المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة - موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام - جـ ٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الثاني: بم يدرك حسن الأفعال وقبحها والثواب عليها والعقاب عند المعتزلة

- ‌المبحث الثالث: رأي المعتزلة في أفعال العباد

- ‌المبحث الرابع: أفعال التولد

- ‌المبحث الخامس: رأي المعتزلة في اللطف والصلاح والأصلح ومناقشتهم

- ‌المطلب الأول: مسالة اللطف

- ‌المطلب الثاني: مسألة الصلاح والأصلح

- ‌المبحث السادس: رأي المعتزلة في بعثة الرسل

- ‌الفصل الرابع: الأصل الثالث الوعد والوعيد

- ‌المبحث الأول: رأي المعتزلة في الوعد

- ‌المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الوعد مع المناقشة

- ‌المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوعيد

- ‌المطلب الأول: شبهات المعتزلة التي أيدوا بها رأيهم في الوعيد مع المناقشة:

- ‌المبحث الثالث: حقيقة الشفاعة ورأي المعتزلة فيها

- ‌المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الشفاعة مع المناقشة

- ‌المبحث الرابع: الإحباط والتكفير عند المعتزلة ومناقشتهم

- ‌المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإحباط

- ‌الفصل الخامس: الأصل الرابع المنزلة بين المنزلتين

- ‌الفصل السادس: الأصل الخامس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌المبحث الأول: رأي المعتزلة في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقسامه

- ‌المطلب الأول: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة وأقسامه:

- ‌المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم، وهل يفرقون بين قتال الكافر والفاسق

- ‌المبحث الثالث: مناقشة رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع بيان رأي أهل السنة:

- ‌المبحث الأول: حقيقة الإيمان عند المعتزلة

- ‌المبحث الثاني: الصلة بين الإيمان والإسلام

- ‌المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصه

- ‌المبحث الرابع: منهج المعتزلة في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد

- ‌المبحث الأول: منهج المعتزلة في تفسير القرآن الكريم

- ‌المبحث الثاني: موقف المعتزلة من السنة

- ‌المبحث الثالث: صور من انحرافات المعتزلة عن السنة

- ‌المبحث الأول: التطور الفكري للمعتزلة

- ‌المبحث الثاني: التطور السياسي للمعتزلة

- ‌المطلب الأول: نشأة الفرقة وتكونها في العصر الأموي

- ‌المطلب الثاني: المعتزلة في العصر العباسي

- ‌المطلب الثالث: المعتزلة بعد المتوكل

- ‌المطلب الرابع: المعتزلة في عصر البويهيين

- ‌المبحث الأول: وظيفة العقل في الإسلام

- ‌المبحث الثاني: مجال العقل في الإسلام

- ‌المبحث الثالث: نشأة الفرق العقلية

- ‌المبحث الرابع: مفهوم العقل عند المعتزلة

- ‌المبحث الخامس: من مباحث المعتزلة المجافية للعقل والمخالفة للسنة

- ‌المبحث الأول: موقف المعتزلة من الصحابة رضوان الله عليهم

- ‌المبحث الثاني: أثر أصولهم الخمسة العقدية في آرائهم الأصولية

- ‌المبحث الثالث: مناقشة المعتزلة في خوارق العادات

- ‌المبحث الرابع: موقف المعتزلة من الحكمة والتعليل

- ‌المبحث الخامس: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لإبطال صفة الكلام

- ‌المبحث السادس: بين المعتزلة والقدرية والجهمية

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: نماذج من تأويلات المعتزلة لنصوص الصفات والقدر

- ‌المطلب الثاني: مقارنة بين منهج المعتزلة ومنهج الجهمية في التأويل

- ‌المطلب الثالث: ذكر شبه المعتزلة في القول بخلق القرآن ونقضها

- ‌المطلب الرابع: أفول المدرسة العقلية القديمة:

- ‌المطلب الخامس: موقف السلف من المعتزلة وتأويلاتهم

- ‌المبحث الثامن: المعتزلة في ميزان أئمة السلف

- ‌المبحث الأول: المدرسة العقلية الحديثة وفكر الاعتزال

- ‌المبحث الثاني: نشأة المدرسة العقلية الحديثة

- ‌المطلب الأول: جمال الدين الأفغاني

- ‌المطلب الثاني: محمد عبده

- ‌المبحث الرابع: أثرها في الفكر الإسلامي الحديث

- ‌المبحث الخامس: موقف المدرسة العقلية الحديثة من السنة النبوية

- ‌المبحث السادس: موقف علماء المسلمين منهم

- ‌المبحث السابع: موقف الاستعمار البريطاني منهم واعترافه بما قدموه له من خدمات

- ‌النتيجة

- ‌الخاتمة

- ‌الفصل الأول: وجود الخوارج في الماضي والحاضر

- ‌المبحث الأول: تعريف الخوارج لغة

- ‌المبحث الثاني: تعريف الخوارج اصطلاحا

- ‌الفصل الثالث: نشأة الخوارج

- ‌الفصل الرابع: أسماء الخوارج

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: النزاع حول الخلافة

- ‌المبحث الثاني: قضية التحكيم

- ‌المبحث الثالث: جور الحكام وظهور المنكرات بين الناس

- ‌المبحث الرابع: العصبية القبلية

- ‌المبحث الخامس: العامل الاقتصادي

- ‌المبحث السادس: الحماس الديني

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: نشأة فرق الخوارج وأسبابها

- ‌المبحث الثاني: مناهج مؤرخي الفرق في ذكر فرق الخوارج

- ‌المطلب الأول: المحكمة

- ‌المطلب الثاني: الأزارقة

- ‌المطلب الثالث: النجدات

- ‌المطلب الرابع: الإباضية

- ‌المطلب الخامس: البيهسية

- ‌المطلب السادس: الصفرية

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حركات الخوارج على الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النهروان

- ‌المبحث الثاني: حركات الخوارج الثورية ضد الحكم الأموي

- ‌المبحث الثالث: حركات الخوارج الثورية على الدولة العباسية

- ‌المبحث الأول: شجاعتهم وسرعة اندفاعهم

- ‌المبحث الثاني: مبالغتهم في العبادة والزهد

- ‌المبحث الثالث: فصاحتهم وقوة تأثيرهم

- ‌المبحث الرابع: صدقهم في الحديث

- ‌المبحث الخامس: ميلهم إلى الجدل وقوتهم فيه

- ‌المطلب الأول: بين العقل والشرع في التحسين والتقبيح

- ‌المطلب الثاني: بين ظاهر النص والتأويل

- ‌تمهيد

- ‌1 - صفات الله تعالى

- ‌2 - رؤية الله تعالى

- ‌3 - القول بخلق القرآن

- ‌4 - القدر

- ‌1 - وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة

- ‌2 - عذاب القبر

- ‌3 - الشفاعة

- ‌4 - الميزان

- ‌5 - الصراط

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: حقيقة الإيمان

- ‌المطلب الثاني: زيادة الإيمان ونقصه

- ‌المطلب الثالث: العلاقة بين الإسلام والإيمان

- ‌المطلب الأول: الحكم بتكفير العصاة كفر ملة

- ‌المطلب الثاني: الحكم بتكفير العصاة كفر نعمة

- ‌المطلب الثالث: حقيقة القول بالمنزلة بين المنزلتين عند الإباضية

- ‌المطلب الرابع: وجوب الوعد والوعيد

- ‌المطلب الخامس: أدلة الخوارج على تكفير العصاة والرد عليها

- ‌أ- أدلتهم من الكتاب والرد عليها:

- ‌ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها:

- ‌المطلب السادس: أدلة الإباضية على تكفير المذنبين كفر نعمة والرد عليها

- ‌المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: حكم الإمامة

- ‌المطلب الثاني: وحدة الإمامة

- ‌المطلب الثالث: شروط الإمام

- ‌المطلب الرابع: محاسبة الإمام والخروج عليه

- ‌المطلب الخامس: رأي الخوارج في إمامة المفضول

- ‌المطلب السادس: رأي الخوارج في إمامة المرأة

- ‌المطلب السابع: الفرق بين الخوارج والشيعة في الإمامة

- ‌المبحث السادس: آراء الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌تمهيد:

- ‌أ- القول بعدم جواز التقية

- ‌ب- القول بجواز التقية قولا وعملا

الفصل: ‌المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة

‌المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة

إن الاجتراء على تكفير أحد يدعي الإسلام بذنب من الذنوب لا يجوز، إلا إذا جاء بما يدل على كفره بمقتضى الأحكام الشرعية التي يثبت بها كفره في الدنيا وعذابه في الآخرة، وليس للعقل الحكم بكفر أحد بسبب معصية من المعاصي إلا بدلالة شرعية تبين ما يستحق الشخص المسلم بفعله الكفر وما لا يستحق من كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع العلماء عليه.

ونقول: إن الكفر لا يجوز إطلاقه على أحد إلا بحق، لأن الكفر له أحكام خاصة، فتهرق به دماء وتبطل به حقوق، وغير ذلك من أحكام الدنيا، وفي الآخرة قد توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، لهذا فلا يجوز الاجتراء على القول بكفر أحد وتخليده في النار إلا بما وافق الحق.

ولهذا كان لابد من التفرقة الواضحة بين الكفر والفسق، حتى نبطل تكفير الخوارج لأصحاب الذنوب، فالواقع أن دراستنا السابقة لمذهب الخوارج في حكم العصاة وأدلتهم – تدلنا على أنهم خلطوا بين حقيقتي الكفر والفسق، فسموا الفاسق كافر وأثبتوا له أحكامه.

ونحب أن نكشف هنا عن خطئهم في هذا المقام؛ ذلك أن توحيدهم بين الكفر والفسق يكون على أحد وجهين:

1 -

إما أن يكون التوحيد بينهما في اللفظ فقط دون إثبات أحكام أحدهما للآخر؛ فيسمون الفسق كفراً أو الفاسق كافرا ولو لم يثبت له شيء من أحكام الكفار، وهذا الوجه لم يقل به الخوارج وهو باطل في نفسه كذلك، لأن الكفر في الشرع قد ورد لمعاصي مخصوصة فلا يسمى كافرا إلا من ارتكبها كالكفر بالله واستحلال محارمه وإنكار ما عرف من دينه بالضرورة، بخلاف الفسق الذي يتمثل في ارتكاب الذنوب الأخرى دون استحلال لها.

وقد مايز الله تعالى بين الكفر والفسق والعصيان بقوله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]، فقد فصل الله تعالى بين الكفر والفسق وجعل كل واحد مستقلاً بنفسه والمعطوف غير المعطوف عليه؛ فصار الكفر نوعا والفسق نوعا آخر، والعصيان كذلك، فكرهها جميعا إلى قلوب المؤمنين وحبب إليهم الإيمان. وفي بيان هذه الأنواع يقول محمد بن نصر المروزي:"لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق بينهما فجعلهما ثلاثة أنواع: منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرها كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارجا عنه لم يفرق بينها، فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ، فدخل في ذلك جميع الطاعات"(1) الخ. ويقول الشوكاني في تفسيره الآية: "أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم، والعصيان جنس ما يعصى الله به"(2).

2 -

وإما أن يكون توحيدهم بين الكفر والفسق لفظا ومعنى وحكما، فيدعون أن أحكام الكفار وأحكام العصاة الفسقة سواء، لا فرق بينهما في الحكم الدنيوي والأخروي.

(1)((فتح القدير)) (5/ 60).

(2)

((إبانة المناهج في نصيحة الخوارج)) (ص164).

ص: 465

وهذا هو ما يذهب إليه الخوارج وهو باطل أيضا، لأن الله تعالى قد أثبت الإيمان للعصاة الفسقة في أحكام كثيرة نذكر منها على سبيل المثال ما ورد في آية اللعان بين الزوجين فإن مما لا شك فيه أن أحد الزوجين كاذب فيما نفاه عن نفسه، وإذا كان كاذباً –والكذب كبيرة- فإنه فاسق كما نص القرآن الكريم على فسقه إن كان كاذبا، وقد شرع الله بينهما اللعان لأن بقاء الزوجية قبل اللعان غير منتف مع فسق أحد الزوجين – كما قلنا. قال في إبانة المناهج:"فلو كان الفسق كفرا والكافر فاسقا لكانت الزوجية مرتفعة بينهما؛ إذ لا مناكحة بين مؤمن وكافر سيما إذا كان كفره ردة بعد إسلام متقدم، فكان يجب أن لا يصح وقوع الملاعنة بينهما؛ لأن الملاعنة إنما شرعت بين الزوجين لا بين الأجنبيين. فلما علمنا صحة اللعان بين القاذف وزوجته؛ علمنا أنه لم يكفر واحد منهما مع أن أحدهما فاسق بلا مرية، وذلك يوضح بطلان مذهب الخوارج في أن كل فاسق كافر وفي ذلك غنى لكل منصف"(1).

ثم إنه لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين أنهم حكموا في الفساق بحكم الكفار في الحقوق والواجبات، بل اعتبروا الفاسق مسلما وعاملوه معاملة المسلمين في جميع الحقوق. يقول جعفر بن أحمد مبينا الفرق بين معاملة الكافر والمسلم عند سلف الأمة:"ومما يدل على ذلك ما ظهر من إجماع الصحابة والتابعين؛ فإنه معلوم من أحوالهم أنهم لم يحكموا في الفاسق بأحكام الكفار فلم يحرموا ميراثه من المسلمين، ولا حكموا بحرمة زوجته عليه لأجل فسقه، ولا منعوا من دفنه في مقابر المسلمين، وهذا أظهر من أن يخفى على متأمل لولا شدة الميل عن الصواب والانحراف وقوة التعصب للآباء والأسلاف"(2).

هذا وقد تبين مما سبق أنه لا حجة للخوارج في كل ما استدلوا به من أحاديث على كفر مرتكب الكبيرة إذ أن تلك الأحاديث لم تدل دلالة صريحة على كفره كفر ملة، بينما نجد في الجانب الآخر ما يضاد هذا القول من نصوص صريحة واضحة لا تحتمل أي تأويل أو جدل؛ ذلك أن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [النساء:48]، فهذه الآية بيان واضح بأن الله يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك به تعالى، وهذا هو القول الحق في هذا الباب وهو الاعتقاد بأن الله يغفر الذنوب مهما كانت ما دام أن العبد قد اجتنب الإشراك بربه الذي هو المحبط الوحيد للعمل. وأما من مات على كبيرة غير تائب فأمره إلى الله إن شاء عذبه ثم أخرجه إلى الجنة برحمته، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النار غير الكافرين (3).

(1)((إبانة المناهج)) (ص164).

(2)

انظر: ((اللآلئ البهية)) (ص76).

(3)

((صحيح البخاري)) (1/ 10).

ص: 466

وأما ما استدلوا به من تلك الأحاديث السابقة فهي كما رأينا كلها إما أن تحمل على أنها واردة في حق المستحل لذلك، أو تكون واردة للزجر، أو غير ذلك مما قاله العلماء، على أنه قد وردت أحاديث صريحة في أن العصاة تحت المشيئة إذا ماتوا من دون توبة، ووردت أحاديث أخرى تدل دلالة صريحة على أن أهل الكبائر يدخلون الجنة وإن عذبوا بالنار بقدر ذنوبهم لكنهم يخرجون منها ولا يخلدون خلود الكافرين، وهذا هو ما يقتضيه العدل، ومن هذه الأحاديث:1 - ما جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه)) (1).

فالحديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على مرتكب الكبيرة الذي مات قبل أن يتوب بأنه كافر وإنما قال: "فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"؛ فالاحتمال قائم في أن يعفو الله عنه تلك الذنوب ما دام قد اجتنب الشرك. وأما ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن أهل النار يجازون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، فمثل قوله عليه السلام:((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياء: أو الحياة- شك مالك، أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (2).ويقول صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير))، وفي رواية:((من إيمان)) بدل: ((خير)) (3).وقال صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا)) إلخ الحديث (4).وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنا وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق- ثلاثا- ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر)) (5).

(1) رواه البخاري (18)، ومسلم (1709).

(2)

رواه البخاري (22)، ومسلم (184). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(3)

رواه البخاري (44)، ومسلم (193). من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(4)

رواه البخاري (6571)، ومسلم (186). من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(5)

رواه البخاري (5827)، ومسلم (94). من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

ص: 467

ولا يخفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه مرتكب الكبيرة فيقيم عليه الحد ولا يطلب إليه أن يعلن إسلامه من جديد، ولو كان مرتكب الكبيرة كافرا لاستتابه عليه الصلاة والسلام، ولطلب منه إعلان إسلامه من جديد. وهذا ما لم يروه أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في كبيرة ولا في صغيرة، على ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من جلد الزناة أو رجمهم، وجلد أهل الخمر. كما أنه لم ينقل عن الصحابة ولا عن أحد من العلماء أنه قال بتكفير أهل الذنوب كفر ملة، أو قال بتخليدهم في النار. وأما ما ورد من الأحاديث التي تصف من اقترف عملا من أعمال الجاهلية بأنه منهم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين عير رجلا بأمه:((إنك امرؤ فيك جاهلية)) (1)؛ فإن هذا لا يدل على أن من وجدت فيه خصلة من خصال الجاهلية أنه يكفر بذلك، وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا الحكم بقوله:"باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك"(2)، فلا دلالة للخوارج على تكفير أهل الذنوب وتخليدهم في النار. فمذهب أهل السنة والجماعة إذا أنه لا يخلد أحد من المؤمنين في النار مهما كان جرمه، فإن تاب فلا كلام فيه، وإن لم يتب فأمره مفوض لربه. قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال

وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً

وإن شاء عذبه القدر الذي يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة

وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص يحصل بها العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع" (3).

ولكن لماذا تمسك الخوارج ببدعة القول بتكفير العصاة وتخليدهم في النار، يقول الدكتور عزت عطية جوابا عن هذا السؤال:"الواقع أن القول بهذه البدعة كان وسيلة ساذجة لتجويز قتل المخالفين من المسلمين والتنفيس عن الأحقاد الكامنة في النفوس والوصول إلى أغراض أخرى لهم عن هذا الطريق"(4).ومع موقف الخوارج هذا من خصومهم من المسلمين إلا أننا نستبعد أن يكون هو الدافع إلى تكفيرهم العصاة، فقولهم هذا مبني على مذهبهم في الإيمان وعلاقة العمل به، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"إن الذي حمل الخوارج على القول بتخليد أهل الكبائر في النار أنهم اعتقدوا أن المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك فيلزم تكفير أهل الذنوب"(5) والقول بذهاب الإيمان بذهاب بعض الأعمال قد نفاه أهل السنة ولم يقولوا به؛ قال ابن تيمية: "فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته"(6).

‌المصدر:

الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص386

(1) رواه البخاري (30)، ومسلم (1661). من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

(2)

شرح النووي (1/ 217).

(3)

((البدعة)) (ص408).

(4)

((الإيمان)) (ص185، وانظر: ((الإبانة للأشعري)) (ص10).

(5)

انظر: ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (ص14).

(6)

((شرح العقيدة الأصفهانية)) (1/ 16).

ص: 468