الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس: الأصل الرابع المنزلة بين المنزلتين
إن هذا الأصل هو نقطة البدء في نشأة المعتزلة، وقد سبق أن أشرت عند الحديث عن نشأة المعتزلة، وسبب تسميتهم أن هذا الأصل هو سبب الاختلاف بين واصل والحسن حيث أتى واصل برأي خاص في مرتكب الكبيرة، وعلى إثره طرده الحسن البصري، فاعتزل في سارية من سواري مسجد البصرة يقرر هذا الرأي على من انضم إليه واستحسن رأيه، فسماهم الناس من ذلك الحين المعتزلة، وبدأ مذهبهم يظهر إلى الوجود بصفة مستقلة. يقول الشهرستاني: "دخل رجل على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان
…
وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا اعتقاداً؟ ففكر الحسن وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل في ناحية من المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزلنا واصل. فسموا من ذلك الحين المعتزلة
…
" (1).
وقد كان من العوامل التي دعت إلى إثارة هذا النقاش حول مرتكب الكبيرة أن الحروب السياسية من مقتل عثمان ووقعة الجمل وصفين جعلت الناس يتساءلون من المحق، ومن المخطئ؟ ثم انتقلوا من ذلك إلى القول: بأن المخطئ كافر أو مؤمن، فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكبي الذنوب، والمرجئة تقول: إنهم مؤمنون كاملو الإيمان، وأهل السنة يقولون: إنهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، قد نقص إيمانهم بقدر ما ارتكبوا من الكبائر، فقال واصل: إنهم فاسقون في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان.
بعد هذا التقديم ننتقل إلى معرفة ما هو المقصود بالمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، ثم عرض ما تيسر من شبهاتهم، ومناقشتهم، ثم بيان مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، فنقول وبالله التوفيق.
أولاً: ما المقصود بالمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة؟
(1)((الملل والنحل)) (1/ 60)، وانظر ((الفرق بين الفرق)) (ص7).
لمعرفة مراد المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم في ذلك، فنقول: يقول القاضي عبدالجبار: "والأصل في ذلك أن هذه العبارة إنما تستعمل في شيء بين شيئين ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه، هذا في أصل اللغة. وأما في اصطلاح المتكلمين، فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين
…
" (1).ويشرح القاضي هذا التعريف، فيقول: "إن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً. وكذلك صاحب الكبيرة له حكم بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن؛ بل له منزلة بينهما" (2).ويقول ابن المرتضي – وهو يسوق ما أجمعت عليه المعتزلة -: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعت
…
على المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمناً ولا كافراً
…
" (3).ويقول الإسفراييني: "
…
ومما اتفقت عليه المعتزلة من فضائحهم قولهم: إن حال الفاسق الملي يكون في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر، وإن هو خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون مخلداً في النار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه، أي أن مرتكب الكبيرة بكونه يشبه المؤمن في عقده، ولا يشبهه في عمله. ويشبه الكافر في عمله، ولا يشبهه في عقده أصبح وسطاً بين الاثنين، وتبعاً لهذا يكون عذابه أقل من عذاب الكافر" (4).
من هذه الأقوال: يظهر مقصود المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين؛ وهو أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً، ولا كافراً، لا في الاسم ولا في الحكم؛ بل في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمى مؤمناً، ولا كافراً، وإنما يسمى فاسقاً.
وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة؛ فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر.
وقد حملهم على قولهم هذا: شبهات منها، ما يلي:
ثانياً: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة في القول بالمنزلة بين المنزلتين، مع المناقشة:
لقد تمسك المعتزلة في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين بشبهات، منها ما يلي:
الشبهة الأولى:
يقول واصل بن عطاء: "وجدت أحكام الكفار المجمع عليها المنصوصة في القرآن كلها زائلة عن صاحب الكبيرة، فوجب زوال اسم الكفر عنه بزوال حكمه، لأن الحكم يتبع الاسم، كما أن الاسم يتبع الفعل، وأحكام الكفر المجموع عليها
…
على ضربين
…
الأول: حكم أهل الكتاب: قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29]. فهذا حكم الله في أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة.
(1)((شرح الأصول الخمسة)) (ص137).
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (ص697).
(3)
((المنية والأمل)) لابن المرتضى (ص6).
(4)
((التبصير في الدين)) (ص42).
الثاني: حكم الله في مشركي العرب: قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا .... الآية [محمد: 4]. فهذا حكم الله في مشركي العرب وفي كل كافر سوى أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة؛ ثم قد جاء في السنة المجمع عليها أن أهل الكفر لا يتوارثون، ولا يدفنون في مقابر أهل القبلة، وليس يفعل ذلك بصاحب الكبيرة. وحكم الله في المنافق: أنه إن ستر نفاقه وكان ظاهره الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. وإن ظهر كفره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا الحكم زائل عن صاحب الكبيرة. وحكم الله في المؤمن الولاية والمحبة والوعد بالجنة. قال تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ
…
الآية [البقرة: 257]. وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: 47]. وقال تعالى: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
…
الآية [التوبة: 72]. وحكم الله في صاحب الكبيرة أن لعنه وأعد له عذاباً أليماً. قال تعالى:
…
أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: 18]. وقال تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 14]. وما أشبه ذلك من القرآن، فوجب أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لزوال أحكام المؤمن عنه في كتاب الله، ووجب أنه ليس بكافر، لزوال أحكام الكفار عنه، ووجب أنه ليس بمنافق لزوال أحكام المنافقين عنه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجب أنه فاسق فاجر لتسمية الله له بذلك. لذا فهو فاسق مخلد في النار لتوعد الله له بذلك، ولكنه في عذاب أخف من عذاب الكافر. انتهى كلام واصل بن عطاء بتصرف (1).ويقول في موضع آخر: "إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمناً وهو اسم مدح، والفاسق لم يستكمل خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمناً، وليس هو بكافر أيضاً؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة؛ فهو من أهل النار خالداً فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ ولكنه تخفف عنه النار
…
" (2).
المناقشة:
نقول لهم: أما قولكم أنه ليس بكافر، فهذا نوافقكم عليه؛ وأما قولكم أنه ليس بمنافق فكذلك هو ليس بمنافق؛ لأن كبيرته لا توجب استتابته، فإن تاب وإلا قتل كما يعمل مع المنافق إذا ظهر نفاقة، أما إذا لم يظهر لم يعلم هل هو منافق أم لا، لذا يعامل معاملة المسلمين.
وأما قولكم: إنه ليس بمؤمن، فهذا على إطلاقه لا نوافقكم عليه؛ بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يكون له الاسم مطلقاً، ولا يسلب منه مطلق الإيمان.
ومما يدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من الإيمان ما يلي:
(1)((الانتصار)) (ص118)، و ((طبقات ابن المرتضى)) (ص8)، وانظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص713، 714).
(2)
((الملل والنحل)) (1/ 48).
1 -
الآيات والأحاديث الناطقة بإطلاق لفظ الإيمان على العاصي كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ
…
الآية [البقرة: 178]. فقد سمى الله القاتل أخاً للمقتول وهي الأخوة الإيمانية، مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجه من الإيمان، وقبل ذلك فقد خاطبهم جميعاً بلفظ الإيمان؛ مع أن فيهم قتلة؛ مما يدل على أن الكبيرة لا تخرج من الإيمان. وكقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9]. فقد أطلق اسم الإيمان على الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين؛ مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان، وكذلك كبيرة البغي
…
(1).ومن الأحاديث الدالة على أن الفاسق معه إيمان قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية أبي ذر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق
…
على رغم أنف أبي ذر
…
)) (2).
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قال: لا إله إلا الله، وإن ارتكب شيئاً من الكبائر، فإنه يدخل الجنة؛ مما يدل على أن كبيرته لم تخرجه من الإيمان. ثانيا: إجماع الأمة من عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى يومنا هذا على الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة، والدعاء والاستغفار لهم مع العلم بارتكابهم للكبائر بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن (3)؛ مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان.
(1)((الروضة الندية شرح الواسطية)) (ص392)، بتصرف.
(2)
رواه البخاري (5827) ، ومسلم (94) ، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(3)
((شرح العقائد)) (ص119)، بتصرف.
ثالثاً: قولكم: إن الفاسق قد أخرجه فسقه من الإيمان ينبني على أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ لأنهم يقولون: إن من عمل كبيرة لم يبق معه من الإيمان شيء وهو باطل. يقول ابن تيمية – في معرض الرد على من قال بهذا القول -: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه، ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان. فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار. وقالت المرجئة – على اختلاف فرقهم -: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه، لم يبق منه شيء، فيكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((
…
أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) (1). ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص
…
وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم يعرف فيهم مخالف
…
فمن ذلك ما روي من وجوه كثيرة عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جدة عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان يزيد وينقص. قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا؛ فذلك نقصانه. وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: "الإيمان يزيد وينقص" وروى إسماعيل بن عياش عن أبي هريرة مثل ذلك .. وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيماناً فيذكرون الله عز وجل
…
وأيضاً: فإن الزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: 2].يقول ابن تيمية: وهذه الزيادة وقت تلاوة الآية، وليس هو تصديقهم بها عند النزول
…
وكقوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173]. فهذه الزيادة عند تخويفهم العدو لم تكن عند آية نزلت، فازدادوا يقيناً وتوكلا على الله، وثباتاً على الجهاد (2).
(1) رواه البخاري (22) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
((الإيمان)) لابن تيمية (ص190، 191، 192)، بتصرف، وانظر ((شرح الطحاوية)) (ص276 - 278).
ومثل هذه الآيات كثير، فإذا ثبت أن الإيمان يذهب بعضه ويبقى بعضه وأنه يزيد وينقص بطل قولهم: إن الفسق يخرج من الإيمان؛ وعلى ذلك فالفاسق مؤمن ناقص الإيمان وليس في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان كما تدعون. ونقول أيضاً: ما دام مرتكب الكبيرة معه من الإيمان شيء، ولو إيماناً ناقصاً، فإنه لا يخلد في النار؛ بل يعذب على قدر ذنبه ثم يخرج من النار ويدخل الجنة لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء
…
الآية [النساء: 48]. ولقوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7]. ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((
…
يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان
…
الحديث)) (1).
وقد سبق عرض شيء من شبهات المعتزلة في قولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار مع مناقشتها عند الكلام على أصل الوعد والوعيد. فإذا قولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار باطل، وعليه فتبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
يقول الخياط: "إن واصل بن عطاء لم يحدث قولاً لم تكن الأمة تقول به؛ إذ أنه وجد الأمة مجمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم، فأخذ بما أجمعوا عليه
…
وتفسير ذلك: أن الخوارج وأصحاب الحسن كلهم مجمعون والمرجئة على أن صاحب الكبيرة فاسق فاجر،، ثم تفردت الخوارج فقالت: هو مع فسقه وفجوره كافر، وقالت المرجئة
…
هو مع فسقه وفجوره مؤمن، وقال الحسن ومن تابعه: هو مع فسقه وفجوره منافق. فقال لهم واصل بن عطاء: قد أجمعتم على أن سيتم صاحب الكبيرة بالفسق والفجور، فهو اسم له صحيح بإجماعكم وقد نطق القرآن به في آية القاذف وغيرها من القرآن، فوجب تسميته بذلك وما تفرد به كل فريق منكم من الأسماء، فدعوى لا تقبل منه إلا بينة من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2).
المناقشة:
والجواب على هذه الشبهة كما يلي:1 - أن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته كما بيناه عند الرد على الشبهة الأولى. ثم إن إيمانه متفق عليه بين السلف، فإذا قولهم أن إيمانه مختلف فيه باطل (3).2 - أن في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ترك للمتفق عليه بين السلف – ومنهم الحسن -؛ لأن النفاق كفر إن أظهره صاحبه، وإن لم يظهره، فيعامل معاملة المسلمين، إضافة إلى ذلك: أنه نقل عنه الرجوع عن هذا القول إلى المذهب الحق والمتفق عليه: وهو أن المكلف إما مؤمن أو كافر، ولا واسطة بينهما وأخذ بما لم يقل به أحد فضلاً عن الاتفاق؛ فإذاً قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إحداث للقول المخالف لما أجمع عليه السلف (4)؛ فيكون باطلاً، وبذلك تبطل هذه الشبهة والله أعلم.
ثالثا: مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة:
لمعرفة مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوال أئمة السلف في ذلك، فنقول وبالله التوفيق. يقول ابن تيمية – رحمه الله: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار، كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة؛ بل لهم حسنات وسيئات، ويستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب
…
" (5).
(1) رواه البخاري (22) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
((الانتصار)) للخياط (ص118).
(3)
((المواقف في علم الكلام)) (8/ 339)، بتصرف.
(4)
((شرح العقائد)) (1/ 170)، بتصرف.
(5)
((الفتاوى)) (7/ 679).
ويقول شارح الطحاوية: "إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة؛ لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى
…
[البقرة: 178] إلى أن قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
…
الآية [البقرة: 178]. فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
…
الآية [الحجرات: 10].ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقي في النار)) (1). فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه
…
" (2)؛ مما يدل على أن الكبيرة لا تخرج من الإيمان. يقول النووي – وهو يروي مذهب أهل السنة في الموحدين -: "واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال
…
" (3).
من هذه الأقوال يتبين أن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة ليس بكافر كما تقول الخوارج، وليس بكامل الإيمان كما تقول المرجئة، وليس في منزلة بين المنزلتين كما تزعمه المعتزلة، بل إن مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية. وفي الآخرة لا يخلد في النار، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على قدر ذنبه، ثم أخرجه من النار، قال تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: 48].
وعلى ذلك، فقول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين باطل لا يقره أهل السنة والجماعة. والله أعلم.
المصدر:
المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 255
(1) رواه البخاري (6534) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بدون لفظ:(ثم ألقي في النار).
(2)
((شرح الطحاوية)) (ص360، 361).
(3)
((صحيح مسلم بشرح النووي)) (1/ 217).
المعتزلة كغيرهم من الطوائف الإسلامية، يرون أن المعاصي تنقسم إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة، نظرا لما ورد في بيان ذلك من نصوص شرعية، فقد وردت آيات كريمات مشتملة على ذكر الصغيرة والكبيرة، كقوله تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا [الكهف: 49] وقوله سبحانه: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 53] وقال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: 7]، فرتب المعاصي هذا الترتيب حيث بدأ بالكفر الذي هو أعظم الذنوب، وثناه بالفسق، وختم بالعصيان، فلا بد من أن يكون قد أراد به الصغائر، وقد صرح بذكر الكفر والفسق قبله، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وهذا قدر متفق عليه بين الفرق كما ذكرت عند بيان مذهب السلف، ما عدا الخوارج.
أما تحديد معنى كل من الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة فقد وقع بينهم خلاف في ذلك. فقد ذهب القاضي عبد الجبار إلى أن الكبيرة في عرف الشرع هو ما يكون فاعله أكثر من ثوابه إما محققا وإما مقدرا. وأما الصغيرة فهو ما يكون ثواب فاعله أكثر من عقابه إما محققا وإما مقدرا. ثم قال: واحترزنا في الموضعين بقولنا إما محققا وإما مقدرا عن الكفار ومن لم يطع البتة، فإنه قد وقع في أفعال الصغيرة والكبيرة، على معنى أنه لو كان له ثواب لكان يكون محبطا بما ارتكبه من المعصية، أو يكون عقاب ما أتى به من الصغيرة مكفرا في جنب ما يستحقه من الثواب (1).ومن تعريفات الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة ما ذكره الأشعري عن جعفر بن حرب وذكره القاضي عبد الجبار على سبيل النقد فقد ذكر عنه قوله: إن كل عمد كبيرة. وقال بعد ذلك: وأظن أن ذلك مذهب لبعض السلف من أصحابنا (2).
فجعفر بن حرب هذا يرى أن الكبيرة هي القبيح الذي يقترن بعمد الإنسان وإصراره أي أنه يميل إلى وصف الجريمة بحال الفاعل لا بموضوع القبيح.
وأنكر القاضي ذلك من وجهين:
الأول: إن العمد لا تأثير له في كون الفعل كبيرا أو صغيرا، لأن للقبيح موضوعا أو بمعنى آخر: أن للجريمة صفة موضوعية إذا ما وقعت من أي إنسان كانت كبيرة أو صغيرة. الثاني: إن الطريق إلى تحديد الكبائر وتعيينها هو الدلالة الشرعية وقد حدد الشرع أن القتل والزنا والقذف وغيرهما كبائر، وهذا لا يتفق مع القول بالعمد (3).
ولا خلاف بين المعتزلة في وجود الصغيرة والكبيرة بين القبائح إلا أن الخلاف – بينهم كان حول طريق الدلالة على ذلك فذهب البعض وهم الأكثر – إلى أن الشرع هو الذي يعرفنا باشتمال المعاصي على صغير وكبير، ولو ترك للعقل لحكم بأن جميع المعاصي كبائر، لأن من المعلوم أن أقل القليل منها يستحق جزءا من العقاب كما أن أقل القليل من الطاعات يستحق جزءا من الثواب. ومن هؤلاء أبو علي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، وقد استدلوا بما تقدم من أدلة شرعية.
أما الآخرون فذهبوا إلى أن العقل بمفرده يستطيع أن يميز بين الصغيرة والكبيرة فسرقة درهم ليست كسرقة عشرة دراهم وإلى هذا الرأي كان يذهب أبو هاشم ومال إليه جعفر بن حرب كما هو واضح من رأيه المتقدم في تحديد الفرق بين الصغيرة والكبيرة.
(1)((شرح الأصول الخمسة)) (632)
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (634).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (634).
وقد تختلف آراء المعتزلة في تحديد معنى الصغيرة والكبيرة، وتتسع مسافة الخلاف بينهم، لكن ما تبنوه من آراء هو موضع نظرنا، إذ أنها لا تحدد لنا تحديدا واضحا الفرق بين الأمرين، لا سيما ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار – وإن كان هو الأكثر انسجاما مع مذهب القوم – لأن الثواب والعقاب مما لا يعلم مقداره إلا الله سبحانه وتعالى، فاختلافه قلة وكثرة من شخص لآخر أمر خفي، لا يمكننا إدراكه، على أن الضابط الذي ذكره القاضي عبد الجبار على أنه تحقيق للمذهب، مناقض لما هو مشهور من مذهب المعتزلة الذي سيأتي بعد من أن ثواب الطاعات محبط لا وزن له مع ارتكاب الإنسان للكبيرة، لأن صاحبها مخلد في النار، فأين الثواب الذي يمكن أن يقاس مع العقاب ويحدد بموجبه كل من الصغيرة والكبيرة؟
غير أن الأهم من ذلك كله أن المعتزلة مهما اختلفوا في تحديد الضابط مقرون بانقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فما حكم كل منهما عندهم؟
أما الصغائر فقد ذكر أبو الحسن الأشعري أنهم لم يتفقوا أيضا على قول واحد بشأنها بل دار بينهم الخلاف في ذلك على أقوال ثلاثة:
1 -
أن الله سبحانه يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلا.
2 -
يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق. 3 - أن الله لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة (1).
فهذه أقوال ثلاثة عند المعتزلة، اثنان منها قالت بالغفران، والخلاف بينهما في الاستحقاق والتفضل، والاستحقاق كما هو واضح فيه تحكم على الله سبحانه – وذلك غير لائق بحال. ولكن من مبادئ المعتزلة المشهورة عنهم قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، ولا يخفى ما في هذا المبدأ من جسارة وعدم تأدب مع الله سبحانه وتعالى. أما القول الثالث فإنه يجعل الصغيرة بمنزلة الكبيرة في عدم الغفران إلا بالتوبة وهذا لم يقل به أحد، ومخالف أيضا لما عليه المعتزلة أنفسهم من الفرق بين الصغيرة والكبيرة من حيث المعنى والاعتبار.
وعلى كل حال فالأهم من ذلك كله هو مرتكب الذنب الكبير، فماذا يقول القوم في حكمه؟
هذه المسألة تسمى عند مؤرخي الفرق والمعتزلة بالأسماء والأحكام، لأنها تبحث في صفة مرتكب الكبيرة وحكمه. يقول الدكتور عبد الكريم عثمان في الكلام على هذه المسألة: وقد أثار تحديد مكان مرتكب الكبيرة وحكمه خلافا شديدا بين المسلمين، وجعله بعض مؤرخي الفرق سببا مباشرا لظهور مذهب الاعتزال. فقد قالت الخوارج إن صاحب الكبيرة كافر، وذهب المرجئة إلى أنه مؤمن، وقرر الحسن البصري أنه منافق، أما واصل فقد أعلن أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا، ولا منافقا، بل هو فاسق، أو في منزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر، ومن هنا أطلق على هذا الأصل عند المعتزلة اسم المنزلة بين المنزلتين، أو الأسماء والأحكام (2).فالمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة، لا مؤمن ولا كافر، بل له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقا وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث وهذا الحكم هو ما يسمى بالمنزلة بين المنزلتين. فإن صاحب الكبيرة عندهم له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما (3).
(1)((مقالات الإسلاميين)) (1/ 332).
(2)
((نظرية التكليف)) (494).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (697)
والمراد من هذا بيان الحكم الدنيوي لمرتكب الكبيرة، ففيه أن مرتكبها يسلب منه اسم الإيمان بالكلية، لأنه بارتكابها يزول ما معه من إيمان، فلم يعد مؤمنا غير أنهم في هذا الحكم الدنيوي لم يبلغوا به درجة الكافر فلم يجوزوا تسميته كافرا، كما لم يجوزوا تسميته مؤمنا، بل جعلوا له منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان وهي الفسق. وقد برزت هذه المقالة أول ما برزت على يد واصل بن عطاء الغزال أحد زعماء المعتزلة، بل زعيمهم الأول والذي كان تلميذا للحسن البصري، المشتهر بقوله بأن مرتكب الكبيرة منافق. وقد بينها الشهرستاني في (الملل والنحل) بقوله: ووجه تقريره لهذه المسألة أنه – الإيمان واصل بن عطاء – قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها (1).
وكل هذا ليس إلا بحثا في التسمية والمعاملة الدنيوية إذ أنهم ذهبوا هذا المذهب ليؤدي لهم غرضين في آن واحد.
الغرض الأول: هو القول بأن مرتكب الكبيرة يعامل في الدنيا كما يعامل بقية المسلمين فتجوز مناكحته، وموارثته، ودفنه في مقابر المسلمين، وغير ذلك من الأحكام الجارية عليه في الدنيا.
الغرض الثاني: هو القول بالتأبيد في النار - على ما سيأتي بعد – فإنهم لم يوصلوه في الوصف الدنيوي إلى درجة الكفر، حتى تجري عليه تلك الأحكام الدنيوية، وعز عليهم أن يعطوه اسم الإيمان، لأنه في نظرهم لا بد وأن يدخل النار ليجازى بما عمل من السيئات، وداخل النار عندهم لا يخرج منها، والمؤمن لا يمكن أن يدخل النار في نظرهم. ويزيد المسألة وضوحا ما ذكره القاضي عبد الجبار من استدلال على هذا المعتقد حيث قال ما معناه: والذي يدل على الفصل الأول، وهو الكلام في أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنا، هو ما قد ثبت من أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة، فإذ قد ثبت هذان الأصلان، فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنا (2). ثم ذكر بعد ذلك الأدلة على أن اسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1] وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2]. إلى غير ذلك من الآيات. أما الدليل على أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافرا فهو أنه جعل الكافر في الشرع اسما لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، إذا ثبت هذا ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم ولا تجري عليه هذه الأحكام، فلم يجز أن يسمى كافرا (3). ومن أدلة المعتزلة أيضا على قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ما ذكره عضد الدين الأيجي في المواقف حيث ذكر احتجاجهم على ذلك بوجهين:
(1)((الملل والنحل)) تحقيق محمد كيلاني (1/ 48).
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (701).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (712).
أحدهما: ما تقدم من أن الإيمان عبارة عن الطاعات، وأن الفاسق يعامل في الدنيا معاملة سائر المسلمين. أما الوجه الثاني: فهو ما قاله واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد، فرجع عمرو إلى مذهبه وهو أن فسقه معلوم وفاقا، وإيمانه مختلف فيه، لأن الأمة مجمعة على أن صاحب الكبيرة فاسق واختلفوا في كونه مؤمنا أو كافرا فنترك المختلف فيه ونأخذ بالمتفق عليه (1).وهذا هو الدليل الأساسي الذي يستدل به القوم، ويوضحه القاسم الرسي بقوله:. . والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة، أو ترك طاعة فريضة كالصلاة والزكاة والصيام من أهل الملة فهو فاسق، وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه. قال بعضهم: هو مشرك فاسق منافق، فكلهم قد أقر بأنه فاسق كافر، وقال بعضهم: فاسق منافق فكلهم قد أقر بأنه فاسق، واختلفوا في غير ذلك من أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق، والباطل ما اختلفوا فيه، ففي إجماعهم الحجة والبرهان (2).وهذا كله – كما سبق وأن قلت – لا يعدو كونه كلاما في حكم دنيوي وهو القدر الذي يختلفون فيه مع الخوارج، حيث قالوا بكفره ابتداء، وخروجه من ملة الإسلام – أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة عند المعتزلة: فعندهم أن من استوعب عمرا في طاعة الله سبحانه وتعالى، ثم قارف كبيرة واحدة، ولم يوفق للتوبة عنها، وما على هذه الحال، فهو مخلد في النار مع المشركين الذين لم يؤمنوا ولم يأتوا بحسنة قط (3). وهذا هو بعينه رأي الزيدية الذين تبنوا أصول الاعتزال، وعنهم يقول الشهرستاني: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت (4).
فعند هؤلاء جميعا أن الإنسان مهما عمل من الخيرات، ومهما جاهد في سبيل إرضاء ربه، من فعل للواجبات، واجتناب للمحرمات، وكبح لجماح النفس وصد لشهواتها، فإن جميع طاعاته هذه تذهب هباء عندما يزل في يوم من الأيام فيرتكب كبيرة، لأن هذه المعصية تحبط جميع تلك الأعمال الخيرة، فلا يبقى لها وزن، ولا يعود لها اعتبار، لأن مرتكب الكبيرة إذا لم يقلع عنها بتوبة جازمة نصوح لا عودة بعدها، فلا بد وأن يدخل النار خالدا مخلدا فيها، لأن داخل النار عندهم لا يخرج منها أبد الآبدين. وهذا المذهب في مرتكب الكبيرة تذكره كتب الفرق على أنه أصل من أصول المعتزلة التي يجمعون عليها، إلا أن إمام الحرمين الجويني ذكر أن معتزلة البصرة، وبعض البغداديين واقفية في وعيد مرتكب الكبيرة، إذ قالوا بأن من مات من المؤمنين على إصراره على المعاصي، لا يقطع عليه بعقاب، بل أمره مفوض إلى ربه تعالى، فإن عاقبه فذلك بعدله، وإن تجاوز عنه فذلك بفضله ورحمته، فلا يستنكر ذلك عقلا وشرعا (5).
وعلى كل حال، فهذا أصل من أصول المعتزلة سواء أجمعوا عليه أم لم يجمعوا فهو المذهب المشهور عنهم، وأي خلاف فيه من قبلهم فإنه لا ينقض المذهب، لا سيما وأنهم قد اشتهروا بتبنيه والاستدلال له. ومن رجع منهم عن القول به فإنما كان ذلك منه لأنه في نظري ناشد للحقيقة غير متبع ولا مقلد، فلا يستغرب ذلك، إلا أنه كما قلت هو المذهب المقترن باسم المعتزلة عند ذكرهم دائما.
أما أدلتهم على قولهم بخلود مرتكب الكبيرة في النار، فقد استدلوا بأدلة عقلية ونقلية:
فأما الأدلة العقلية:
(1)((المواقف بشرح الجرجاني)) (8/ 338).
(2)
((كتاب العدل والتوحيد)) تحقيق عمارة (1/ 130).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (666).
(4)
((الملل والنحل)) تحقيق محمد كيلاني (1/ 162).
(5)
((الإرشاد)) لإمام الحرمين الجويني تحقيق محمد موسى، وعلي عبد المنعم (393).
فمنها ما ذكره القاسم الرسي من أن أحدا لا يقدر أن يؤدي كل ما استحق الله تبارك وتعالى من عباده، من شكر نعمته وإحسانه، بالكمال والتمام، حتى لا يبقى مما يحق لله جل ثناؤه شيئا إلا أداه، هيهات فكيف وهو يقول تبارك وتعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 18] فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى؟! ولم يفترض على خلقه ذلك، ولا سأل كل ما له عليهم مما يستحق لديهم، لعلمه بضعفهم وأن في بعض ذلك استفراغ جهدهم، وما تعجز عنه أنفسهم وأنهم لا يقدرون على ذلك ويقصرون عن بلوغ ذلك. . وغفر لهم صغير ذنوبهم كله إذا اجتنبوا كبيرة رحمة بهم، ونظرا لهم، فأما من رجا الرحمة وهو مقيم على الكبيرة فقد وضع الرجاء في غير موضعه، واغتر بربه واستهزأ بنفسه، وخدعه وغره من لا دين له، إلا أن يتوب فيغفر له بالتوبة، فأما الإقامة على الكبائر فلا. . وذلك أن للجنة والنار طريقان فطريق الجنة طاعته المجردة عن الكبائر من معاصي الله، وطريق النار معصية الله، وإن لم تكن مجردة من بعض طاعات الله، لأننا قد نجد العبد يؤمن بكتاب الله كله، ويكفر ببعضه فلا يكون مؤمنا، ولا بما آمن به من النار ناجيا. يصدق ذلك قول الله عز وجل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 85] فلم يسموا بما آمنوا به مؤمنين، بل سموا بما كفروا به منه- لا كله- كافرين. وعلى هذه الطريق فيمن لم يكفر من الفاسقين أهل الكبائر العاصين، فمن كان على المعصية الكبيرة مقيما فهو على طريق النار، فكيف يرجو البلوغ إلى الجنة وهو يسلك ذلك الطريق، كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول: أنا أرجو أن أبلغ الشام، فهذا من وضع الرجاء في غير موضعه (1).
وملخص الدليل العقلي السابق أن الله تبارك وتعالى له نعم على عباده لا تحصى ومهما عمل الإنسان لا يستطيع الوفاء بشكرها، إذ أن ذلك يتطلب منه استيفاء كل حق لله عليه. وقد علم الله من عباده عجزهم وضعفهم عن الوفاء بجميع ذلك، لذلك اكتفي منهم بالقليل بعد أن أعطاهم الكثير، بل وعفا عن صغائر ذنوبهم، وهذه منة عظيمة أخرى منه – تبارك وتعالى – فعلى الإنسان إذا الإتيان بهذا القليل الذي كلف به دون تفريط، وإذا قصر فيه بارتكاب الكبائر فعلا لمحرم، أو تركا لواجب فهو من أهل النار لا محالة، لأن الله تجاوز له عن الكثير لم يكلفه به، فإذا قصر في ذلك القليل المطلوب منه فهو ممن سلك طريق النار، والطريق إلى الشيء المعين توصل إليه لا إلى ما يوجد في جهة معاكسة، وطريق النار المعصية وهذه لا يمكن أن يصل عن طريقها إلى الجنة، كما أن طريق الجنة الطاعة، وهذه أيضا لا يمكن أن توصل بصاحبها إلى النار، وضرب مثلا بسالك طريق خراسان، وهو يقصد الوصول إلى الشام. فهذا دليل عقلي على أن الفاسق مصيره إلى النار، وأنه يفعل به ما يستحقه. وهناك دليل عقلي آخر ذكره القاضي عبد الجبار وهذا الدليل هو أن الله أمر ونهى، أي كلف الإنسان، ووعده وتوعده، وكل خلف بالوعد أو الوعيد نوع من الكذب لا يجوز على الله. ولو ثبت أنه يخلف وعيده ولا يعاقب الفاسقين لكان في ذلك إغراء له على فعل القبيح، إذ أن للمكلف أن يعصي ويتجاوز حدود الله، وهو مطمئن إلى أنه سيغفر له (2).
أما الأدلة السمعية:
(1)((العدل والتوحيد)) (1/ 123).
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (650).
فقد استدلوا بعموم الآيات الواردة في الوعيد، ومن هذه الآيات التي هي مناط استدلالهم قوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء: 14]. ووجه الاستدلال: أن الله تبارك وتعالى أخبر أن العصاة يعذبون بالنار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعا، فيجب حمله عليهما، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على ما ذكرناه (1). ومن ذلك قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93]. ووجه الاستدلال: هو أنه تعالى يبين أن من يقتل مؤمنا عمدا جازاه وعاقبه وغضب عليه ولعنه، وفي ذلك ما قلناه (2)، أي أن ذلك يكون على سبيل الدوام كما هو مصرح بذكر الخلود في الآية. ومما استدل به المعتزلة أيضا قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف: 74]. ووجه الاستدلال: أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا فيجب أن يكونا مرادين بالآية، معنيين بالنار، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على أنه أرادهما جميعا (3).هذه بعض أدلة المعتزلة من القرآن الكريم على قولهم بتخليد مرتكب الكبيرة في النار. يقول القاضي عبد الجبار بعد ذكره لهذه الآية: فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يخلد، إذ ما من آية من هذه الآيات التي مرت إلا وفيها ذكر الخلود والتأبيد، أو ما يجري مجراهما (4).ثم ذكر بعد ذلك طريقة أخرى للاستدلال على هذا المعتقد حيث قال: وهنا طريقة أخرى مركبة من السمع، وتحريرها: هو أن العاصي لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه، فإن لم يعف عنه فقد بقي في النار خالدا، وهو الذي نقوله. وإن عفي عنه فلا يخلو، إما أن يدخل الجنة أو لا، فإن لم يدخل الجنة لم يصح، لأنه لا دار بين الجنة والنار، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو إما أن يدخلها مثابا أو متفضلا عليه ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلا عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلا بد أن يكون حاله متميزا عن حال الولدين المخلدين وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الجنة مثابا، لأنه غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح (5).
وغرضه من هذا الكلام هو القول بأن الفاسق لا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه ويدخله الجنة، لأن دخوله الجنة لا يكون إلا عن ثواب لا عن تفضل من الله سبحانه، فالجنة عوض لازم للإنسان عن أعمال الخير إذا لم يشبها كبائر، والفاسق لا ثواب له، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح على الله تعالى، والحسن والقبح كما هو معروف أحد أصول المعتزلة التي يسيرون عليها في معتقداتهم، وإذا ثبت هذا فلا بد من دخول الفاسق النار خالدا، ولا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأرى لزاما علي قبل أن أختم الكلام عن مذهب المعتزلة بشأن مرتكب الكبيرة أن أنبه هنا إلى أن الدكتور عبد الكريم عثمان قد ذكر في كتابه نظرية التكليف أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد وافق المعتزلة على رأيهم في وجوب إنفاذ الوعد والوعيد وتخليد مرتكب الكبيرة في النار (6).وهذا الكلام فيه مكابرة للواقع ومخالفة للحقيقة الظاهرة الواضحة التي قد يكون الاستدلال عليها من العبث بمكان فموقف ابن تيمية – رحمه الله – واضح جلي لا غموض فيه ولا شبهة وهو من هو بالنسبة لمذهب السلف الصحيح فقد قرره ودافع عنه وانتصر له وهو المذهب الغني عن الإعادة والبيان ولم يقل أحد سوى الدكتور عبد الكريم عثمان أن ابن تيمية، قال بأنه يجب على الله إثابة المطيع، بل ابن تيمية يقول عن الله يثيب المطيع تفضلا منه ونحن لم نوجب ذلك عليه بل أوجبه سبحانه على نفسه. أما عقاب العصاة فإن الله أوعدهم بالعقاب ورحمته وسعت كل شيء فقد يتخلف الوعيد بعفوه سبحانه أما إذا عاقب فإنه لا يخلد لأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (7). هذا هو بعينه مذهب السلف، والقدح في ابن تيمية الذي نذر نفسه للدفاع عن الحق الذي يسنده الدليل، يعتبر قدحا في أهل الحق من السنة والجماعة وقد تقدم إيضاح مذهبهم في هذه المسألة.
المصدر:
الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي – ص 133
(1)((شرح الأصول الخمسة)) (657).
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (660).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (660).
(4)
((شرح الأصول الخمسة)) (666).
(5)
((شرح الأصول الخمسة)) (666).
(6)
((كتاب نظرية التكليف)) (476).
(7)
((منهاج السنة النبوية)) (1/ 286).