المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل الكلام على محبة الله تعالى] - منهاج السنة النبوية - جـ ٥

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي كلام الرافضي على فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[الكلام على حَدِيثُ الْكِسَاءِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ كلام الرافضي عن قوله تعالي فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ الْخَامِسُ نسب الرافضي حديثا موضوعا إلى الإمام أحمد أن علي هو الوصي والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ السَّادِسُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ السَّابِعُ حديث موضوع آخر يذكره الرافضي في فضائل علي والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّامِنُ حديث آخر صحيح يذكره الرافضي قال لعلي أنت مني وأنا منك والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ التَّاسِعُ تابع كلام الرافضي عن فضائل علي وقول عمرو بن ميمون والرد عليه]

- ‌[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ كلام الرافضي عن فضائل علي وكلام أَخْطَبُ خَوَارِزْمَ والرد عليه]

- ‌[قول الرافضي " المطاعن في الصحابة كثيرة إلا آل البيت " والرد عليه]

- ‌[قاعدة جامعة " لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ يَرُدُّ إِلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتِ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ]

- ‌[الكلام فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ]

- ‌[فَصْلٌ كَلَامُ الذَّامِّ لِلْخُلَفَاءِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ هُوَ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَعْرَاضِ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى]

- ‌[زعم الرافضة أن إِجْمَاعَهم هُوَ إِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ وَأن إِجْمَاعُ الْعِتْرَةِ مَعْصُومٌ]

- ‌[الحق لا يخرج عن أهل السنة]

- ‌[إجماع الصحابة يغني عن دعوى أي إجماع آخر]

- ‌[أَهْلُ الْكِتَابِ مَعَهُمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ]

- ‌[أقوال الرافضة التي انْفَرَدُوا بِهِا عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ]

- ‌[الأقوال التي انفردت بها الطوائف الْمُنْتَسِبة إِلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ]

- ‌[الحق دائما مع السنة والآثار الصحيحة]

- ‌[فَصْلٌ اللَّهَ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَسَبَّهُمُ الرَّافِضَةُ]

- ‌[التعليق على كلام بعض الصوفية الذي يتضمن الاتحاد والحلول ووحدة الوجود]

- ‌[الكلام على رؤية الله تعالى]

- ‌[فَصْلٌ الكلام على محبة الله تعالى]

- ‌[الكلام عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ]

- ‌[الرد على أهل النظر وأهل الرياضة]

- ‌[مناقشة ابن المطهر على كلامه عن مثالب أبي بكر في زعمه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه عند الاحتضار والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على عدم خروج أبي بكر وعمر مع جيش أسامة والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوله أبدا والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه أنه قطع يسار سارق والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر أنه أحرق الفجاءة السلمي بالنار والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي أن أبا بكر خفي َلَيْهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على علم علي رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على فضائل علي رضي الله عنه والتعليق عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر أنه أَهْمَلَ حُدُودَ اللَّهِ فَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ والرد عليه]

الفصل: ‌[فصل الكلام على محبة الله تعالى]

حَوْلَ الْعَرْشِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، وَتِلْكَ الشَّيَاطِينُ حَوْلَهُ، وَقَدْ جَرَى هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ.

[فَصْلٌ الكلام على محبة الله تعالى]

(فَصْلٌ)

وَقَدِ اعْتَرَفَ طَوَائِفُ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ، وَأَنْكَرُوا أَنَّهُ يُحِبُّ غَيْرَهُ إِلَّا بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ أَمْرٌ مَوْجُودٌ فِي الْقُلُوبِ (1) وَالْفِطَرِ، شَهِدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاسْتَفَاضَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ الصَّفْوَةِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ.

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْتِذَاذَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ لَذَّةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَهُوَ الزِّيَادَةُ» "(2) .

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ: " «أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» (3) ".

(1) ن: الْقَلْبِ.

(2)

سَبَقَ الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 3/166

(3)

سَبَقَ الْحَدِيثُ وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى 2/114 - 115، 3/166 - 167

ص: 388

فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ» " يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ فِي الْجَنَّةِ، وَالْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا يَجِدُ فِي قَلْبِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَذِكْرِ مَحَامِدِهِ، وَآلَائِهِ، وَعِبَادَتِهِ، مِنَ اللَّذَّةِ مَا لَا يَجِدُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ.

وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» "(1)، وَكَانَ يَقُولُ:" «أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ» "(2) وَفِي الْحَدِيثِ: " «إِذَا مَرَرْتُمْ

(1) هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَنَصُّهُ: " حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ "، وَهُوَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/58 - 60 (كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ، بَابُ حُبِّ النِّسَاءِ)، وَأَوَّلُهُ:" حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا. . الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/128 - 119 - 285 وَأَضَافَ السُّيُوطِيُّ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ وَفِي السُّنَنِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ " 3/87 وَقَالَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى " مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ " لِلتِّبْرِيزِيِّ 2/669 (ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ دِمَشْقَ 1381 1961) : " وَقَدِ اشْتَهَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ " ثَلَاثٌ " وَلَا أَصْلَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ، بَلْ هِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى ". وَانْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ وَعَنِ الزِّيَادَةِ فِي " جَامِعِ الرَّسَائِلِ " 2/118 - 119

(2)

ح، ر، وَ: أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ. وَالْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي سُنَنِ دَاوُدَ 4/406 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ) وَنَصُّهُ: عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ - قَالَ مِسْعَرٌ: أَرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ -: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا ". وَالْحَدِيثُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/364 ثُمَّ جَاءَ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بَعْدَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنَصُّهُ: عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إِلَى صِهْرٍ لَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِهِ: يَا جَارِيَةُ ائْتُونِي بِوَضُوءٍ لَعَلِّي أُصَلِّي فَأَسْتَرِيحَ، قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ ". وَالْحَدِيثُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/371 وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ " 1/393 وَفِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 6/284

ص: 389

بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ". قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " مَجَالِسُ الذِّكْرِ» " (1) . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ: "«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» " (2) ; فَإِنَّ هَذَا كَانَ أَعْظَمَ مَجَالِسِ الذِّكْرِ.

وَالْمُنْكِرُونَ لِرُؤْيَتِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ تُنْكِرُ هَذِهِ اللَّذَّةَ، وَقَدْ يُفَسِّرُهَا مَنْ يَتَأَوَّلُ (3) الرُّؤْيَةَ بِمَزِيدِ الْعِلْمِ عَلَى لَذَّةِ الْعِلْمِ بِهِ، كَاللَّذَّةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا بِذِكْرِهِ، لَكِنْ تِلْكَ أَكْمَلُ.

وَهَذَا قَوْلُ مُتَصَوِّفَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَالنُّفَاةِ، كَالْفَارَابِي، وَكَأَبِي حَامِدٍ، وَأَمْثَالِهِ، فَإِنَّ مَا فِي كُتُبِهِ مِنَ " الْإِحْيَاءِ " وَغَيْرِهِ مِنْ لَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى (4) ، [وَالْفَلَاسِفَةُ تُثْبِتُ اللَّذَّةَ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ

(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/194 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابٌ مِنْهُ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ) وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 3/150

(2)

الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ رضي الله عنه فِي الْبُخَارِيِّ 2/61 (كِتَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، بَابُ فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ)، وَهُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 3/23 (كِتَابُ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ، بَابٌ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى. . .) وَزَادَ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي 8/121 (كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابٌ فِي الْحَوْضِ) 9/105 (كِتَابُ الِاعْتِصَامِ، بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. .) ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 5/376 - 377 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ) ، وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ.

(3)

ن: مَنْ يُنْكِرُ.

(4)

يَتَكَلَّمُ الْغَزَالِيُّ عَلَى لَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي " الْإِحْيَاءِ " 14/62 - 76 فَيَقُولُ: 14 " 62 اعْلَمْ أَنَّ اللَّذَّاتِ تَابِعَةٌ لِلْإِدْرَاكَاتِ "، وَيُفَصِّلُ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ، ثُمَّ يَقُولُ 14/64:" وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعِلْمَ لَذِيذٌ، وَأَنَّ أَلَذَّ الْعُلُومِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَدْبِيرِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ مِنْ مُنْتَهَى عَرْشِهِ إِلَى تُخُومِ الْأَرَضِينَ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ لَذَّةَ الْمَعْرِفَةِ أَقْوَى مِنْ سَائِرِ اللَّذَّاتِ أَعْنِي لَذَّةَ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ. إِلَخْ ثُمَّ يَقُولُ 14/70: " اعْلَمْ أَنَّ الْمُدْرَكَاتِ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَدْخُلُ فِي الْخَيَالِ. . . وَإِلَى مَا لَا يَدْخُلُ فِي الْخَيَالِ، كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِجِسْمٍ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا. . إِلَى أَنْ يَقُولَ 14/71 " وَوَافَى اسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ وَقْتٌ مُبْهَمٌ. .، لِأَنَّ فِيهِ يَتَجَلَّى الْحَقُّ سبحانه وتعالى، فَيَتَجَلَّى لَهُ تَجَلِّيًا يَكُونُ انْكِشَافُ تَجَلِّيهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا عَلِمَهُ كَانْكِشَافِ تَجَلِّي الْمِرْآةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَخَيَّلَهُ، وَهَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ وَالتَّجَلِّي هِيَ الَّتِي تُسَمَّى رُؤْيَةٌ. . ".

ص: 390

وَأَمْثَالُهُ (1) مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يُثْبِتُ الرُّؤْيَةَ لِلَّهِ، وَيُفَسِّرُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى] (2) .

وَهَذِهِ اللَّذَّةُ أَيْضًا ثَابِتَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَكِنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ فِي تَحْقِيقِهَا، وَإِثْبَاتِ غَيْرِهَا مِنْ لَذَّاتِ الْآخِرَةِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَأَمَّا أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَنَحْوُهُمَا فَيُنْكِرُونَ أَنْ يَلْتَذَّ أَحَدٌ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ (3) مَعَ النَّظَرِ إِلَيْهِ لَذَّةٌ بِبَعْضِ

(1) م: الْفَارَابِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ وَأَمْثَالِهِ، وَيَقُولُ الدُّكْتُورُ إِبْرَاهِيمُ مَدْكُور فِي كِتَابِهِ " فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ: مَنْهَجٌ وَتَطْبِيقٌ ص 35 - 36 ط. عِيسَى الْحَلَبِيِّ 1367 - 1947 " لَعَلَّ أَخَصَّ خَصَائِصِ النَّظَرِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ الَّتِي قَالَ بِهَا الْفَارَابِيُّ إِنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى أَسَاسٍ عَقْلِيٍّ فَلَيْسَ تَصَوُّفُهُ بِالتَّصَوُّفِ الرُّوحِيِّ الْبَحْتِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى مُحَارَبَةِ الْجِسْمِ وَالْبُعْدِ عَنِ اللَّذَائِذِ لِتَطْهُرَ النَّفْسُ وَتَرْقَى فِي مَدَارِجِ الْكَمَالِ، بَلْ هُوَ تَصَوُّفٌ نَظَرِيٌّ يَعْتَمِدُ عَلَى الدِّرَاسَةِ وَالتَّأَمُّلِ. . إِلَخْ "، وَيَقُولُ الْفَارَابِيُّ فِي " كِتَابِ آرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ " ص 16 - 17 ط. مَكْتَبَةِ الْحُسَيْنِ التِّجَارِيَّةِ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ 1368 1948 " وَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ وُجُودُهُ أَفْضَلُ الْوُجُودِ، فَجَمَالُهُ فَائِتٌ لِجَمَالِ كُلِّ ذِي الْجَمَالِ، وَكَذَلِكَ زِينَتُهُ وَبَهَاؤُهُ، وَاللَّذَّةُ وَالسُّرُورُ وَالْغِبْطَةُ إِنَّمَا يُنْتَجُ وَيَحْصُلُ أَكْثَرَ بِأَنْ يُدْرَكَ الْأَجْمَلُ وَالْأَبْهَى وَالْأَزْيَنُ بِالْإِدْرَاكِ الْأَتْقَنِ وَالْأَتَمِّ، فَإِذَا كَانَ هُوَ الْأَجْمَلَ فِي النِّهَايَةِ وَالْأَبْهَى وَالْأَزْيَنَ، فَإِدْرَاكُهُ لِذَاتِهِ الْإِدْرَاكُ الْأَتْقَنُ فِي الْغَايَةِ وَعِلْمُهُ بِجَوْهَرِهِ الْعِلْمُ الْأَفْضَلُ. . لَذَّةٌ لَا نَفْهَمُ نَحْنُ كُنْهَهَا وَلَا نَدْرِي مِقْدَارَ عِظَمِهَا إِلَّا بِالْقِيَاسِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى مَا نَجِدُهُ مِنَ اللَّذَّةِ عِنْدَمَا نَكُونُ قَدْ أَدْرَكْنَا مَا هُوَ عِنْدَنَا أَكْمَلُ وَأَبْهَى إِدْرَاكًا وَأَتْقَنُ وَأَتَمُّ. . إِلَخْ ".

(2)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.

(3)

وَ: أَنْ نَجْعَلَ.

ص: 391

الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَتَكُونُ اللَّذَّةُ مَعَ النَّظَرِ بِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ (1) .

وَسَمِعَ ابْنُ عَقِيلٍ رَجُلًا يَقُولُ: أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ. فَقَالَ: هَبْ أَنَّ لَهُ وَجْهًا أَفَتَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ؟ ! .

وَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ ; فَإِنَّهُ كَانَ فَاضِلًا ذَكِيًّا، وَكَانَ تَتَلَوَّنُ آرَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ; وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِ كَثِيرٌ مِمَّا يُوَافِقُ فِيهِ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ ذَاكَ.

وَكَذَلِكَ أَبُو الْمَعَالِي بَنَى هَذَا عَلَى أَصْلِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِي وَافَقَهُمْ فِيهِ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ذَاتَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ الصُّوفِيَّةِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ بَقَايَا أَقْوَالِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَوْ يُحَبُّ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَشَيْخُهُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ تَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى وَغَيْرِهِ، وَكَانَ جَهْمُ يَنْفِي الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءَ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْضُ (2) ذَلِكَ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ ; فَنَفَوُا الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ.

وَلَيْسَ هَذَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا (3) ، بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَقَّ بِأَنْ يُحَبَّ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، بَلْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحَبَّ غَيْرُهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ وَكُلُّ مَا يُحِبُّهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَلِبَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ إِلَّا لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ

(1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْكَلَامَ فِيمَا بَيْنَ يَدِي مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الْجُوَيْنِيِّ، وَلَعَلَّهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ الْمَفْقُودَةِ.

(2)

ر، ب، ح، ي: بَعْدَ.

(3)

ح، ب: وَأَئِمَّتِهِمْ.

ص: 392

سُبْحَانَهُ، الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَحَبَّتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَخَلَقَ فِيهِمُ الشَّهَوَاتِ لِيَتَنَاوَلُوا بِهَا مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ (1) عَلَى عِبَادَتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ هَالِكٌ، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فَيُعْبَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ عَطَّلَ عِبَادَتَهُ فَلَمْ يَعْبُدْهُ الْبَتَّةَ كَفِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ؟ ! .

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 48] ، [وَالتَّعْطِيلُ لَيْسَ دُونَ الشِّرْكِ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَالْمُسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ، فَأُولَئِكَ أَوْلَى (2) ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ حُبُّ اللَّهِ](3) ، وَلَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ.

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَحَبَّتَهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - وَهُمْ مُؤْمِنُونَ - لَوْ رَجَعُوا إِلَى فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا، وَاعْتَبَرُوا أَحْوَالَ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ عِبَادَتِهِ ; لَوَجَدُوا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ مَا لَا يُعَبِّرُ عَنْ قَدْرِهِ، وَهُمْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ نَظَرًا فِي الْعِلْمِ بِهِ وَبِصِفَاتِهِ وَذِكْرِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ (4)، وَإِلَّا فَمَا لَا يُحَبُّ لَا تَحْرِصُ النُّفُوسُ عَلَى ذِكْرِهِ إِلَّا لِتَعَلُّقِ حَاجَتِهَا بِهِ ; وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ.

وَالْمُؤْمِنُ يَجِدُ نَفْسَهُ مُحْتَاجَةً إِلَى اللَّهِ فِي تَحْصِيلِ مَطَالِبِهِ، وَيَجِدُ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةَ اللَّهِ غَيْرَ هَذَا، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَمِنْ جِهَةِ

(1) ح: بِهَا.

(2)

وَ: أَعْظَمُ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .

(4)

وَ: وَذَلِكَ طَرِيقُ مَحَبَّتِهِ.

ص: 393

أَنَّهُ إِلَهُهُ، قَالَ تَعَالَى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَابِدًا لِلَّهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِينًا بِهِ ; وَلِهَذَا كَانَ هَذَا فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَهُ فِي صِلَاتِهِ.

وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الرَّبِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ (1) الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رحمه الله: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ سِرَّهَا فِي الْأَرْبَعَةِ، وَجَمَعَ سِرَّ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَمَعَ سِرَّ (2) الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَجَمَعَ (3) سِرَّ الْفَاتِحَةِ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ:[ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ](4) ; وَلِهَذَا ثَنَّاهَا اللَّهُ [فِي كِتَابِهِ](5) فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [سُورَةُ هُودٍ: 123]، وَقَوْلِهِ:{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سُورَةُ هُودٍ: 88]، وَقَوْلِهِ:{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: 30]، وَقَوْلِهِ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [سُورَةُ الطَّلَاقِ: 2 - 3] وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَهُمْ يَتَأَوَّلُونَ مَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: فَيَمْتَنِعُ فِي الْفِطْرَةِ أَنْ يُحِبَّ الْإِنْسَانُ طَاعَةَ مُطَاعٍ وَعِبَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلَّهِ، وَإِلَّا فَمَا لَا يُحَبُّ فِي نَفْسِهِ (6) لَا يُحِبُّ الْإِنْسَانُ لَا

(1) عَنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ب) .

(2)

سِرَّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، (ر) .

(3)

و، ح، ر، ي: وَجَعَلَ.

(4)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ح) ، (ر) ، (ب) فَقَطْ.

(5)

فِي كِتَابِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .

(6)

ح، ب: فَمَا لَا يُحَبُّ لِنَفْسِهِ.

ص: 394

طَاعَتَهُ وَلَا عِبَادَتَهُ، وَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يُحِبُّ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِلْعِوَضِ الْمَخْلُوقِ، فَهُوَ لَا يُحِبُّ إِلَّا ذَلِكَ الْعِوَضَ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا يُحِبُّ اللَّهَ.

أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَافِرَ وَالظَّالِمَ وَمَنْ يُبْغِضُهُ الْمُؤْمِنُ قَدْ يَسْتَأْجِرُ الْمُؤْمِنَ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَيَعْمَلُ الْمُؤْمِنُ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْعِوَضِ، وَلَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحِبًّا لِلْكَافِرِ وَلَا لِلظَّالِمِ إِذَا عَمِلَ لَهُ بِعِوَضٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودُهُ إِلَّا الْعِوَضَ. فَمَنْ كَانَ لَا يُرِيدُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا الْعِوَضَ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ [قَطُّ](1) إِلَّا كَمَا يُحِبُّ الْفَاعِلُ لِمَنْ يَسْتَأْجِرُهُ (2) وَيُعْطِيهِ الْعِوَضَ [عَلَى عَمَلِهِ](3) ، فَإِنَّ كُلَّ مَحْبُوبٍ، إِمَّا أَنْ يُحَبَّ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُحَبَّ لِغَيْرِهِ، فَمَا أُحِبَّ لِغَيْرِهِ فَالْمَحْبُوبُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرُ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّمَا أُحِبَّ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْمَحْبُوبِ، وَالْوَسِيلَةُ قَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً غَايَةَ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ يَتَحَمَّلُهَا (4) الْإِنْسَانُ لِأَجْلِ الْمَقْصُودِ، كَمَا يَتَجَرَّعُ الْمَرِيضُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِأَجْلِ مَحَبَّتِهِ لِلْعَافِيَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ.

فَإِنْ كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ لَا يُحَبُّ إِلَّا لِمَا يَخْلُقُهُ مِنَ النِّعَمِ، فَإِنَّهُ لَا يُحَبُّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 165] ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يُحِبُّونَ الْأَنْدَادَ كَحُبِّ اللَّهِ.

(1) قَطُّ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

وَ: اسْتَأْجَرَهُ.

(3)

عَلَى عَمَلِهِ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .

(4)

ن، م، و، (ي) : يَحْتَمِلُهَا.

ص: 395

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ مَحَبَّةً قَوِيَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 93]، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُقَالُ:[إِنَّهُ](1) لِمَا يَظُنُّونَهُ فِيهِمْ مِنْ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ الشَّيْءَ يُحَبُّ لِهَذَا وَلِهَذَا، وَلَكِنْ إِذَا ظُنَّ فِيهِ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ (2) أَشَدَّ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ نَفْعِهِ.

وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: " «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي» " إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (3) ; فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُحَبَّ لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ وَاجِبَةً لِإِحْسَانِهِ.

وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْمَحَبَّةُ لِلْإِحْسَانِ مَحَبَّةُ الْعَامَّةِ، وَتِلْكَ مَحَبَّةُ الْخَاصَّةِ - لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلْ كُلُّ مُؤْمِنٍ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ لِذَاتِهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ. وَمَنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. وَمَنْ قَالَ: إِنِّي لَا أَجِدُ (4) هَذِهِ الْمَحَبَّةَ فِي قَلْبِي لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ أَبَا جَهْلٍ وَأَبَا لَهَبٍ

(1) إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

ن، م: الْمَحَبَّةُ.

(3)

الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3/329 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ بَابُ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ". وَالْحَدِيثُ فِي: الْمُسْتَدْرَكِ 3/149 - 150 (كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ، بَابُ وَمِنْ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَالَ الْحَاكِمُ:" هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ "، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ:" صَحِيحٌ ". وَضَعَّفَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَزِيَادَتِهِ " 1/98

(4)

ن: لَأَجِدُ، وَهُوَ خَطَأٌ، ر: لَا ثُمَّ أَجِدُ.

ص: 396

وَأَمْثَالَهُمَا إِذَا قَالُوا ذَلِكَ كَانُوا صَادِقِينَ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَهُمْ كُفَّارٌ أَخْبَرُوا عَمَّا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي قُلُوبِهِمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ (1) لَكِنْ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ، فَإِنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ; وَلِهَذَا أَبْغَضُوا الرَّسُولَ وَعَادُوهُ ; لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَرَفْضِ مَا يُحِبُّونَهُ مَعَهُ، فَنَهَاهُمْ أَنْ يُحِبُّوا شَيْئًا كَحُبِّهِ (2) ، فَأَبْغَضُوهُ عَلَى هَذَا. فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، يُفَضِّلُ ذَلِكَ النِّدَّ عَلَى اللَّهِ فِي أَشْيَاءَ. وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ، لَكِنْ تَهْوَى نُفُوسُهُمْ ذَلِكَ النِّدَّ أَكْثَرَ.

وَالرَّبُّ تَعَالَى إِذَا جَعَلَ مَنْ يُحِبُّ الْأَنْدَادَ كَحُبِّهِ مُشْرِكِينَ، فَمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْثَرَ كَانَ أَعْظَمَ شِرْكًا وَكُفْرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 108] ، فَلَوْلَا تَعْظِيمُهُمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ لَمَا سَبُّوا اللَّهَ إِذَا سُبَّتْ آلِهَتُهُمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 136]، «وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ: أُعْلُ هُبَلْ أُعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " أَلَا تُجِيبُوهُ؟ فَقَالُوا: وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى، وَلَا عُزَّى لَكُمْ. قَالَ: أَلَا تُجِيبُوهُ؟ قَالُوا:

(1) و، ر، ي: مَحَبَّةٌ لِلَّهِ.

(2)

ح، ب: كَحُبِّ اللَّهِ.

ص: 397

وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» (1) .

وَيُوجَدُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَحْلِفُ بِنِدٍّ جَعَلَهُ لِلَّهِ، وَيَنْذِرُ لَهُ، وَيُوَالِي فِي مَحَبَّتِهِ، وَيُعَادِي مَنْ يُبْغِضُهُ، وَيَحْلِفُ بِهِ فَلَا يَكْذِبُ، وَيُوفِي بِمَا نَذَرَهُ لَهُ (2) ، وَهُوَ يَكْذِبُ إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ، وَلَا يُوفِي بِمَا نَذَرَهُ لِلَّهِ، وَلَا يُوَالِي فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَلَا يُعَادِي فِي اللَّهِ، كَمَا يُوَالِي وَيُعَادِي لِذَلِكَ النِّدِّ.

فَمَنْ قَالَ: إِنِّي لَا أَجِدُ فِي قَلْبِي أَنَّ اللَّهَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا سِوَاهُ، فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَيَكُونُ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَالِطًا فِي قَوْلِهِ: لَا أَجِدُ فِي قَلْبِي هَذَا.

وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مَعَارِفُ وَإِرَادَاتٌ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهَا فِي قَلْبِهِ، فَوُجُودُ الشَّيْءِ فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ، وَالدِّرَايَةُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ ; وَلِهَذَا يُوجَدُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَطْلُبُ تَحْصِيلَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي قَلْبِهِ، فَتَرَاهُ يَتْعَبُ تَعَبًا كَثِيرًا لِجَهْلِهِ، وَهَذَا كَالْمُوَسْوَسِ (3) فِي الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ (4) ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، وَوُجُودُ ذَلِكَ بِدُونِ النِّيَّةِ - الَّتِي هِيَ الْإِرَادَةُ - مُمْتَنِعٌ، فَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ (5) ،

(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/523 وَانْظُرْ هَذَا الْجُزْءَ، ص 21

(2)

ن، م: بِمَا نَذَرَ لَهُ.

(3)

ن، م: مَا فَعَلَهُ.

(4)

وَ: كَالْوَسْوَسَةِ.

(5)

وُ: مُرِيدٌ لِلصَّلَاةِ.

ص: 398

فَطَلَبَ مِثْلَ هَذَا لِتَحْصِيلِ النِّيَّةِ مِنْ جَهْلِهِ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ وَوُجُودِهَا فِي نَفْسِهِ.

وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ مُسْلِمٌ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّوْمِ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلصَّوْمِ (1) ، فَهَذَا نِيَّةُ الصَّوْمِ. وَهُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلِهَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَعِشَاءِ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَيْلَةُ الْعِيدِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصُومُ، فَلَا يُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَا يَنْوِيهِ، وَلَا يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ.

وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَمْشِي وَيَرْكَبُ، وَيَلْبَسُ، إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَهَا، وَهَذِهِ نِيَّتُهَا، فَلَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ: أُرِيدُ أَنْ أَضَعَ يَدِيَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ لِآخُذَ لُقْمَةً آكُلُهَا، كَانَ أَحْمَقَ عِنْدَ النَّاسِ. فَهَكَذَا مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ (2) . وَمَعَ هَذَا فَتَجِدُ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُوَسْوَسِينَ بِعِلْمٍ وَعِبَادَةٍ يَجْتَهِدُ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَعْظَمَ مِمَّا يَجْتَهِدُ مَنْ يَسْتَخْرِجُ مَا فِي قَعْرِ مَعِدَتِهِ مِنَ الْقَيْءِ، أَوْ مَنْ يَبْتَلِعُ الْأَدْوِيَةَ الْكَرِيهَةَ.

وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَعَارِفِ، قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ ضَرُورِيًّا وَفِطْرِيًّا، وَهُوَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ ; لِإِعْرَاضِهِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَعَدَمِ شُعُورِهِ بِشُعُورِهِ.

فَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ نَظَرَ فِي كَلَامِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ نُفَاةِ الْمَحَبَّةِ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ قَوْلًا صَحِيحًا ; لِمَا ظَنَّهُ مِنْ صِحَّةِ شُبُهَاتِهِمْ، أَوْ تَقْلِيدًا لَهُمْ، فَصَارَ يَقُولُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ،

(1) ن، م، و: يُرِيدُ الصَّوْمَ.

(2)

ن: وَالصَّوْمِ.

ص: 399

وَيُنْكِرُ مَا فِي نَفْسِهِ.

فَإِنَّ نَافِيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ يَقُولُ: الْمَحَبَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَا يُنَاسِبُ الْمَحْبُوبَ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ، وَبَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، وَبَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.

فَيُقَالُ: لَفْظُ الْمُنَاسَبَةِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا، أَيْ أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، فَلَا يُنْسَبُ هَذَا إِلَى هَذَا. كَمَا يُقَالُ: لَا نِسْبَةَ لِمَالِ فُلَانٍ إِلَى مَالِ فُلَانٍ، وَلَا نِسْبَةَ لِعِلْمِهِ أَوْ جُودِهِ أَوْ مِلْكِهِ [إِلَى عِلْمِ فُلَانٍ وُجُودِ فُلَانٍ وَمِلْكِ فُلَانٍ،](1) يُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ حَقِيرَةٌ صَغِيرَةٌ كَلَا نِسْبَةَ، كَمَا يُقَالُ: لَا نِسْبَةَ لِلْخَرْدَلَةِ إِلَى الْجَبَلِ، وَلَا نِسْبَةَ لِلتُّرَابِ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ.

فَإِذَا أُرِيدَ بِأَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِلْمُحْدَثِ إِلَى الْقَدِيمِ هَذَا الْمَعْنَى وَنَحْوُهُ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَيْسَتِ الْمَحَبَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنْ لَيْسَ فِي الْقَدِيمِ مَعْنًى يُحِبُّهُ لِأَجْلِهِ الْمُحْدَثُ، فَهَذَا رَأَسُ الْمَسْأَلَةِ، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ مَا يُحِبُّ الْمُحْدَثُ الْقَدِيمَ لِأَجْلِهِ؟ وَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْقَدِيمَ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ؟

وَالْمَحَبَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ نَقْصًا، بَلْ هِيَ صِفَةُ كَمَالٍ، بَلْ هِيَ أَصْلُ الْإِرَادَةِ. فَكُلُّ إِرَادَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَسْتَلْزِمَ مَحَبَّةً؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُرَادُ ; لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ، أَوْ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَحْبُوبِ. وَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الْمَحَبَّةِ لَامْتَنَعَتِ الْإِرَادَةُ ; فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ لَازِمَةٌ لِلْإِرَادَةِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ، وَكَذَلِكَ الْمَحَبَّةُ

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.

ص: 400

مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْإِرَادَةِ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ حُبُّهُ إِيَّاهُ، إِرَادَةً لِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ.

وَلِهَذَا كَانَ خَلْقُهُ تَعَالَى لِمَخْلُوقَاتِهِ لِحِكْمَةٍ (1) ، وَالْحِكْمَةُ مُرَادَةٌ مَحْبُوبَةٌ. فَهُوَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِمُرَادٍ مَحْبُوبٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُرِيدُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ يُحِبُّونَهُ فَيُرِيدُونَ عِبَادَتَهُ (2)[وَطَاعَتَهُ] .

وَ [قَدْ ثَبَتَ] فِي الصَّحِيحَيْنِ (3) عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» "(4) وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَهُوَ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ لِلرَّسُولِ مِنَ الْمَحَبَّةِ مَا لَا يَجِدُ (5) لِغَيْرِهِ، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا سَمِعَ مَحْبُوبًا لَهُ - مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَصْدِقَائِهِ (6) - يَسُبُّ الرَّسُولَ، هَانَ عَلَيْهِ عَدَاوَتُهُ وَمُهَاجَرَتُهُ، بَلْ وَقَتْلُهُ لِحُبِّ الرَّسُولِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا.

قَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ: 22] ، [بَلْ قَدْ] .

(1) ح، ر، ي، ب: بِحِكْمَةٍ، وَ: بِحِكْمَتِهِ.

(2)

ن، م: وَيُرِيدُونَ عِبَادَتَهُ (وَسَقَطَتْ: وَطَاعَتَهُ) .

(3)

ن، م: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ.

(4)

سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/447

(5)

مَا لَا يَجِدُ: كَذَا فِي (ر)، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَا لَا يُوجَدُ.

(6)

ب (فَقَطْ) : أَوْ أَصْدِقَائِهِ.

ص: 401

قَالَ تَعَالَى (1) : {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 24] ، فَتَوعَّدَ مَنْ كَانَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ (2) حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» "(3) .

فَوُجُودُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ لَا تَكُونُ مِنْ مَحَبَّةِ الْعِوَضِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ، بَلِ الْفَاعِلُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ إِلَّا لِلْكِرَاءِ لَا يَجِدُ حَالَ الْعَمَلِ إِلَّا التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ وَمَا يُؤْلِمُهُ، فَلَوْ كَانَ لَا مَعْنَى لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَّا مَحَبَّةَ

(1) ن، م: وَقَالَ تَعَالَى.

(2)

بِهِنَّ سَاقِطَةٌ مِنْ (و) ، (ب) .

(3)

جَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 1/8 (كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ) ، 1/9 (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ. . .) 9/20، (كِتَابُ الْإِكْرَاهِ، بَابُ مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ. . .) ، مُسْلِمٍ 1/66، (كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ بَيَانِ خِصَالِ. . .)، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1338 - 1339 (كِتَابُ الْفِتَنِ بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ) . وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا وَلَكِنْ بِلَفْظِ:" لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا "، وَذَلِكَ فِي: الْبُخَارِيِّ 8/14 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ) .

ص: 402

مَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ مِنَ الْأَجْرِ، لَمْ يَكُنْ هُنَا حَلَاوَةُ إِيمَانٍ يَجِدُهَا الْعَبْدُ فِي قَلْبِهِ وَهُوَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ وَالِامْتِحَانِ، وَهَذَا خِلَافُ الشَّرْعِ وَخِلَافُ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا قُلُوبَ عِبَادِهِ.

فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» "(1) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» "(2) .

فَاللَّهُ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْلُهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَا مِنْ فِطْرَةٍ لَمْ تَفْسُدْ إِلَّا وَهِيَ تَجِدُ فِيهَا مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ قَدْ تَفْسُدُ الْفِطْرَةُ إِمَّا لِكِبَرٍ وَغَرَضٍ فَاسِدٍ (3) كَمَا فِي فِرْعَوْنَ. وَإِمَّا بِأَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي الْمَحَبَّةِ.

كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 165] .

وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَإِنَّ فِي

(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/307 - 308

(2)

الْحَدِيثُ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه فِي مُسْلِمٍ 4/2197 - 2198 (كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، بَابُ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ) وَأَوَّلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ. . . وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمُ. . الْحَدِيثَ " وَهُوَ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ - فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/162

(3)

وَ: وَعَرَضٍ آخَرَ.

ص: 403

قُلُوبِهِمْ مُحِبَّةَ اللَّهِ، لَا يُمَاثِلُهُ فِيهَا غَيْرُهُ. وَلِهَذَا كَانَ الرَّبُّ مَحْمُودًا حَمْدًا مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ مَا فَعَلَهُ، وَحَمْدًا خَاصًّا عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَى الْحَامِدِ، فَهَذَا حَمْدُ الشُّكْرِ، وَالْأَوَّلُ حَمْدُهُ (1) عَلَى كُلِّ مَا فَعَلَهُ.

كَمَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 1]، {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الْآيَةَ [سُورَةُ فَاطِرٍ: 1] .

وَالْحَمْدُ ضِدُّ الذَّمِّ. وَالْحَمْدُ خَبَرٌ بِمَحَاسِنَ الْمَحْمُودِ مَقْرُونٌ بِمَحَبَّتِهِ، وَالذَّمُّ خَبَرٌ بِمَسَاوِئِ الْمَذْمُومِ مَقْرُونٌ بِبُغْضِهِ ; فَلَا يَكُونُ حَمْدٌ لِمَحْمُودٍ إِلَّا مَعَ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَمٌّ لِمَذْمُومٍ إِلَّا مَعَ بُغْضِهِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ.

وَأَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهِ آدَمُ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ](2)، وَأَوَّلُ مَا سَمِعَ مِنْ رَبِّهِ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ، وَآخِرُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم صَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ، آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.

فَلَا تَكُونُ عِبَادَةٌ إِلَّا بِحُبِّ الْمَعْبُودِ (3) ، [وَلَا يَكُونُ حَمْدٌ إِلَّا بِحُبِّ الْمَحْمُودِ](4) ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ الْمَعْبُودُ الْمَحْمُودُ.

(1) ح: حَمْدٌ.

(2)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .

(3)

ن، م، ر، ح: يُحِبُّ لِلْمَعْبُودِ.

(4)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، وَفِي (م) ، (ي) إِلَّا بِحُبٍّ لِلْمَحْمُودِ.

ص: 404

وَأَوَّلُ نِصْفِ الْفَاتِحَةِ الَّذِي لِلرَّبِّ حَمْدُهُ، وَآخِرُهُ عِبَادَتُهُ، أَوَّلُهُ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وَآخِرُهُ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْقِسْمَةِ: " يَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ; فَيَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فَيَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ (1) لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [فِي صَحِيحِهِ] (2) . وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "«أَفْضَلُ مَا قُلْتُ: أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» " (3) فَجَمَعَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ

(1) ب (فَقَطْ) : هَذَا.

(2)

فِي صَحِيحِهِ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) وَالْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي مُسْلِمٍ 1/296 - 297 (كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/269 - 270 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ) .

(3)

ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " 1/128 فَقَالَ: " أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ لَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ عَنْ عَلِيٍّ "، وَذَكَرَ الْعَجْلُونِيُّ الْحَدِيثَ فِي " كَشْفِ الْخَفَاءِ " 1/153 فَقَالَ:" أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ: خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَزَادَ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ قَوْلِي وَقَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - الْحَدِيثَ، وَزَادَ بَعْدَ: وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ ". وَوَجَدْتُ أَنَّ مَالِكًا قَدْ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَجْلُونِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ 1/214 - 215 (كِتَابُ الْقُرْآنِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ) 2/422 - 423 (كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ جَامِعِ الْحَجِّ)، وَفِي التَّعْلِيقِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: " لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَلَا أَحْفَظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ يُحْتَجُّ بِهِ، وَأَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مُحْتَجٍّ بِهِ، وَقَدْ جَاءَ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَمْرٍو ". أَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَقَدْ أَوْرَدَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَجْلُونِيُّ فِي سُنَنِهِ 5/231 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابٌ فِي فَضَائِلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، وَقَالَ:" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ "، وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر فِي تَعْلِيقَاتِهِ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 11/180 إِلَى الْحَدِيثِ وَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي " التَّرْغِيبِ " مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَنَقَلَ عَنْهُ تَحْسِينَهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ لِلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ ذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ، وَضَعَّفَهَا الْأَلْبَانِيُّ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/315

ص: 405

وَالتَّحْمِيدِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ غَافِرٍ 65] .

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا قُلْتَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) .

وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» "(2) .

(1) ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ مُسْنَدًا الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ (ط. بُولَاقَ) 24/53 وَنَصُّ كَلَامِهِ فِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلْيَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ كَلَامَهُ فِي (ط. الشَّعْبِ) 7/145

(2)

الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/130 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ مُسْتَجَابَةٌ)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:" هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ ". وَالْحَدِيثُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/1249 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ فَضْلِ الْحَامِدِينَ) ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/362 وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

ص: 406

وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» "(1) .

وَقَالَ أَيْضًا: " «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» "(2) .

(1) الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 4/360 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابُ الْهَدْيِ فِي الْكَلَامِ)، بِلَفْظِ:" كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ "، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ:" رَوَاهُ يُونُسُ وَعَقِيلٌ وَشُعَيْبٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا ". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي سُنَنِهِ 1/610 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ خُطْبَةِ النِّكَاحِ)، وَلَفْظُهُ:" كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ "، وَجَاءَ فِي التَّعْلِيقِ: وَقَالَ السِّنْدِيُّ: " الْحَدِيثُ قَدْ حَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ". وَضَعَّفَ الْأَلْبَانِيُّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَرِوَايَةً ثَالِثَةً بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 4/147 - 148 وَتَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ كَلَامًا مُفَصَّلًا فِي " الْإِرْوَاءِ "، إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ مَنَارِ السَّبِيلِ 1/29 - 32 ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ بَيْرُوتَ 1399 - 1979 وَالْحَدِيثُ صَحَّحَ السُّيُوطِيُّ بَعْضَ رِوَايَاتِهِ وَحَسَّنَ النَّوَوِيُّ بَعْضَهَا، وَانْظُرْ مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ فِي " جَامِعِ الرَّسَائِلِ " 1/108، 2/67 وَانْظُرْ " كَشْفَ الْخَفَاءِ " لِابْنِ الْعَجْلُونِيِّ 2/119؛ الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ لِلسَّخَاوِيِّ، ص 322

(2)

الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 361 (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي الْخُطْبَةِ) ، سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ 2/386 (كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ " الْمُسْنَدُ (ط. الْمَعَارِفِ) 15/170، 16/216 (وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِر الْحَدِيثَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى تَصْحِيحِ السُّيُوطِيِّ لَهُ) . وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 4/172، وَرِسَالَةِ " الْأَجْوِبَةِ النَّافِعَةِ عَنْ أَسْئِلَةِ لَجْنَةِ مَسْجِدِ الْجَامِعَةِ " ص 56، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، بَيْرُوتْ، 1400

ص: 407

فَلَا بُدَّ فِي الْخُطَبِ (1) مِنَ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَمِنْ تَوْحِيدِهِ ; وَلِهَذَا كَانَتِ الْخُطَبُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَوَّلُهُ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَآخِرُهُ الشَّهَادَتَانِ، وَلَا يَكُونُ الثَّنَاءُ إِلَّا عَلَى مَحْبُوبٍ، وَلَا التَّأَلُّهُ إِلَّا لِمَحْبُوبٍ، وَقَدْ بَسَطْنَا (2) الْكَلَامَ فِي حَقَائِقِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.

وَإِذَا كَانَ الْعِبَادُ يَحْمَدُونَهُ وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ، فَهُوَ (3) سُبْحَانَهُ أَحَقُّ بِحَمْدِ نَفْسِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَحَبَّةِ لِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ:" «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» "(4) فَلَا ثَنَاءَ مِنْ مُثْنٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَنَاءِ الرَّبِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا ثَنَاءَ إِلَّا بِحُبٍّ، وَلَا حُبَّ مِنْ مَحْبُوبٍ لِمَحْبُوبٍ أَعْظَمُ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ لِنَفْسِهِ، وَكُلُّ مَا يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ فَهُوَ تَابِعٌ لِحُبِّهِ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، وَالصَّابِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَيُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ (5) ; فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ ; فَيَكُونُ حُبُّهُ لِلرَّسُولِ وَالصَّالِحِينَ تَبَعًا لِحُبِّهِ لِلَّهِ، فَكَيْفَ الرَّبُّ تَعَالَى فِيمَا يُحِبُّهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ؟ ! .

إِنَّمَا يُحِبُّهُ تَبَعًا لِحُبِّهِ لِنَفْسِهِ (6) ، وَخَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ لِحِكْمَتِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا.

(1) ح، ب: الْخُطْبَةِ.

(2)

ن، م: وَقَدْ بُسِطَ.

(3)

ح، ب: وَهُوَ.

(4)

سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى 2/159

(5)

ح، ب: تَابِعٌ لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ.

(6)

م: لِمَحَبَّةِ نَفْسِهِ.

ص: 408

فَمَا خَلَقَ شَيْئًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ قَدْ قَالَ:{أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 7]، وَقَالَ:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 88] .

وَلَيْسَ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى إِلَّا اسْمٌ يُمْدَحُ بِهِ ; وَلِهَذَا كَانَتْ كُلُّهَا حُسْنَى، وَالْحُسْنَى بِخِلَافِ السُّوأَى، فَكُلُّهَا حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنُ مَحْبُوبٌ مَمْدُوحٌ.

فَالْمَقْصُودُ بِالْخَلْقِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَمْدُوحٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ مَا يُحِبُّهُ وَوَسَائِلِهِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ بِلَا حَيَاةٍ، وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَوْلُودِ -[مَعَ كَوْنِهِ مَوْلُودًا](1) - بِلَا وِلَادَةٍ.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، حَدِيثِ الِاسْتِفْتَاحِ:" «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ (2) بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» "(3) وَقَدْ قِيلَ: فِي تَفْسِيرِهِ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَعْمَالُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، وَقَدْ قِيلَ:

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .

(2)

كُلُّهُ فِي (ن) ، (م) ، فَقَطْ.

(3)

الْحَدِيثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي: مُسْلِمٍ 1/534 - 536 (كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ الدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقِيَامِهِ) وَنَصُّهُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . الْحَدِيثَ وَفِيهِ: " لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ". وَرَوَى أَحْمَدُ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ " ط. الْمَعَارِفِ " 2/134 - 135 (الْأَرْقَامُ 803 - 805) . وَانْظُرْ مِشْكَاةَ الْمَصَابِيحِ لِلتِّبْرِيزِيِّ (ط. دِمَشْقَ) 1/255 - 257 الْأَذْكَارَ لِلنَّوَوِيِّ ص 43

ص: 409

لَا يُضَافُ إِلَيْكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْمَخْلُوقُ.

وَالشَّرُّ الْمَخْلُوقُ لَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مُجَرَّدًا عَنِ الْخَيْرِ [قَطُّ](1)، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا مَعَ إِضَافَتِهِ إِلَى الْمَخْلُوقِ، كَقَوْلِهِ:{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [سُورَةُ الْفَلَقِ: 2] ، وَإِمَّا مَعَ حَذْفِ الْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [سُورَةُ الْجِنِّ: 10] .

وَمِنْهُ فِي الْفَاتِحَةِ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 7] ، فَذَكَرَ الْإِنْعَامَ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَذَكَرَ الْغَضَبَ مَحْذُوفًا فَاعِلُهُ، وَذَكَرَ الضَّلَالَ مُضَافًا إِلَى الْعَبْدِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 80] .

وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 102] ; وَلِهَذَا إِذَا ذُكِرَ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ قُرِنَ بِالْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى: الضَّارُّ، النَّافِعُ، الْمُعْطِي، الْمَانِعُ، [الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، فَجَمَعَ (2) بَيْنَ الِاسْمَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ (3) وَالشُّمُولُ الدَّالُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ يَفْعَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; وَلِهَذَا لَا يُدْعَى بِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ: كَالضَّارِّ، وَالنَّافِعِ، وَالْخَافِضِ، وَالرَّافِعِ، بَلْ يُذْكُرَانِ جَمِيعًا](4) . وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلًا، وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلًا.

(1) قَطُّ: زِيَادَةٌ فِي (و) .

(2)

و، م: فَيَجْمَعُ.

(3)

لِمَا فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لِمَا فِي الْعُمُومِ.

(4)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .

ص: 410

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يُغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ؟ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» "(1) ، فَالْإِحْسَانُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَالْعَدْلُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ.

كَمَا [ثَبَتَ] فِي الصَّحِيحِ (2) عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِي يَعْدِلُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» "(3) ، وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا خَلَقَ مَا يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ، لِحِكْمَةٍ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا، فَهُوَ مُرِيدٌ لِكُلِّ مَا خَلَقَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ يُبْغِضُهُ وَلَا يُحِبُّهُ.

وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ، وَأَكْثَرُ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ السُّنَّةِ، كَالْحَنَفِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ (4) ،

(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 1/139

(2)

ن، م: كَمَا فِي الصَّحِيحِ.

(3)

الْحَدِيثُ - مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه فِي: مُسْلِمٍ 3/1458 (كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ فَضِيلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ) ، سُنَنُ النَّسَائِيِّ 8/195 - 196 (كِتَابُ آدَابِ الْقُضَاةِ، بَابُ فَضْلِ الْحَاكِمِ الْعَادِلِ فِي حُكْمِهِ) . وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ فِيهِمَا: " إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ. . إِلَخْ "، وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 9/249 - 250، 254

(4)

م: وَالْمَالِكِيَّةِ.

ص: 411

وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ [أَبُو بَكْرٍ] (1) : عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ " الْمُقْنِعِ "، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْأَشْعَرِيِّ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، وَرَجَّحَهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ لِلْمُؤْمِنِ، أَوْ لَا يُحِبُّهُ دِينًا.

وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَهُمَا (2) سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ.

وَالَّذِينَ قَالُوا: هَذَا مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ، كَأَبِي الْمَعَالِي، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمَا، هُمْ فِي ذَلِكَ تَبَعٌ لِلْأَشْعَرِيِّ، وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَظْهَرُ أَنَّ الْإِرَادَةَ نَوْعَانِ: إِرَادَةٌ أَنْ يَخْلُقَ، وَإِرَادَةٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ. [فَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ](3) فَهُوَ مُرَادٌ إِرَادَةً شَرْعِيَّةً دِينِيَّةً، [مُتَضَمِّنَةً](4) أَنَّهُ يُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَرْضَاهُ.

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: يُرِيدُ (5) مِنْ عَبْدِهِ، فَهُوَ يُرِيدُهُ لَهُ كَمَا يُرِيدُ الْأَمْرَ النَّاصِحَ لِلْمَأْمُورِ الْمَنْصُوحِ، يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْفَعُ [لَكَ](6) ، وَهُوَ إِذَا فَعَلَهُ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَضِيَهُ، وَالْمَخْلُوقَاتُ مُرَادَةٌ إِرَادَةً خَلْقِيَّةً كَوْنِيَّةً، وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَا وَقَعَ دُونَ مَا لَمْ يَقَعْ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُرَادًا لَهُ غَيْرَ مَحْبُوبٍ، بَلْ أَرَادَهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى وُجُودِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ لَهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي وُجُودِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ لَهُ.

(1) أَبُو بَكْرٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .

(2)

ن، م: وَأَوَّلُ مَنْ جَعَلَ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(4)

مُتَضَمِّنَةً: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .

(5)

ن، ر، و، ي: يُرِيدُهُ.

(6)

لَكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

ص: 412

فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْخِلْقِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 125] .

وَفِي قَوْلِهِ: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ} [سُورَةُ هُودٍ: 34] .

وَفِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

وَفِي قَوْلِهِ: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 13] ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَالْإِرَادَةُ الْأَمْرِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 185] .

وَفِي قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 27 - 28]، وَفِي قَوْلِهِ:{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 6] ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَإِذَا قِيلَ: الْأَمْرُ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ، أَمْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُ؟

قِيلَ: هُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ الْأُولَى، وَهِيَ (1) : إِرَادَةُ الْخَلْقِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ الْمَأْمُورَ فَاعِلًا لَهُ.

وَالْقَدَرِيَّةُ تَنْفِي أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يَجْعَلُ أَحَدًا فَاعِلًا، وَلَا

(1) وَهِيَ كَذَلِكَ فِي (م)، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَهُوَ.

ص: 413

يَخْلُقُ فِعْلَ أَحَدٍ.

وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَعِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْأَبْرَارَ أَبْرَارًا، وَالْمُسْلِمِينَ مُسْلِمِينَ، وَعِنْدَهُمْ مَنْ أَمَرَهُ وَجَعَلَهُ فَاعِلًا لِلْمَأْمُورِ صَارَ فَاعِلًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ فَاعِلًا [لَهُ](1) لَمْ يَصِرْ فَاعِلًا لَهُ (2) فَأَهْلُ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ أَرَادَ مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ أَمْرًا وَخَلْقًا، فَأَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُمْ فَاعِلِينَ لِذَلِكَ (3) ، وَلَوْلَا إِعَانَتُهُ لَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ لَمَا أَطَاعُوهُ. وَأَهْلُ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ أَمَرَهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ مُطِيعِينَ، فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَ طَاعَتَهُمْ، لَكِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهَا وَأَرَادَهَا مِنْهُمْ إِرَادَةً شَرْعِيَّةً دِينِيَّةً ; لِكَوْنِهَا مَنْفَعَةً لَهُمْ وَمَصْلَحَةً إِذَا فَعَلُوهَا، وَلَمْ يُرِدْ هُوَ أَنْ يَخْلُقَهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَإِذَا كَانَ يُحِبُّهَا بِتَقْدِيرِ وَجُودِهَا، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِأَمْرٍ يَكْرَهُهُ، أَوْ لِفَوَاتِ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَدَفْعُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ، فَيَكُونُ تَرْكُ هَذَا الْمَحْبُوبِ لِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِهِ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ الْمَكْرُوهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِوُجُودِ الْمَحْبُوبِ يَجْعَلُهُ مُرَادًا لِأَجْلِهِ، إِذَا كَانَ مَحَبَّتُهُ لَهُ أَعْظَمَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِعَدَمِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي هُوَ الْوَسِيلَةُ (4) .

وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ نَصَحْتَهُ بِقَوْلِكَ عَلَيْكَ أَنْ تُعِينَهُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِهِ. فَالْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ دَائِمًا يَنْصَحُونَ النَّاسَ وَيَأْمُرُونَهُمْ، وَيَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَا إِذَا فَعَلُوهُ كَانَ صَلَاحًا لَهُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنُونَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَقَدْ يَكُونُونَ قَادِرِينَ، لَكِنْ مُقْتَضَى حِكْمَتِهِمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

(1) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)

لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) .

(3)

ن، م: لَهُ.

(4)

و: وَسِيلَةٌ.

ص: 414

وَالرَّبُّ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَكِنْ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ ضِدٌّ يُنَافِيهِ، وَلَهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الضِّدَّيْنِ مَعًا، أَوْ وُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ، كُلٌّ مِنَ الضِّدَّيْنِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْآخَرِ، فَأَمَّا وُجُودُ الضِّدَّيْنِ مَعًا فَمُمْتَنِعٌ (1) لِذَاتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ.

وَالْعِبَادُ قَدْ لَا يَعْلَمُونَ التَّنَافِيَ أَوِ التَّلَازُمَ، فَلَا يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِالِامْتِنَاعِ ; فَيَظُنُّونَهُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ، مَعَ حُصُولِ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ (2) لِلرَّبِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ [وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَإِنَّمَا عِنْدُهُمْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، لَا الْعِلْمُ بِالْإِمْكَانِ](3) وَالْعَدَمُ لَا فَاعِلَ لَهُ، فَأَتَوْا مِنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ، وَهُوَ الْجَهْلُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْكُفْرِ (4) .

وَهُوَ سُبْحَانُهُ إِذَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خَلْقَ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ لَوَازِمِهِ وَنَفْيِ أَضْدَادِهِ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لِمَ لَمْ يَجْعَلْ (5) مَعَهُ الضِّدَّ الْمُنَافِيَ؟ أَوْ لِمَ وُجِدَ اللَّازِمُ؟ كَانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحَقَائِقِ.

وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: هَلَّا خَلَقَ زَيْدًا قَبْلَ أَبِيهِ؟ .

فَيُقَالُ لَهُ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ وَيُخْلَقَ قَبْلَهُ، أَوْ يُخْلَقَ حَتَّى يُخْلَقَ أَبُوهُ، وَالنَّاسُ تَظْهَرُ لَهُمُ الْحِكْمَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَدَبَّرُونَهَا، كَمَا تَظْهَرُ لَهُمُ الْحِكْمَةُ فِي مُلُوحَةِ مَاءِ الْعَيْنِ، وَعُذُوبَةِ مَاءِ الْفَمِ، وَمَرَارَةِ

(1) م، ب: فَيَمْتَنِعُ.

(2)

ن، م: الْمُطْلَقِ.

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، وَفِي (ب)، (ح) : وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِامْتِنَاعِ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

(4)

ر: أَصْلُ لِلْكُفْرِ

(5)

ح، ر، ي: تَجْعَلْ.

ص: 415