الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الرجل يقتل قتيلاً في دار الحرب هل يكون له سلبه أم لا
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتل محاربًا من أهل الحرب هل يكون له سلبه أم لا؟
والسَّلَب: بفتحتين على وزن فَعَل بمعنى مفعول أي مسلوب، وهو ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه، مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا ابن الماجشون، قال: ثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل".
ش: إسناده صحيح.
وسعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود.
وابن الماجشون هو يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، روى له الجماعة.
وصالح بن إبراهيم روى له الشيخان.
وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، يقال: إنه ولد في حياة النبي عليه السلام، وشهد الدار مع عثمان رضي الله عنه، قال العجلي: تابعي ثقة مدني. روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
وجده عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري (1): ثنا مسدد، قال: ثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، عن صالح بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: "بينا أنا واقف يوم بدر في الصف؛ نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين حديثة
(1)"صحيح البخاري"(3/ 1144 رقم 2972).
أسنانهما من الأنصار، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله عليه السلام، والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت من ذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل نزل في الناس، فقلت لهما: ألا تريان؟! هذا صاحبكما الذي تسألان، فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله عليه السلام فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاهما قتله. فقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، واسم الآخر معاذ بن عفراء".
وأخرجه مسلم أيضًا (1): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: أنا يوسف بن الماجشون
…
إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن الجميل، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"أنفذت رجل من المشركين، فأمر النبي عليه السلام الزبير فخرج إليه فقتله، فجعل له النبي عليه السلام سلبه".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي.
وعبد الكريم بن مالك الجزري، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2) مرسلاً: ثنا وكيع، قال: نا سفيان، عن عبد الكريم، عن عكرمة:"أن الزبير بارز رجلاً فقتله. قال: فنفله النبي عليه السلام سَلَبَهُ".
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1372 رقم 1752).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 479 رقم 33092).
وأخرج البيهقي (1): من حديث سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن عكرمة، قال:"قال يهودي يوم قريظة: من يبارز؟ فقال رسول الله عليه السلام: قم يا زبير، فقالت صفية: يا رسول الله، واحدي، فقال رسول الله عليه السلام: أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير فقتله، فنفله رسول الله عليه السلام سلبه".
قال البيهقي: ويروى بذكر ابن عباس فيه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن خالد بن الوليد وعوف بن مالك:"أن رسول الله عليه السلام قضى بالسلب للقاتل".
ش: أبو بكرة بكار القاضي.
وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي العنسي -قال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين، روى له الأربعة.
وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي الحمصي، روى له الجماعة، البخاري في غير الصحيح.
وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
وأبوه جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي.
وعوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود (2): ثنا سعيد بن منصور، قال: نا إسماعيل بن عياش
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه:"قضي في السلب للقاتل ولم يخمس السلب".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 308 رقم 12554).
(2)
"سنن أبي داود"(3/ 72 رقم 2721).
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف ابن مالك الأشجعي.
قال: وثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك قال:"قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخمس السَّلَب؟ قال: نعم".
ش: إسناد صحيح ورجاله ثقات.
وأخرجه أبو داود مطولاً (1): ثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياها فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر وعليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد رضي الله عنه فأخذ السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله عليه السلام، فأبى أن يرد، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله عليه السلام فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد رضي الله عنه، فقال رسول الله عليه السلام: ياخالد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، استكثرته، فقال رسول الله عليه السلام: يا خالد رد عليه ما أخذت منه، قال عوف: فقلت: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال رسول الله عليه السلام: وما ذلك؟ قال:
(1)"سنن أبي داود"(3/ 71 رقم 2719).
فأخبرته، قال: فغضب رسول الله عليه السلام، فقال: يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
قال أبو داود (1): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد، قال: سألت ثورًا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه.
وأخرجه مسلم (2): عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي
…
إلى آخره نحوه.
قوله: "يوم مؤتة" بضم الميم وسكون الواو وفتح التاء المثناة من فوق، قال الجوهري: مؤتة بالهمز اسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال ابن الأثير: هو موضع ببلاد الشام.
قلت: هي قرية في قبلي الكرك على بعض مرحلة منها، وبها قبر جعفر الطيار وأصحابه رضي الله عنهم.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد، عن أبي قتادة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل أبا قتادة سَلَب قتيل قتله".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وسفيان هو ابن عيينة.
ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وأبو محمد اسمه نافع مولى أبي قتادة.
وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 72 رقم 2720).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1374 رقم 1753).
وأخرجه الترمذي (1): عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري ومسلم مطولاً على ما يأتي.
قوله: "نَفَّل" من التنفيل، وهو أن يعطي الإِمام لقاتل القتيل سلبه زيادة على ما يخصه من الغنيمة. والنَّفَلُ -بالتحريك-: الغنيمة، ويجمع على أنفال، والنَّفْلُ -بالسكون وقد يحرك-: الزيادة، فافهم.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة ابن ربعي رضي الله عنه أنه قال:"خرجنا مع رسول الله عليه السلام عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة حتى قطعت الدرع؛ فأقبل عليَّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله عليه السلام: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلَبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثانية، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله عليه السلام: ما لك يا أبا قتادة؟! فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فارضه مني يا رسول الله، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا هاء الله إذًا، لا يعمد إلى أَسَد من أُسْد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله عليه السلام: صدق، فأعطه إياه، فقال أبو قتادة: فأعطانيه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإِسلام".
(1)"جامع الترمذي"(4/ 131 رقم 1562).
ش: الحديث أخرجه مالك في "موطئه"(1).
وأخرجه البخاري (2): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك نحوه.
ومسلم (3): عن أبي الطاهر، عن عبد الله بن وهب، عن مالك.
والترمذي (4): عن الأنصاري، عن معن، عن مالك مختصرًا.
قوله: "عام حنين" كان عام حنين سنة ثمان من الهجرة.
قوله: "جولة" من جَالَ يَجُولُ جَوْلةً: إذا دار.
قوله: "على حبل عاتقه" هو موضع الرداء من العنق، وقيل: ما بين العنق والمنكب، وقيل: هو عرق أو عصب هناك، ومنه قوله تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (5). الوريد: عرق في العنق، وهو الحبل أيضًا فأضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين.
قوله: "لا هاء الله إذًا لا يعمد" هكذا جاء الحديث "لا هاء الله إذا" والصواب "لا هاء الله ذا" بحذف الهمزة، ومعناه: لا والله لا يكون ذا، أو: لا والله الأمر ذا، فحذف تخفيفًا، ولكن في ألف "ها" مذهبان:
أحدهما: تثبت ألفها؛ لأن الذي بعدها مدغم مثل دابة.
والثاني: أن يحذفها لالتقاء الساكنين.
قوله: "إلى أَسَد من أُسْد الله" الأول: بفتح الهمزة والسين مفرد، والثاني: بضم الهمزة وسكون السين، جمع أسد.
قوله: "فابتعت به مِخرفًا" أي اشتريت به مِخرفًا، والمخرف -بكسر الميم-:
(1)"موطأ مالك"(2/ 454 رقم 973).
(2)
"صحيح البخاري"(3/ 1144 رقم 2973).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1370 رقم 1751).
(4)
"جامع الترمذي"(4/ 131 رقم 1562).
(5)
سورة ق، آية:[16].
الجنينة الصغيرة، قاله ابن وهب. وقال غيره: هو ما يخرف أي يحفظ ويجتنى، وهو الحائط الذي فيه تمر قد طاب وبدا صلاحه، قالوا: والحائط يقال له بالحجاز: الخارف، والخارف بلغة اليمن: الذي يجنى لهم الرطب، وقال الأخفش: المِخْرف -بكسر الميم-: القطعة من النخل التي يخترف منها التمر، والمخرف بفتح الميم المحل أيضًا.
والمَخْرف -بفتح الميم-: النخل أيضًا.
قوله: "تأثلته" أراد به أول مال اقتناه وجمعه، ومن اكتسب ما يبقى فقد تأثل، قال امرؤ القيس:
وَلَكِنَّمَا أسعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ
…
وَقَد يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالي
يقال: مال مؤثل ومجد مؤثل، أي مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي قتادة:"أنه قتل رجلاً من المشركين، فنفله رسول الله عليه السلام سَلَبَهُ ودرعه، فباعه بخمسه أواق".
ش: هذا طريق آخر: عن ابن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن المبارك بن فضالة البصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن عبيد الله بن أبي جعفر المصري الفقيه، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة
…
إلى آخره نحوه سواء.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو داود، عن حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس:"أن رسول الله عليه السلام يوم حنين: من قتل قتيلاً فله سلبه، فَقَتَلَ أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً فأخذ أسلابهم".
(1)"مسند أحمد"(5/ 307 رقم 22667).
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا موسى بن إسماعيل: قال: ثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال:"قال رسول الله عليه السلام يومئذ -يعني يوم حنين-: من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم".
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله عليه السلام هوازن فقتلت رجلاً، ثم جئت بجمله أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله عليه السلام والناس معه، فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأخرجه مسلم مطولاً (2): ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: ثنا -أبي سلمة بن الأكوع- قال: "غزونا مع رسول الله عليه السلام هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله عليه السلام، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقًا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فأتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت
(1)"سنن أبي داود"(3/ 71 رقم 2718).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1374 رقم 1754).
بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله عليه السلام والناس معه، فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع. قال: له سلبه أجمع".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أبو عميس، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال:"أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر، فجلس فتحدث عند أصحابه ثم انسل، فقال النبي عليه السلام: اطلبوه فاقتلوه، فسبقتهم فقتلته وأخذت سلبه، فنفلني إياه".
ش: إسناده صحيح.
وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري.
وأبو عميس عتبة بن عبد الله المسعودي الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري في "الجهاد"(1): عن أبي نعيم، عن أبي عميس
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه مسلم في "المغازي"(2): عن زهير بن حرب
…
إلى آخره نحو معناه.
قوله: "عين" أي جاسوس، يقال: اعتان له: إذا أتاه بالخبر.
قوله: "ثم انسل" من الانسلال وهو أن يغافل الناس ويذهب.
وفي الحديث: جواز قتل جاسوس أهل الحرب، وجواز تنفيل الإِمام سَلَبَ المقتول لقاتله.
واعلم أن الطحاوي قد أخرج أحاديث تنفيل السَّلَب عن سبعة أنفس من الصحابة رضي الله عنهم، وهم: عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد وعوف بن مالك الأشجعي وأبو قتادة الأنصاري وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم.
(1)"صحيح البخاري"(3/ 1110 رقم 2886).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1374 رقم 1754).
ولما أخرج الترمذي حديث أبي قتادة قال: وفي الباب عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد وأنس وسمرة بن جندب.
قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن سهل بن أبي حثمة وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهم.
أما حديث سمرة بن جندب: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن نعيم بن أبي هند، عن ابن سمرة بن جندب، عن أبيه قال: قال رسول الله عليه السلام: "من قتل فله السلب".
وأما حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فأخرجه البيهقي (2): من حديث أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، عن أبيه قال:"لقينا العدو مع رسول الله عليه السلام فطعنت رجلاً فقتلته، فنفلني رسول الله عليه السلام سلبه".
قال البيهقي: هذا حديث غريب.
وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه البيهقي أيضًا (3): من حديث الواقدي، حدثني سليمان بن بلال، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال:"أصيبت بغزوة مؤتة ناس من المسلمين، وغَنِمَ المسلمون بعض أمتعة المشركين، فكان مما غنموا خاتمًا جاء به رجل إلى رسول الله عليه السلام، قال: قتلت صاحبه يومئذٍ، فنفله رسول الله عليه السلام إياه".
وأما حديث محمد بن سهل بن أبي حثمة: فأخرجه الواقدي: من حديث موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة، قال: "لما حول رسول الله عليه السلام إلى الشق -يعني من خيبر- خرج رجل من اليهود فصاح: من يبارز؟ فبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر يختال في مشيته، فضربه
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 478 رقم 33082).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 307 رقم 12547).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 308 رقم 12555).
فقطع رجليه ثم دفف عليه وأخذ سلبه درعه وسيفه، فجاء به إلى رسول الله عليه السلام، فنفله".
وأخرجه البيهقي (1) من طريق الواقدي.
وقال الذهبي: هذا منقطع، والواقدي واهٍ.
قلت: محمد بن سهل بن أبي حثمة ذكره بعض الحفاظ في الصحابة. قاله ابن الأثير.
وأما حديث خزيمة بن ثابت: فأخرجه الواقدي أيضًا: حدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، قال:"حضرت مؤتة، فبارزني رجل منهم يومئذٍ فأصبته وعليه بيضة فيها ياقوتة، فلم تكن همتي إلا الياقوتة فأخذتها، فلما رجعت إلى المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها فبعتها زمن عثمان رضي الله عنه بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة".
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قومٌ إلى أن كل من قتل قتيلاً في دار الحرب فله سلبه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد فإنهم قالوا: السلب للقاتل على كل حال، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، إلا أن الشافعي قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيله مقبلاً عليه، وأما إذا قتله مدبرًا عنه فلا سلب له.
وقال ابن قدامة: السلب للقاتل إذا قتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو، وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وابن المنذر.
وقال مسروق: إذا التقى الرجعان فلا سلب له إنما النفل قبله وبعده، ونحوه قول نافع، وكذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم: السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض، فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 309 رقم 12560).
وقال ابن قدامة أيضًا: القاتل يستحق السلب، قال ذلك الإِمام أو لم يقل. وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يكون السلب للقاتل إلا أن يكون الإِمام قال: من قتل قتيلاً فله سلبه؛ فإن كان قال ذلك ليحرض الناس على القتال في وقت يحتاج فيه إلى تحريضهم على ذلك فهو كما قال، وإن لم يقل من ذلك شيئًا فمن قتل قتيلاً فسلبه غنيمة وحكمه حكم الغنائم.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الثوري وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا، فإنهم قالوا: السلب من غنيمة الجيش حكمه حكم سائر الغنيمة إلا أن يقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. فحينئذٍ يكون له.
وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة والثوري: لا يستحق القاتل السلب إلا أن يشترطه الإِمام له.
وقال مالك: لا يستحقه إلا أن يقول الإِمام ذلك، ولم ير أن يقول الإِمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، وجعلوا السلب من جملة الأنفال.
وقد روي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر. وقال أيضًا: قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإِمام، وهو قول الأوزاعي، وقال ابن المنذر والشافعي: له أخذه بغير إذنه.
ص: وكان من الحجة لهم فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأول من الآثار التي رويناها: أن قول خالد بن الوليد وعوف بن مالك رضي الله عنهما: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلب للقاتل" فقد يجوز أن يكون ذلك لقول كان قد تقدم منه قبل ذلك جعل به سلب كل مقتول لمن قتله، وكذلك ما ذكر فيه من هذه الآثار التي جعل النبي عليه السلام السلب للقاتل، فقد يجوز أن يكون لهذا المعنى أيضًا.
ومما يدل أن السلب لا يجب للقاتل:
ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: ثنا يوسف بن
الماجشون، قال: حدثني صالح بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف:"إني لقائم يوم بدر بين غلامين حديثة أسنانهما، تمنين لو أني بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ أتعرف أبا جهل؟ فقلت: وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله عليه السلام، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فعجبت لذلك، وغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان! هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: أمسحتما بسيفيكما؟ قالا: لا، قال: في النظر في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح.
والآخر: معاذ بن عفراء.
أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام قال في هذا الحديث: "إنكما قتلتماه" ثم قضى بالسلب لأحدهما دون الآخر؟!
ففي هذا دليل على أن السلب لو كان واجبًا للقاتل بقتله إياه لكان قد وجب سلبه لهما، ولم يكن النبي عليه السلام ينتزعه من أحدهما فيدفعه إلى الآخر، ألا ترى أن الإِمام لو قال: من قتل قتيلاً فله سلبه فقتل رجلان قتيلاً أن سلبه لهما نصفان؟ وأنه ليس للإِمام أن يحرمه أحدهما ويدفعه إلى الآخر؛ لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثل ما لصاحبه وهما أولى به من الإِمام، فلما كان للنبي عليه السلام في سلب أبي جهل أن يجعله لأحد قاتليه دون الآخر؛ دلَّ ذلك أنه كان أولى به منهما؛ لأنه لم يكن قال يومئذ: من قتل قتيلاً فله سلبه.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية في الذي احتج به عليهم أهل المقالة الأولى من الأحاديث المذكورة، وأراد بذلك: الجواب عنها.
تقريره: أن الاستدلال بالأحاديث المذكورة في كون السلب للقاتل على كل حال لا يتم؛ لأنه قد يجوز أن يكون كون السلب للقاتل في الأحاديث المذكورة؛ لأجل قول قد كان تقدم من النبي عليه السلام بأن كان قد جعل سلب كل قتيل لمن قتله فحينئذٍ لا يكون السلب للقاتل إلا بقول الإِمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه" ولم يكن السلب واجبًا للقاتل بقتله إياه، والدليل على ذلك: حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فإن رسول الله عليه السلام قد قال فيه للذين قتلا أبا جهل لعنه الله:"إنكما قتلتماه" ثم حكم بالسلب لأحدهما دون الآخر فدلَّ ذلك أن السلب لم يجب للقاتل بسبب قتله؛ إذ لو كان كذلك لكان رسول الله عليه السلام حكم بسلب أبي جهل بينهما، فلما جعله لأحدهما دون الآخر دلّ ذلك أنه عليه السلام لم يكن قال يومئذٍ: من قتل قتيلاً فله سلبه.
وإسناد هذا الحديث صحيح. وقد ذكره الطحاوي بعينه في أول الباب، غير أن هناك: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن سليمان الواسطي.
وها هنا عن إبراهيم بن أبي داود، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري. وإبراهيم بن حمزة هذا روى عنه البخاري في "صحيحه" وأبو داود في "سننه".
والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في أول الباب (1).
قوله: "إني لقائم""اللام" فيه للتأكيد؛ فلهذا جاءت مفتوحة.
قوله: "تمنيت لو أني بين أضلع منهما" أي بين أشد وأقوى من الرجلين اللذين كنت بينهما، وأضلع: أفعل التفصيل من الضلاعة وهي القوة، يقال: اضطلع بحمله: أي قوي عليه ونهض به.
قوله: "لا يفارق سوادي سواده" أي شخصي شخصي، وإنما سمي الشخص سوادًا؛ لأنه يرى من بعيد أسود.
(1) تقدم.
قوله: "فلم أنشب" أي فلم ألبث، يقال: نشب بعضهم في بعض أي دخل وتعلق، ونشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه، ولم ينشب أن فعل كذا: أي لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا بسواه.
ص: وقد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله عليه السلام إلى بدر، فلقي العدو، فلما هزمهم الله؛ اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله عز وجل العدو ورجع الذين طلبوهم؛ قالوا: لنا النفل؛ نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله عز وجل وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله عليه السلام: ما أنتم بأحق به منا، بل هو لنا؛ نحن أحدقنا برسول الله عليه السلام؛ لا ينال منه العدو غرة، وقال الدين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق به منا؛ نحن حويناه واستوليناه. فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
…
} إلى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1) فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم عن بواءٍ، أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام لم يفضل في ذلك الدين تولوا القتل على الآخرين؟
فثبت بذلك أن سلب المقتول لا يجب للقاتل بقتله صاحبه ما بجعل الإِمام إياه له على ما فيه صلاح المسلمين من التحريض على قتال عدوهم.
وقد حدثنا فهد، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال:"أتيت النبي عليه السلام وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ قال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أخيه".
(1) سورة الأنفال، آية:[1].
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن رسول عليه السلام مثله.
أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام جعل الغنيمة خمسًا منها لله تعالى وأربعة أخماسه لأصحابه، وبين في ذلك فقال: حتى لو أن أحدكم رمي بسهم في جنبه فنزعه لم يكن أحق به؟ فدلّ ذلك أن كل ما تولاه الرجل في القتال وكل ما تولاه غيره ممن هو حاضر القتال أنهما فيه سواء.
ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه.
وهذا كله كلام ظاهر.
ثم إنه أخرج حديث عبادة بن الصامت بإسنادٍ لا بأس به: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان -فيه مقال- عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي المدني، وثقه ابن حبان وابن سعد، وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الأربعة.
عن سليمان بن موسى أبي أيوب الدمشقي الأشدق، قال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه. وروى له مسلم في مقدمة كتابه، والأربعة.
وهو يروي عن مكحول الشامي، روى له الأربعة البخاري في غير "الصحيح".
عن أبي سلام الأسود، واسمه ممطور الحبشي، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
عن أبي أمامة الباهلي الصحابي، واسمه صدي بن عجلان.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
وأخرجه الطبراني: ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام الباهلي، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت أنه قال:"خرج رسول الله عليه السلام إلى بدر فلقي العدو، فلما هزمهم الله تعالى اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله عليه السلام، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل؛ نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق منا؛ نحن حويناه واستولينا عليه، فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} إلى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1) فقسمه رسول الله عليه السلام بينهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث، وقال: أخذ [يوم] (2) حنين وبرة من جنب بعير، فقال: يا أيها الناس، لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يُذْهِب الله به الهم والغم، قال: فكان رسول الله عليه السلام يكره الأنفال، وقال: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم".
قوله: "خرج رسول الله عليه السلام إلى بدر" وكان خروجه عليه السلام إلى بدر في ليالي مضت من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وكانت الوقعة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان، وكانت مدة غيبته عليه السلام تسعة عشر يومًا.
قوله: "غرة" أي غفلة من اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته: أي غفلته.
قوله: "نحن حويناه" أي جمعناه.
قوله: "عن بواء" بالباء الموحدة المفتوحة، أي عن سواء.
(1) سورة الأنفال، آية:[1].
(2)
تكررت في "الأصل".
وأخرج حديث رجل من بلقين من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي البصري روى له الجماعة غير البخاري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن رجل من بَلْقِين -بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- يقال لبني القين من بني أسد: بلقين، كما يقال: بلحارث وبلهجيم، وهو من شواز التخفيف، والنسبة إليه قيني، ولا يقال: بلقيني، والقين في اللغة: الحداد.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"(1): ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال:"أتيت رسول الله عليه السلام وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله بم أمرت؟ قال: أمرت أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة. قلت: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: المغضوب عليهم يعني اليهود. قلت: من هؤلاء؟ قال: الضالين. قال: النصارى. قلت: فلمن المغنم يا رسول الله؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أحد".
والثاني: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم (2): من حديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين
…
إلى آخره نحوه.
(1)"مسند أبي يعلى"(13/ 131 رقم 7179).
(2)
"المحلى"(7/ 250) رقم المسألة (954).
قوله: "بوادي القرى [. . . . . . .](1).
قوله: "لمن المَغْنَم" المغنم بفتح الميم، والغُنْم بضم الغين، والغنيمة كلها سواء، وهو المال الذي يؤخذ من أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، يقال: غَنِمْتُ أَغْنَمُ غَنْمًا وغَنِيمة، وتجمع على مغانم، والغنيمة على غنائم، والغُنْم -بالضم-: الاسم، وبالفتح: المصدر، والغانم آخذ الغنيمة، والجمع الغانمون.
ومما يستفاد من الحديث المذكور: أنه يدل على أن أحدًا من الغزاة لا يختص بشيء من الغنيمة إلا بتعيين الإِمام له من سلب المقتول، وأن الذي يتولى القتال والذي يحضره ولا يتولاه سواء.
وقد شنع ابن حزم ها هنا وقال: هذا الحديث عن رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا؟ ولئن سلمنا صحبته ليس لكم فيه حجة؛ لأن الخمس من جملة الغنيمة يستحقه دون أهل الغنيمة من لم يشهد الغنيمة بلا خلاف، وأيضًا فهذا الحديث حجة عليكم؛ لأنكم تقولون: إن القاتل أحق بالسلب من غيره إذا قال الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه.
قلت: جهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وطعنه بهذا ساقط. وقد أخرج الله الخمس من جملة الغنيمة وجعل له مصرفًا معينًا.
وأما كون القاتل أحق بالسلب من غيره فبتخصيص الشارع له إياه، فيكون هذا أيضًا خارجًا عن جملة الغنيمة؛ إذ لو كانت من الغنيمة لتساوى فيها أهل الغنيمة كلهم، فافهم.
ص: فإن قال قائل: إن الذي ذكرتموه من سَلَب أبي جهل، وما ذكرتموه في عبادة إنما كان ذلك في يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله عليه السلام يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال: من قتل قتيلاً فله سلبه، فنسخ ذلك ما تقدمه.
(1) بيض له المؤلف، وقال في "عمدة القاري" (6/ 190): قوله: "بوادي القرى": هو من أعمال المدينة، وقال ابن السمعاني: وادي القرى مدينة بالحجاز مما يلي الشام، فتحها النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا.
قيل له: ما دل ما ذكرت على نسخ شيء مما تقدمه؛ لأن ذلك القول الذي كان من رسول الله عليه السلام يوم حنين قد يجوز أن يكون أراد به من قتل قتيلاً في [تلك](1) الحرب لا غير ذلك؛ كما قال يوم فتح مكة شرفها الله تعالى: "منن ألقى سلاحه فهو آمن" فلم يكن ذلك على كل من ألقى سلاحه في غير تلك الحرب، ولما ثبت أن الحكم كان قبل يوم حنين أن الأسلاب لا تجب للقاتلين، ثم حدث في يوم حنين هذا القول من رسول الله عليه السلام؛ فاحتمل أن يكون ناسخًا لما تقدم، واحتمل أن لا يكون ناسخًا له؛ لم نجعله ناسخًا له حتى نعلم ذلك يقينًا، ومما قد دل أيضًا على أن ذلك القول ليس بناسخ لما كان قبله من الحكم:
أن يونس حدثنا، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزارة فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلص إليه فقتله فقوم سلبه ثلاثين ألفًا، فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر رضي الله عنه فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلَبَ البراء قد بلغ مالاً، ولا أرانا إلا خامسيه. فقومنا ثلاثين ألفًا فدفعنا إلى عمر رضي الله عنه ستة آلاف".
فهذا عمر رضي الله عنه يقول: "إنا كنا لا نخمس الأسلاب" ثم خمس سلب البراء، فدل ذلك أنهم كانوا لا يخمسون ولهم أن يخمسوا، وأن الأسلاب لا تجب للقاتلين دون أهل العسكر، وقد حضر عمر رضي الله عنه ما كان من قول رسول الله عليه السلام يوم حنين:"من قتل قتيلاً فله سلبه" فلم يكن ذلك عنده على كل من قتل قتيلاً في [تلك](1) الحرب خاصةً. وقد كان أبو طلحة رضي الله عنه حضر ذلك أيضًا بحنين وقضى له رسول الله عليه السلام بأسلاب القتلى الذين قتلهم فلم يكن ذلك عنده موجبًا لخلاف ما أراد عمر رضي الله عنه في سلب المرزبان، وقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه حاضرًا ذلك أيضًا من رسول الله عليه السلام بحنين، ومن عمر رضي الله عنه في يوم البراء، فكان ذلك عنده على ما رأى عمر رضي الله عنه لا على خلاف ذلك.
(1) في "الأصل، ك": "ذلك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
فهؤلاء أصحاب رسول الله عليه السلام لم يجعلوا قول رسول عليه السلام يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" على النسخ للحكم المتقدم لذلك في يوم بدر.
ش: تقرير السؤال أن يقال لأهل المقالة الثانية: إن استدلالكم -بحديث عبد الرحمن بن عوف الذي جعل فيه رسول الله عليه السلام سَلَب أبي جهل لأحد قاتليه دون الآخر، وبحديث عبادة بن الصامت الذي لم يفضل فيه رسول الله عليه السلام الطائفة الذين تولوا القتل على الآخرين- لا يتم ولا يصح ولا تقوم به دعواكم في أن السلب لا يجب للقاتل بقتله ولا يكون له إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه تحريضًا للناس على القتال لما يرى فيه من مصلحة المسلمين؛ وذلك لأن هذا كان يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله عليه السلام يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال:"من قتل قتيلاً فله سلبه" فنسخ هذا الحكم ما تقدمه من الحكم الذي كان يوم بدر، وكان بين بدر وحنين أعوام؛ لأن غزوة بدر كانت في سنة ثنتين من الهجرة، وغزوة حنين كانت في سنة ثمان من الهجرة، فثبت بذلك أن السَلَبَ للقاتل على كل حال سواء قال الإِمام:"من قتل قتيلاً فله سلبه" أو لم يقل.
وقال ابن حزم (1): وكل من قتل قتيلاً من المشركين فله سلبه، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، كيف ما قتله صبرًا أو في القتال، ثم استدل على ذلك بحديث أبي قتادة:"أن رسول الله عليه السلام قال بعد انقضاء القتال يوم حنين: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه".
والجواب عن ذلك ظاهر، قد أمعن فيه الطحاوي رحمه الله، وأيده بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
أخرجه بإسناد صحيح رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
(1)"المحلى" لابن حزم (7/ 247) رقم المسألة (955).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كان السلب لا يخمس، وكان أول سلب خمس في الإِسلام سلب البراء بن مالك وكان قتل مرزبان الزارة وقطع منقطته وسواريه، فلما قدمنا المدينة صلى عمر رضي الله عنه الصبح، ثم أتانا وقال: السلام عليكم، أثمَّ أبو طلحة؟ فقالوا: نعم، فخرج إليه، فقال عمر رضي الله عنه: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء مالٌ، وإني خامسه، فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفًا، فأخذ منها ستة آلاف".
قوله: "بارز مرزبان الزارة" من المبارزة في الحرب، وهو أن يظهر بين الصفوف ويطلب المحاربة مع شجاع مثله من الطائفة المخالفين.
و"المَرْزُبان" بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وبالباء الموحدة وفي آخره نون، هو الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك وهو معرب ويجمع على مرازبة، و"الزَّارَة" بالزاي وفتح الراء المخففة لقب للمرزبان المبارز كما يلقب بالأسد.
قوله: "فكسر القربوس" بفتح القاف والراء مثل طرسوس، وقال الجوهري: لا يخفف إلا في الشعر؛ لأن فعلولاً ليس من أبنيتهم.
قوله: "إنا كنا لا نخمس الأسلاب" من خَمَسَ يَخْمُس -بتخفيف الميم- من باب نَصَرَ يَنْصُر، يقال: خَمَسْت القوم أَخْمُسُهم -بالضم- إذا أخذت منهم خمس أموالهم.
قوله: "ولا أرانا" بضم الهمزة "إلا خامسيه" أصله إلا خامسين إباه فسقطت النون للإضافة.
ومما دل هذا الحديث: على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين ولا تختص بهم دون أهل العسكر.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 479 رقم 33089).
وقال أبو عمر: هذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير ولو كان للقاتل قضاء من النبي عليه السلام ما احتاج هؤلاء -يعني عمر بن الخطاب وأبا طلحة وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم بإجتهادهم، ولأخذه القاتل بدون أمرهم.
فإن قيل: قال البيهقي (1): قال الشافعي: هذه الرواية عن عمر رضي الله عنه ليست من روايتنا وله رواية عن سعد بن أبي وقاص في زمان عمر تخالفها، ثم قال الشافعي: أنا ابن عيينة، عن الأسود بن يزيد، عن رجل من قومه يقال له شبر بن علقمة قال:"بارزت رجلاً يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه اثنى عشر ألفا فنفلنيه سعد رضي الله عنه".
قلت: الرواية بالتخميس عن عمر رضي الله عنه صحيحة وإن لم تكن من رواية الشافعي؛ فإن الطحاوي: أخرجها عنه بإسناد صحيح.
وكذلك أخرجها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(2) بإسناد وصحيح.
والرواية عن سعد ليست بمخالفة لذلك في المعنى، بل موافقة، فدلتا الروايتان على أن الأمر في ذلك مفوض إلى رأي الإِمام، فرأى عمر رضي الله عنه المصلحة في التخميس، ورأى سعد المصلحة في تنفيل ذلك لشبر، وقد ذكر أبو عمر قضية شبر ثم قال: وهذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير دون القاتل.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، أن أباه أخبره: "أنه سأل مكحولاً: أيخمس السَّلب؟ فقال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أن البراء بن مالك بارز رجلاً من عظماء فارس فقتله، فأخذ البراء سلبه، فكُتِبَ فيه إلي عمر رضي الله عنه، فكتب عمر رضي الله عنه إلى الأمير: أن اقبض إليك خمسه وادفع إليه ما بقي، فقبض الأمير خمسه.
فهذا مكحول قد ذهب أيضًا في الأسلاب إلى ما ذكرنا.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 311 رقم 12569).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 478 رقم 33087)، (6/ 553 رقم 33753)، (6/ 553 رقم 33754).
وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، قال:"سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الفرس من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس رضي الله عنهما ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله عز وجل في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مالك، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد:"أن رجلاً سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال: الفرس والسلب من الأنفال".
حدثنا يونس وربيع المؤذن، قالا: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: أخبرني الزهري، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال:"كنت جالسًا عنده فأقبل رجل من أهل العراق فسأله عن السلب، فقال: السلب من النفل، وفي النفل الخمس".
فهذا ابن عباس رضي الله عنهما جعل في السَلَب الخُمس، وجعله من الأنفال، وقد كان عَلِمَ من رسول الله عليه السلام ما قد ذكرناه في أول الباب من تسليمه إلى الزبير سلب القتيل الذي كان قتله.
فدل ذلك أن ما تقدم من رسول الله عليه السلام يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخًا، وأن ما قضى به من سلب القتيل الذي قتله الزبير رضي الله عنه إنما لقول كان تقدم منه أو لمعنى غير ذلك.
فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه؛ وذلك لأن مكحولاً روى عن أنس ما يدل على ذلك، وأنه ذهب في الأسلاب إلى ما ذكر هؤلاء، وكذلك ذكر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يدل على ما ذكروه؛ لأنه جعل في السَّلَب الخُمْس وجعله من جملة الأنفال، والحال أنه قد كان
علم من النبي عليه السلام من تسليمه إلى الزبير بن العوام سلب القتيل الذي كان قتله على ما مرّ ذكره في أول الباب، فدلّ ذلك أن ما تقدم من النبي عليه السلام يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخًا، وأن ما حكم به النبي عليه السلام من سلب القتيل الذي قتله الزبير إنما كان لأجل قوله عليه السلام:"من قتل قتيلا فله سلبه"، أو لتخصيصه الزبير في ابتداء الأمر بسلب من يقتله، أو معنى غير ذلك.
ثم اختلف العلماء في تخميس السلب. فقال ابن قدامة: لا يخمس السلب. روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير الطبري.
وقال ابن عباس: يخمس. وبه قال الأوزاعي ومكحول؛ لعموم قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} (1).
وقال إسحاق: إن استكثر الإِمام السلب خمسه وذلك إليه، ثم قال: إذا ثبت هذا فإن السَّلَب من أصل الغنيمة.
وقال مالك: يحتسب من خُمْس الخمس.
ثم إسناد حديث أنس صحيح ورجاله ثقات.
ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي روى له الجماعة.
وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد، وثقه دحيم وأبو حاتم وابن حبان، وضعفه العجلي، وروى له الأربعة.
وأبوه ثابت بن ثوبان الشامي العنسي الدمشقي، وثقة يحيى. وقال العجلي: لا بأس به.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
(1) سورة الأنفال، آية:[41].
وأخرجه مالك في "موطإه"(1): عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، أنه قال:"سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل، والسَّلَب من النفل، قال: ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه. ثم قال ابن عباس: أتدرون ما مثَلُ هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن مالك، عن محمد بن مسلم الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أبي بكر الصديق.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى وربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن القاسم بن محمد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا الضحاك بن مخلد، عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن القاسم قال:"سئل ابن عباس عن السَّلَب؟ فقال: لا سلب إلا من النفل، وفي النفل الخمس".
وأخرجه البيهقي (3): من حديث قبيصة، عن سفيان، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال:"السلب من النفل، والنفل من الخمس".
قوله: "الفرس من النفل" أي من الغنيمة.
وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن قدامة: الدابة وما عليها من السلب إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من الثياب والسلاح وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب.
(1)"موطأ مالك"(2/ 455 رقم 974).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 479 رقم 33096).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(6/ 132 رقم 12571).
وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى: أن الدابة ليست من السلب. وقال أيضًا: الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وجميع آلتها من السلب إذا كان راكبًا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه، فإن كان راكبًا عليها فصرعه عنها أو أسعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي.
وإن كان ممسكاً بعنانها غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: هي من السلب، وهو قول الشافعي.
والثانية: ليست من السلب، وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال.
قوله: "حتى كاد يحرجه" أي يضيق عليه ويوقعه في الحرج.
قوله: "مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه" وهو صبيغ بن عِسْل التميمي، وكان قدم المدينة وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن متشابه القرآن، وكانت عنده كتب؛ فضربه عمر رضي الله عنه حتى أدماه.
وذكر حماد بن زيد بإسناده: "لقد رأيت صبيغًا بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه".
وروى سعيد بن المسيب قال: "جاء صبيغ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن {وَالذَّارِيَاتِ} (1)، قال: الرياح، قال: فأخبرني عن {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} (2) فقال: هي السحاب، قال: فأخبرني عن {فَالْجَارِيَاتِ} (3)، قال: هي السفن، ثم أمر به فضرب مائة، وجعله في بيت، فلما برئ، ضَرَبه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان، فكتب
(1) سورة الذاريات، آية:[1].
(2)
سورة الذاريات، آية:[2].
(3)
سورة الذاريات، آية:[3].
بذلك أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: ما إخاله صدق، حُل بينه وبين مجالسة الناس".
ص: وأما وجه النظر في ذلك: فإنا قد رأينا الإِمام لو بعث سرية وهو في دار الحرب وتخلف هو وسائر أهل عسكره عن المضي معها فغنمت تلك السرية غنيمة، كانت تلك الغنيمة بينهم وبين سائر العسكر وإن لم يكونوا تولوا معهم قتالاً، ولا تكون هذه السرية أولى بما غنمت من سائر العسكر، وإن كانت قاتلت حتى كان عن قتالها ما غنمت، ولو كان الإِمام نفل تلك السرية لما بعثها الخمس مما غنمت كان ذلك لها على ما نفلها إياه الإِمام وكان ما بقي مما غنمت بينها وبين سائر أهل العسكر، فكانت السرية المبعوثة لا تستحق مما غنمت دون سائر أهل العسكر إلا ما خصها به الإِمام دونهم.
فالنظر على ذلك أن يكون كذلك كل من كان من أهل العسكر في دار الحرب لا يستحق أخد شيء منه دون سائر أهل العسكر إلا أن يكون الإِمام نفله من ذلك شيئًا؛ فيكون ذلك له بتنفيل الإِمام لا لغير ذلك.
فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي: وأما وجه القياس في هذا الباب. . . إلى آخره، وهو وجه صحيح ظاهر لا يحتاج إلى زيادة بيان.
قوله: "وهو في دار الحرب" أي والحال أن الإِمام كان في دار الحرب.
قوله: "وتخلف هو" أي الإِمام "وبقية العسكر عن المضي معها" أي مع تلك السرية المبعوثة.
قوله: "فكانت السرية المبعوثة. . . " إلى آخره وهو المقيس عليه.
ص: وقد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، قال: ثنا دحيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف.
قال الوليد: وحدثني ثور، عن خالد بن معدان، عن جبير، عن عوف -وهو ابن مالك-: أن مدديًّا وافقهم في غزوة مؤتة، وأن روميًّا كان يشد على المسلمين
ويفري بهم، فتلطف له ذلك المددي فقعد له تحت صخرة، فلما مرّ به عرقب فرسه وخر الرومي لقفاه فعلاه بالسيف فقلته، فأقبل بفرسه بسرجه ولجامه وسيفه ومنطقته وسلاحه مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه، فأخد منه خالد طائفة ونفله بقيته، فقلت: يا خالد ما هذا؟ أما تعلم أن رسول الله عليه السلام نفل القاتل السلب كله؟ قال بلى، ولكني استكثرته، فقلت: أيم الله لأعرفنكها عند رسول الله عليه السلام، قال عوف: فلما قدمنا على رسول الله عليه السلام أخبرته خبره، فدعاه وأمره أن يدفع إلى المددي بقية سلبه، فولى خالد رضي الله عنه ليفعل، فقلت: كيف رأيت يا خالد أو لم أفِ لك بما وعدتك؟ فغضب رسول الله عليه السلام وقال: يا خالد لا تعطه، وأقبل علي فقال: هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".
أفلا ترى أن رسول الله عليه السلام قد كان أمر خالدًا بدفع بقية السلب عليه إلى المددي فلما تكلم عوف بما تكلم به أمر رسول الله عليه السلام خالدًا أن لا يدفعه إليه؟ فدل ذلك أن السلب لم يكن واجبًا للمددي بقتله الذي كان ذلك السلب عليه؛ لأنه لو كان واجبًا له بذلك إذًا لما منعه رسول الله عليه السلام منه لكلام كان من غيره، ولكن رسول عليه السلام أمر خالدًا بدفعه إليه، وله دفعه إليه وأمره بعد ذلك بمنعه منه، وله منعه منه كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي طلحة في حديث البراء:"قد بلغ مالاً عظيمًا ولا أُرَانا إلا خامسيه. قال: فخمسه" فأخبر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا لا يخمسون الأسلاب ولهم أن يخمسوها، وأن تركهم خمسها إنما كان بتركهم ذلك لا لأن الأسلاب قد وجبت للقاتلين كما تجب لهم سهمانهم من الغنيمة، فكذلك ما فعله رسول الله عليه السلام في حديث عوف بن مالك من أمره خالدًا بما أمره به، ومن نهيه إياه بعد ذلك عما نهاه عنه إنما أمره بما له أن يأمر به، ثم نهاه عما له أن ينهاه عنه.
وفيما ذكرنا دليل صحيح أن السلب لا يجب للقاتل من هذه الجهة.
ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل بقتله، ولا يجب إلا بقول الإِمام:"من قتل قتيلاً فله سلبه"، وهو ظاهر من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.
أخرجه بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحيم الهروي -قال ابن أبي حاتم: هو صدوق.
عن دحيم: وهو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة.
عن صفوان بن عمرو السكسكي أبي عمرو الحمصي روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
عن أبيه جبير بن نفير بن مالك الحضرمي الشامي الحمصي، روى له الجماعة؛ البخاري في "الأدب".
عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي.
وأخرجه أبو داود (1): عن أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عمرو. . . إلى آخره.
قد ذكرنا تمامه في أوائل الباب؛ لأن الطحاوي أخرج هناك طرفاً من هذا الحديث عن ربيع المؤذن، عن أسد، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك.
وأخرجه مسلم أيضًا (2): عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم.
وقد ذكرناه هناك.
قوله: "إن مدديًّا وافقهم" أي إن رجلاً مدديًّا، وهو نسبة إلى المدد، و"مُؤتة" بضم الميم: موضع بالشام، وقد ذكرناها عن قريب.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 71 رقم 2719).
(2)
تقدم ذكره.
قوله: "ويفري بهم" أي بالمسلمين، ومعناه يبالغ في النكاية والقتل، ومادته: فاء وراء.
وقال الخطابي في "شرح سنن أبي داود": معناه شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري الفري إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري: القطع.
قوله: "فتلطف له" أي ترفق له.
قوله: "عرقب فرسه" أي قطع عرقوبه، وهو العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها.
قوله: "طائفة" أي شيئًا منه، والطائفة من الشيء: قطعة منه، وذكره الجوهري في باب الطوف ليعلم أنه أجوف واوي.
قوله: "لأعرفنكها عند رسول الله عليه السلام" يريد: لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك، قال الفراء: تقول العرب للرجل إذا أفاء إليه رجل: لأعرفن لك، أي لأجازينك عليه، يقول هذا لمن يتوعده: قد علمت ما علمت وعرفت ما صنعت، ومعناه: لأجازينك عليه لا أنك تقصد إلى أن تعرفه أنك قد علمت فقط، ومنه قوله تعالى:{عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (1) قرأ الكسائي بالتخفيف، وعاصم في إحدى الروايتين، ومعنى عَرَفَ: جازى، ومنه قوله تعالى:{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} (2) فيجازي عليه.
قوله: "لكم صفوة أمره" صفو الشيء خَالِصه -بفتح الصاد لا غير- فإذا ألحقوه الهاء قالوا: صَفوة وصِفوة -بالفتح والكسر- يريد أن مقاساة جمع المال وحفظ البلاد ومداراة الناس على الأمراء، وللناس أعطياتهم صافية، ثم ما كان من خطأ في ذلك أو غفلة أو عيب أو سوء فعلى الأمراء والناس منه أبرياء.
(1) سورة التحريم، آية:[3].
(2)
سورة البقرة، آية:[197].
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن ما ذكره الطحاوي وهو أنه يدل على أن السلب لم يكن واجبًا للقاتل بقتله؛ إذ لو كان واجبًا به لما منعه رسول الله عليه السلام عن ذلك المددي.
الثاني: فيه أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز؛ ألا ترى أنه عليه السلام أمر برد السلب ثم أمر بإمساكه قبل أن يرده؟ فصار في ذلك نسخ لحكمه الأول.
الثالث: فيه دليل أن الفرس من السلب، وأن السلب لا يخمس، ألا ترى أنه أمر خالدًا برده إليه مع استكثاره إياه! قال الخطابي: وإنما كان رده إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل؛ نوعًا من النكير على عوف، وردها له لئلا يتجرأ الناس على الأئمة ولا يسرعون إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد رضي الله عنه مجتهدًا في صنعه ذلك؛ إذ كان قد استكثر السلب، فأمضى رسول الله عليه السلام اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن كان خَطَّأه في رأيه الأول، والأمر الخاص بالعام واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع والصلاح، فيشبه أن يكون النبي عليه السلام قد عوض المددي من الخمس الذي هو له، وترضى خالد بالرضح منه وتسليم الحكم له في السلب.
ص: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما كان يوم بدر قال رسول الله عليه السلام: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، فذهب شبان الرجال وجلست الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت القسمة جاءت الشبان يطلبون نفلهم، فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا؛ فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردءًا لكم، فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .} فقرأ حتى بلغ: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} (1)، يقول: أطيعوني في هذا الأمر كما رأيتم عاقبة أمري حيث خرجتم وأنتم كارهون، فقسم بينهم بالسواء".
(1) سورة الأنفال، آية:[1 - 5].
ففي هذا الحديث منع رسول الله عليه السلام الشبان ما كان جعله لهم.
ففي هذا دليل على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين، ولولا ذلك لما منعهم منها، ولأعطاهم أسلاب من استأثروا نفله دون من سواهم ممن تخلف منهم.
ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل لقتله؛ وذلك لأن حديث ابن عباس يدل على ذلك صريحًا، وقد أوضحه الطحاوي فلا يحتاج إلى زيادة كشف.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن عبد الله بن محمد بن سعيد. . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا وهب بن بقية، قال: أنا خالد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم قالت المشيخة: كنا ردءًا لكم لو انهزمتم فئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأتى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله عليه السلام لنا، فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .} إلى قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} (1) يقول: فكان ذلك خيرًا لهم فكذلك أيضًا، "فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم".
قال (2): ثنا زياد بن أيوب، ثنا هشيم، قال: أنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس:"أن النبي عليه السلام قال يوم بدر: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا. . ." ثم ساق نحوه. وحديث خالد أتمّ.
قال: ثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، قال: ثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، قال: أخبرني داود بهذا الحديث بإسناده.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 77 رقم 2737).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 85 رقم 3738).
قال: "فقسمها رسول الله عليه السلام بالسواء" وحديث خالد أتم.
وأخرجه النسائي في "التفسير"(1): عن الهيثم من أيوب الطالقاني، عن المعتمر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة نحوه.
قوله: "من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا" قد فسره في رواية أبي داود بقوله: "من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا".
قوله: "لا تستأثروا علينا" أي لا تختصوا أنفسكم بالنفل.
قوله: "كنا رِدْءًا" أي عونًا لكم، والرِّدْء -بكسر الراء وسكون الدال وفي آخره همزة-: العون والناصر.
و"المشيخة" في رواية أبي داود -بفتح الميم-: جمع شيخ.
قال الجوهري: جمع الشيخ شُيوخ وأَشْياخ وشِيَخَة وشِيخَان ومَشْيَخة ومَشَايخ ومَشْيُوخاء والمرأة: شيخة.
قوله: "فِئْتم إلينا" أي رجعتم إلينا، من الفيء وهو: الرجوع.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه دليل واضح على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين؛ إذ لو كان كذلك لأعطى رسول الله عليه السلام الشبان إياها يوم بدر؛ فحيث قسم بين الشبان الذين قاتلوا وبين الشيوخ الذين لزموا الرايات بالسواء؛ دلَّ على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين.
الثاني: أن قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .} (2) الآيات نزل يوم بدر لما اختصموا في الأنفال، وقد اختلف في سبب نزول الآية، فروي عن سعد قال: "أصبت يوم بدر سيفًا، فأتيت به النبي عليه السلام، فقلت: نفلنيه، فقال: ضعه من أين
(1)"السنن الكبرى"(6/ 349 رقم 11197).
(2)
سورة الأنفال، آية:[1].
أخذت، فنزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} (2) فدعاني رسول الله عليه السلام وقال: اذهب فخذ سيفك".
وروى معاوية بن صالح، عن أبي طلحة، عن ابن عباس:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ} (1) قال: الأنفال الغنائم التي كانت لرسول صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل الله:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. . .} (1) الآية".
وقال ابن جريح: أخبرني بذلك سليمان، عن مجاهد.
وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما: "أن النبي عليه السلام نفل يوم بدر أنفالًا مختلفة، وقال: من أخذ شيئًا فهو له، فاختلفت أصحابه، فقال بعضهم: نحن قاتلنا، وقال بعضهم: نحن حمينا رسول الله عليه السلام وكنا ردءًا لكم، قال: فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من بين أيدينا وجعله إلى رسول الله عليه السلام فقسمه عن الخمس، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله عليه السلام وصلاح ذات البين، لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} (1). قال عبادة: قال رسول الله عليه السلام: ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم".
ويقال: إن الذي ذكر في حديث ابن عباس وعبادة أن النبي عليه السلام قال يوم بدر قبل القتال: من أخذ شيئًا فهو له، ومن قتل قتيلاً فله كذا؛ غلط، وإنما قال النبي عليه السلام يوم حنين:"من قتل قتيلاً فله سلبه"؛ وذلك لأنه قد روي: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم"، وأن قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} (2)، يقال: نزلت بعد حيازة غنائم بدر، فعلمنا أن رواية من روى أن النبي عليه السلام نفلهم ما أصابوا قبل القتال غلط إذ كانت إباحتها إنما كانت بعد القتال.
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: ومما يدل على غلطه: أنه قال: من أخذ شيئًا فهو
(1) سورة الأنفال، آية:[41].
له، ومن قتل قتيلاً فله كذا، ثم قسمها بينهم بالسواء؛ وذلك لأنه غير جائز على النبي عليه السلام خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله لإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره، والصحيح أنه لم يتقدم من النبي عليه السلام قول في الغنائم قبل القتال، فلما فرغوا من القتال وتنازعوا في الغنائم؛ أنزل الله عز وجل:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} (1) فجعل أمرها إلى النبي عليه السلام في أن يجعلها لمن يشاء، فقسمها بينهم بالسواء، ثم نسخ ذلك بقوله:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} (2) على ما روي عن ابن عباس ومجاهد؛ فجعل الخمس لأهله وللمسليمن في الكتاب والأربعة الأخماس للغانمين، وبين النبي عليه السلام سهم الفارس والراجل وبقي حكم النفل قبل إحراز الغنيمة بقوله:"من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن أصاب سبياً فهو له".
قلت: القول المذكور بأن ما في حديث عبادة وابن عباس: "أن النبي عليه السلام قال يوم بدر. . ." إلى آخره غلط غير صحيح؛ لأن الحديث المذكور أخرجه أبو داود بطرق صحيحة، وأخرجه الطحاوي كذلك، وتعليلهم بقولهم لأنه غير جائز على النبي عليه السلام خلف الوعد. . . إلى آخره، غير صحيح؛ لأن الطحاوي قد تعرض إلى ذلك بقوله: فإن قال قائل: فما وجه منعه عليه السلام إياهم. . . إلى آخره.
ثم أجاب عن ذلك بجواب يقطع شغب هؤلاء، ويرد ما ذكروه على ما يأتي الآن إن شاء الله تعالى.
الثالث: فيه جواز التحريض للإِمام بعض الغزاة المقاتلين الشجعان وحثهم على القتال بقوله: "من فعل كذا فله كذا".
ص: فإن قال قائل: فما وجه منعه عليه السلام إياهم مما كان جعله لهم؟
قيل له: لأن ما كان جعله لهم فإنما كان لأن يفعلوا ما هو صلاح لسائر المسلمين
(1) سورة الأنفال، آية:[1].
(2)
سورة الأنفال، آية:[41].
وليس من صلاح المسلمين تركهم الرايات والخروج عنها وإضاعة الحافظين لها، فلما خرجوا عن ذلك كانوا قد خرجوا عن المعنى الذي به يستحقون ما جعل لهم، فمنعهم رسول الله عليه السلام منه لذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنه عليه السلام قد وعد لهم كلهم بقوله: "من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا" ثم منع الشبان ما كان جعله لهم، وهذا يشبه خلف الوعد، وذلك غير جائز في حقه عليه السلام؟
والجواب ظاهر يعرف بأدنى تأمل.
***