الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من مواعظ أبي الدَّرداء رضي الله عنه
-
(3/ 4)
• ومن مواعظه رضي الله عنه (1):
أنَّ رجلًا جاء إليه فقال: أوصني، فقال أبو الدرداء:
ما أجمل طلب هذا الرجل الوصيَّة من العلماء كأبي الدرداء! وما أحسن جوابه له!
لقد تضمَّنت هذه الوصية الوعظية ثلاثة معانٍ هي من أعظم الأدوية لمن تقطَّعت قلوبهم حسرةً، أو تحجَّرت قسوةً، أو ذابت كمدًا على ما فاتها من لُعاعة الدُّنيا!
وأول هذه الأدوية والوصايا: ذكر الله تعالى
…
الذي يذيب قسوة القلوب، ويعلِّقها بعلَّام الغيوب، ويجعل الذاكر في كرامة المذكور، كما قال سبحانه عن نفسه في الحديث:(فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم)(2).
(1) تاريخ دمشق (47/ 166).
(2)
البخاري ح (7405)، مسلم ح (2675).
وقد نبَّه أبو الدرداء إلى بركةٍ من بركات هذه العبادة، وهي: أنَّ ذاكر الله تعالى في السرَّاء سيجد أثر ذلك في الضرَّاء، وهذا ما جملة معنى قوله صلى الله عليه وسلم:(تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفك في الشِّدَّة)(1).
وثاني هذه الوصايا: «وإذا ذكرت الموتى، فاجعل نفسك كأحدهم» ، وهذه الوصيَّة من جملة مئات الوصايا التي كان يوصي بها السلف أصحابهم، وكان أبو الدرداء يقول في بعض مواعظه:«إنَّ من أكثر ذكر الموت، قلَّ حسده وبغيه» (2)، «وما أكثر عبدٌ ذكر الموت، إلا رأى ذلك في عمله، ولا طال أمل عبدٍ قطُّ، إلا أساء العمل» (3)؛ ولهذا كان يقول سعيد بن جبيرٍ: «لو فارق ذكر الموت قلبي، خشيت أن يفسد عليَّ قلبي» (4)، بل قال سفيان الثَّوريُّ رحمه الله مبيِّناً أثر تذكُّر هذه الحقيقة:«لو أنَّ البهائم تعقل من الموت ما تعقلون، ما أكلتم منها سمينًا» (5).
ومن القصص المشهورة في هذا الباب: قصة دخول أبي العتاهية على هارون الرَّشيد، فلمَّا دخل قال له هارون: عظني بأبيات شعرٍ وأوجز، فأنشده:
لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس
…
ولو تمنَّعت بالحجَّاب والحرس
وأعلم بأنَّ سهام الموت قاصدةٌ
…
لكلِّ مدَّرعٍ منَّا ومتَّرس
ترجو النَّجاة ولم تسلك مسالكها
…
إنَّ السَّفينة لا تجري على اليبس
فخرَّ هارون مغشيًّا عليه (6).
(1) قال البوصيريُّ في إتحاف الخيرة المهرة (7/ 383): «
…
ورواه التِّرمذيُّ مختصرًا وقال: حسنٌ صحيحٌ»، ولفظ الترمذي هنا: الترمذي ح (2516).
(2)
الزهد؛ للإمام أحمد (ص 117).
(3)
الزهد؛ للإمام أحمد (ص 218).
(4)
الزهد؛ للإمام أحمد (ص 300).
(5)
حلية الأولياء (6/ 392).
(6)
روضة العقلاء (ص 285).
وبالجملة، فإنَّ من أكثر من ذكر الموت، أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاطٌ في العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرِّضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة (1).
وثالث وصايا أبي الدرداء لهذا الرجل: «وإذا أشرفت نفسك على شيءٍ من الدُّنيا، فانظر إلى ما يصير» ! إي والله! إنَّها لسلوةٌ وأيُّ سلوةٍ؟! فمن تعلَّقت نفسه أو أشرفت على شيءٍ من حطام الدُّنيا حتى تأثَّر قلبه بذلك، فليبادر إلى تذكُّر مصير هذه الحياة، التي قال فيها خالقها سبحانه:{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]. وقد كثرت من أبي الدرداء أمثال هذه الوصايا، ومن ذلك قوله رضي الله عنه:«لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت، ما أكلتم طعامًا بشهوةٍ، ولا شربتم شرابًا على شهوةٍ، ولا دخلتم بيتًا تستظلُّون فيه، ولحرصتم على الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم! ولوددتُّ أنِّي شجرةٌ تعضد ثم تؤكل» (2).
وقال مرةً يعظ أهل دمشق: «يا أهل دمشق، اسمعوا قول أخٍ لكم ناصحٍ، ما لي أراكم تجمعون فلا تأكلون؟ وتبنون فلا تسكنون؟ وتأملون فلا تدركون؟ إنَّ من كان من قبلكم جمعوا كثيرًا، وبنوا شديدًا، وأمَّلوا
(1) تنبيه الغافلين (ص 41).
(2)
الزهد؛ للإمام أحمد (ص 114).
بعيدًا، فأصبح ما جمعوا بورًا، وما أملوا غرورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا» (1).
وكان أبو الدرداء إذا رأى جنازةً قال: «اغدوا فإنَّا رائحون، أو روحوا فإنَّا غادون، موعظةٌ بليغة، وغفلةٌ سريعة، كفى بالموت واعظًا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له» (2).
* * *
• ومن مواعظه رضي الله عنه:
ما رواه جبير بن نفيرٍ (3): أنَّه لما فتحت قبرس، فرِّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعضٍ، ورأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يومٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله؟! قال:
ما أجمل الموعظة بالموقف!
ها هو العالم الحكيم، صاحب النظر الثاقب، يلفت النظر إلى معنًى قد يغيب في لحظة الفرح بانتصار المؤمنين، إنَّه النظر والتأمُّل في سنن الله في الأمم والمجتمعات، التي انطبقت على هذه الأمة التي لمَّا تمرَّدت على سنن الله حلَّت بها المثُلات! وتأمَّل في هذه العبارة المتينة:
«بينا هي أمَّةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ، لهم الملك، تركوا أمر الله؛ فصاروا إلى ما ترى» ، هل تأمَّلت هذه الأوصاف الثلاثة:«قاهرةٌ، ظاهرةٌ، لهم الملك» ؟
(1) تاريخ دمشق (47/ 131).
(2)
حلية الأولياء (1/ 217).
(3)
حلية الأولياء (1/ 216).
وكأنَّه بلسان الحال يقول: يا أمة محمدٍ، إن سقط عرش هذه الدولة، ومكَّنكم الله من أرضهم وديارهم، فاعلموا أنَّكم إن سلكتم سبيلهم، فستحقُّ عليكم السُّنَّة نفسها، وهذا ما حصل بالفعل؛ فلقد رجعت قبرس إلى النَّصارى ثانيةً، لمَّا ضعف المسلمون، وتخلَّوا عن دينهم، فتغلَّب عليهم النصارى، فهل من مُعتبرٍ؟
* * *
• ومن مواعظه رضي الله عنه (1):
«تفكُّر ساعةٍ، خيرٌ من قيام ليلةٍ» .
كان أبو الدرداء مشهورًا بهذه العبادة العظيمة، وهي عبادة التفكُّر، ولعلَّ ما أثر عنه من حكمٍ كثيرةٍ من آثار هذا التفكُّر الطويل، الذي يقود - مع العلم - إلى بديع الحكمة، وجميل الموعظة.
وقد يقول قائلٌ: كيف فضَّل أبو الدرداء التفكُّرَ على قيام الليل؟
والجواب: أنَّ التفكُّرَ نفعه مُتعدِّ وأعمُّ، وأثره أكبر للأمة، فهو من جملة العلم الذي يتعلَّمه الإنسان؛ ولهذا أثنى الله تعالى على العُبَّاد الذين يجمعون بين العبادتين فقال:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} الآيات [آل عمران: 190، 191].
وقد سأل التابعيُّ الجليل عون بن عبد الله زوجة أبي الدرداء الصُّغرى: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكُّر والاعتبار.
(1) الزهد؛ لهناد بن السري (2/ 468).
علَّق مسعر بن كدامٍ على هذا الجواب قائلًا: «وكان من الذين أوتوا العلم» (1).
ولعيش أبي الدرداء مع هذه العبادة؛ نُقِلت عنه الكثير من الحكم والمقولات المباركة، والتي نتفيَّأ ظلالها منذ ثلاثة مجالس من مجالس وعظه، ولم يزل في الجعبة شيءٌ من مواعظه رضي الله عنه، والتي نكملها في المجلس القادم.
* * *
(1) حلية الأولياء (7/ 300).