الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: بيع أراضي مكة وإجارتها
ش: أي: هذا باب في بيان حكم بيع أراضي مكة وإجارتها هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحيم ابن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي عليه السلام قال:"لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها".
ش: يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري.
وعبد الرحيم بن سليمان أبو علي الأشلَّ الطائي، روى له الجماعة.
وإسماعيل بن إبراهيم فيه مقال، فعن يحيى والنسائي: ضعيف. وعن يحيى مرةً: لا شيء. روى له الترمذي.
وأبوه إبراهيم بن المهاجر أبو إسحاق الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري.
والحديث أخرجه البيهقي (1): من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن ابن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة، قال:"توفي رسول الله عليه السلام وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ورباع مكة تدعى السوائب؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن سليم، عن عمرو بن سعيد، قال: ثنا عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة، قال:"كانت الدور على عهد النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما تباع ولا تكرى ولا تدعى إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 35 رقم 10965).
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات، ولكنهما منقطعان إلا علقمة بن نضلة ليس بصحابي.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي، روى له الجماعة إلا أبا داود.
عن ابن أبي سليمان عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم النوفلي المكي قاضي مكة، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، والترمذي في "الشمائل".
عن علقمة بن نضلة بن عبد الرحمن الكناني المكي، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين من "الثقات".
وأخرجه ابن ماجه (1): من رواية ابن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة
…
إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن سليم المكي، طائفي نزل مكة، يقال له: أبو زكرياء الخزاز -بالزاي في آخره- روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي (2): من حديث أبي الجواب، عن سفيان، عن عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني قال:"كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم تبع رباعها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن".
قوله: "ورباع مكة" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله:"تدعى السوائب"، والرباع جمع رَبْع، وهو المنزل.
قال الجوهري: الرَّبَعُ: الدار بعينها حيث كانت، وجمعها: رباع ورُبُوع وأَرْبَاع وأَرْبُع، والرَّبْعُ: المحلة.
(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 1037 رقم 3107).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 35 رقم 10968).
والسوائب: جمع سائبة وأصلها من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت، وأراد بها أنها كانت سائبة لكل أحد؛ من شاء كان يسكنها، فإذا فرغ منها أسكن غيره بلا بيع ولا أجرة.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع أرض مكة ولا إجارتها، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة ومحمد وسفيان الثوري.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح ومجاهدًا ومالكًا وإسحاق وأبا عبيد، فإنهم ذهبوا إلى الآثار المذكورة وقالوا: لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارتها؛ لأنها مباحة غير مملوكة؛ فصار كبيع الصيد في البراري والطير الذي لم يُصَد، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد، وإليه ذهب سفيان الثوري.
وفي "البدائع": لا ينعقد البيع فيما ليس بمملوك، كمن باع الكلأ في أرض مملوكة والماء الذي في نهره أو في بئره، وكذلك بيع الكمأة، وبيع صيد لم يوجد في أرضه لا ينعقد؛ لأنه مباح غير مملوك لانعدام سبب الملك فيه، وكذا بيع الحطب والحشيش والصيود التي في البراري، والطير الذي لم يصد في الهواء، والسمك الذي لم يؤخذ من الماء، وعلى هذا يخرج بيع رباع مكة وإجارتها أنه لا يجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن عطاء ومجاهد.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا قرة بن حبيب، قال: ثنا شعبة، عن العوام بن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح:"أنه كان يكره أجور بيوت مكة".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد أنه قال:"مكة مناخ، لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها".
ش: أي وقد روي عدم جواز بيع بيوت مكة وعدم جواز إجارتها عن عطاء بن أبي رباح المكي ومجاهد بن جبر المكي، وبيَّن ذلك بقوله: حدثنا أحمد بن داود
…
إلى آخره.
واسناد الأثرين صحيح.
وقرة بن حبيب بن يزيد الرماح البصري شيخ البخاري.
والعوام بن حوشب بن يزيد الواسطي وثقه ابن معين وغيره، وروى له الجماعة إلا أبا داود.
وابن الأصبهاني هو محمد بن سعيد شيخ البخاري.
وروى عبد الرزاق (1): عن ابن جريج قال: "كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم".
وروى عن منصور (2)، عن مجاهد:"نهى عن إجارة بيوت مكة وبيع رباعها".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها في ذلك كسائر البلدان، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو يوسف.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: طاوسًا وعمرو بن دينار والشافعي وأبا يوسف وأحمد وابن المنذر معهم؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا نقلها صاحب "البدائع"، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وقال ابن حزم: وبيع دور مكة -أعزها الله- وابتياعها وإجارتها جائز.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن علي بن حسين أخبره، أن عمرو بن عثمان أخبره، عن أسامة بن زيد أنه قال:"يا رسول الله أتنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟! وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي رضي الله عنهما؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل ذلك يقول: لا يرث المؤمن الكافر".
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب
…
فذكر بإسناده مثله.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(5/ 146 رقم 9210).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(5/ 147 رقم 9211).
قال أبو جعفر رحمه الله: ففي هذا الحديث ما يدل أن أرض مكة تملك وتورث؛ لأنه قد ذكر فيها ميراث عقيل وطالب لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور، فهذا خلاف الحديث الأول.
ولما اختلفا احتيج إلى النظر في ذلك ليستخرج من القولين قول صحيح، ولو كان على طريق اختيار الأسانيد وصرف القول إلى ذلك؛ لكان حديث علي بن حسين أصحهما إسنادًا ولكنها تحتاج إلى كشف ذلك من طريق النظر.
فاعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام كل الناس فيه سواء؛ لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء ولا يحتجز منه موضعًا، وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك وجميع الناس فيها سواء، ألا ترى أن عرفة لو أراد الرجل أن يبني في المكان الذي يقف فيه الناس بناء لم يكن ذلك له؟ وكذلك منى لو أراد أن يبني فيه دارًا كان من ذلك ممنوعًا؟ وكذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحكم بن مروان الضرير الكوفي، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنهما قالت:"قلت: يا رسول الله، ألا نتخد لك بمنى بيتًا تستظل فيه؟ فقال: يا عائشة إنها مبنية لمن سبق".
أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام لم يأذن لهم أن يجعلوا له فيها بيتًا يستظل فيه؟ لأنه مناخ من سبق؛ لأن الناس كلهم فيها سواء.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي (ح).
وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه -وكانت تخدم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها- فحدثته عن عائشة مثله.
قال: وسألت أمي مكان عائشة بعدما توفي النبي عليه السلام أن تعطيها إياه فقالت لها عائشة: لا أحل لك ولا لأحد من أهل بيتي أن يستحل هذا المكان -تعني منى.
قال أبو جعفر رحمه الله: فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء ولا ملك لأحد عليها، ورأينا مكة على غير ذلك قد أجيز البناء فيها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخلها:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن".
حدثنا بذلك ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام.
فلما كانت مكة مما تغلق عليه الأبواب ومما تبنى فيه المنازل كانت صفتها صفة المواضع التبم تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من جواز بيع دور مكة وإجارتها بحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، فإنه يدل على أن أرض مكة تملك وتورث، ألا ترى كيف ذكر فيها ميراث عقيل وطالب بن أبي طالب لما تركه أبو طالب في مكة من رباع ودور ومنازل، وإنما ورث هذان أبا طالب ولم يرثه علي وجعفر أبناء أبي طالب أيضًا لأنهما كانا مسلمين، والمسلم لا يرث الكافر، وكان عقيل وطالب كافرين فلذلك ورثاه.
ثم حديث أسامة هذا يعارض حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي احتج به أهل المقالة الأولى، فإذا تعارض الحديثان ينظر فيهما ليعمل بأصحهما، فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أسامة أصحهما إسنادًا وأقواهما مجيئًا، وهذا ظاهر لا يخفى، فحيئذٍ يسقط حديث عبد الله بن عمرو؛ على أنَّا لم نكتف بذلك، بل كشفنا وجه ذلك من طريق النظر والقياس، فوجدنا أن ما يقتضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو.
بيان ذلك: أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً أو يحتجز موضعًا منها، ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً؟ وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارًا؟ والدليل على ذلك حديث عائشة المذكور.
ووجدنا مكة على خلاف هذا؛ لأنه قد أجيز فيها البناء، وقد قال عليه السلام يوم دخل مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن
…
" الحديث، فهذا يدل على أن مكة مما تبنى فيها الدور ومما تغلق عليها الأبواب، فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك، وتقع فيها المواريث، فحينئذٍ يجوز بيع الدور التي فيها ويجوز إجارتها، والله أعلم.
وقال ابن قدامة: أضاف النبي عليه السلام الدار إلى أبي سفيان إضافة الملك بقوله: "من دخل دار أبي سفيان"، ولأن أصحاب النبي عليه السلام كانت لهم دور بمكة: دار لأبي بكر رضي الله عنه وللزبير رضي الله عنه وحكيم بن حزام رضي الله عنه وغيرهم مما يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيع وبعضٌ في يد أعقابهم إلى اليوم، وأن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم، وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعًا، ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي.
ثم إنه أخرج حديث أسامة بن زيد بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم حِبّ رسول الله عليه السلام.
وأخرجه البخاري (1): ثنا أصبغ، قال: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد:"قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر".
(1)"صحيح البخاري"(2/ 575 رقم 1511).
وزاد عبد الرزاق عن معمر: "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر".
وأخرجه البخاري في كتاب الحج (1).
وأخرجه في المغازي أيضًا (2): عن سليمان بن عبد الرحمن، عن سعدان بن يحيى، عن محمد بن أبي حفصة.
وفي كتاب الفرائض (3) أيضًا مختصرًا عن أبي عاصم، عن ابن جريج.
وأخرجه مسلم في كتاب المناسك (4): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني موسى بن زيد
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه أبو داود أيضًا في الحج (5): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال:"قلت: يا رسول الله أين تنزل غذا؟ -في حجته- قال: هل ترك لنا عقيل منزلًا؟! ثم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر -يعني المحصب- وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم".
قال الزهري: والخيف: الوادي.
وأخرجه النسائي (6): عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء، وفي آخره:"فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول من أجل ذلك: لا يرث المؤمن الكافر".
(1)"صحيح البخاري "(2/ 576 رقم 1512).
(2)
"صحيح البخاري"(4/ 1560 رقم 4023).
(3)
"صحيح البخاري"(6/ 2484 رقم 6383).
(4)
"صحيح مسلم"(2/ 984 رقم 1351).
(5)
"سنن أبي داود"(2/ 210 رقم 2010).
(6)
"السنن الكبرى"(2/ 480 رقم 4255).
وأخرجه ابن ماجه أيضًا في الحج (1): عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر به.
قوله: "أتنزل" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "وهل ترك لنا عَقِيل" بفتح العين المهملة وكسر القاف هو أخو علي بن أبي طالب وجعفر وكان يكنى بأبي يزيد، وقيل: بأبي عيسى، والأول هو المشهور، وكان أسنّ من علي وجعفر، وكان طالب أسنّ منه وعليٌّ أحدثهم سنًّا.
وقال ابن سعد: كان عقيل ممن خرج من المشركين إلى بدر مكرهًا فأسر يومئذٍ وكان لا مال له ففداه عمه العباس رضي الله عنه، ثم أتى مسلمًا قبل الحديبية، وهاجر إلى النبي عليه السلام سنة ثمان وشهد غزوة مؤتة، وتوفي عقيل في خلافة معاوية رضي الله عنه.
قوله: "وطالبُ" مرفوع؛ لأنه عطف على الضمير المرفوع الذي في قوله: "ورث"، وإنما فصل بينهما بقوله:"هو" لئلا يتوهم عطف الاسم على الفعل، وقد عُلِمَ أن الضمير المرفوع مطلقًا لا يحسن العطف عليه إلا بفصل، والأكثر أن يكون ضمير الفصل كما في السورة المذكورة، وقد يكون بكلمة "لا" كما في قوله {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} (2).
قوله: "وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب" وإنما ورثاه لأنهما كانا كافرين وقت الإرث بخلاف جعفر وعلي رضي الله عنهما لأنهما كانا مسلمين وقتئذٍ، ثم أسلم عقيل بعد ذلك كما ذكرنا.
قوله: "من أجل ذلك" أي من أجل عدم إرث علي وجعفر أباهما أبا طالب. "قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يرث المؤمن الكافر".
ويستنبط منه أحكام:
الأول: فيه دليل على بقاء دور مكة لأربابها.
(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 981 رقم 2942).
(2)
سورة الأنعام، آية:[148].
الثاني: ذكر بعضهم أن فيه دليلًا على أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر ثم غزاها مع المسلمين أن ما فيها من ماله وولده بحكم البلد كما كانت دار رسول الله عليه السلام على حكم البلد ولم ير نفسه أحق بها.
وأجيب بأن هذا لو كان هكذا لعلل به عليه السلام، وقد قيل: إنه عليه السلام إنما ترك النزول بها وكرهه؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله تعالى، فلم يرجع فيما تركه لله تعالى.
الثالث: فيه دليل على أن المسلم لا يرث الكافر، وهذا أصل في ذلك، وفقهاء الأمصار على ذلك إلا ما حُكِيَ عن معاوية ومعاذ ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق: أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم.
ثم إنه أخرج حديث عائشة رضي الله عنها من ثلاث طرق جياد حسان:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحكم بن مروان الكوفي الضرير الصدوق شيخ أحمد، عن إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي، عن يوسف بن ماهك، عن أمه واسمها مسيكة المكية، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1) مصرحًا باسمها: ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت:"قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا بمنى؟ قال: لا، منى مناخ من سبق".
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (2) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل
…
إلى آخره، وقال:"عن أمه"، ولم يسمها.
(1)"مسند أحمد"(6/ 206 رقم 25759).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 212 رقم 2019).
وأخرجه الترمذي (1) وابن ماجه (2): من حديث وكيع، عن إسرائيل
…
كما أخرجه أحمد.
الثالث: عن أبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن إسرائيل
…
إلى آخره.
ولما أخرجه الترمذي قال: حديث حسن.
قوله: "ألا نتخذ لك بمنى بيتًا" وفي رواية: "شيئًا"، وفي رواية أبي داود:"بيتًا أو شيئًا".
قوله: "مُنَاخ" بضم الميم وبالخاء المعجمة، قال أبو حاتم: مناخ الإبل بضم الميم، ولا يقال بفتحها.
قلت: لأنه اسم موضع، من أناخ إبله: إذا أبركها.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة: عن ربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم مطولًا جدًّا (3): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، قال: ثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: "وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان
…
" الحديث بطوله.
وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن".
ص: فإن احتج محتج في ذلك بقول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (4).
(1)"جامع الترمذي"(3/ 228 رقم 881).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2/ 1000 رقم 3006).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1405رقم 1780).
(4)
سورة الحج، آية:[25].
قيل له: قد روي في تأويل هذا عن المتقدمين ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (1) قال: خَلْقُ الله فيه سواء".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال:"أردت أن أعتكف فسألت سعيد بن جبير وأنا بمكة، فقال: أنت عاكف، ثم قرأ {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء قال:" {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} قال: الناس في البيت سواء، ليس أحد أحق به من أحد".
فثبت بذلك أنه إنما قصد بذلك إلى البيت أو إلى المسجد الحرام لا إلى سائر مكة.
وهذا قول أبي يوسف رحمه الله.
ش: لما احتج بعض أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بقوله تعالى: {نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ....} (1) ذكر ذلك الطحاوي ثم أجاب عنه.
أما بيان احتجاجهم فهو أن الله تعالى جعل المسجد الحرام للناس سواء العاكف فيه والبادي، فمقتضاه أن يتساووا كلهم في سكناه والمقام فيه.
وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه؛ لأن لغير المشتري سكناه كما للمشتري، ولا يصح للمشتري تسليمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك، وهذا يدل على أنه غير مملوك.
فإن قيل: يحتمل أنه يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته.
قيل له: هو على الأمرين جميعًا من اعتقاد تعظيمه وحرمته، ومَنْ يساويهم في سكناه والمقام به.
(1) سورة الحج، آية:[25].
وأما الجواب عنه: فهو أنه روي في تأويل هذه الآية عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح رضي الله عنهم ما يدل على أن المراد من قوله: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (1) وهو البيت نفسه أو المسجد الحرام نفسه، وليس المراد منه سائر مكة.
فإذا كان كذلك لا يتساوى الناس في غير المسجد الحرام؛ لأن بعضهم يكونون ملاكًا وبعضهم يكونون سكانًا، فالمالك يجوز له بيع ملكه وإجارته ونحوهما فافهم.
ويخدش هذا: ما روي عن ابن عباس أيضًا قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي.
وروى يزيد بن زياد، عن عبد الرحمن بن سابط:{سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} قال: من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل، ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من ساكنه".
قال: وقال ابن عباس في قوله: " {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (1) قال: العاكف: فيه أهله، والبادي: من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء".
وروى الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال: قال عمر رضي الله عنه: "يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء".
وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن عمر رضي الله عنه نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج".
وروى ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمر قال:"من أكل من كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارًا في بطنه".
وروى عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال:"يكره بيع بيوت مكة وكراها"(2).
(1) سورة الحج، آية:[25].
(2)
كل هذه الآثار ذكرها الجصاص في كتابه "أحكام القرآن".
وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: لم يتأول السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا والاسم شامل له من طريق الشرع، إذ غير جائز أن تتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف، ويدل عليه قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (1)، والمراد -فيما روي-: الحديبية، وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم، وروي أنها على شفير الحرم.
وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أن النبي عليه السلام كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم"، وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله، ويدل عليه قوله تعالى:{يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} (2) والمراد إخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم، ويدل أن المراد جميع الحرم كله قوله:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (3) والمراد به من انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه.
وإذا ثبت ذلك اقتضى بقوله: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (3) تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام فيه، والله أعلم.
ثم أثر ابن عباس: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف ليس بشيء. وعن يحيى والنسائي: ضعيف. وقال عمرو بن علي: ليس بشيء.
(1) سورة التوبة، آية:[7].
(2)
سورة البقرة، آية:[217].
(3)
سورة الحج، آية:[25].
وأثر سعيد بن جبير: أخرجه عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد- اسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، روى له الجماعة.
وأثر عطاء: أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، والله أعلم.
***