المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل: فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال - منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس

[عبد اللطيف آل الشيخ]

الفصل: ‌ ‌فصل: فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال

‌فصل:

فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب:

حقيقة الشرك: هو تشبيه المخلوق بالخالق عز وجل، وهذا هو التشبيه فى الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته فأركسه بنسبة الأمر وجعل التوحيد تشبيهاً، والتشبيه تعظيماً وطاعة. فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية؛ فإن من خصائص الألهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعلق الدّعاء والخوف والرّجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره شبيها لمن الأمر كله له، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع؛ بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والانابة والتوكل والاستعانة

ص: 285

وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده. ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له وذلك أقبح التشبيه وأبطله؛ ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.

ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الاصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم فازدادوا بذلك نوراً على نورهم يهدي الله لنوره من يشاء.

إذا عرفت هذا عرفت أن من خصائص الإلهية: السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما فى جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس الى إطرائه فى المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد شبه نفسه بالله ونازعه ربوبيته وإلهيته وهو حقيق بأن يهنيه الله عز وجل غاية الهوان ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال:"يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منهما عذبته". وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم"، وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة

ص: 286

فليخلقوا شعيرة" فنبه بالذرة الصغيرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر.

والمقصود أن هذا حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؛ ولذلك يغضب الله على من يتشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنّ أخنع الأسماء عند الله تعالى شاهان شاه، ملك الملوك، لا ملك إلا الله تعالى". وفي لفظ: "أغيظ رجل علي الله تعالى رجل تسمى بملك الاملاك" فهذا مقت الله تعالى وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له. وهو سبحانه وتعالى ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذى يحكم علي الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم لا غيره.

ص: 287