الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيدٌ
بين يدي مواعظ خير أصحابٍ رضي الله عنهم لخير نبيٍّ صلى الله عليه وسلم
لعلَّ من المناسب أن أقدِّم بين يدي هذه المواعظ بذكر بعض فضائل الصحابة
…
- رضوان الله عليهم - وشيءٍ من كلام الأئمة في بيان مكانتهم، فأقول:
إنَّ من الأصول المقرَّرة في الشرع المطهَّر، ومن سمات أهل السُّنَّة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم للصحابة الأخيار، وحملة الشريعة الأتقياء الأبرار، والذبَّ عن حرماتهم وأعراضهم.
فلولاهم ما وصلنا الدِّين كاملًا - وأصله القرآن - غضًّا طريًّا كأنَّما أنزل اليوم.
إنهم خير الناس للناس، وأفضل تابعٍ لخير متبوعٍ صلى الله عليه وسلم، هم الذين فتحوا البلاد بالسِّنان، والقلوب بالإيمان.
لم يعرف - التاريخ البشر أعظم من تاريخهم، ولا رجالًا - بعد الأنبياء - أفضل منهم.
هم الذين استرخصوا في سبيل نصر الدِّين أنفسهم وأموالهم! وفارقوا أهلهم وأوطانهم! حين ضنَّ غيرهم بالنفس والمال، واستثقلوا مُفارقة الأهل والولدان، فلا كان ولا يكون مثلهم والله!
هم الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم. ونشر دينه، فأخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضيق الدُّنيا إلى سعتها، ومن جور أهل الطغيان إلى عدل الإسلام، وعلى أيديهم سقطت عروش الكفر، وتحطَّمت شعائر الإلحاد، وذلَّت رقاب الجبابرة والطغاة، ودانت لهم الممالك.
إنَّهم أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم: «الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وإقامة دينه، وإظهار حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلامًا وقدوةً، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلَّغهم عن الله عز وجل، وما سنَّ وما شرع، وحكم وقضى وندب، وأمر ونهى وأدَّب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدِّين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
ونفى عنهم الشكَّ والكذب والغلط والريبة والغمز، وسمَّاهم عدول الأمَّة، فقال - عزَّ ذكره - في محكم كتابه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]» (1).
إنَّهم أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذين: «سمحت نفوسهم رضي الله عنهم بالنفس والمال والولد والأهل والدار، ففارقوا الأوطان، وهاجروا الإخوان، وقتلوا الآباء والإخوان، وبذلوا النفوس صابرين، وأنفقوا الأموال محتسبين، وناصبوا من ناوأهم متوكِّلين، فآثروا رضاء الله على الغناء، والذلَّ على العزِّ، والغربة على الوطن، هم المهاجرون:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] حقًّا، ثمَّ إخوانهم من
(1) الجرح والتعديل (1/ 7).
الأنصار، أهل المواساة والإيثار، أعزُّ قبائل العرب جارًا، واتَّخذ الرسول صلى الله عليه وسلم دارهم أمنًا وقرارًا، الأعفَّاء الصُّبر، والأصدقاء الزهر، الذين {تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
فمن انطوت سريرته على محبتهم، ودان الله تعالى بتفضيلهم ومودَّتهم، وتبرَّأ ممَّن أضمر بغضهم؛ فهو الفائز بالمدح الذي مدحهم الله تعالى به فقال:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
إنَّهم الصحابة رضي الله عنهم الذين تولَّى الله شرح صدورهم فأنزل السكينة على قلوبهم، وبشَّرهم برضوانه ورحمته فقال:{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21].
جعلهم الله خير أمةٍ أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، فجعلهم مثلًا للكتابين؛ لأهل التوراة والإنجيل، خير الأمم أمَّته، وخير القرون قرنه، يرفع الله من أقدارهم؛ إذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم؛ لما علم من صدقهم، وصحة إيمانهم، وخالص مودَّتهم، ووفور عقلهم، ونبالة رأيهم، وكمال نصيحتهم، وتبيُّن أمانتهم، رضي الله عنهم أجمعين» (1).
«فكلُّ خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة؛ من الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة والنجاة من النار،
(1) الإمامة والرد على الرافضة (209 - 211).
وانتصارهم على الكفار، وعلوِّ كلمة الله عز وجل فإنَّما هو ببركة ما فعله الصحابة رضي الله عنهم الذين بلَّغوا الدِّين، وجاهدوا في سبيل الله، وكلُّ مؤمنٍ آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضلٌ إلى يوم القيامة» (1). وقد قال تعالى - في فضلهم ومآلهم-:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:100]. وقال تعالى في مدحهم - ومن أصدق من الله قيلًا وحديثًا؟! -: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وبعد هذا الثناء السماويِّ، تأتي التزكية من أصدق الخلق كلامًا، وأفصحهم بيانًا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرةٍ، جمعها بعض العلماء في مجلداتٍ كبارٍ
…
فماذا عسى الإنسان أن يقول في هذا المقام؟!
لقد زكَّاهم - بأبي هو وأمِّي - بقوله: (خير الناس قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم)(2). وزكَّاهم صلى الله عليه وسلم فقال: (النُّجوم أمنةٌ للسَّماء، فإذا ذهبت النُّجوم أتى السَّماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعدون)(3).
ونهى عن التعرُّض لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي؛ فو الَّذي نفسي بيده، لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك
(1) منهاج السُّنَّة (6/ 376).
(2)
البخاري ح (2652)، مسلم ح (2533).
(3)
صحيح مسلم ح (2531).
مدَّ أحدهم، ولا نصيفه) (1).
ولأجل ما تقدَّم من نصوص الوحيين في فضائل الصحابة رضي الله عنهم كان أئمة السلف رحمهم الله يحذِّرون أشدَّ التحذير من الخوض في شيءٍ من أخطاء الصحابة رضي الله عنهم مع اعتقادهم بأنَّهم ليسوا بمعصومين على مستوى أفرادهم، وقد يوجد من آحادهم أخطاءٌ، هم فيها بين الأجر والأجرين رضي الله عنهم وإنَّما قال السلف هذا وأكَّدوه؛ لأنَّهم أدركوا ورأوا بأعينهم أنَّ الوالج في هذا الباب لا ينتهي به الأمر إلا إلى هدم الشريعة!
يقول الإمام الجليل أبو زرعة رحمه الله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول لله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حقٌّ، والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآن والسُّنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم! وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسُّنَّة! والجرح بهم أولى، وهم زنادقةٌ» .
وقال الإمام أحمد رحمه الله: «ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله أو أبغضه لحدثٍ كان منه، أو ذكر مساويه، كان مبتدعًا حتى يترحَّم عليهم، ويكون قلبه لهم سليمًا» (2).
وقال شيخ الإسلام رحمه الله فيمن زعم: «أنهم ارتدُّوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنَّهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنَّه مكذِّبٌ لما نصَّه القرآن في غير موضع من الرِّضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشكُّ في كفر مثل هذا، فإنَّ كفره
(1) البخاري ح (3673)، مسلم ح (2540).
(2)
أصول السُّنَّة؛ لأحمد بن حنبل (ص54).
متعينٌ؛ فإنَّ مضمون هذه المقالة أنَّ نقلة الكتاب والسُّنَّة كفارٌ أو فسَّاقٌ، وأنَّ هذه الأمة التي هي:{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وخيرها هو القرآن الأوَّل - كان عامتهم كفارًا أو فساقًا - ومضمونها أنَّ هذه الأمة شرُّ الأمم، وأنَّ سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيءٌ من هذه الأقوال، فإنَّه يتبيَّن أنَّه زنديقٌ، وعامة الزنادقة إنما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلاثٌ» (1).اهـ.
ومن دقيق فهم الإمام مالك رحمه الله للقرآن أنَّه قال في قوله تعالى عن الصحابة: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]، قال رحمه الله:«من أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أصابته هذه الآية» (2).
فليعرف المؤمن لأصحاب نبيِّه صلى الله عليه وسلم قدرهم، وليحذر من الاستماع أو المشاهدة لتلك القنوات، التي تثير الشُّبه حول أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فخيرٌ للمؤمن - والله - أن يلقى ربَّه وقلبه سليمٌ لعموم المؤمنين، فكيف بأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟! وليحفظ المسلم ثناء الله على أصحاب نبيِّه صلى الله عليه وسلم ورضاه عنهم، ولا يكن في قلبه غلٌّ على أحدٍ منهم؛ فإنَّ هذا من أعظم خبث القلوب.
اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن دخل في قولك: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا
(1) الصارم المسلول (3/ 1110 - 1111).
(2)
الرواة عن مالك؛ للرشيد العطار (ص259)، وانظر:«الشفا» ؛ للقاضي عياض (2/ 120).
غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10]، واجمعنا بصحابة نبيِّك صلى الله عليه وسلم في دار الكرامة؛ فإنَّا - وأنت خير الشاهدين - قد أحببناهم، وواليناهم، وكرهنا وأبغضنا من أبغضهم.
***