الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأَتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال .. لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وفي تلك الليلة التي اتخذ في يومها برلمان مكة قراره ذالك قامت فصيلة تمثل جميع قبائل قريش بتطويق بيت النبي صلى الله عليه وسلم بغية تنفيذ المؤامرة الفظيعة التي تستهدف حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، الذي كان (فعلًا) موجودًا في منزله ساعة تطويقه بالفتيان المسلحين الذين أوكل إليهم القيام بقتله.
فشل المؤامرة ونجاح الهجرة:
وهكذا وقف الكفر على باب الإيمان ليطفئ شعلته إلى الأبد وليحرم العالم من موجات نوره الساطعة التي أخذت تتدفق لتضئ جنبات العالم المتوحلة في ظلمات الجهل والكفر والظلم والانحراف.
ووقف قادة الشرك مع جندهم الذين أحاطوا بمنزل الرسول صلى الله عليه وسلم، ليشهدوا تنفيذ أبشع مؤامره دنيئة عرفها التاريخ من لدن آدم.
ووقف أبو جهل بالذات وقفة الزهو والخيلاء، وكأنه قد ضمن نجاح المؤامرة .. وقف مخاطبًا عصابته المحاصره للمنزل النبوي قائلا (في سخرية واستهزاء):
"إن محمدًا يزعم إنكم إن تابعتموه على أَمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان (الأردن)، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها".
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، وظل قادة مكة وجنودهم متيقظين في انتظار ساعة الصفر، ليفتكوا بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولكن الله غالب على أَمره.
فقد فشلت تلك المؤامرة الرهيبة، حيث نجَّى الله من شرها رسوله صلى الله عليه وسلم الذي خرج على المتآمرين وهم ينظرون إليه ولا يبصرون. خرج عليهم واخترق صفوفهم وفي يده حفنة من التراب ذرها على رؤوسهم المشحونة بالكفر والطغيان، ذرها وهو يتلو قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} (2).
وقبل حلول ساعة الصفر بقليل: تجلت للكفر خيبة أمله، وظهرت للطغيان انهيار خططه، وعصفت رياح الحسرة بنفوس المتآمرين حينما آتاهم رجل ممن لم يكن معهم، وهم واقفون بباب منزل الرسول صلى الله عليه وسلم ينتظرون دنو ساعة الصفر، فقال لهم: ما تنتظرون؟ ؟ .
قالوا .. محمدًا .. قال .. خيبكم الله
…
قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأْسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ .. فوضع كل رجل منهم يده على رأْسه فإذا عليه تراب.
ولكنهم كانوا على يقين بأن النبي صلى الله عليه وسلم داخل المنزل، ولهذا فقد تزاحموا على باب منزل الرسول يتطلعون من شقوقه، فيرون عليا رضي الله عنه (3) علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيظنونه
(1) الأنفال: 30.
(2)
يس: 9.
(3)
روى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بعزم قريش على ألفتك به قال لعلي بن أبي طالب .. نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر، =
رسول الله، فيقولون والله أن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فيظلون نهبًا للشك والتردد لا يقدمون على عمل حاسم (1)، حتى طلع عليهم الصباح، وإذا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ينهض من فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا تبين لهم صدق ما قاله لهم ذلك الرجل الذي أخبرهم بخروج النبي عليهم من منزله.
وهنا تأَكد لكفار مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أفلت (فعلًا) من قبضتهم فجن جنون الشرك لهذا الفشل الذريع الذي انتهت إليه مؤامراتهم الخبيثة.
ك يف نجحت الهجرة
ك ان النبي صلى الله عليه وسلم قد اتصل بصاحبه الأكبر (أَبى بكر الصديق) ليتفقا على خطة يغادران بموجبها مكة إلى المدينة، وذلك بعد أن تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القرار الغاشم الذي اتخذه برلمان مكة ضده.
فقد ذهب صلى الله عليه وسلم إلى بيت الصديق لهذا الغرض، ولما كانت عملية الهجرة (بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم) تعد مغامرة خطيرة فقد أحيطت بالكتمان الشديد ، حتى إِن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إِلى منزل صاحبه الصديق للتشاور معه في وضع الخطة، طلب مسند أن يأْمر كل من عنده بالخروج لئلا يتسرب شيء مما يدور بينهما حول هذا الموضوع الخطير.
= فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.
(1)
لقد حاول المحاصرون لمنزل الرسول التسور لقتله داخل المنزل فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض، والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، فذاك الذي جعلهم يؤجلون تنفيذ قتل الرسول حتى أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طمست أبصارهم فلم يروه حين خرج. هكذا جاء في الروض الأنف للسهيلي.
قال ابن إسحاق فيما رواه عن عائشة رضي الله عنها أَنها قالت .. كان لا يخطيء رسہول الله صلى الله عليه وسلم أَن يأْتي بيت أَبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإِما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أَذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أَتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، في ساعة كان لا يأَتى فيها، قالت .. فلما رآه أَبو بكر قال .. ما جاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأَمر حدث ، قالت .. فلما دخل، تأْخر له أَبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبي بكر إلا أَنا وأُختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أخرج عني من عندك، فقال
…
يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أَبي وأُمي.
فقال صلى الله عليه وسلم .. إن الله قد أَذن لي في الخروج والهجرة، قالت .. فقال أَبو بكر:
الصحبة يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم .. الصحبة.
قالت عائشة .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم إن أَحدًا يبكى من الفرح، حتى رأَيت أَبا بكر يبكي يومئذ ثم قال
…
يا نبي الله، أَن هاتين راحلتان قد كنت أَعددتهما لهذا، فاستأَجرا عبد الله بن أَرقط - رجلا من بنى الدؤل بن بكر وكان مشركًا - يدلهما علي الطريق فدفعًا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما (1).
ك يف خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة
وفي تلك الليلة التاريخية التي كانت بداية التحول الخطير في تاريخ الإسلام، بل الإنسانية كلها، وبينما كانت قريش (بزعمائها
(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 484.