقد أَوجبت الآية: أن تنتظر هذه المطلقة مدة ثلاثة قروءٍ، قبل الزواج من رجل آخر. والقروءُ: جمع قُرءٍ، بضم القاف وفتحها، ويطلق لغةً: على الطهر، وعلى الحيض.
وقد اختلف الفقهاءُ، في المراد من القروء المعتبرة في العدة. فمنهم من قال: المراد بها الأطهار. ومنهم من قال: المارد بها الحيضات. فإن طلقت الزوجة في الحيض، لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فإجماع الفقهاء. ولا تنتهي عدتها عند من يقول: إن القروء هي الحيضاتُ، إلا إذا حاضت - بعد الحيضة التي طلقت فيها - ثلاثة حيضات كوامل، وذلك بدخولها في الطهر الذي يلي هذه الحيضات الثلاث الكوامل.
ومن طُلِّقت في طهر، حُسِبَ هذا الطهر قرءًا عند من يقول: إن الأقراءَ هي الأَطهارُ، فتعتد بعده بطُهْرين كاملين، وذلك بدخولها في الحيضة التي تلي الطهرين الكاملين.
وهذه المدة كافية ليراجع كل من الزوجين نفسه: فيفيءَ إلى المودة والرحمة والصفاء، إن كان هناك مجال للصفاءِ، وكان الطلاق رجعيًا.
فإذا انتهت مدة التربص، أصبحت الطلقة بائدًا. ولا يملك الزوج حقَّ المراجعة، إلا بعقد ومهرٍ جديدين، برضا الزوجة، إن لم يستنفد عدد الطلاق.
{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} :
لما كان أمر العدة يدور على: الحيض، والطهر، والحمل - ولا اطلاع عليهما إلى من جهة النساء - جُعِلَ القولُ قولهن في انقضاء العدة وعدمها، وجُعِلن مؤْتمنات عليها. فلذا
(1) سورة الطلاق آية: 4
حذرهن الله - في هذه الآية - من كتمان ما في أرحامهن من الحمل: رغبة في الإسراع في الزواج من رجل آخر، بزعمهن انقضاء عدتهن بالأَقراءِ، أو من الحيض: رغبة في إطالة العدة للحصول على النفقة أطول مدة ممكنة.
{إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} :
هذا وعيد وتحذير شديد، لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيها. فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق، ولا يتعرضن لزواج غير مشروع أثناء الحمل. ويُعْتَبرُ الوطء فيه زنى. كما أن فيه نسبة الحمل إلى رجل آخر لا صله له به، وهي جريمة بشعة.
وجواب الشرط: مفهوم مما سبقه. والتقدير: إن كن يؤْمنَّ بالله واليوم الآخر، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن.
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} :
أي للأزواج - في مدة التربص - حق مراجعة الزوجات المطلقات، إن كان الطلاق رجعيًا، فلا يمتنعن عن الرجوع إليهم.
وجواب الشرط مفهوم مما سبق. والتقدير: إن أراد الأزواج إصلاحًا بينهم وبين المطلقات - بغير قصد الإضرار بهن - فلهم الحق في ردهن.
وأفعل التفضيل {أَحَقُّ} ليس على بابه، إذ لاحق للزوجة في المراجعة. فمتى راجعها الزوج فعليها العودة إليه.
وليس المراد من قوله تعالى: {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} اشترط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز - للإجماع على جوازها مطلقًا - بل المراد: تحريضهم على قصد الإصلاح بالمراجعة، فلا يقصدون بها المضارة بتطويل العدة عليهن .. لهذا جعل قصد الإصلاح، كأَنه منوط به حق المراجعة.
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} :
أي: ولهن على الأزواج - من الحقوق وحسن العشرة - مثل الذي عليهن للأزواج من الواجبات.
فللزوجة حقوق عند الزوج، وعليها واجبات له، وكذلك للزوج حقوق على زوجته، وعليه واجبات لها.
فللزوجات والأزواج - كلاهما على الآخر - حقوق العشرة بالمعروف من غير مشقة.
وللزوجات على الرجال النفقة، ولهم عليهن حفظ الزوج في: ماله وولده وفراشه.
والرجل أحق برعاية أسرته - والقيام بأمرها وزعامتها - من المرأة، لقوته وخبرته وتجاربه، ولأنه هو الذي يعول الأُسرة، ويكدح في سبيلها، ويدافع عنها.
وهذه هي الدرجة التي فضَّل الله بها الرجل، والمعبر عنها بقوله تعالى:
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} :
فتجب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق.
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (1).
وينبغي للرجل أن يَعْلَمَ أنه مسئول عن رعاية أسرته أمام الله.
وعلى المرأة كذلك أن تَعْلَمَ أنها مسئولة عن رعايتها لبيتها أمام الله، وأمام زوجها.
قال صلى الله عليه وسلم: "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها" الحديث رواه الشيخان.
(1) النساء: 34
انتهت الآية بإطهار عزّة الله وقهره، وأنه شديد الانتقام ممن خالف أمره، وخرج على أحكامه، وهو حكيم في تشريعاته: يسنّ للناس ما يوائم مصلحة الجميع. فعلى كل من الرجال والنساء، أن يرعى الله، بالتزام ما سنّه من أحكام.
المفردات:
{الطَّلَاقُ} : هو التطليق كالسلام بمعنى التسليم. والمراد به: حل العقد القائم بين الزوجين بأَلفاظ مخصوصة.
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} : المراد به، رجعة الزوجة بعد طلاقها، مع أَداءِ حقوقها، وحسن عشرتها: طبقًا للعرف والشرع، في المعاملة.
{أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} : والتسريح بإحسان، إخلاءُ سبيل الزوجة بإحسان في المعاملة. وذلك بعدم مراجعتها حتى تنقضي عدتها، أو بتطليقها الثالثة - وفي كلتيهما - يحسن إليها: بجبر الخاطر، وأَداء الحقوق، وحفظ الأسرار.
التفسير
229 -
{الطَّلَاقُ مَرَّ تَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُ وفٍ أَوْ تَسْرِ يحٌ بِإِحْسَانٍ
…
} الآية.
كان الطلاق في الجاهلية - وفي مستهل الإسلام - غير مقيد بعدد محدود، وكانت العِدةُ عندهم معروفة مقدرة. فكان الرجل - في أول الإسلام - إذا غاضب زوجته طلقها، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها: يكرر ذلك كما يشاءُ، فلا هو يحسن عِشْرتها، ولا هو يخلي سبيلها، لتأخذ لنفسها وجهة أُخرى مع زوج جديد، وليغني الله كُلًّا من سعته.
قال القرطبي: قال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آويك ولا أدعك تخلين. قالت: وكيف؟ قال أُطلقك، فإذا دنا مَضيّ عدتك راجعتك، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، بيانًا لعدد الطلاق الذي يحل للمرءِ أن يراجع فيه مطلقته، دون مهر أو عقد، حتى لا يتجاوزه: مضارة للزوجة.
وقد بينت الآية: أن الطلاق المشروع، مرتان، أي مرة ثم مرة.
فللرجل أن يطلق زوجته، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاءَ دون توقف على رضاها، ثم له أن يطلقها مرة ثانية، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاء - دون توقف على رضاها كذلك. وكل طلقة من هاتين الطلقتين تسمى طلقة رجعية.
أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى. أو الثانية - دون مراجعة لها - فإن الطلاق يصبح بائنًا، فلا تعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين، وبرضا الزوجة أو وليها، فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فإنها تصبح حرامًا عليه: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، كما تشير الآية التالية.
ومعنى إمساكها بالمعروف - بعد الطلقة الثانية - أن يراجعها مع حسن العشرة والمود والرحمة. فذلك هو المعروف عند أرباب المروآت، وفي لسان الشرع، ونظر العقل.
ومعنى تسريحها بإحسان - بعد الطلقة الثانية - أن يتركها دون مراجعة أو أن يطلقها الثالثة، وأن يؤدي لها حقوقها من: نفقة العِدة، وأُجرة الرضاع، والحضانة لولده، وجبر الخاطر، وحسن القالة.
والآية الكريمة بهذا، أعطت الزوجين فترات كافية: يتروَّى فيها كل منهما، ويُراجع نفسه، لعله يفِيءُ إلى المودِة والصفاء. فأَبغض الحلال عند الله الطلاق.
وقد اختلف الأَئِمة فيمن يوقع الطلاق ثلاثًا مرة واحدة:
فذهب بعضهم، إلى أنه يقع طلقة واحدة.
ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يقع ثلاث طلقات.
وقد أخذت المحاكم الشرعية في مصر الآن، بالرأي الأول في لائحتها، اتباعًا لرأي بعض الصحابة وكبار التابعين، ولأن منطوق الآية يؤَيده.
والخلاف بين الفقهاء - في هذا الموضوع - مبسوط في الكتب المطولة، أمثال: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، ونيل الأوطار للشوكاني، وأحكام القرآن لابن العَرَبي، وغيرها.
قال تعالى:
لما ذكر الله في الآية السابقة: أن الطلاق مرتان، وأن للزوج بعدهما أن يمسك زوجته، ويستبقيها بمعروف، أو يسرحها ويتركها بإحسان - على نحو ما أوضحناه سابقًا - أتبع ذلك بيان نوع من أنواع الإمساك بغير معروف، والتسريح بغير إحسان، وهو أن يمسكها ويراجعها، أو يطلقها في مقابل أن يأخذ بعض مالها، فإن ذلك ليس معروفًا ولا إحسانًا.
قد أفادت الآية: أنه لا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من صداق الزوجة، الذي أوجبه الله، لكي يبقيها في عصمته، أو لكي يطلقها. لأن ذلك مناف للمعروف والإحسان الذي أمره الله به، والذي هو لائق بصلات المؤمنين بعضهم مع بعض، فضلًا عن الزوجين.
ومثل الصداق في الحكم، سائر أموالهن. وتخصيص الصداق بالذكر، لرعاية العادة، أو للتنبيه على أن تحريم الأخذ من غيره أولى.
وقد أباح الله للزوج أن يأخذ منها بعض مالها في مقابل طلاقها، إذا خافا - كلاهما - أن لا يقيما حدود الله، بعدم القيام بواجبات الزوجية، كاستخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، وكعدم إنفاق الزوج عليها وسوء عشرته لها.
فإن كان الخوف من عدم القيام بحقوق الله من جانب الزوج وحده - مع حسن عشرة المرأة - فلا يحق له أن يأخذ منها - في مقابل طلاقها - شيئًا من المال. فإن أخذه، وجب عليه رده.
وإن كان الخوف من جانب الزوجة وحدها، والنشوز من جانبها - فله الحقُّ في أخذه. قال الإمام مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم - وهو الأمر المجتمع عليه عندنا - وهو أن الرجل: إذا لم يضر بالمرأة ولم يسيء إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه - فإنه يحل له أن يأخذ كل ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت. وإن كان النشوز من قبله، بأن يضيق عليها ويضرها - رد عليها ما أخذ منها.
ويدل لجواز أخذه المال منها - إذا كان الشقاق من جانبها فحسب - ما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس: ما أَعْتُبُ عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَتَرُدِّ عليه حَدِيقَتَهُ"؟ قالت: نعم. زاد ابن ماجه (فأمره رسو الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد).
والفراق - في مقابل المال - يُسمى: خُلْعًا. ويعتبر خلق ثابت بن قيس لزوجته، أول خُلْع في الإسلام.
واستدلت طائفة من الفقهاء بحديث امرأة ثابت المذكور، على أنه يجوز الخلع من غير اشتكاءٍ ضرر، فإنها تقول: إنها لا تعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنها لا تطيقه. وقالوا: إن الآية لم تذكر الخوف من عدم إقامة حدود الله على جهة الشرط، بل لأنه الغالب.
وقالوا: إن الذي يدل على ذلك - صراحة - قوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} (1).
(1) النساء: 4
ومعنى قوله تعالى:
{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} :
فلا إثم على الزوجين فيما افتدت به الزوجة نفسها، لتخلص من زوجها بالخلع في مقابله. أي لا إثم على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في إعطائه إياه.
واستدل كثير من الفقهاء، بعموم قوله تعالى:{فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} على جواز الخُلع بأكثر مما أعطاها، فما تراضيا عليه، صح الخلع به: قَلَّ أو كثر.
وهذا هو رأي الجمهور.
وإن كان مالك يرى أخذ الزوج الزيادة على ما أعطاها، مجافيًا لمكارم الأخلاق.
وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها.
وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما.
واختلف العلماءُ في الخلع: هل هو طلاق، فيعد طلقة؟ أم هو فسخ، فلا يعد طلقة.
فقال مالك، والشافعي في أحد قوليه، وأبو حنيفة، والثوري، وغيرهم: هو طلاق بائن، فيعد طلقة.
وقالت طائفة: هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويه.
وبه قال ابن عباس، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق وغيرهم.
ولهم في ذلك أدلتهم.
ومن ذلك ما روى: أن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عباس رضي الله عنهما: عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء إلى آخرها ما قال.
ومن ذلك قولهم: إنه لو كان الخلع طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله بعد الخلع:{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريم بعد أربع طلقات، ولا قائل به، إلى آخر ما قالوا.
ويترتب على هذا الخلاف: أن من طلق زوجته تطليقتين، ثم خالعها، ثم أراد أني يتزوجها، فله ذلك عند ابن عباس ومن يرى رأيه، لأنه لم يقع منه سوى تطليقتين، والخلع لغو. ومن جعله طلاقًا لم يُجِز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجًا غيره.
وعلى القول بأنه طلقة بائنة: يجوز للزوج أن يعود بعده لزوجته، إذا لم يسبقه طلقتان: بأن لم يسبقه طلاق أصلًا، أو سبقه طلقة واحدة.
ولكنه لا يعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين.
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} :
أي تلك الأحكام التي مضت: ما حدَّه الله وشرعه من الأحكام، فلا تتجاوزوها بالمخالفة.
{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} :
أي ومن يترك أحكام الله التي شرعها وبينها لعباده، فإنه ظالم لنفسه وغيره، متبه لهواه. والظالم يستحق عقاب الظالمين المعتدين.
وفي هذا بلاغ لمن يجادلون، مدعين ظلم الأُسرة: مطالبين بتعديل حدود الله تبعًا لأهوائهم، أو تطبيقًا للمباديء الزائفة، التي استجلبوها من غير البيئة الإسلامية، باسم المدنية والحضارة. ونسوا أن الذي شرع هذه الأحكام، وحدد هذه الحقوق، هو رب العالمين: خالق الأًسرة: العليم بمصالحها، وأنه أَرأَف بها من هؤلاء الذين يدعون الإشفاق عليها، وهم إنما يريدون بذلك الوصول إلى زعامات كاذبة، وأغراض هدامة.
والله من ورائهم محيط.
التفسير
بين الله سبحانه - في الآيات السابقة - طريقة إيقاع الطلاق، وأنه يكون على دفعات لا دفعة واحدة، حتى لا يضيق الرجل على نفسه، بل يستطيع أن يستأنف - بعد الطلقة الأُولى أو الثانية - حياته الزوجية.
ثم أتبع ذلك بيان حكم الفراق، إذا كان بافتداء المرأة نفسها من الرجل، بمال تدفعه.
وفي هذه الآية الكريمة يبين - سبحانه - الطلاق المكمل للثلاث، الذي لا يمكن بعده استئناف الحياة الزوجية، بل تحرم عليه المطلقة، حتى تنكح زوجًا غيره، فيقول سبحانه:
230 -
{فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَ هُ
…
} الآية.
أي فإن طلقها الثالثة - بعد الطلقتين اللتين سوغ الله سبحانه - له الرجعة بعد كل منهما، في أثناء العدة - فلا تحل له مراجعتها في عدتها، أو العقد بعد انقضائها من هذا الطلاق الثالث، حتى تتزوج زوجًا غيره، بعد انقضاء عدتها منه، على أن يكون الزواج الثاني زواجًا شرعيًا صحيحًا، وأن يجامعها فيه.
فإن طلقها الزوج الثاني، وانقضت عدتها منه، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعها بعقد جديد إن ظنا أن يقيما حدود الله، ويتعاشرا بالمعروف ويحرص كل منهما على القيام بواجب الزوجية.
وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: النكاح في الآية: العقد الصحيح. فهو كافٍ في التحليل للأول، وإن لم يجامعها، مالم يُرَدْ بالعقد مجرد إحلالها للأول. وإطلاق النكاح
على العقد، معروف لغة وشرعًا. ولكن هذا الرأي ضعيف، لمخالفته لما جاءَت به السنة الصحيحة، وللحكمة المقصودة من هذا الزواج، وهي تخويف الناس من البت في الطلاق، حتى لا تصير نساؤُهم إلى هذا المصير، ولتاديب مَن بَثَّ طلاق امرأته.
وإذا تزوجها الزوج الثاني - بقصد إحلالها للزوج الأول:
فقد قال أبو حنيفة وأصحابه: النكاح جائز للأول إن دخل بها الثاني وطلقها، وله أن يمسكها إن شاء.
وفي رواية أُخرى عنهم: لا تحل للأَول إن تزوجها ليحلها له، ولم يختلفوا في أن نكاح الزوج الثاني صحيح.
وحكى الماوردي عن الشافعي: أنه إن شرطا التحليل قبل العقد، صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد، بطل النكاح ولم يحلها للأَول.
وفي هذا الموضوع كلام طويل، وآراءٌ عدة فراجعه في كتب الفقه.
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} :
أي وتلك الأحكام المذكورة التي تتصل بالنكاح والطلاق، والرجعة والخلع، وغير ذلك، هي حدود الله وأحكامه: يبينها بيانًا واضحًا مفصلًا، لقوم يعلمون حقها وأهميتها، فيحافظون عليها، ويتعهدون بتنفيذها. وذلك لا يدركه إلا عالم متدبر. أما الجاهل، فلا ينظر إلى العواقب، ولا يحافظ على حدود الله.
وتكررت جملة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} في أحكام الطلاق، لإبراز أهميتها، وإظهار الذنب الكبير في مخالفتها.
هذا حكم المطلقات ثلاثًا. أما غيرهن ممن طلقن واحدة أو اثنتين، فقد بين الله ما ينبغي اتباعه بقوله مخاطبًا الأزواج:
المفردات:
{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} : أي قاربن نهاية عدتهن. والأجل - كما يطلق على المدة كلها - يطلق على آخرها: مجازًا.
{لِتَعْتَدُوا} : أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء، فرارًا من إمساكهن مع المضارة.
{آيَاتِ الله} : المراد بها، هذه الآيات المشتملة على أحكام النساء. أو كل الآيات، وهذه داخلة فيها.
التفسير
231 -
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُ وفٍ
…
} الآية.
والمعنى: وإذا طلقتم النساء طلاقًا رجعيًا، فقاربن انقضاءَ عدتهن - بالقروءِ. أو الأَشهر أو الحمل (1) - فأمسكوهن - بالمراجعة إلى عصمتكم - بمعروف، من غير إضرار بهن، إن رغبتم أن تستمر الحياة الزوجية بينكم.
والمعروف: هو أن تقوموا بما يجب عليكم لهن من حسن العشرة والنفقة، وحسن المعاملة كما أمركم الله. أو سرحوهن بمعروف إن كرهتم البقاءَ معهن، وذلك بان تتركوهن
(1) راجع تفسر الآية: 228 من البقرة، والآية: 4 من الطلاق.
حتى تنقضي عدتهنن مع أداء جميع حقوقهن المالية، من غير مشاحة ولا تجريح، على حد قوله تعالى:{وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} (1).
{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً الِّتَعْتَدُوا} :
أي ولا تمسكوهن بالرجعة، مضارة لهن، لتعتدوا عليهن، بإلجائهن إلى الافتداء، أو تطويل عدتهن، حَبْسًا لهن عن الزواج من غيركم.
روى مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها، ولا حاجة له بها، ولا يريد إمساكها، كما يطوِّل بذلك العدة عليها، وليضارها. فأَنزل الله تعالى:
{وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً لِّتَعْتَدُوا} :
وأخرج بن جرير وغيره عن السدي: أن رجلًا من الأَنصار يُدعى: ثابت بن يسار، طلق زوجته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر: يضارها. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والنهي هنا، تأكيد للأمر قبله بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه، من تطويل عدتها على نحو ما بينه سبب النزول.
فلا يحل له أن يراجع إلا إذا كان قد اعتزم العدل وأَراده. فإن تعذر قيام الحياة الزوجية، فلا يسوغ له أن يستأنفها: معاندة للزوجة، وعداوة لها. فإن ذلك اعتداءٌ وظلم، ولهذا قال:
{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} :
أي ومن يفعل ذلك الإمساك المؤدي للضرار - اعتداءً وظلمًا في موطن الرحمة - فقد ظلم نفسه: بتعريضها لعذاب الله.
أما قوله تعالى:
(1) الأحزاب: 49
فهو تأكيد آخر، أي ولا تتخذوا آيات الله مهزوًّا بها: بمخالفتها وعدم تنفيذها، لعدم مبالاتكم بحقوق النساء، بل جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها من أحكام وتشريعات.
وقيل: معنى اتخاذها هزوًا: إدعاءُ العبث والهزل، وعدم الجد فيما يقولون من عبارات ذات أحكام شرعية: كالطلاق، والرجعة، والعتق.
روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جدَدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة".
وعن أبي عمرة، وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال:"كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت، ويعتق ثم يقول: لعبت. فنزلت". والآية على هذا عامة في جميع الأحكام.
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} :
أي واذكروا نعمة الله عليكم: بالإسلام والتزويج وجميع النعم. واذكروا كذلك ما أنزل عليكم من آيات الكتاب الحكيم، المنزل على رسولكم، المبين لما يسعدكم من الشرائع والأحكام. واذكروا أيضًا: ما أنزل عليكم من حكمة الرسول، وسنته التي بين بيها آيات الله وتشريعاته.
{يَعِظُكُم بِهِ} :
أي اذكروا ما أنزله عليكم من الكتاب والحكمة، والحال أنه يعظكم ويذكركم به: لتعملوا بمقتضاه.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} :
فلا يخفى عليه شيءٌ مما تأتون وما تذرون، فيؤَاخذكم بما تعملون: من خير أو شر. ولا شك أن معرفة المسلم ذلك، توجب عليه الالتزام بأوامر الله، واجتناب ما نهى الله عنه، ليكون بذلك في وقاية من عذاب ربه: العليم بكل شيء.
ثم أردف ذلك بمخاطبة أولياء الأُمور أو المؤمنين جميعًا فقال: