الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أُحُد
جبل على نحو ثلاثة أميال من شمالى المدينة، اشتهر للمعركة التي دارت هناك في السنة الثالثة للهجرة والتي انتهت بما لا يحب محمد [صلى الله عليه وسلم] وهو جزء من سلسلة عظيمة من التلال التي تمتد من الشمال إلى الجنوب حيث
تنتشر شرقًا على السهل مكونة مجموعة مستقلة من التلال. والجدر الصخرية المحاطة بنجد على هيئة مثلث قائم الزاوية -ليست بذات شناخيب "رؤوس" كما يقول ياقوت- والتي "ترتفع وكأنها أشبه بكتل من حديد"، (بيرتون) فوق السهل مقفرة تمامًا من الأشجار والنباتات، وكل ما هنالك أن صفحة الجدار الجنوبى تشقها مهواة كان لها نصيب حاسم في المعركة. والأرض المحيطة صخرية مغطاة بالحصباء، لكن إلى أقصى الجنوب ثمة قليل من حقول القمح وبساتين يرويها جدول صغير. غير أن هذه قد تغمرها في بعض الأحيان عواصف ممطرة مفاجئة حتى إن الحجاج الوافدين من المدينة لا يستطيعون أن يبلغوا التل.
والمكيون الذين أخذوا يعدون للثأر من هزيمة بدر عسكروا في حقول القمح التي سبق ذكرها قريبًا عند العِرض أو الجُرف، وكانت هذه الحقول عندهما مليئة بالقمح الناضج فأمدت حيواناتهم بالعلف. وقد استكره محمد [صلى الله عليه وسلم] على ترك المدينة ليلقى عدوه في الحقل المكشوف، وكان هذا على غير إرادته وعلى غير ما نصح به الشيوخ، فمضى بلا عائق إلى ما وراء معسكر العدو وصف عسكره على سفح التل جاعلًا ظهورهم إليه، وكان تخطيط العدو لا يقل عن ذلك غرابة.
وقد رأى محمد [صلى الله عليه وسلم] أولًا أن حمية أتباعه سوف تحقق له نصرًا أشبه بذلك يوم بدر. غير أن الرماة الذين أقامهم النبي فوق التل آمرًا إياهم في جلاء بأن يحولوا دون مهاجمة العدو لجناح الجيش وبألا يتركوا مراكزهم، كانوا غير قادرين على أن يضبطوا أنفسهم حين رأوا المعسكر المكي يُغنم فخفوا ليروا ما يمكنهم أخذه، وبنظرة خاطفة رأى خالد بن الوليد في الحال مكان الضعف، وحين هاجمه سرعان ما
انقلبت الكفة. وحين انتشرت الشائعة بأن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] سقط قتيلا أخذ المسلمون في التخاذل، ثم عم الهرب أخيرًا. وفي الحق إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم تنله غير جراحات وأن نفرًا من أتباعه أفلحوا في إخفائه في المهواة. ومن حسن الحظ أن المكيين الذين كانوا أقل تجربة بالشئون العسكرية لم يعرفوا كيف يصلون نصرهم وأخذوا في الرجوع إلى ديارهم. وبهذا نجا النبي [صلى الله عليه وسلم] من أسوأ العواقب، وقدر له أن يحزن لفقد كثيرين من أتباعه من بينهم عمه حمزة الذي أحس حسرة خاصة لفقده. وليس من السهل أن نحصل على فكرة واضحة عن معاملة القتلى، إذ إن النقول تختلف أشد اختلاف. فيقال إن المدينيين أحضروا موتاهم أول الأمر إلى المدينة، غير أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سرعان ما منع هذا؛ وبعض هذه النقول يسمى قبرًا عامًا وضع فيه حفظة القرآن في الصف الأول، وأما عن الآخرين فقد دفن الشهداء فرادى أو اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وبعض المراجع تقول إن المقابر العامة المزعومة لشهداء أحد هي في الحقيقة لأولئك البدو الذين ماتوا جوعًا في حكم عمر (الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص 143). وعلى أية حال فالأخبار كلها متفقة في ميلها إلى تمجيد حمزة. ويقال إن النبي [صلى الله عليه وسلم] كبّر عليه أولًا، وإن جثث الموتى الآخرين وضعت إلى جانبه واحد، إلى جانب الآخر وصلى عليهم محمد [صلى الله عليه وسلم] سبعين مرة، وكان يضمّن اسم حمزة الصلاة على كل جثة جديدة. وكان النبي [صلى الله عليه وسلم] يذهب بعد ذلك إلى أحد كل سنة ليزور قبر حمزة والقبور الأخرى، وهكذا فعل الخلفاء الأولون أيضًا، ويقال إن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] أمر النساء في ندب كل ميت من الأنصار أن يبدأن بندب حمزة، وبهذا غدا أحد من أعظم الأماكن شهرة لحج المسلمين. وبنى مسجد على قبر حمزة؛ وقد ذكره المقدسى، وهو يقع إلى الخلف من بئر قريبة من مقابر الشهداء الآخرين. وثمة وصف مختصر لابن جبير في القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادى) وقد ذكر قبل كل شئ مسجد حمزة إلى الجانب الجنوبى من التل على مسيرة ثلاثة أميال إلى الشمال من المدينة. والمسجد مبنى على مقبرته
والضريح إلى الشمال منه في مكان مكشوف؛ وتلقاءه تقع مقابر الشهداء الآخرين، وتلقاءهم الكهف الذي أوى إليه النبي [صلى الله عليه وسلم] وهو فى الجزء الأسفل من التل. وحول مقابر الشهداء جدار منخفض من التراب الأحمر يعزى إلى حمزة وعنده يطلب الناس البركة. وخير الأوصاف الحديثة هو وصف بوركارت الذي زار المكات سنة 1814 م بعد أن أتى عليه الوهابيون، ومن وصفه يمكن أن ننقل الآتى: "على نحو ميل من المدينة يقوم مبنى من الحجارة والآجر مخرب حيث ثمة صلاة قصيرة تتلى في ذكر ما فعله محمد [صلى الله عليه وسلم] في هذا المكان حين وضع عليه درعه وخرج لمقاتلة العدو. وإلى بعيد من هذا حجر كبير إليه فيما يقال استند محمد بضع دقائق فى طريقه إلى أحد
…
وإلى الشرق من هذا الحزن نجد الأرض المؤدية إلى الجبل قاحلة صخرية وبها رابية على منحدرها يقوم مسجد من حوله نحو من اثنى عشر بيتًا مخربًا كانت قبلا دورًا خلوية لمتعة أهل المدينة الأثرياء، وإلى القرب منها صهريج ملأه ماء المطر. والمسجد مبنى مربع صلد، على مساحة صغيرة. وقد أزال الوهابيون قبته، غير أنهم أبقوا على المقبرة. والمسجد يضم مقبرة حمزة ومقابر المبرزين من الرجال الذين قتلوا في المعركة، أعنى مصعب بن عُمَيْر، وجعفر بن شَمّاس (غير مذكور في الأخبار) وعبد الله بن جحش. والمقابر في ساحة صغيرة مكشوفة، وثمة أكوام من التراب حواليها أحجار قليلة مبعثرة تشبه تلك التي في البقيع، وإلى جانبها رواق صغير يستخدم مصلى. وغير بعيدء في الطريق إلى الجبل وعلى قيد مرمى طلقة فحسب، قبة صغيرة تشير إلى المكان الذي فيه رمى محمد [صلى الله عليه وسلم] في المعركة بحجر
…
وعلى مسافة قصيرة من هذه القبة التي تدمرت كسائر المبانى الأخرى، ثمة مقابر لاثنى عشر آخرين من أشياع النبي [صلى الله عليه وسلم] الذين قتلوا في المعركة
…
وكثيرًا ما يزور أهل المدينة أحد ضاربين خيامهم في الدور الخربة حيث يمكثون أياما قلائل، لاسيما الناقهون من الأمراض، الذين نذروا خلال مرضهم أن يذبحوا شاة إكرامًا لحمزة
إن ظفروا بالشفاء. وفي سنة من السنين (في يوليو كما أعتقد) احتشد السكان هناك حشودًا، وبقوا أيامًا ثلاثة، وكأنها أيام عيد الولى. وثمة أسواق منتظمة قائمة هناك، وهذه الزيارة تكون للمدينة ملهاة من ملاهيها الرئيسية العامة". وفي الأزمنة الحديثة يسجل "ويفل Wavell" أن إنشاء الخط الحديدى إلى المدينة في سنة 1906 م أحدث بلبلة بين البدو أن فيما أدت إليه إلى تنصل بني على -الذين كان عليهم حماية الحجاج الذين يزورون قبر حمزة- من تحمل أية مسئولية، على حين أنهم لم يضعوا أية عقبات في طريق الحجاج.
ولقد أباح الوهابيون الذين يحكمون اليوم شمالى الجزيرة العربية، الحج ولكنهم منعوا التوسل بالأماكن المقدسة جميعًا.
المصادر:
(1)
الإصطخرى، المكتبة الجغرافية العربية، جـ 1، ص 18.
(2)
المقدسي، المكتبة الجغرافية العربية، جـ 3، ص 82.
(3)
ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، ص 77.
(4)
ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص 557 وما بعدها.
(5)
الطبرى، طبعة ده غويه، جـ 1، ص 139 وما بعدها.
(6)
الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص 101 وما بعدها.
(7)
ابن سعد، طبعة سخاو، جـ 2، قسم 1، ص 25 وما بعدها، جـ 3، قسم 1، ص 4 وما بعدها.
(8)
Reisen in Arabien: Burckhardr، ص 553 وما بعدها،
(9)
A Pilgrimage to Mekka: Burton طبعة تذكارية سنة 1893 م، جـ 1، ص 423 وما بعدها.
(10)
A. Modern Pilgrim: Wavell سنة 1908 م، ص 62 وما بعدها.
(11)
Annali dell Islam: Caetani جـ 1، ص 540 - 566.
الأبيارى [بول Fr. Buhl]