المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أبو نصر الفارابى - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٢

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌أبو نصر الفارابى

‌أبو نصر الفارابى

أعظم فلاسفة الإسلام قبل ابن سينا، وهو تركى المنتسب، واسمه محمد بن محمد بن طَرْخان أبو نصر الفارابى. ولد فى وَسيج وهى محلة صغيرة منيعة فى إقليم فاراب (أطرار) فيما وراء النهر. ويقال إن أباه كان قائدًا، وانتقل هو إلى بغداد يدرس على الطبيب النصرانى يوحنا بن حَيْلان، وتعلم صحبة أبى بشر متى النصرانى النسطورى الذى اشتهر بترجمته للكتب اليونانية، ثم التحق ببلاط سيف الدولة الحمدانى صاحب حلب، وعاش فى كنفه عيشة المتصوفة، واصطحبه هذا الأمير فى فتحه مدينة دمشق، وتوفى أبو نصر بها عام 339 هـ (950 م) بالغًا من العمر ثمانين عامًا.

واشتهر أبو نصر بصفة خاصة بشروحه على مؤلفات أرسطو، وقد أكسبته هذه الشروح لقب "المعلم التانى"، وأرسطوطاليس هو المعلم الأول " فشرح كتب "المقولات" و"العبارة" و"القياس" و"البرهان" و"الجدل" و"المغالطة" و"الخطابة"

و"الشعر"، أى أنه شرح جميع الكتب التى يتألف منها المنطق بأوسع معانيه. وقدم لهذه المجموعة المنطقية بشرح لكتاب "الإيساغوجى" لفرفوريوس.

أما فى الأخلاق فقد شرح كتاب أرسطو فى "الأخلاق إلى نيقوماخوس". وشرح فى علم النفس "كتاب النفس" للإسكندر الأفروديسى. وشرح فى باب العلم "طبيعيات أرسطو" وكتابيه فى "الآثار العلوية" و"السماء والعالم" وكتاب "المَجَسْطِى" لبطلميوس.

ولم تقتصر مؤلفات الفارابى بأية حال على شروح كتب اليونان بل له كثير من الكتب الأصيلة الخاصة. فله فى علم النفس والإلهيات رسائل فى "العقل والمعقول" و"النفس" و"قوى النفس" و"الواحد والوحدة" و"الجوهر" و"الزمان" و"الخلاء" و"المكان" و"المقاييس".

وقد دعا الفارابى إلى رأى يبدو اليوم عجيبًا شاذًا تبرره نزعة فلاسفة المشرق إلى توحيد المذاهب المختلفة. ذلك

ص: 404

هو أن الفلسفة القديمة يجب أن تكون واحدة أو على الأقل ينبغى ألا يكون هناك تناقض بين قطبيها الكبيرين اللذين يمثلانها وهما أرسطو وأفلاطون. فمذهباهما يجب ألا يكونا سوى التعبير عن حقيقة واحدة بأسلوبين مختلفين. وكتب الفارابى فى هذا المعنى عدة رسائل: "كتاب الجمع بين رأيى الحكيمين أفلاطون الإلهى وأرسطوطاليس" و"أغراض أفلاطون وأرسطو" و"كتاب التوسط بين أرسطوطاليس وجالينوس"، ويجب أن نلاحظ أن فيلسوفنا كان يعتقد بصحة نسبة كتاب "أثولوجيا" إلى أرسطوطاليس، وهو كتاب منحول، فى الأفلاطونية الجديدة، كتب على نهج تاسوعات أفلوطين. وقد أدى هذا الخطأ إلى أن يكون أبو نصر فكرة خاطئة إلى حد بعيد عن مذهب المشّائين.

وقد نشر ديتريتشى Dieterici تسع رسائل صغيرة للفارابى أهمها "رسالة فصوص الحكم" وهى تشتمل على أنظار كثيرة كتبت فى إيجاز، وكانت كثيرة الذيوع عند المشارقة. ولها شرح كتبه إسماعيل الحسينى الفارابى أحد كتاب القرن الخامس عشر الميلادى. وقد طبع هذا الشرح بالمطبعة العامرة عام 1291 هـ وجعله هورتن M. Horten موضوعًا لدراسته. ونشر ديتريتشى للفارابى غير تلك الرسائل "رسالة آراء أهل المدينة الفاضلة" وهو كتاب هام يقع فى أربعة وثلاثين فصلاً تأثر فيه فيلسوفنا الإسلامى بأفلاطون، وبين فيه كيف يتصور نظام المدينة الفاضلة: فهذه المدينة يتولى أمرها الحكماء، وغايتها محاكاة الكمال الذى فى المدينة السماوية، فيعداد أهلها للحصول على السعادة الأخروية. وليس لهذه النظرية إلا نفع عملى قليل ولكن لها بعض الأهمية فى موضوع الإلهيات.

وكان غرض الفارابى، شأن غيره من فلاسفة مدرسته، أن يحيط بجميع العلوم. ويظهر أنه كان عالمًا بالرياضيات بارعًا وطبيبًا لا بأس به. وكتب كذلك فى العلوم الخفية، كما كان إلى جانب هذا موسيقيًا متفننًا ندين له بأهم رسالة عن نظرية الموسيقا

ص: 405

الشرقية، وكان يوقع على المزهر ويؤلف الألحان. وقد أثارت عبقريته إعجاب سيف الدولة، ولا يزال دراويش المولوية يحفظون أغانى قديمة تنسب إليه.

ومذهب أبى نصر مذهب المدرسة التى عرفت فى الإسلام بـ "الفلاسفة" أى مذهب الأفلاطونية الجديدة فى صورته الإسلامية. وهذا المذهب كان الكندى قد بدأ يعبّده من قبل، ووصل به ابن سينا فى مصنفاته إلى أكمل صورة من بعد. ومن المرجح أن الفارابى قد خالف الكندى وابن سينا فى بعض المسائل، ولكن من العسير أن نحددها. ويجب أن نقف موقف التحفظ إن لم يكن موقف الشك عند بسط تفاصيل مذهبه. فمؤلفاته لم تصل إلينا جميعها وإنما وصل إلينا جانب ضئيل منها. ثم إن أسلوبه غامض بعض الشئ، فكثير من رسائله التى بين أيدينا عبارة عن حكم مقتضبة غاية الاقتضاب يتلو بعضها بعضًا فى غير ترتيب. زد على ذلك أننا لا نستطيع أن نأمن التناقض فى مصنفات كثيرة يظهر فيها مرة بعد أخرى اثر أرسطو وافلاطون وأفلوطين. بل لا يمكن أن تخلو من بعض التناقض أيضًا للك الفكرة الأساسية فى مذهبه التى تنحو إلى التوفيق بين أرسطو وأفلاطون من جهة، وبين هذه الفلسفة الناجمة عن التوفيق والعقيدة الإسلامية من جهة أخري.

وقد اعتقد ده بور M. T. J . de Boer أنه يستطيع أن يدل على مواطن الخلاف البَيِّن بين أبى نصر وغيره من أعضاء مدرسة "الفلاسفة" وخاصة الرازى المشهور الذى عاصره. وهذا الخلاف على ما يرى ده بور ينحصر فى أن مذهب أبى نصر يعتمد على القياس والنظر ويقوم بأكمله على المنطق الخالص، بينما تعتمد فلسفة الرازى على التجربة والاستقراء وتتجه دائماً نحو الأمور المادية المشخصة. ولست أعتقد أن هناك حقيقة مذهبين مختلفين، لأن مذهبيهما شقان أو مظهران لمذهب واحد أعم منهما: فقد تناول الرازى الجوانب المادية المشخصة من المذهب لأنه كان طبيبًا وطبيعيًا مشهورًا، بينما تناول الفارابى الجوانب المجردة منه

ص: 406

لأنه كان أميل إلى المنطق والرياضيات والأنظار الصوفية. ونجد هذين الشقين ملتئمين فى فلسفة ابن سينا.

على أننى بينتُ فرقاً بين أبى نصر وابن سينا فى موقف التصوف من مذهبيهما. فالتصوف لا يظهر فى مذهب ابن سينا إلا فى آخره تاجاً يتوِّجه، وهو جزء منفصل تمام الانفصال عما عداه من أجزاء مذهبه، وقد عالجه بمهارة فائقة على أنه فصل من فصول فلسفته التى كان عليه أن يبسطها من وجهة موضوعية بحتة. والأمر على نقيض ذلك عند الفارابى، فالتصوف يتخلل جميع مذهبه، وعبارات المتصوفة شائعة تقريبًا فى كل أقواله، وكأنما التصوف عنده ليس نظرية من النظريات وإنما هو

حالة ذاتية. وقد ساهمت هذه الحالة الذاتية فى جعل مذهبه غامضا بعض الشئ.

ومن المعروف أن ابن سينا أكثر وضوحًا وأسد منهجًا وأقوم نظامًا من الفارابى، وقد بلغت الفلسفة الإسلامية بمصنفاته إلى أكمل صورها؛ نلمس هذا التباين فى وضوح الفكرة عند تعرضهم لمسألة هامة هى مسألة خلود كل نفس على انفرادها. فالإنسان على الحقيقة هو النفس الناطقة أو "العقل" الذى يشرف عليه عالم الروح والمعانى أى "العقل الفعال" ودلك العقل هو ما يبقى من الإنسان بعد موته ولكن هل يبقى متحد، بالعقل الفعال؟ أم يظل مستقلاً بذاته حافظًا لمشخصاته؟ كتب أبو نصر بعض فقرات على وجه يجعلنا نعتقد بأنه كان من أنصار الرأى الأول، ومع ذلك فلا سبيل إلى الشك فى أنه كان يعتقد بخلود كل نفس على انفرادها، فهناك فى كتابه "المدينة الفاضلة" فقرة يبين فيها أن النفوس الخيرة تصل إلى المدينة السماوية، وأن كل واحدة منها تذوق من اللذة ما يعدل عدد النفوس كلها. وقد زعم ابن طُفَيْل أيضًا -وكان لا يميل إلى أبى نصر على ما يظهر- أن فيلسوفنا كان متشككًا فى خلود كل نفس على انفرادها (S. Munk: مقاله عن الفارابى فى Dic- tionnaire (des Sciences philosophiques) وهذا الاتهام يجب أن يعزى سره إلى بعض فقرات كتبها الفارابى على وجه ناقص غامض.

ص: 407

وقد أشار ده بور أيضًا إلى فارق آخر بين الفارابى وغيره من فلاسفة مدرسته، وهو أن ابن سينا لم يجعل المادة صادرة عن الله كما جعلها الفارابى. ويقول هذا الكاتب إن الفارابى تصور المادة على أنها فائضة عن الله بتنقلها فى أوساط روحية مختلفة. ولست أعتقد أن هذا الرأى صائب، ذلك لأن الفارابى فى رسالته المسماة مبادئ الموجودات، التى بقيت لنا ترجمتها العبرية بقلم موسى بن نبون طبعة فبليبوفسكى Philoppowski فى الكتاب السنوى ليبسك سنة 1948 م) يذكر سلسلة المبادئ على وجه يجعلها أشبه شئ بالفيض: إذ يفيض عن الله العقل الأول أو العلة الأولى، ويفيض عن هذه عقول الأفلاك على ترتيبها وآخرها العقل الفعال. ويتلو ذلك النفس الكلية ثم الصورة ثم المادة آخر الأمر. تتمشى

إلهيات ابن سينا مع هذا الترتيب.

والمادة التى نتحدث عنها هنا هى جوهر العالم الذى يحمل إمكانه. فالعالم يبدأ وجوده من هذه المادة وليس يخرج مباشرة من العدم الصرف. والأفلاك السماوية التى تستمد حياتها من نفوسها إنما قد حركها المحرك الأول، وليس هذا المحرك هو الله نفسه ولكنه العقل الأول الصادر عنه.

وحاول الفارابى التوفيق بين أرسطوطاليس وأفلاطون فى مسألة قِدم العالم. ففى رسالته المسماة "الجمع بين رأى الحكيمين أفلاطون الإلهى وأرسطوطاليس" زعم أن أرسطو لم يعتقد بقدم العالم: فالخالق أبدع العالم دفعة واحدة فى غير زمن، ثم حركة المحرك الأول فنشأ "الزمان" عن حركة الأفلاك. وبعبارة أخرى يكون الزمان متأخرًا بالذات عن وجود العالم بالفعل. ومع هذا فإن فلاسفة هذه المدرسة قد ذهبوا إلى أن اللاتناهى من جهة الماضى أمر ممكن: فوفقًا لابن سينا لا يمكن أن يوجد فى آن واحد (بالفعل) عدد لا يتناهى، ولكن يمكن أن يوجد عدد لا يتناهى إذا لم تكن أجزاؤه موجودة معا بالفعل فى آن واحد. فيمكن أن يقال إن

ص: 408

الأفلاك السماوية قد تحركت حركات غير متناهية فى عددها فى الماضى، وعلى هذا فالزمان قديم. ولكن يجابه هذا الرأى مشكلة، وهى أن نفوس الأشخاص الذين انقضت حياتهم لا تزال باقية بالفعل لأنها غير فانية، وعلى هذا يكون هناك عدد لا يتناهى من الأنفس موجود بالفعل فى آن واحد. والفارابى فى رسالته "المدينة الفاضلة" يتحدث مع ذلك عن النفوس فى العالم الآخر كما لو كان عددها متناهيًا. ولا يمكننا على وجه التحقيق أن نقول إن هؤلاء الفلاسفة لا يتناقضون أحيانًا. وهم يشرحون بثقة متساوية مذاهب فلاسفة كثيرًا ما تتعارض فيما بينها فيحدث عن ذلك بالضرورة بعض القلق وعدم التثبت فى مذاهبهم الخاصة.

المصادر:

(1)

Das Buch der Ring-: H.Morten steine Farabis mit dem Kommentar des Emir Ismail el Hoseini el- Farani ubersetzt und erlautert (Beitrage zur Gesch. der Philosophie des Mittelalteres جـ 5) مونشتر سنة 1906 م، وفى هذا المقال ترجمة للفارابى، ص 18 - 28.

(2)

Al-Farabi: M. Steinschneider des arabischen philosophen Leben und schriften (Memoires d Acad. Imperiale des Sciences de st. petersbourg جـ 13، رقم 4) سانت بطرسبرغ سنة 1869 م.

(3)

Alfarabis phi-: Dieterici losophische Abhandlungen، (ليدن سنة 1809 م، وفى هذا الكتاب تسع رسائل صغيرة للفارابى).

(4)

Alfarabis Abhandlung.: Dieterici der Musterstaat (ليدن سنة 1895 م، وفى هذا الكتاب النص العربى).

(5)

Die Staatsleitung: Bronnie (ليدن سنة 1904 م).

(6)

Gesch der phi-: T J. de Boer losophie im Islam، (شتوتكارت سدة 1901 م، النسخة الانكليزية، لندن سنة 1903 م) انظر الفهرس.

(7)

Avicenne: Carra de Vaux باريس سنة 1900 م، ص 91 - 116.

ص: 409