الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَنْ أَنْ تَكُونَ ذُنُوبًا، وَتَجْعَلُهَا مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي إِنْ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَعَامَّةُ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَنْبًا مُحَقَّقًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَسَوَابِقِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ الذَّنْبَ الْمُحَقَّقَ يَرْتَفِعُ عِقَابُهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
مِنْهَا (1) : التَّوْبَةُ الْمَاحِيَةُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِمَامِيَّةِ (2) أَنَّهُمْ تَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُمْ.
وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلذُّنُوبِ ; فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سُورَةُ النِّسَاءِ 3] وَمِنْهَا: الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ.
وَمِنْهَا: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَشَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ، فَمَا مِنْ سَبَبٍ يَسْقُطُ بِهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ (3) إِلَّا وَالصَّحَابَةُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَهُمْ أَحَقُّ بِكُلِّ مَدْحٍ، وَنَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ.
[قاعدة جامعة " لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ]
[الكلام فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ]
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قَاعِدَةً جَامِعَةً فِي هَذَا الْبَابِ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ فَنَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزَيْئَاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِلَّا فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ [فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ](4) .
(1) و: أَحَدُهَا.
(2)
و: عَنْ أَئِمَّتِهِمْ.
(3)
مِنَ الْأُمَّةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(4)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
فَنَقُولُ: النَّاسُ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ وَعَدَمِ تَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ أُصُولًا جَامِعَةً نَافِعَةً.
الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَعْرِفَ بِاجْتِهَادِهِ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا نِزَاعٌ؟ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَاجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْحَقِّ، بَلْ قَالَ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَقَّ (1) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: هَلْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ أَمْ لَا؟ .
هَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ; كُلُّ قَوْلِ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ النُّظَّارِ.
الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلًا يُعْرَفُ بِهِ، يُمْكِنُ كُلَّ مَنِ اجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ أَوْ فُرُوعِيَّةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لَا لِعَجْزِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: وَهُوَ قَوْلٌ (2) طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ.
ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: أَمَّا الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ فَعَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُعْرَفُ بِهَا، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَيَأْثَمُ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَهُمْ فِيهَا مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالْعِلْمِيَّةِ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ آثِمٌ. وَهَؤُلَاءِ
(1) الْحَقَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(2)
ن، م: وَقَوْلُ.
الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَفَرْعِيَّةٍ، وَكُلُّ مَنْ سِوَى الْمُصِيبِ فَهُوَ آثِمٌ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَالْخَطَأُ وَالْإِثْمُ عِنْدَهُمْ مُتَلَازِمَانِ. وَهَذَا قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ (1) إِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَهُ آثِمٌ مُخْطِئٌ كَالْعِلْمِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ فِي الْبَاطِنِ، وَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ وَافَقُوا الْأَوَّلِينَ فِي أَنَّ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَانِ (2) ، وَأَنَّ كُلَّ مُخْطِئٍ آثِمٌ، لَكِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا قَاطِعٌ.
وَالظَّنُّ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَيْلِ النُّفُوسِ إِلَى شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ. فَجَعَلُوا الِاعْتِقَادَاتِ الظَّنِّيَّةَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ [حُكْمٌ مَطْلُوبٌ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا ثَمَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ](3) أَمَارَةٌ أَرْجَحُ مِنْ أَمَارَةٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ كَالْجِبَائِيِّ وَابْنِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَشْهَرُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا كَثِيرًا [فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ](4) .
(1) ح، م: الْعِلْمِيَّةَ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(2)
ن، م، و: يَتَلَازَمَانِ.
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ن، (م) .
(4)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، يَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ (1) الِاجْتِهَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَهُوَ مُصِيبٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ (2) عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ اللَّهِ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخْطِئًا وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فَهُوَ آثِمٌ عِنْدَهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُسْتَدِلَّ قَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ، وَقَدْ يَعْجِزُ (3) عَنْ ذَلِكَ، لَكِنْ إِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ لَا يُعَاقِبُهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: قَدْ عُلِمَ بِالسَّمْعِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُخْتَلِفُونَ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِيَّاتِ، فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: لَا عَذَابَ فِيهَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ (4) الشَّارِعَ عَفَا عَنِ الْخَطَأِ فِيهَا، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى
(1) ن، م: الْفُرُوعِيَّةِ.
(2)
أ، ب: إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ.
(3)
ن، م: وَهُوَ يَعْجِزُ.
(4)
ن، م: أ،: إِنَّ.
الْمُخْطِئِ فِيهَا. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ (1) الْخَطَأَ فِي الظَّنِّيَّاتِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ. وَأَمَّا الْقَطْعِيَّاتُ فَأَكْثَرُهُمْ يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ فِيهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ السَّمْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَثِّمُهُ. وَالْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ (2) هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ: لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ. وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ.
وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ: هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ، لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا لَا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ (3) ، وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ. وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ.
وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ: إِنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّةٍ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ
(1) ن، م: إِنَّ.
(2)
و: الْقَنْبُرِيِّ، وَهُوَ خَطَأٌ، انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 7/7 - 8 وَفِيهِ: مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
(3)
سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطَّابِيَّةِ 1/62
مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ. وَانْتَقَلَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى أَقْوَامٍ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا غَوْرَهُ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ (1) فِي الْإِسْلَامِ، لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ، بَلْ وَلَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ عَقْلًا ; فَإِنَّ الْمُفَرِّقِينَ (2) بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ مَسَائِلَ أُصُولٍ وَمَسَائِلَ فُرُوعٍ لَمْ يُفَرِّقُوا (3) بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ صَحِيحٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ أَوْ أَرْبَعَةً كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَسَائِلُ الْأُصُولِ هِيَ الْعِلْمِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ فَقَطْ، وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ هِيَ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعَمَلُ.
قَالُوا: وَهَذَا فَرْقٌ (4) بَاطِلٌ ; فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ فِيهَا مَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، مِثْلَ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ. وَفِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَا لَا يَأْثَمُ الْمُتَنَازِعُونَ فِيهِ، كَتَنَازُعِ الصَّحَابَةِ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَمْ لَا؟ وَمَا أَرَادَ بِمَعْنَاهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ: هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْقُرْآنِ
(1) ح: كَمَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ، ب: كَمَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ، أ: كَمَا أَنَّهُ مُحْدَثَةٌ.
(2)
ن، م، ر، ح، ي: فَإِنَّ الْفَرْقَ.
(3)
و: لَمْ يُفَصِّلُوا.
(4)
ن، م: الْفَرْقُ.
وَالسُّنَّةِ: هَلْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَذَا وَكَذَا؟ وَكَتَنَازُعِ النَّاسِ فِي دَقِيقِ الْكَلَامِ: كَمَسْأَلَةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْفِيرٌ وَلَا تَفْسِيقٌ.
قَالُوا: وَالْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ فِيهَا عِلْمٌ وَعَمَلٌ؛ فَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ مَغْفُورًا فِيهَا (1) ، فَالَّتِي فِيهَا عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ فِيهَا مَغْفُورًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَالْفَرْعِيَّةُ (2) مَا لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.
قَالَ أُولَئِكَ: وَهَذَا الْفَرْقُ خَطَأٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهَا، وَغَيْرُهُمْ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَفِيهَا مَا هُوَ قَطْعِيٌّ بِالْإِجْمَاعِ، كَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ، ثُمَّ لَوْ أَنْكَرَهَا الرَّجُلُ بِجَهْلٍ وَتَأْوِيلٍ لَمْ يَكْفُرْ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، كَمَا أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَحَلُّوا شُرْبَ (3) الْخَمْرِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، مِنْهُمْ قُدَامَةُ، وَرَأَوْا أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُمُ الصَّحَابَةُ حَتَّى بَيَّنُوا لَهُمْ خَطَأَهُمْ فَتَابُوا وَرَجَعُوا.
وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَائِفَةٌ أَكَلُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ (4) لَهُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يُؤَثِّمْهُمْ (5) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ قَطْعِيٌّ.
وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ قَتَلَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، وَكَانَ خَطَؤُهُ قَطْعِيًّا.
(1) فِيهَا سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
ن، م، و، ي، أ: وَالْفُرُوعِيَّةُ.
(3)
شُرْبَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4)
أ، ر، ح، ب، ي، و: تَبَيَّنَ.
(5)
ن، م: ثُمَّ لَمْ يُؤَثِّمْهُمُ.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ وَجَدُوا رَجُلًا فِي غَنَمٍ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ، كَانَ خَطَؤُهُمْ قَطْعِيًّا. وَكَذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمَّا قَتَلَ بَنِي جُذَيْمَةَ وَأَخَذَ (1) أَمْوَالَهُمْ كَانَ مُخْطِئًا قَطْعًا. وَكَذَلِكَ الَّذِينَ تَيَمَّمُوا إِلَى الْآبَاطِ. وَعَمَّارُ الَّذِي تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ لِلْجَنَابَةِ [كَمَا تَمَعَّكُ الدَّابَّةُ، بَلْ وَالَّذِينَ أَصَابَتْهُمْ جَنَابَةٌ فَلَمْ يَتَيَمَّمُوا وَلَمْ يُصَلُّوا](2) كَانُوا مُخْطِئِينَ قَطْعًا.
وَفِي زَمَانِنَا لَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا وُجُوبَ الْحَجِّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، لَمْ يُحَدُّوا عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَوْ نَشَأُوا بِمَكَانِ جَهْلٍ.
وَقَدْ زَنَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ امْرَأَةٌ فَلَمَّا أَقَرَّتْ بِهِ، قَالَ عُثْمَانُ (3) : إِنَّهَا لَتَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ (4) أَنَّهُ حَرَامٌ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ التَّحْرِيمَ لَمْ يَحُدُّوهَا. وَاسْتِحْلَالُ الزِّنَا خَطَأٌ قَطْعًا.
وَالرَّجُلُ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ، فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَضَاءِ نِزَاعٌ. وَكَذَلِكَ مَنِ اعْتَقَدَ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
(1) و: وَأَكَلَ.
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) .
(3)
ن، م: قَالَ عُمَرُ.
(4)
ح، ب: مَنْ لَا يَعْلَمُ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 286] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ (1) . وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْخَطَأِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ (2) ، بَلْ لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ إِلَّا إِذَا كَانَ (3) أَخْطَأَ قَطْعًا.
قَالُوا: فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُخْطِئَ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ (4) يَأْثَمُ، فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ. قَالُوا: وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ أَمْرٌ (5) إِضَافِيٌّ بِحَسْبِ حَالِ الْمُعْتَقِدِينَ، لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لِلْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ ; فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْطَعُ بِأَشْيَاءَ عَلِمَهَا بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالنَّقْلِ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ عِنْدَهُ، وَغَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ ذَكِيًّا قَوِيَّ الذِّهْنِ سَرِيعَ الْإِدْرَاكِ عِلْمًا وَظَنًّا (6) فَيَعْرِفُ مِنَ الْحَقِّ وَيَقْطَعُ بِهِ مَا لَا يَتَصَوَّرُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا؛ فَالْقَطْعُ وَالظَّنُّ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ.
وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً لَيْسَ هُوَ صِفَةً مُلَازِمَةً لِلْقَوْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، حَتَّى يُقَالَ: كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ قَدْ خَالَفَ الْقَطْعِيَّ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِحَالِ النَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَقِدِ، وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِفَرْقٍ ثَالِثٍ، وَقَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ الْمَعْلُومَةُ
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/320
(2)
ح، ب: الْقَطْعِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ وَالظَّنِّيِّ.
(3)
كَانَ: زِيَادَةً فِي (أ) ، (ب) .
(4)
أَوْ ظَنِّيَّةٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (أ) ، (ي) .
(5)
و: فَرْقٌ.
(6)
عِلْمًا وَظَنًّا: زِيَادَةٌ فِي (و) .
بِالْعَقْلِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ (1) اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِدَرَكِهَا (2)، فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ مُخَالِفُهَا. وَالْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ هِيَ الْمَعْلُومَةُ بِالشَّرْعِ. قَالُوا: فَالْأَوَّلُ كَمَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، وَالثَّانِي كَمَسَائِلِ الشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ النَّارِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِالضِّدِّ أَوْلَى ; فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ (3) أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ (4) . فَالْكَافِرُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَافِرًا، وَالْفَاسِقُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَاسِقًا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْمُسْلِمَ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُؤْمِنًا وَمُسْلِمًا، وَالْعَدْلُ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَدْلًا، وَالْمَعْصُومُ الدَّمِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ، وَالسَّعِيدُ فِي الْآخِرَةِ مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالشَّقِيُّ فِيهَا مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ أَنَّهُ شَقِيٌّ فِيهَا، وَالْوَاجِبُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِمِيرَاثِ الْمَيِّتِ مَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَارِثِينَ، وَالَّذِي يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (5) مُبَاحَ الدَّمِ بِذَلِكَ، [وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْفَيْءِ وَالْخُمُسِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ](6) ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ (* مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ
(1) أ: عَقْلِيَّةٍ.
(2)
ن: اشْتَغَلَ الْعَقْلُ بِذِكْرِهَا، اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهَا.
(3)
ن: وَالْفُسُوقَ.
(4)
ن: الَّتِي يَشْتَغِلُ الْعَقْلُ بِهَا، ر، ح، ي: الَّتِي تَسْتَقِلُّ بِالْعَقْلِ، م: الَّتِي يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ.
(5)
وَرَسُولُهُ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
وَرَسُولُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ *) (1) وَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ فَمِثْلُ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، مِثْلَ كَوْنِ هَذَا الْمَرَضِ يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ الْفُلَانِيُّ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يُعْلَمُ (2) بِالتَّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ وَتَقْلِيدِ الْأَطِبَّاءِ الَّذِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ بِقِيَاسٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ. وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هَذَا مِمَّا (3) يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ أَوِ اخْتِلَافِهَا، وَجَوَازِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَامْتِنَاعِ بَقَائِهَا ; فَهَذِهِ وَنَحْوُهَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْنُ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا وَعَدْلًا وَفَاسِقًا هُوَ مِنَ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ لَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَيْسَ كَافِرًا، وَمَنْ خَالَفَ مَا ادَّعَى غَيْرُهُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِعَقْلِهِ كَافِرًا؟ وَهَلْ يَكْفُرُ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ فِي مَسَائِلِ الْحِسَابِ وَالطِّبِّ وَدَقِيقِ الْكَلَامِ؟ .
فَإِنْ قِيلَ: هَؤُلَاءِ لَا يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ خَالَفَ مَسْأَلَةً عَقْلِيَّةً، لَكِنْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَ الْمَسَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الرَّسُولِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا (4) :[عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ](5) ، فَإِذَا أَخْطَأَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ فَيَكُونُ كَافِرًا.
(1) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ح) .
(2)
ن: يُعْرَفُ.
(3)
ن: هُوَ مِمَّا.
(4)
عَلَيْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) ، (ي) .
(5)
عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ: فِي (ح) ، (ر) ، (ي) ، (م) فَقَطْ.
قِيلَ: تَصْدِيقُ الرَّسُولِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، بَلْ مَا جَعَلَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: إِنَّهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ يُعْلَمَ (1) أَنَّ الْأَجْسَامَ مُحْدَثَةٌ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْعِلْمِ (2) بِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنَ الْحَوَادِثِ: إِمَّا الْأَعْرَاضُ مُطْلَقًا، وَإِمَّا الْأَكْوَانُ (3) ، وَإِمَّا الْحَرَكَاتُ، وَلَا يُعْلَمُ حُدُوثُهَا (4) حَتَّى يُعْلَمَ امْتِنَاعُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الرَّبَّ غَنِيٌّ، وَلَا يُعْلَمَ غِنَاهُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَزْعُمُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّهَا أُصُولٌ لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِدُونِهَا، هِيَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ إِيمَانَ النَّاسِ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا، بَلْ وَلَا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، وَلَا ذُكِرَتْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْأُصُولَ الَّتِي بِهَا يُعْلَمُ (5) صِدْقُ الرَّسُولِ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ، كَمَا قَدْ بُيِّنَ (6) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا أُصُولًا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِهَا، وَأَنَّ مَعْرِفَتَهَا شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ، أَوْ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ هُمْ مِنْ أَهْلِ
(1) ح، أ، ر، ي: وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ نَعْلَمَ.
(2)
بِالْعِلْمِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3)
ن، م، ب: الْأَلْوَانُ.
(4)
ح: وَلَا نَعْلَمُ حَدَثَهَا.
(5)
ر، ح، ي: الَّتِي نَعْلَمُ بِهَا.
(6)
ن: تَبَيَّنَ.
الْبِدَعِ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ أُصُولَهُمْ بِدْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ. لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَأَمَّا الْحُذَّاقُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ، مُبْتَدَعَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّهَا تُنَاقِضُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ، كُفْرًا (1) ، فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ هَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعَقْلِ الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ هُمُ الْكُفَّارُ لَا مَنْ خَالَفَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا، فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ، بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ مُكَفِّرًا لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ، كَمَا لَمْ تُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ، مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا، وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ.
وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِالتَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ، وَالتَّأْثِيمِ وَنَفْيِهِ (2) ، وَالتَّكْفِيرِ وَنَفْيِهِ، لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ قَادِرًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَيُعَذَّبُ كُلُّ مَنْ
(1) ن: أُصُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
(2)
وَنَفْيِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
لَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، بَلِ اللَّهُ يُعَذِّبُ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، فَيُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَنْبًا قَطُّ، وَيُنَعِّمُ مَنْ كَفَرَ وَفَسَقَ، وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ الْأَطْفَالَ وَالْمَجَانِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَنْبًا قَطُّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْزِمُ بِعَذَابِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا يَقَعُ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَغْفِرَ لِأَفْسَقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، وَيُعَذِّبَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ عَلَى السَّيِّئَةِ الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، بَلْ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
وَأَصْلُ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي كُلِّ حَادِثٍ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ، وَطَوَائِفُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: أَصْلُ الْإِحْدَاثِ وَالْإِبْدَاعِ كَانَ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ خَلَقَ أَسْبَابًا وَحِكَمًا عَلَّقَ الْحَوَادِثَ بِهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ الْجَبْرِيَّةُ فِي الظُّلْمِ. فَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: الظُّلْمُ فِي حَقِّهِ هُوَ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا وَقَعَ، وَقِيلَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّهُ يُعَذِّبُ الْعَاصِيَ، كَانَ هَذَا ظُلْمًا كَظُلْمِنَا، وَسَمَّوْا أَنْفُسَهُمُ الْعَدْلِيَّةَ. وَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الظُّلْمُ فِي حَقِّهِ هُوَ مَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ، فَأَمَّا كُلُّ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ ; فَإِنَّ الظُّلْمَ إِمَّا مُخَالَفَةُ أَمْرِ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ، وَإِمَّا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ
إِذْنِهِ؛ فَالْإِنْسَانُ يُوصَفُ بِالظُّلْمِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ (1) يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَالرَّبُّ تَعَالَى لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ، وَلَا لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، بَلْ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ، فَكُلُّ مَا يُمْكِنُ فَلَيْسَ بِظُلْمٍ؛ بَلْ إِذَا نَعَّمَ فِرْعَوْنَ وَأَبَا جَهْلٍ وَأَمْثَالَهُمَا مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ، وَعَذَّبَ مُوسَى وَمُحَمَّدًا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ فَهُوَ مِثْلُ الْعَكْسِ، الْجَمِيعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ. وَلَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ يُنَعِّمُ الْمُطِيعِينَ وَأَنَّهُ يُعَذِّبُ الْعُصَاةَ صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ لِخَبَرِهِ الصَّادِقِ، لَا لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ. وَالْأَعْمَالُ عَلَامَاتٌ عَلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، لَيْسَتْ أَسْبَابًا.
فَهَذَا قَوْلُ جَهْمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ وَافَقَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَتْبَاعِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا جَوَّزَ هَؤُلَاءِ أَنْ يُعَذِّبَ الْعَاجِزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَلَوِ اجْتَهَدَ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَسْبَابٌ لِلْحَوَادِثِ وَلَا حِكَمٌ، وَلَا فِي الْأَفْعَالِ صِفَاتٌ لِأَجْلِهَا كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا وَمَنْهِيًّا عَنْهَا، بَلْ عِنْدَهُمْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ (لَامُ كَيْ) .
وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَيُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيعَةً فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ فِي مَوَاضِعَ، وَذَكَرْنَا فَصْلًا فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ، لَمَّا تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا نَسَبَهُ هَذَا الرَّافِضِيُّ إِلَى جَمِيعِ (2) أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْإِمَامَةِ وَالتَّفْضِيلِ، بَلْ مِنَ الشِّيعَةِ مَنْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا وَبِهَذَا.
(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(2)
جَمِيعِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَصْوِيبِ الْمُتَنَازِعِينَ: مُصِيبِينَ أَوْ مُخْطِئِينَ، مُثَابِينَ أَوْ مُعَاقَبِينَ، مُؤْمِنِينَ أَوْ كُفَّارًا - هُوَ فَرْعٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنِ اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ إِلَّا مَنْ تَرَكَ مَأْمُورًا بِهِ (1) أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ (2) الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ وَافَقُوا فِيهِ السَّلَفَ وَالْجُمْهُورَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَاجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى الشَّيْءِ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِيهِ، بَلِ اسْتِطَاعَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ.
وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ (3) : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَخُصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ حَتَّى آمَنُوا، وَلَا خَصَّ الْمُطِيعِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْعُصَاةِ حَتَّى أَطَاعُوا.
وَهَذَا مِنْ أَقْوَالِ (4) الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمُ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ، وَالْعَقْلَ الصَّرِيحَ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلِهَذَا قَالُوا: إِنْ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ فَمَعَهُ قُدْرَةٌ تَامَّةٌ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ.
(1) بِهِ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(2)
ن، م: وَهَذَا مِنْ قَوْلِ.
(3)
يَقُولُونَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب)، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَجْعَلُونَ.
(4)
ن، م: مِنْ قَوْلِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ (1) فَكُلُّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ بَعْضُهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا، وَبَعْضُهُمْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَغْلَطُ، فَيَظُنُّ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ أَنَّهَا جِهَتُهَا، وَلَا يَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ. لَكِنْ هُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ إِلَيْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فَعَجْزُهُ عَنِ الْعِلْمِ بِهَا كَعَجْزِهِ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا [كَالْمُقَيَّدِ وَالْخَائِفِ وَالْمَحْبُوسِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا](2) .
وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَنْ عَصَاهُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ أَوْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ، بِخِلَافِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْسِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 15] وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فِي نَفْيِ الْعَذَابِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَهُمْ يُجَوِّزُونَ التَّعْذِيبَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِ رَسُولًا لِأَنَّهُ فَعَلَ الْقَبَائِحَ الْعَقْلِيَّةَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِيحًا قَطُّ كَالْأَطْفَالِ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ أَيْضًا. قَالَ تَعَالَى:
(1) فِي السَّفَرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ 15] وَقَالَ تَعَالَى عَنِ النَّارِ: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [سُورَةُ الْمُلْكِ 8 - 9] . فَقَدْ أَخْبَرَ سبحانه وتعالى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ أَنَّهُ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمُ الْخَزَنَةُ: هَلْ جَاءَهُمْ (1) نَذِيرٌ فَيَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ فَلَمْ يَبْقَ فَوْجٌ يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ.
وَقَالَ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [سُورَةُ ص: 85] فَقَدْ أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَمْلَؤُهَا مِنْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَإِنَّمَا أَتْبَاعُهُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ ذَنْبًا لَمْ يُطِعْهُ، فَلَا يَكُونُ مِمَّنْ تُمْلَأُ (2) بِهِ النَّارُ، وَإِذَا مُلِئَتْ بِأَتْبَاعِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا مَوْضِعٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ "(3) أَيْ تَقُولُ: حَسْبِي
(1) ن، م: جَاءَكُمْ.
(2)
ن، ر، ح، و، ي: تَمْتَلِئُ.
(3)
الْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهما فِي الْبُخَارِيِّ 6/138 كِتَابُ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ ق، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وَعَنْ أَنَسٍ فِيهِ 8/134 - 135 كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَابُ الْحَلِفِ بِعَزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَمَالِهِ، وَعَنْهُ أَيْضًا 9/116 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ 9/134 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وَجَاءَ الْحَدِيثُ أَيْضًا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنهم 4/2186 - 2188 كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةُ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، بَابُ النَّارِ يَدْخُلُهَا الْجَبَّارُونَ، وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ط. الْمَعَارِفِ 17/13 - 14 ط. الْحَلَبِيِّ 2/507
حَسْبِي. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فُضُولَ الْجَنَّةِ.» (1) . هَكَذَا رُوِيَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ غَلَطٌ قَالَ فِيهِ:" «وَأَمَّا النَّارُ فَيَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ» "(2) وَالْبُخَارِيُّ رَوَاهُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ عَلَى الصَّوَابِ لِيُبَيِّنَ غَلَطَ هَذَا الرَّاوِي، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ غَلَطٌ فِي لَفْظٍ، ذَكَرَ أَلْفَاظَ سَائِرِ الرُّوَاةِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الصَّوَابُ، وَمَا عَلِمْتُ وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ إِلَّا
(1) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَلَفَظُهُ: (وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا) فِي الْبُخَارِيِّ 6/138 - 139 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ ; مُسْلِمٍ 4/2186 - 2187 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ. وَفِي مُسْلِمٍ 6/2188 عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: (يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ) وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه رِوَايَةٌ أُخْرَى جَاءَ فِيهَا: (وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ) وَهِيَ فِي الْبُخَارِيِّ 9/117 الْمَوْضِعُ السَّابِقُ وَفِي مُسْلِمٍ 4/2188 (الْمَوْضِعُ السَّابِقُ) .
(2)
لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي الْبُخَارِيِّ مَعَ طُولِ الْبَحْثِ وَلَكِنِّي وَجَدْتُ حَدِيثًا فِيهِ 9/134 كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:(إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَفِيهِ: (وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا: قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثًا، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيَرُدُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ) وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ فَتْحِ الْبَارِي 13/436 - 437: وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ خَلْقًا، وَأَمَّا النَّارُ فَيَضَعُ فِيهَا قَدَمَهُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ خَلْقًا إِلَّا هَذَا. انْتَهَى، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ هَذَا الْوَضْعَ مَقْلُوبٌ، وَجَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ غَلَطٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ إِبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَكَذَا أَنْكَرَ الرِّوَايَةَ شَيْخُنَا الْبَلْقِينِيُّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ:(وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ثُمَّ قَالَ: وَحَمْلُهُ عَلَى أَحْجَارٍ تُلْقَى فِي النَّارِ أَقْرَبُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ذِي رُوحٍ يُعَذَّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ 11/434: جَزَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، صَوَابُهُ:(يُنْشِئُ لِلْجَنَّةِ) كَمَا تَقَدَّمَ بِرَقْمِ 4850 حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وَكَمَا فِي رَقْمِ 7384 حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:(وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، فَتَبَيَّنَ مِنْهُمَا أَنَّ الرَّاوِيَ هُنَا سَبَقَ لَفْظُهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى النَّارِ، وَيُسَمُّونَهُ فِي مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ الْمُنْقَلِبَ. وَوَجَدْتُ كَلَامَ ابْنِ الْقَيِّمِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ فِي كِتَابِهِ حَادِي الْأَرْوَاحِ إِلَى بِلَادِ الْأَفْرَاحِ ص 385 ط. الْمَدَنِيِّ 1398
وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ (1) الصَّوَابَ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي صَحِيحِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ غَلَطٌ، أَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنِ الْحُفَّاظِ عَلَى مُسْلِمٍ. وَالْبُخَارِيُّ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ تَخْرِيجَ أَحَادِيثَ، لَكِنَّ الصَّوَابَ فِيهَا مَعَ الْبُخَارِيِّ، وَالَّذِي أُنْكِرَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَحَادِيثُ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَأَمَّا سَائِرُ مُتُونِهِمَا فَمِمَّا اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَصْدِيقِهَا وَتَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ لَا يَسْتَرِيبُونَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ - ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 130 - 131]
(1) ر، ح: فِيهَا.
فَقَدْ خَاطَبَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَاعْتَرَفَ الْمُخَاطَبُونَ بِأَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلٌ يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُنْذِرُونَهُمْ لِقَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَالَ:{ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} أَيْ هَذَا بِهَذَا السَّبَبِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ غَافِلًا مَا لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، فَكَيْفَ الطِّفْلُ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ؟ .
وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الظُّلْمُ هُوَ الْمُمْتَنِعَ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِظُلْمٍ، بَلْ كَيْفَمَا أَهْلَكَهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظُلْمٍ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ الْجَبْرِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 59] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [سُورَةُ هُودٍ: 117] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [سُورَةُ طه 112] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الظُّلْمُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَالْهَضْمُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عُقُوبَتَهُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ظُلْمًا وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 286] وَقَوْلِهِ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 164]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:{لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ - مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [سُورَةُ ق 28 - 29] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ
بِالْوَعِيدِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (1)، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ - وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [سُورَةُ هُودٍ: 100 - 101] فَهُوَ سُبْحَانَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ظُلْمِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِشِرْكِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ تَكُونُ عُقُوبَتُهُ ظُلْمًا تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ - لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ - وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [سُورَةُ الزُّخْرُفِ 74 - 76] .
وَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ: إِنْ كَانَ هُوَ الْمُمْتَنِعَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا؟ وَهَلْ أَحَدٌ يَخَافُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ؟ وَأَيُّ تَنْزِيهٍ فِي هَذَا؟ وَإِذَا قِيلَ: هُوَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قِيلَ: هَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَأَيُّ مَدْحٍ فِي هَذَا مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَنِ الْعَالَمِينَ؟ (2) .
(* فَعُلِمَ أَنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ مَا هُوَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يُحْمَدُ وَيُثْنَى عَلَيْهِ ; فَإِنَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ يَقَعُ بِالْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، كَعَامَّةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْحَمْدِ، وَالشُّكْرُ أَخَصُّ
(1) لِلْعَبِيدِ كَذَا فِي (ن) ، (م)، (ي) : وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَهُمْ.
(2)
ح، ر: عَنِ الْعَالَمِينَ الظَّالِمِينَ و، أ: عَنِ الظَّالِمِينَ.
مِنْ ذَلِكَ، يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ، وَالْمَدْحُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؛ وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ فَإِنَّهُ تَنْزِيهٌ وَتَعْظِيمٌ، فَإِذَا سَبَّحَ بِحَمْدِهِ جَمَعَ لَهُ (1) بَيْنَ هَذَا وَهَذَا كَمَا قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَمَعْنَى التَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ *) (2) .
وَقَدْ قَالَ سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 26] فَالِاتِّخَاذُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَنْهُ. فَعُلِمَ أَنَّ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَالْجَبْرِيَّةُ (3) عِنْدَهُمْ لَا يُنَزَّهُ عَنْ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُ (4)، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ فِيهِ:" «فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ. ثُمَّ يُقَالُ: لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا بِطَاقَةً؛ فَتُوضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، فَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ» "(5) فَقَوْلُهُ: ( «لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ» ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُجَازَ بِتِلْكَ
(1) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (م) ، (ر) ، (ح) ، (ي) .
(2)
مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ جَاءَ فِي (ر) ، (ح) ، (ي) فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ.
(3)
ر، ح: وَالْجَبْرِيِّينَ.
(4)
وَغَيْرُهُ: زِيَادَةٌ فِي (و) .
(5)
الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/133 - 134 كِتَابِ الْإِيمَانِ بَابُ فِيمَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ رِوَايَتَيْنِ: رَقْمِ 2776، 2777 وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ الْأُولَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1437 كِتَابُ الزُّهْدِ، بَابُ مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُسْنَدُ ط. الْمَعَارِفِ 11/197 - 200، 12/23 - 24 مُخْتَصَرًا، الْمُسْتَدْرَكُ لِلْحَاكِمِ 1/529 وَقَالَ الْحَاكِمُ:(هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ) وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ:(إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا. . الْحَدِيثَ.)
الْحَسَنَاتِ وَتُوزَنْ حَسَنَاتُهُ مَعَ سَيِّئَاتِهِ، كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا يُقَدَّسُ (1) اللَّهُ عَنْهُ ; فَإِنَّهُ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 49] فَهَلْ يُقَالُ: هَذَا النَّفْيُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَعَ أَحَدٍ مَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ أَوْ لَا يَظْلِمُهُمْ شَيْئًا مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، بَلْ يُحْصِيهَا كُلَّهَا وَيُثِيبُهُمْ (2) عَلَيْهَا؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُثَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَلَا يُنْقَصُ شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَأَنَّ عُقُوبَتَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَبَخْسَ حَسَنَاتِهِ ظُلْمٌ يُنَزَّهُ (3) الرَّبُّ تبارك وتعالى عَنْهُ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: 35] وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [سُورَةُ ص: 28] . وَقَالَ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 21] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الْحُكْمِ السَّيِّئِ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ
(1) ن، م: تَقَدَّسَ.
(2)
و: يَحْصُرُهَا كُلَّهَا وَيُثِيبُهُ.
(3)
ن، م: تَنَزَّهَ.
فَقَدَ جَوَّزَ مُنْكَرًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; فَإِنَّ قَوْلَهُ: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: 35] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِاللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ. فَلَوْ كَانَ هَذَا وَضِدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً جَازَ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَهَذَا.
وَقَوْلُهُ: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 136] دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ سَيِّئٌ، وَالْحُكْمُ السَّيِّئُ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا. وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، فَقَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ الْحُكْمَ السَّيِّئَ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، بَلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ مِنَ الْعَدْلِ وَالْحُكْمِ الْحَسَنِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ سبحانه وتعالى.
وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ; فَإِذَا جَعَلَ النُّورَ كَالظُّلْمَةِ، [وَالْمُحْسِنَ كَالْمُسِيءِ](1) ، وَالْمُسْلِمَ كَالْمُجْرِمِ كَانَ هَذَا ظُلْمًا وَحُكْمًا سَيِّئًا يُقَدَّسُ وَيُنَزَّهُ عَنْهُ (2) سبحانه وتعالى.
وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 50] . وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَوْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حُكْمٌ حَسَنٌ وَحُكْمٌ غَيْرُ حَسَنٍ؛ بَلِ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ. فَكَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا؟ فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حَسَنٌ لَا أَحْسَنَ مِنْهُ؟ وَالْحُكْمُ الَّذِي يُخَالِفُهُ
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
ن، م: سَيِّئًا تَنَزَّهَ عَنْهُ.
سَيِّئٌ لَيْسَ بِحَسَنٍ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ لِحُكْمِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْحُسْنُ إِلَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ (1) الْأَمْرُ، أَوْ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ؛ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ فَائِدَةٌ، وَلَمْ يُقَسَّمَ الْحُكْمُ إِلَى حَسَنٍ وَأَحْسَنَ ; لِأَنَّ عِنْدَهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ الرَّبُّ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ حَسَنٌ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ حُكْمٌ يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 124](2) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَاسِبُ الرِّسَالَةَ، وَلَوْ كَانَ النَّاسُ مُسْتَوِينَ، وَالتَّخْصِيصُ بِلَا سَبَبٍ، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْعِلْمِ مَعْلُومٌ يَخْتَصُّ بِهِ مَحَلُّ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ - كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ - أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: 41 - 43]، وَقَالَ:{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [سُورَةُ الدُّخَانِ: 37] . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانُوا كُفَّارًا وَقَدْ عَذَّبْنَاهُمْ، فَالْكُفَّارُ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا لَيْسُوا خَيْرًا مِنْ أُولَئِكَ، بَلْ هُمْ مِثْلُهُمْ (3) اسْتَحَقُّوا مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا اسْتَحَقَّهُ أُولَئِكَ، وَلَوْ كَانُوا خَيْرًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَيُفَضِّلُ صَاحِبَ الْخَيْرِ فَلَا يُسَوِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ دُونَهُ.
(1) و: إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(2)
ن، م، و: رِسَالَاتِهِ.
(3)
و: بَلْ هُمْ مِنْهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 2] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: 4] ، وَالِاعْتِبَارُ أَنْ يَعْبُرَ مِنْهُمْ إِلَى أَمْثَالِهِمْ، فَيَعْرِفَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَمَا فَعَلُوا اسْتَحَقَّ كَمَا اسْتَحَقُّوا وَلَوْ كَانَ تَعَالَى قَدْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَقَدْ لَا يُسَوِّي، لَمْ يُمْكِنِ الِاعْتِبَارُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ (1) مِمَّا يُسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِبَارُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حُكْمِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ (2) ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِبَارِ.
وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكَلَامِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الِاعْتِبَارِ (3) يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ الرَّبَّ يَفْعَلُ هَذَا فِي حُكْمِهِ، فَإِذَا اعْتَبَرُوا بِهَا فِي أَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ لِدَلَالَةِ مُطْلَقِ الِاعْتِبَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلَّا اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُكْمِهِ الْخَلْقِيِّ الْكَوْنِيِّ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَهُوَ الَّذِي قُصِدَ بِالْآيَةِ فَدَلَالَتُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى؟ .
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الذَّنْبِ مُتَمَاثِلَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ،
(1) و: الْمَعْنَى.
(2)
و: الْمَعْنَى.
(3)
ح: لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ، ر: يَكُونُ الِاعْتِبَارُ.
بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَشْرَكْهُمَا فِي ذَلِكَ. وَإِذَا قِيلَ: هَذَا قَدْ عُلِمَ بِخَبَرِهِ. قِيلَ: هُوَ لَمْ يُخْبِرْ قَبْلُ بِهَذَا، بَلْ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ حُكْمُهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ سِوَاهُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَيْضًا فَالنُّصُوصُ قَدْ أَخْبَرَتْ بِالْمِيزَانِ بِالْقِسْطِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ إِذَا زِيدَ فِي السَّيِّئَاتِ أَوْ نَقَصَ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَانَ ظُلْمًا يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَزِنُ الْأَعْمَالَ بِالْقِسْطِ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ لَيْسَ قِسْطًا، بَلْ ظُلْمٌ (1) تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَا (2) عَدْلٌ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْمُوَازَنَةِ ; فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ التَّعْذِيبُ وَالتَّنْعِيمُ بِلَا قَانُونٍ عَدْلِيٍّ، بَلْ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْمُوَازَنَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 108] قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ: قَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ عَذَّبَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ. وَقَالَ آخَرُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُمْ بِلَا جُرْمٍ، فَسَمَّى هَذَا ظُلْمًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 42] وَقَوْلِهِ: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ 233]، وَقَوْلِهِ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}
(1) بَلْ ظُلْمٌ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بَلْ ظُلْمًا.
(2)
ح: هَذَا.
[سُورَةُ الطَّلَاقِ: 7]، وَأَمَرَ بِتَقْوَاهُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سُورَةُ التَّغَابُنِ: 16]، وَقَدْ دَعَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِمْ:{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 286] فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ (1) .
فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الْمُجَبِّرَةِ (2) وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ الْمُخْطِئَ وَالنَّاسِيَ، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إِمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ، كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ إِذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ الْبَتَّةَ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الْمُجَبِّرَةِ (3) ، وَهُوَ مُصِيبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ، لَكِنْ قَدْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ، خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ عَلِمَ الْحَقَّ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ؛ بَلْ كُلُّ مَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ.
وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ مَنْ بَلَغَتْهُ (4) دَعْوَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ، وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ، كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
(1) سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 4/320
(2)
و: الْجَبْرِيَّةِ.
(3)
و: الْجَبْرِيَّةِ.
(4)
مَنْ بَلَغَتْهُ: كَذَا فِي (ح) ، (ب)، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَنْ بَلَغَهُ.
وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ (1) الْإِسْلَامِ، لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَمْنُوعًا مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَكَمَا كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، بَلْ وَكَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عليه السلام مَعَ أَهْلِ مِصْرَ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا، وَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمْ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ.
قَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [سُورَةُ غَافِرٍ: 34] .
وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ هُوَ وَإِنْ كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى فَلَمْ يُطِعْهُ قَوْمُهُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ إِنَّمَا دَخَلَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ. وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ (2) يُصَلِّي عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ: خَرَجَ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَقَالَ:" «إِنَّ أَخًا لَكُمْ صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ مَاتَ» "(3) .
(1) ن: شَعَائِرِ.
(2)
ب فَقَطْ: أَحَدٌ.
(3)
حَدِيثُ نَعْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم النَّجَاشِيَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ صُفُوفًا رُوِيَ مِنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنهم فِي: الْبُخَارِيِّ 5/51 كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ. وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ 2/656 - 658 كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابٌ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَانْظُرْ: مِفْتَاحَ كُنُوزِ السُّنَّةِ، (النَّجَاشِيُّ) .
وَكَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرُهَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُهَاجِرْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَا حَجَّ الْبَيْتِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ قَوْمِهِ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتُهُمْ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ.
وَاللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ فِي الزِّنَا لِلْمُحْصَنِ بِحَدِّ الرَّجْمِ، وَفِي الدِّيَاتِ بِالْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالنَّجَاشِيُّ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ قَوْمَهُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَكَثِيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا - بَلْ وَإِمَامًا - وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنَ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ (1) ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُودِيَ وَأُوذِيَ عَلَى بَعْضِ مَا أَقَامَهُ مِنَ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ سُمَّ عَلَى ذَلِكَ.
(1) ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، وَفِي (و) عَنْ ذَلِكَ.
فَالنَّجَاشِيُّ وَأَمْثَالُهُ سُعَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْتَزِمُوا (1) مَعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْتِزَامِهِ، بَلْ كَانُوا يَحْكُمُونَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي يُمْكِنُهُمُ الْحُكْمُ بِهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] . وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ (2) ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَهَذَا مُرَادُ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ (3) هُوَ الْمُطَاعُ ; فَإِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْجَمْعِ لَمْ يُرَدْ بِهَا وَاحِدٌ، وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَثَلَاثِينَ مِنْ أَهْلِ (4) الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا (5) عَلَى دِينِ عِيسَى فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (6) .
(1) و: لَمْ يَلْزَمُوا.
(2)
و: وَفِي الصَّحَابَةِ.
(3)
ب: وَلَكِنْ.
(4)
أَهْلِ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) .
(5)
ب: وَكَانُوا.
(6)
انْظُرْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: الدُّرَّ الْمَنْثُورَ لِلسُّيُوطِيِّ 2/113؛ وَذَكَرَ مِنْ وُجُوهِ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَفِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ آمَنُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ وَصَدَّقُوا بِهِ. وَانْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ ط. الْمَعَارِفِ 7/496 - 500، زَادَ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ 1/532 - 533 وَذَكَرَ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ وُجُوهِ تَأْوِيلِ الْآيَةِ: فِي أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَثَلَاثِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قَالَهُ عَطَاءٌ. وَانْظُرْ: تَفْسِيرَ ابْنِ عَطِيَّةَ: الْمُحَرَّرُ الْوَجِيزُ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْأَنْدَلُسِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 546 هـ، تَحْقِيقُ الْمَجْلِسِ الْعِلْمِيِّ، فَاسَ الْمَغْرِبِ، 1397 1977 ص 327 - 328 وَانْظُرْ: تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ ط. الشَّعْبِ 2/168 - 169.
وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يُقَالُ فِيهِمْ:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهِجْرَتِهِمْ وَدُخُولِهِمْ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ الْمُجَاهِدِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا لَا يُقَالُ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا مُشْرِكِينَ: وَإِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ مَا بَقُوا يُسَمَّوْنَ مُشْرِكِينَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا بِالرَّسُولِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَقْتُولِ خَطَأً: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 92](1) فَهُوَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَلَكِنْ هُوَ كَانَ قَدْ آمَنَ وَمَا أَمْكَنَهُ الْهِجْرَةُ وَإِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَالْتِزَامُ شَرَائِعِهِ؛ فَسَمَّاهُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ فَعَلَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخْفُونَ
(1) فِي (ح)، (ب) : وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ إِلَى قَوْلِهِ: عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَهُوَ خَطَأٌ إِذْ أَنَّهُ يُخَالِفُ تَرْتِيبَ كَلِمَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
بِإِيمَانِهِمْ، وَهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ. قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا - إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا - فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} سُورَةُ النِّسَاءِ 97 - 99] فَعَذَرَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَضْعَفَ الْعَاجِزَ عَنِ الْهِجْرَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 75] فَأُولَئِكَ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ إِقَامَةِ دِينِهِمْ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ مَا عَجَزُوا عَنْهُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَآمَنَ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَآمَنَ؟ .
وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 92] قِيلَ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ لِبَاسُ أَهْلِ الْحَرْبِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ (1) فِي صَفِّهِمْ (2) فَيُعْذَرُ الْقَاتِلُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الدِّيَةُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
(1) ر، ح، ي، و: مِثْلَ مَنْ يَكُونُ.
(2)
ن، م: فِي صِفَتِهِمْ.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ. لَكِنَّ هَذَا قَدْ أَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَلَا يُعْطَى أَهْلُ الْحَرْبِ دِيَتُهُ (1) ، بَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ. وَسَوَاءٌ عُرِفَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَقُتِلَ خَطَأً، أَوْ ظُنَّ أَنَّهُ كَافِرٌ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٍ وَابْنِ زَيْدٍ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنَّهَا فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (2) .
فَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَعْدُودًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهُوَ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ أَرَادَ الْعُمُومَ، فَهُوَ كَالثَّانِي. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ مَنْ أَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ ابْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ ضَعِيفٌ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 199] .
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ ابْنَ سَلَامٍ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَقَالَ:" «فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَلِمْتُ (3) أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» "(4) .
(1) ح: دِيَةٌ، ي: الدِّيَةُ.
(2)
انْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 114
(3)
أ، ب: عَرَفْتُ.
(4)
الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/65 كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ بَابُ 15 وَنَصُّهُ: (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَعْنِي الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ فِي: سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/423 كِتَابُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، 2/1083 كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ، بَابُ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/340 - 341 كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، 2/275، كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ بَابٌ فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ، الْمُسْنَدُ (ط. الْحَلَبِيِّ 5/451) .
وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إِنَّمَا نَزَلَ ذِكْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيهَا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ.
وَثَانِيًا: أَنَّ ابْنَ سَلَامٍ وَأَمْثَالَهُ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَذَلِكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ (1) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أُجُورٌ مِثْلُ أُجُورِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، وَهُمْ مُلْتَزِمُونَ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ فَأَجْرُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ كَانَ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَشُكُّ فِيهِمْ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهِمْ؟ .
وَمَا هَذَا إِلَّا كَمَا يُقَالُ: الْإِسْلَامُ دَخَلَ فِيهِ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا وَمَنْ كَانَ كِتَابِيًّا. وَهَذَا مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِأَنَّهُ دِينٌ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إِمَّا مُشْرِكًا وَإِمَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِمَّا كِتَابِيًّا وَإِمَّا أُمِّيًّا، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا؟ .
(1) ب فَقَطْ: إِنَّ.
بِخِلَافِ أَمْرِ النَّجَّاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِمَّنْ كَانُوا مُتَظَاهِرِينَ بِكَثِيرٍ مِمَّا عَلَيْهِ النَّصَارَى ; فَإِنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ يَشْتَبِهُ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ (1) صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قَائِلٌ: نُصَلِّي عَلَى هَذَا الْعِلْجِ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. هَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَاشَرُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّجَاشِيِّ (2) .
وَهَذَا بِخِلَافِ ابْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ; فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ فِيهِمْ مُنَافِقٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا نَزَلَ (3) فِي حَقِّ ابْنِ أُبَيٍّ وَأَمْثَالِهِ، وَأَنَّ مَنْ هُوَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالنَّجَاشِيِّ.
(1) النَّجَاشِيُّ: زِيَادَةٌ فِي (ح)
(2)
ن، م: الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، وَانْظُرِ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ صَفَحَاتٍ ص 112
(3)
ر، ح، ي: كَمَا نَزَلَتْ.
[سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110 - 114] . وَهَذِهِ الْآيَةُ (1) قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ (2) . وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ نَمَطِ الَّذِي قَبْلَهُ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَا بَقُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُهَاجِرُونَ الْمُجَاهِدُونَ، كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 28] فَهُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
(1) الْآيَةُ: لَيْسَتْ فِي (م) ، (و) .
(2)
يَقُولُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الْمُؤْمِنُونَ الْمُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَخُوهُ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَهْ وَأَخُوهُ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِمَّنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَاتَّبَعُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ: يَعْنِي الْخَارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ اتِّبَاعَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالتَّصْدِيقَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ دِينِ النَّصَارَى اتِّبَاعَ مَا فِي الْإِنْجِيلِ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ وَبِمَا فِي التَّوْرَاةِ؛ وَكِلَا الْفِرْقَتَيْنِ أَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُكَذِّبَةٌ، فَذَلِكَ فِسْقُهُمْ وَخُرُوجُهُمْ عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِهِ، الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. وَيَقُولُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي زَادِ الْمَسِيرِ: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: مَنْ أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، يَعْنِي: الْكَافِرِينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:{وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] . وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] ثُمَّ قَالَ: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 110] ثُمَّ قَالَ: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 111] وَهَذَا عَائِدٌ إِلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ لَا إِلَى أَكْثَرِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 111] . وَقَدْ يُقَاتِلُونَ وَفِيهِمْ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، يَشْهَدُ الْقِتَالَ مَعَهُمْ وَلَا يُمْكِنُهُ الْهِجْرَةُ، وَهُوَ مُكْرَهٌ عَلَى الْقِتَالِ، وَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «يَغْزُو جَيْشٌ هَذَا الْبَيْتَ، فَبَيْنَمَا هُمْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ إِذْ خُسِفَ بِهِمْ ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِيهِمُ الْمُكْرَهُ؟ فَقَالَ:" يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» "(1) .
(1) جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي: الْبُخَارِيِّ 2/149 كِتَابُ الْحَجِّ بَابُ هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَجَاءَ مُطَوَّلًا عَنْهَا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/65 - 66 كِتَابُ الْبُيُوعِ، بَابُ مَا ذُكِرَ مَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَنَصُّهُ:(يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ؛ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ:(يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) وَرَوَى النَّسَائِيُّ الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ 5/162 - 163 كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ حُرْمَةِ الْحَرَمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مُخْتَصَرًا مِنْ طَرِيقَيْنِ وَعَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَخَصَّصَ ابْنُ مَاجَهْ بَابًا فِي سُنَنِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ 2/1350 - 1351 كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْأَلْفَاظِ عَنْ حَفْصَةَ وَصَفِيَّةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهن، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَعَلَّ فِيهِمُ الْمُكْرَهُ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ. وَالْحَدِيثُ عَنْهَا رضي الله عنها فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) . 6/318
وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَإِنْ قُتِلَ (1) وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَى الْكُفَّارِ، فَاللَّهُ يَبْعَثُهُ عَلَى نِيَّتِهِ. كَمَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنَّا يُحْكَمُ لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ (2) وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، فَالْجَزَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ (3) .
وَلِهَذَا رُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ مُكْرَهًا. قَالَ: " أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَرِيرَتُكَ فَإِلَى اللَّهِ» " (4) .
وَبِالْجُمْلَةِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَقَدْ آمَنَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ الْهِجْرَةِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ مَا يَعْجِزُ عَنْهَا، بَلِ الْوُجُوبُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ حُكْمَهُ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مُدَّةً لَمْ يُصَلِّ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَدَاءِ
(1) ن، م، و، أ: قُوتِلَ.
(2)
ن: بِالظَّاهِرِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، ح: فِي الظَّاهِرِ بِالْإِسْلَامِ.
(3)
ن، م: الظَّاهِرِ.
(4)
لَمْ أَجِدِ الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ ط. الْمَعَارِفِ 5/105 - 106 حَدِيثًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما جَاءَ فِيهِ أَنَّ أَبَا الْيُسْرِ بْنَ عَمْرٍو أَسَرَ الْعَبَّاسَ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا عَبَّاسُ افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ، وَقَالَ (الْعَبَّاسُ) : إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ، إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا،. . . الْحَدِيثَ، قَالَ أَحْمَد شَاكِر رحمه الله:" إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ".
الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَشَرِبَهَا لَمْ يُحَدَّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ (1) .
وَكَذَلِكَ لَوْ عَامَلَ بِمَا يَسْتَحِلُّهُ مِنْ رِبًا أَوْ مَيْسِرٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ: هَلْ يُفْسَخُ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ كَمَا لَا يَفْسَخُهُ (2) لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ نِكَاحًا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِبَعْضِ شُرُوطِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ فِي عِدَّةٍ وَقَدِ انْقَضَتْ، فَهَلْ يَكُونُ هَذَا فَاسِدًا أَوْ يُقَرُّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ.
وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الشَّرَائِعَ هَلْ تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا؟ أَمْ لَا تَلْزَمُ أَحَدًا (3) إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّرَائِعِ النَّاسِخَةِ وَالْمُبْتَدَأَةِ؟ هَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، هِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُطْلَقَيْنِ فِي كِتَابٍ لَهُ، وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ الْوَجْهَ الْمُفَرِّقَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ النَّاسِخُ (4) ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا بِثُبُوتِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِوُجُوبِهَا، أَوْ صَلَّى (5) فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالنَّهْيِ، هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟
(1) ب فَقَطْ: الصَّلَوَاتُ.
(2)
ب فَقَطْ: نَفْسَخُهُ.
(3)
أَحَدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) .
(4)
ح، ر: حَتَّى يَبْلُغَهُ النَّسْخُ.
(5)
ن، م: وَصَلَّى.
فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا لَمْ يَعْلَمْ وَجُوبَهُ (1) .
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الْحَبْلُ (2) الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ (3) ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْقَضَاءِ (4) .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْكُثُ جُنُبًا مُدَّةً لَا يُصَلِّي، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، كَأَبِي ذَرٍّ، وَكَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمَّارٍ
(1) ن، م: مَا لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِهِ.
(2)
أ، ب، م: الْخَيْطُ.
(3)
أ، ب، م: مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.
(4)
الْحَدِيثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنهما فِي: الْبُخَارِيِّ 6/26 كِتَابُ التَّفْسِيرِ بَابُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) مُسْلِمٌ 2/766 - 767 كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ عَنْ عَدِيٍّ فِي مُسْلِمٍ: قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 187] قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ) وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/408 كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ وَقْتِ السُّحُورِ، سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 2/5 - 6 (كِتَابُ الصَّوْمِ بَابُ مَتَى يُمْسِكُ الْمُتَسَحِّرُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) .
لَمَّا أَجْنَبَا، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ (1) .
وَلَا شَكَّ أَنَّ خَلْقًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ وَالْبَوَادِي صَارُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى بَلَغَهُمُ النَّسْخُ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَهَذَا يُطَابِقُ الْأَصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. فَالْوُجُوبُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ؛ وَالْعُقُوبَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ.
(1) ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ 5/153 - 155 حَدِيثًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ فِيهِ: فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ؟ فَقَالَ. . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ) كَمَا ذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ وَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ، فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ وَتَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ) الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ 1/71 كِتَابُ التَّيَمُّمِ، بَابُ الْمُتَيَمِّمِ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟)