الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: مسالة اللطف
يحسن قبل البدء في الكلام على هذه المسألة أن نعرف ما هي حقيقة اللطف؟ يجيبنا على هذا السؤال: القاضي عبدالجبار فيقول: "اعلم أن اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب، ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح"(1).
شرح التعريف:
يرى القاضي أن اللطف هو كل ما يحمل الإنسان إلى اختيار الواجبات، وترك المنهيات، أو يكون بسببه أقرب إلى اختيار المأمورات، أو ترك المنهيات.
الفرع الأول: رأي المعتزلة في اللطف:
لمعرفة رأي المعتزلة هنا؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم التي قالوها في هذا الصدد. يقول القاضي عبدالجبار: "اعلم أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقاً، ولا وجه لذلك، بل يجب أن يقسم الكلام فيه ويفصل؛ فنقول: إن اللطف؛ إما أن يكون متقدماً للتكليف، أو مقارناً له، أو متأخراً عنه. فإن كان متقدماً؛ فلا شك في أنه لا يجب؛ لأنه
…
لا يجب إلا لتضمنه إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك حتى يجب هذا اللطف
…
، وأيضاً فإنه
…
جرى مجرى التمكين، ومعلوم أن التمكين قبل التكليف لا يجب؛ فكذلك اللطف. وإن كان مقارناً له؛ فلا شبهة أيضاً في أنه لا يجب؛ لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب؛ بل القديم تعالى متفضل به مبتدئاً فلأن لا يجب ما هو تابع له أولى
…
ثم لا يفترق الحال بين ما إذا كان لطفاً في الواجبات، وبين ما إذا كان لطفاً في النوافل، فإنه تعالى كما كلفنا الواجبات، فقد كلفنا النوافل أيضاً، فكان يجب عليه اللطف، سواء كان لطفاً في فريضة أو في نافلة خلاف الواحد منا
…
" (2).ويقول في موضع آخر: "
…
وقد بينا أن ما وجد مع التكليف
…
لا يكون واجباً .. وإنما يجب ما يتأخر عن حال التكليف من التمكين والألطاف، وما لا يصحان إلا به
…
" (3).ويقول في موضع ثالث - وهو يتكلم عن رأي المعتزلة في اللطف -: "ومنهم من يقول: إنه يجب على الله أن يفعل بالمكلف الألطاف، وهو الذي يذهب إليه أهل العدل حتى منعوا أن يكون خلاف هذا قولاً لأحد من مشايخهم. فذكروا أن بشر بن المعتمر رجع إلى هذه المقالة، حكاه عنه أبو الحسين الخياط، وغيره. وقد كان جعفر بن حرب
…
يذهب إلى أن المكلف إذا كان ما يفعله من الإيمان مع عدم اللطف
…
أعظم ثواباً، فاللطف غير واجب؛ ومتى لم تكن الحال هذه، فاللطف واجب. وقد حكي عنه الرجوع عن هذا المذهب" (4).
من كلام القاضي: يظهر لنا أن شيوخه المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف، وأنه يرى أنه لا وجه لذلك؛ بل لابد من تقسيم اللطف إلى ثلاثة أقسام:-
الأول: أن يكون اللطف متقدماً على التكليف، وهذا القسم لا يجب، ويعلل ذلك؛ بأن اللطف يتضمن إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك، ولأن اللطف يجري مجرى التمكين، والتمكين قبل التكليف لا يجب، فكذلك اللطف.
(1)((شرح الأصول الخمسة)) (ص519).
(2)
((شرح الأصول الخمسة)) (ص520، 521).
(3)
((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (14/ 53).
(4)
((المغني في أبواب العدل)) (3/ 4، 5).
الثاني: أن يكون اللطف مقارناً للتكليف؛ وهذا القسم أيضاً لا يجب، لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب والله متفضل به ابتداء، فما هو تابع له أولى. الثالث: أن يكون اللطف متأخراً عن التكليف، وهذا القسم واجب، سواء كان لطفاً في فريضة أو نافلة خلاف الواحد منا؛ وعلى ذلك فالذي يجب من أقسام اللطف القسم الثالث؛ وهو ما إذا كان اللطف متأخراً عن التكليف؛ سواء كان لطفاً في فريضة أو نافلة، أما إذا كان سابقاً للتكليف أو مقارناً له، فلا يجب. كما نستنتج أن هذا الرأي لم يختلف فيه المعتزلة؛ إذ أن من كان من مشايخهم له رأي خاص كبشر بن المعتمر الذي يرى: عدم وجوب اللطف (1)، وجعفر بن حرب الذي يرى: وجوبه في حالة، وعدم وجوبه في أخرى. قد رجعوا عن أقوالهم إلى قول عامة المعتزلة. وإذاً فالقول بوجوب اللطف قد اتفقت عليه المعتزلة، وقيده القاضي باللطف المتأخر عن التكليف (2).
الفرع الثاني: شبهة المعتزلة التي يتمسكون بها في قولهم بوجوب اللطف على الله، ومناقشتها:
عرفنا آنفاً أن المعتزلة ترى وجوب اللطف على الله، والآن لنعرف ما هي شبهتهم التي يتمسكون بها مع المناقشة.
الشبهة: يقول القاضي: "والدليل على صحة ما اخترناه من المذهب هو أنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعله به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح، فلابد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد اتخذه وعلم من حاله أنه لا يجيبه إلا إذا بعث إليه بعض أعزته من ولد أو غيره، فإنه يجب عليه أن يبعث إليه، حتى إذا لم يفعل عاد بالنقض على غرضه، كذا هنا"(3).
المناقشة:
يقال لهم: ما مرادكم بهذا اللطف الذي إذا فعله الله بالعبد اختار عنده الإيمان على الكفر؟ "إن كنتم تريدون به البيان العام والهدى العام والتمكين من الطاعة وتهيئة أسبابها، فهذا حاصل لكل كافر بلغته الحجة، وتمكن من الإيمان (4)؛ لكنه لم يلزم منه إيمانهم؛ بل وجدناهم قد بلغتهم الحجة، ومع ذلك لم يؤمنوا. فعلى هذا: تفسيركم اللطف بهذا المعنى لا يلزم منه الإيمان حتى يقال بوجوبه أو عدم وجوبه. وإن كنتم تريدون باللطف الذي إذا فعله سبحانه وتعالى بعبده أصبح مؤمناً، وإذا لم يفعله لم يكن مؤمناً؛ وهو التوفيق إلى فعل ما يرضيه؛ وذلك بأن يجعله مريداً له محباً له مؤثراً له على غيره، ويجعله مبغضاً كل ما يسخطه وكاره له (5)، كما قال تعالى:
…
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: 7]. فهذا اللطف قد فعله الله بمن شاء من عباده تفضلاً لا واجباً، بدليل قوله تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَاّ قَلِيلاً [النساء: 83]. وبدليل قوله تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا .... [النور: 21]. ولأنه لو كان واجباً لاستلزم أن يكون الناس كلهم مؤمنين فلما لم يكن ذلك دل على أنه ليس بواجب. ولأن الواجب على الله محال؛ لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئاً (6)، ثم إن قياسكم الغائب على الشاهد مع الفارق، لأن المخلوق يجوز في حقه الوجوب بعكس الخالق؛ فلا. وإذا فالقياس باطل؛ وبذلك يبطل قولكم أنه يجب على الله أن يفعل بعبده اللطف الذي يختار عنده الإيمان على الكفر؛ وعليه فتبطل شبهتكم من أساسها. والله أعلم.
المصدر:
المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص 193
(1)((شرح الأصول الخمسة)) (ص520).
(2)
((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (14/ 53).
(3)
((شرح الأصول الخمسة)) (ص521).
(4)
((مدارج السالكين)) (1/ 415، 416).
(5)
((مدارج السالكين)) (1/ 414)
(6)
((التبصير في الدين)) (ص79).