الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعليكم أن تطيعوه، ولا تعصوه .. وإن تظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أمام الناس، فلا تبالوا بإظهاره أو تخفوه عنهم تقية أو أنفة، فإن الله تعالى يعلمه ويجازيكم به، فإنه يعلم السر، كما يعلم العلن.
(فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):
أي فيغفر بفضله لمن يشاءُ أن يغفر له، ويعذب بعدله من يشاءُ أن يعذبه، والله على كل شيء قدير. ومن كان كذلك فهو قادر على حساب أهل العصيان، ومنح الغفران لمن يشاءُ، وحرمانه من يشاءُ، لا راد لفضله وعدله.
الأحكام
دلت الآية على أن الله - تعالى - عالم بما يعمله عباده. من أعمال: ظاهرة، أو مستورة عن العيون، أو مضمرة في القلوب، وأنه يحاسبهم عليها. فكل ذلك داخل تحت قوله تعالى:(إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ).
كما دلت الآية على أنه تعالى يغفر لمن يشاء من المؤمنين، ويعذب من يشاء من المذنبين.
ومن الأعمال القلبية التي يحاسب الله عليها: النفاق: بالإيمان، وبالعمل، وسوء الظن بالمسلمين، والحقد والحسد ونحو ذلك. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان ويحاسب عليه الوساوس، وحديث النفس، لأن ذلك ليس في وسع الإنسان اجتنابه، والله تعالى يقول:"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"(1).
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت بها نفسها، ما لم تتكلم، أو تعمل".
بل إن المؤمن لو تجاوز حديث النفس إلى الهَمِّ بالمعصية، ثم عدل عن فعلها فلا تكتب عليه. وفي ذلك يروي الشيخان (2)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله
(1) البقرة: من الآية الأخيرة.
(2)
واللفظ لمسلم.
عليه وسلم -: "قال الله: إذا هَمَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها، فاكتبوها سيئة، وإذا هَمَّ عبدي بحسنة فلم يعملها، فاكتبوها حسنة، فإن عملها، فاكتبوها عشرًا".
وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على السيئات القلبية: كالحقد، والحسد، والنفاق. كما تقدم.
المفردات:
(وَمَلَائِكَتِهِ): الملائكة، أجسام نورانية قادرة على التشكل، خلقوا للطاعة: لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤْمَرون.
(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ): أحد؛ همزته أصلية. وهو اسم يطلق على الواحد والمثنى والجمع، مذكرًا كان أو مؤنثًا. ولذا صح دخول: بين، عليه، كأنه قيل بينهم. ومنه ما في قوله تعالى:
"فَمَا مِنكُم مِّن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ"(1).
التفسير
285 -
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
…
} الآية.
قال الزجاج: لما ذكر اله تعالى عز وجل في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والطلاق والحيض، والإيلاء، والجهاد، وقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والدَّيْن والربا، ختمها بهذا تعظيمًا لنبيه وأتباعه، وتأكيدًا وجمعًا لما ذكر من قبل
…
اهـ بتصرف يسير.
(1) الحاقة: الآية 47.
والمعنى: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه - في هذه السورة وغيرها - إجمالًا وتفصيلًا، وآمن المؤمنون به كذلك.
والفرق بين الإيمانين، أن إيمان الرسول مبني على المشاهدة والوحي، وإيمان المؤمنين ناشيءٌ عن الحجة والبرهان.
(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ):
هذه الجملة مستأنفة لتقرير الإيمان المذكور وتفصيله، أي كل من النبي وأفراد المؤمنين، صدَّق بالله وما يتصف به من كل كمال، وما يتنزه عنه من كل نقص، وصدق بملائكته وطهارتهم من المعاصي، وأنهم منفذون لأوامر الله تعالى، وأن بعضهم سُفَراءُ بينه تعالى وبين رسله الأكرمين، وآمن بكتبه التي أنزلها على رسله متعبدًا بها عباده، وآمن برسله من حيث إنهم مبلغون لكتبه وشرائعه إلى خلقه.
(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ):
أي كُلٌّ آمن قائلاً: لا نفرق بين رسله. فلا نقول: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعل أهل التوراة والإنجيل، بل نُؤْمِنُ بهم جميعًا، فهم رسل الله إلى خلقه، فمن كفر بأحدهم، فهو كافر بهم جميعًا، فلا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا.
(وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ):
جملة: قالوا سمعنا
…
إلخ معطوفة على (آمَنَ)، وهذه الجملة من الآية، حكاية لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم. والمراد من سمعهم: إجابتهم وامتثالهم. والمراد من إطاعتهم: قبولهم ما كلفوه - طواعية واختيارًا - دون إكراه.
ولما كان المكلف لا يخلو من تقصير قالوا: غفرانك ربنا لما قصرنا فيه. ثم ختموا كلامهم بالاعتراف بالبعث بعد الموت، فقالوا: وإليك المصير والانتهاءُ: لا إلى غيرك.
المفردات:
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا): التكليف، الأمر بما يشق. والوسع: الطاقة.
(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ): الكسب والاكتساب. بمعنى واحد: وهو التحصيل.
(نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا): المراد من النسيان، ترك الواجبات، ومن الخطأ: فعل المنهيات.
(وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا): الإصر؛ معناه - هنا - العبءُ الثقيل، مأخوذ من أصره يَأصِرُه أي حبسه، والمراد به: التكاليف الشاقة.
(مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ): ما لا قدرة لنا على تحمله من العقوبات.
التفسير
286 -
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
…
} الآية.
هذه جملة مستأنفة: بيَّن فيها الله سبحانه وتعالى يُسْرَ التكاليف على عباده، فقد ذكرها سبحانه بعد تلقي عباده لتكاليفه بالطاعة والقبول.
والمعنى: أنه تعالى، جرت سنته: ألا يكلف نفسًا من النفوس، إلا ما تطيقه وتتسع له قدرتها. بل هو في الحقيقة دون وسعها وطاقتها. فالصلاة: كلفنا منها خمسًا في اليوم والليلة، والطاقة تتسع لأكثر منها.
والصيام: كلفنا منه شهر رمضان، والطاقة البشرية تتسع لأكثر منه. وهكذا. وإذا كانت سنته - تعالى - ألا يكلفنا إلا ما نطيقه، فإن ذلك يدل على أنه لا ي4كلف بالمحال: فضلا منه وكرم، وحكمة ورحمة.
(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ):
بعد أن بين الله - تعالى - أن تكاليفه دائمًا في وسعنا، وبقدر طاقتنا، عقب ذلك ببيان أن فعلها، تعود منفعته على فاعليها، وأن تركها تعود مضرته على تاركيها دون غيرهم، ترغيبًا للمكلفين في المحافظة عليها، وتحذيرًا لهم من الإخلال بها، أن للنفس ثواب ما كسبت من الطاعات، وعليها عقاب ما اكتسبت من المعاصي.
وعبر بالكسب مع الطاعة، والاكتساب مع المعصية، من باب التلوين في نمط الكلام، كما في قوله تعالى:"فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا"(1).
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا):
شروع في بقية دعوات العباد، بعد أن تخللها بيان أن الله لا يكلفهم إلا بما يطيقون.
والمعنى: هذا الدعاء من إرشاد الله بعباده، فهو على تقدير الأمر منه - سبحانه - كما نقله أبو حيان في البحر، عن الحسن:
أي: قولوا في دعائكم: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا):
وظاهر الآية يفيد: أن من ترك واجبًا، أو فَعَلَ محرمًا، نسيانًا، أو خطأً، أي جهلاً بالحكم الشرعي، يؤَاخذ عليه، ولهذا يعلمنا الله - تعالى - أن ندعوه ألا يؤَاخذنا على ذلك، ولكن هذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(2).
كما أننا لو أُوخذنا بما نسينا أو أخطأنا، لكنا مكلفين وقت النسيان أو الخطأ، وذلك لا يصح، لأنه تكليف بما ليس في وسعنا، والله تعالى يقول:
(1) الطارق: 17.
(2)
أخرجه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، والطبراني، واللفظ للأخيرين.
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا): والمخرج من هذا، أن يفسر النسيان بالترك عمدًا، فهو من معانيه اللغوية.
ومنه قول الشاعر:
ولم أك عند الجود للجود قاليا
…
ولا كنت يوم الروع للطاغين ناسيا
ويفسر الخطأُ بفعل أو ترك الصواب من الواجبات - أو المنهيات - كسلا أو غواية، أو انحرافًا، فإن فسر بذلك، استقام الدعاء بعدم المؤاخذة عليهما.
وقال الزمخشري: ذُكِر الخطأُ والنسيان. والمراد ما هما سببان عنه من التفريط والإغفال. اهـ.
ومقتضى هذا: أن الذي يعرف عن نفسه النسيان يجب عليه أن يحتاط بما يُذَكِّرُهُ، وإلا كان آثمًا. وكذا المخطيء إذا لم يجتهد في تجنب الخطأ بسؤال أهل العلم.
(رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا):
أي ربنا ولا تحمل علينا عبئا ثقيلا، كما حملته على الذين من قبلنا.
والمقصود منه - كما قال ابن زيد - الذنب الذي ليس له توبة ولا كفارة.
وقيل: هو ما كلفه الله بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة، أو في القصاص، لأنه كان لا يجوز غيره في شريعتهم، وقطع موضع النجاسة من الثوب ونحوه، وصرف ربح مال الزكاة. وما إلى ذلك.
(رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ):
يعلمنا الله بذلك: أن نستعفيه من العقوبات التي لا تطاق، بعد أن علمنا الاستعفاء مما يؤدي إليها.
ويجوز أن يكون المراد مما لا طاقة لنا به من المحن والبلايا، التي لا نطيق تحملها، كالأمراض الجسدية والنفسية، والعسر بعد اليسر، والمشكلات التي لا نجد لها حلاً ونحو ذلك.
(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا):
أي وامح آثار ذنوبنا بترك عقوبتنا عليها، واغفر لنا بستر القبيح، وإظهار الجميل، وتعطف علينا بكرمك وفضلك، رحمة منك.
قال أبو حيان: ولم يأت في هذه الجمل الثلاث بلفظ: ربنا، لأنها نتائج الجمل التي تقدمت، فجاء:(وَاعْفُ عَنَّا) مقابل: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا). وجاءَ (وَاغْفِرْ لَنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا). وجاء (وَارْحَمْنَا) مقابل: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ). إلى آخر ما قال.
(أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ):
أي أنت مالكنا وسيدنا ومتولى أُمورنا. وإذ كنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين الذين يريدون المكروه بنا، فمن كنت مولاء لا يضام.
روى عن معاذ بن جبل: أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال (آمين).
قال ابن عطية: هذا يظن أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد، من حيث أن هنالك دعاء وهنا دعاء، فحسن.
وقال على بن أبي طالب كَرَّم الله وجهه: ما أظن أن أحدًا عقل وأدرك الإسلام، ينام حتى يقرأهما.
وروى مسلم في هذا المعنى، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه".
قيل: مَعْناه كفتاه من قيام الليل. كما روى عن ابن عمر. وقيل: كفتاه من شر الشيطان، فلا يكون له عليه سلطان، كما روى عن حذيفة بن اليمان.
والله أعلم.