الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الشاة عن كم تجزئ أن يضحى بها
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الشاة في الأضحية هل يُقتصر في جواز ذبحها على واحد أم يجوز عن أكثر من واحد؟
ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثني عمي (ح).
وحدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو زرعة قالا: ثنا حيوة، عن أبي صخر المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأتى به ليضحي به، ثم قال: يا عائشة هلمي المدية. ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلتُ ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه وقال: بسم الله اللهم تقبل من محمد ومن آل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري الملقب بحشل شيخ مسلم وأبي بكر بن خريمة عن عمه عن عبد الله بن وهب المصري عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط المدني صاحب العباء نزيل مصر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط المدني عن عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه مسلم (1): نا هارون بن معروف قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير. . . إلى آخره نحوه سواء.
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود عن أبي زرعة وهب الله بن راشد المصري المؤذن عن حيوة. . . إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1557 رقم 1967).
وأخرجه أبو داود (1): ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة قال: حدثني أبو صخر عن ابن قسيط. . . إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه:"واشحثيها" -بالثاء المثقلة موضع الذال المعجمة- وكلاهما واحد؛ لأن الثاء والذال المعجمة قريبتا المخرج، والمعنى: خذيها وسِنِّيها.
قوله: "أقرن" أي صاحب قرن.
قوله: "يطأ في سواد. . إلى آخره" يريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود وسائر بدنه أبيض، وقال ابن الأثير: إنه أسود القوائم والمرابض والمحاجر.
قوله: "هلمي المدينة" أي هاتيها، وفيه لغتان، فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والجمع والاثنين والمؤنث بلفظ واحد، وبنوا تميم تثني وتجمع وتؤنث فتقول: هَلُمَّ وهَلُمّي وهَلُمَّا وهَلُمِّي وهَلُمِّيه. و"المدية" -بضم الميم- السكين الكبير وهي الشفرة.
ويستفاد من أحكام:
سنية الأضحية وتأكيدها.
واستحباب التَّضَحَّي بالكبش الموصوف بهذه الصفات.
واستحباب ذبح الرجل أضحيته بنفسه إن كان يحسن ذلك.
واستحباب تحديد الشفرة.
واستحباب ذبح الغنم وهي مضجعة.
والتسمية عند الذبح.
واحتجت به طائفة على أن الشاة الواحدة تجوز عن جماعة على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
(1)"سنن أبي داود"(3/ 94 رقم 2792).
ص: حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -أو عن عائشة رضي الله عنها:"أن رسول الله عليه السلام كان إذا ضحى اشترى كبشين عظيمين سمينين أملحين أقرنين موجوءين يذبح أحدهما عن أمته من شهد منهم بالتوحيد وشهد له بالبلاع، والآخر عن محمد وآل محمد".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه ابن ماجه (1): نا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أنا الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن عائشة -أو عن أبي هريرة-: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين. . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث الثوري. . . إلى آخره نحوه.
وقال الشافعي: وقد روي عن النبي عليه السلام من وجه لا يثبت أنه ضحى بكبشين، فقال في أحدهما بعد ذكر الله:"اللهم عن محمد وآل محمد، وفي الآخر: اللهم عن محمد وأمة محمد". وقال البيهقي: إنما أراد حديث الثوري عن ابن عقيل المذكور، ثم قال: ورواه جماعة عن سفيان، وقد رواه زهير بن محمد عن ابن عقيل عن بن الحسين عن أبي رافع عن النبي عليه السلام، ورواه حماد بن سلمة عن ابن عقيل عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن النبي عليه السلام، قال البخاري: لعله سمع من هؤلاء.
قوله: "أملحين" الأملح من الكباش هو الذي في خلال صوفه الأبيض طرفات سود، وفي "النهاية": الأملح الذي بياضه كثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض.
قوله: "موجوءين" أي منزوعي الأنثيين والوجاء: الخصاء، يقال: وجأت
(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 1043 رقم 3122).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 267 رقم 18826).
الدابة فهي موجوءة إذا خصيتها، وفيه دليل على أن الخصاء في الضحايا غير مكروه، وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو، وهذا نقص ليس بعيب؛ لأن الخصاء يعيد اللحم طيبًا وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة.
ص: حدثنا يونس قال ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبي رافع:"أن رسول الله عليه السلام كان إذا ضحى اشترى كبشين عظيمين أملحين حتى إذا خطب الناس وصلى؛ أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بيده [ثم قال: اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاع ثم يؤتى بالآخر فيدبحه] (1) ثم يقول: اللهم هذا عن محمد وآل محمد [ثم] (1) يجمعهما جميعًا، ويأكل هو وأهله منهما قال: فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة والغُرْم برسول الله عليه السلام".
ش: إسناده صحيح وعلي بن معبد الرقي أحد أصحاب محمد بن الحسن ثقة وعبيد الله بن عمرو الرقي روى له الجماعة، وعلي بن الحسين بن علي أبي طالب الملقب بزين العابدين، وأبو رافع مولى النبي عليه السلام، اختلف في اسمه فقيل: إبراهيم وقيل: أسلم وقيل غير ذلك.
وأخرجه الطبراني في "الكبير"(2): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو بلال الأشعري، وحدثنا عمر بن حفص السدوسي ثنا عاصم بن علي قالا: ثنا قيس بن رافع، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين أن أبا رافع حدثه: "أن رسول الله عليه السلام كان إذا ضحى أتى بكبشين سمينين أقرنين أملحين موجوءين حتى إذا خطب الناس وسلم وفرغ أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد ولي بالبلاغ، ثم
(1) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(2)
"المعجم الكبير"(1/ 312 رقم 921).
يؤتى بالآخر فيذبحه هو بنفسه ثم يقول: هذا عن محمد وآل محمد ويأكل هو وأهله منهما ويطعمهما جميعًا المساكين، فمكثنا سنين ليس من بني هاشم رجل يضحي، قد كفاه الله عز وجل المؤنة برسول الله عليه السلام".
ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عفان (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قالا: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أخبرني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله قال: حدثني أبي: "أن رسول الله عليه السلام أتي بكبشين أملحين عظيمين أقرنين موجوءين فأضجع أحدهما وقال: بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن محمد وأمته [من] (1) شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ".
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب، عن أبي عياش، عن جابر بن عبد الله قال:"ضحي رسول الله عليه السلام بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .} (2) إلى آخر الآية والآية الأخرى، اللهم منك ولك عن محمد وأمته ثم سمى وكبر وذبح".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو مولى المطلب عن المطلب بن عبد الله وعن رجل من بني سلمة أنهما حدثاه [أن] (3) جابر بن عبد الله أخبرهما:"أن رسول الله عليه السلام صلى للناس يوم النحر فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا هو بكبشين فذبحهما هو بنفسه فقال: بسم الله والله أكبر وقال: اللهم عني وعن من لم يضح من أمتي".
(1) في "الأصل، ك": "ومن" بزيادة حرف "الواو"، وليس في "شرح معاني الآثار" ومصادر التخريج.
(2)
سورة الأنعام، آية:[79].
(3)
في "الأصل، ك": "عن"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
ش: هذه أربع طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن عفان بن مسلم الصفار عن حماد بن سلمة عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب المدني عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله.
الثاني: عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري عن حماد بن سلمة. . . إلى آخره.
ورجالهما ثقات غير أن عبد الله بن محمد بن عقيل فيه مقال، فقال أبو حاتم: لين الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال البخاري: مقارب الحديث.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش المصري -بالياء آخر الحروف والشين- عن جابر رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1) من حديث ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر قال: "ذبح النبي عليه السلام يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين فلما وجههما قال: إني وجهت. . ." إلى آخره نحوه.
قال البيهقي: ورواه إبراهيم بن طهمان عن ابن إسحاق قال فيه: "وجههما إلى القبلة حين ذبح". وبعضهم رواه عن ابن إسحاق فقال: عن يزيد بن أبي عمران عن أبي عياش عن جابر.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم عن عبد الله بن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، روى له الجماعة، وعن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وثقه ابن حبان وغيره، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.
(1)"السنن الكبرى"(9/ 273 رقم 18867).
كلاهما يرويان عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، فعن أحمد: ليس به بأس. وعن يحيى: في حديثه ضعف ليس بالقوي وليس بالحجة. وقال أبو زرعة: ثقة. وروى له الجماعة.
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب المدني وثقه أبو زرعة وابن حبان والدراقطني.
فإن قيل: ما حال هذا الحديث وكيف احتجت به الشافعية؟
قلت: فيه أشياء:
الأول: أن المطلب لم يسمع من جابر، كذا قال أبو حاتم، وأخرج الترمذي هذا الحديث وقال: غريب، ويقال: إن المطلب لم يسمع من جابر إلا في موضع آخر من كتاب الترمذي (1)، قال محمد: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي عليه السلام. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف له سماعًا من أحد من الصحابة. انتهى.
وقال ابن سعد: لا يحتج بحديث المطلب.
الثاني: قال ابن معين: ليس بالقوي وليس بالحجة.
الثالث: أن هذا الحديث متروك عند الشافعية إذ الكبش الواحد لا يجوز عن أكثر من واحد وقد نص الشافعي على ذلك وقد طعن فيه بعضهم من جهة قوله: وعن رجل من بني سلمة.
قلت: هذا ذكر متابعًا فإذا احتج بالمطلب فلا تضر جهالته، وإن لم يحتج به فكلاهما مانع من صحة الحديث؛ فافهم.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جابر رضي الله عنه قال: "شهدت أضحى مع رسول الله عليه السلام بالمصلى فلما
(1)"جامع الترمذي"(5/ 178 رقم 2916).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 286 رقم 18965).
قضى خطبته ونزل عن منبره أتي بكبشه فذبحه وقال: بسم الله والله أكبر هذا عني وعن من لم يضح من أمتي".
وأخرجه أبو داود (1): عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن. . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا روح بن الفرج قال: ثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: ثنا الدراوردي، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن أبي سعيد:"أن رسول الله عليه السلام ضحى بكبش أقرن ثم قال: اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي".
ش: أبو إبراهيم الترجماني إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، قال يحيى وأبو داود: لا بأس به.
والدراوردي هو أبو محمد عبد العزيز بن محمد روى له الجماعة، البخاري مقرونًا بغيره، ونسبته إلى دراورد قرية بخراسان.
وربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال أبو زرعة: شيخ. وقال أحمد: ليس بمعروف. وروى له ابن ماجه وأبو داود.
وأبوه عبد الرحمن بن سعد بن مالك أبي سعيد الخدري.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا يوسف بن سليمان، نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ثنا ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده أبي سعيد الخدري:"أن رسول الله عليه السلام أتى في يوم النحر بكبشين أملحين فذبح أحدهما فقال: هذا عن محمد وأهل بيته، وذبح الآخر فقال: هذا عن من لم يضح من أمتي".
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن الشاة لا بأس أن يضحى بها عن الجماعة وإن كثروا وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين، فقالت فرقة: لا تجزئ إلا أن يكون الذي يضحي بها عنهم من أهل بيت واحد، وقالت فرقة: إن ذلك يجزئ كان
(1)"وسنن أبي داود"(3/ 99 رقم 2810).
المضحي بها عنهم من أهل بيت واحد أو من أهل أبيات شتى، لأن النبي عليه السلام ضحى بالكبش الذي ضحى به عن جميع أمته وهم أهل أبيات شتى، فإن كان ذلك ثابتًا لمن بعد النبي عليه السلام؛ فهو يجزئ عمن أجزأه بذبح النبي عليه السلام، فثبت بهذا قول الذين قالوا: يضحى بها عن أهل البيت وعن غيرهم.
ش: وأراد بالقوم هؤلاء: جماعة الظاهرية منهم: داود. وطائفة من أهل الحديث ومالكًا والشافعي.
ثم إن هؤلاء افترقوا على فرقتين، فقالت فرقة -منهم مالك وأصحابه-: لا تجزئ إلا أن تكون الجماعة الذين يضحى بها عنهم من أهل بيت واحد، وقالت فرقة -منهم الشافعي وأصحابه وداود وأصحابه-: إن ذلك يجزئ كان المضحي بها عنهم من أهل بيت واحد أو من أهل أبيات كثيرين.
وقال ابن حزم (1): وجائز أن يشترك في الأضحية الواحدة -أي شيء كانت- الجماعة من أهل البيت وغيرهم، وجائز أن يضحي الواحد بعدد من الأضاحي، ضحى رسول الله عليه السلام بكبشين ولم ينه عن أكثر من ذلك، والأضحية فعل خير؛ فالاستكثار من الخير حسن.
وقال مالك: تجزئ الرأس الواحدة من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحدٍ وعن أهل البيت وإن كثر عددهم والله أعلم.
وقال الخطابي: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله وإن كثروا وأجازه مالك والشافعي وجماعة وكرهه أبو حنيفة.
ص: ثم كان الكلام بين أهل هذا القول وبين الفرقة التي تخالف هؤلاء جميعًا وتقول: إن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد وتذهب إلى أن ما كان من النبي عليه السلام مما احتجت به الفرقتان الأوليان لقولهما منسوخ أو مخصوص فمما دل على ذلك: أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد كانت
(1)"المحلى"(7/ 380 - 381).
البدنة والبقرة أحرى أن تكونا كذلك وأن تكونا تجزيان عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد.
ثم قد روينا عن النبي عليه السلام ما قد دل على خلاف ذلك قد ذكرناه في هذا الباب الذي قبل هذا من نحر أصحابه معه الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم على أن البقرة والبدنة لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذبحت عنه يومئذ.
ش: أراد بأهل هذا القول: أهل المقالة الثانية وأهل المقالة الأولى الذين ذكرهما بقوله: "وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين" وأراد بالفرقة التي تخالف هؤلاء جميعًا: سفيان الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر، وأشار بقوله:"وهؤلاء جميعًا" إلى الفرقتين المذكورتين.
قوله: "تقول" أي الفرقة التي تخالف هؤلاء، إن الشاة لا تجزئ أن يضحى بها إلا عن شخص واحد.
قوله: "وتذهب" عطف على قوله: "تقول" وأشار بذلك إلى الجواب عما احتجت به الفرقتان المذكورتان فيما ذهبتا إليه، بيان ذلك: أن ما ذهب [إليه](1) هؤلاء إما منسوخ وإما مخصوص.
أما النسخ فبحديث جابر رضي الله عنه: "نحرنا مع رسول الله عليه السلام البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وقد أخرجه في الباب الذي قبله وكانت الصحابة رضي الله عنهم عرفوا بذلك أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة وأن البقرة لا تجزئ أيضًا عن أكثر من سبعة لأن هذا أمر توقيفي ولا مجال للقياس فيه، فصار هذا ناسخًا لما روي من تضحيتهم سبعين بدنة عام الحديبية، وكان الناس يومئذ سبع مائة رجل.
وأما التخصيص فظاهر.
(1) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها.
قوله: "فمما دل على ذلك" أي على النسخ بيانه: أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد وذلك كما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي رافع وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم من غير تعيين لوقت و [لا](1) لعدد، -وهو معنى قوله:"لا وقت في ذلك ولا عدد"- كانت البدنة أو البقرة بالطريق الأولى أن تجزئا عن غير واحد من غير تعيين لوقت و [لا](1) لعدد فتقييد أهل المقالة الأولى الجواز بكونها من أهل بيت واحد مردود بهذا، ولكن حديث جابر الذي ذكرناه الآن ناسخ لهذا كما بينا. فافهم.
فإن قيل: ما الدليل على النسخ؟
قلت: لو لم يكن ثمة نسخ لما احتاج أحد من هذه الأمة إلى أن يضحي ولما كان لقوله عليه السلام: "من وجد سعة لئن يضحي ولم يضح فلا يحضر مصلانا" فائدة.
ص: وتواترت عنهم الروايات بذلك:
حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد قال: أنا سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي وعبد الله بن تمام ومالك بن الحويرث -فيما يحسب سلمة-:"أن رجلاً اشترى بقرة أضحية فنتجها فسأل عليًّا رضي الله عنه: هل أبدل مكانها أخرى؟ فقال: لا ولكن اذبحها وولدها يوم النحر عن سبعة".
حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد، عن زهير بن حبيب، عن مغيرة بن حذف، عن علي رضي الله عنه مثله.
حدثنا أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن منصور عن ربعي قال:"كان أصحاب محمد عليه السلام يقولون: البقرة عن سبعة".
حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان عن أبي حصين (ح).
(1) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها.
وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن خالد بن سعد، عن ابن مسعود قال:"البقرة عن سبعة".
حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: ثنا ابن أبي ذئب عن زيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبان، عن أناس من أصحاب رسول الله عليه السلام مثله.
قال أبو جعفر: فلما جعلت البقرة عن سبعة و [كان](1) ذلك مما وقف عليه ولم يجعل لنا أن نعدو ذلك إلى ما هو أكثر منه كانت الشاة أحرى أن لا تجزئ عن أكثر مما يجزى عنه [البقرة](2) من ذلك، فلما ثبت أن الشاة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، انتفى بذلك قول من قال: إنها تجزئ عن جميع من ذبحت عنه ممن لا وقت لهم ولا عدد ولا يجاوز إلى غيره وثبت ضده، وهو قول من قال: إن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد.
ش: أي تكاثرت عن الصحابة رضي الله عنهم الروايات بأن البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وأخرج في ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريقين:
الأول: عن محمد بن خزيمة عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري عن حماد ابن سلمة عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي الكوفي وعن عبد الله ابن تمام مولى أم حبيبة وعن مالك بن الحويرث بن أشيم الليثي الصحابي ثلاثتهم عن علي رضي الله عنه.
وهذا إسناد صحيح.
الثاني: عن محمد بن خزيمة أيضًا عن الحجاج عن حماد بن سلمة عن زهير بن حبيب وهو زهير بن أبي ثابت الأسدي الأعمى، وثقه ابن حبان وهو يروي عن
(1) في "الأصل، ك": "كانت"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(2)
في "الأصل، ك": "بالبقرة"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
مغيرة بن حذف العبسي، قال ابن أبي حاتم: مشهور (1).
عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث الثوري عن زهير بن أبي ثابت، عن مغيرة بن حذف العبسي قال: "كنا مع علي رضي الله عنه بالرحبة فجاء رجل من هَمْدان يسوق بقرة معها ولدها، فقال: إني اشتريتها أضحي بها وإنها ولدت.
قال: فلا تشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها هي وولدها عن سبعة".
وقال الذهبي في "مختصر السنن": إسناده غريب.
ومن ذلك ما أخرجه عن ربعي بن حراش العبسي الكوفي عن الصحابة رضي الله عنهم يرويه عن أبي بكرة بكار القاضي عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش -بكسر الحاء المهملة وفي آخره شين معجمة- وهذا إسناد صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): عن محمد بن فضيل عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: "أدركت أصحاب محمد عليه السلام وهم متوافرون كانوا يذبحون البقرة والبعير عن سبعة".
ومن ذلك ما أخرجه عن أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو بن ثعلبة من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن شيبة عن قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عن عثمان بن عاصم
(1) ليس هذا قول ابن أبي حاتم وإنما نقله عن ابن معين من رواية الدوري عنه.
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 288 رقم 18974).
(3)
ليس في النسخة المطبوعة وقد رواه عنه ابن حزم في "المحلى"(7/ 382).
الأسدي الكوفي عن خالد بن سعد الكوفي الأنصاري مولى أبي مسعود البدري عن مولاه أبي مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن وكيع بن سفيان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود قال:"البقرة عن سبعة".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين. . . إلى آخره.
ومن ذلك ما أخرجه عن أناس من الصحابة؛ رواه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط بن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال:"كان أصحاب محمد عليه السلام يقولون: البقرة والجزور عن سبعة".
ص: فقال قائل: إنما جعلنا الشاة تجزئ عن أكثر ما تجزئ عنه البقرة والجزور؛ لأن الشاة أفضل منهما، فقيل له: ولم قلت ذلك؟ وما دليلك عليه؟ وقد روي عن النبي عليه السلام ما قد حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا أبو بكر الحنفي قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر:" [أن رسول الله عليه السلام كان يضحي بالجزور إذا وجد وكان لا يذبح البقرة والغنم وهو قادر عليه، ثم إذا لم يجد الجزور ذبح البقرة والغنم والكبش إذا لم يجد جزورًا] (3) ".
(1) ليس في النسخة المطبوعة وأخرجه ابن حزم في "المحلى"(7/ 151) من طريق سفيان الثوري به ولفظه: "تنحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة".
(2)
ليس في النسخة المطبوعة أيضًا وأخرجه ابن حزم من طريقه في "المحلى"(7/ 382).
(3)
كذا جاء هذا الحديث في "الأصل، ك" والذي في "شرح معاني الآثار" بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضحي بالجزور وبالكبش إذا لم يجد جزورًا".
فأخبر عبد الله بن عمر في هذا الحديث أن رسول الله عليه السلام كان يضحي بالجزور إذا وجده، وذلك دليل أنه كان يذبح ما سواه مما يضحى به من البقر والغنم وهو قادر عليه، ويضحي بالشاة إذا لم يقدر على الجزور، فذلك دليل على أن الجزور كان عنده أفضل من الشاة، وقد رأينا الهدايا في الحج جعل للبقرة فيها من الفضل ما لم يجعل للشاة، فجعلت البقرة مما يشترك فيها الجماعة، فيهدونها عن قرانهم ومتعتهم، ولم تجعل الشاة كذلك.
ش: هذا رد من جهة أهل المقالة الأولى؛ لما قاله أهل المقالة الثالثة من قولهم الذي بيَّنهُ الطحاوي.
قوله: "فلما جعلت البقرة عن سبعة" إلى قوله: "وثبت ضده" وهو قول من قال: إن الشاة لا تجزئ عن واحد" بيانه أنه يقال: لا نسلم أن يكون جواز الشاة عن أكثر مما تجزئ عنه البقرة أو البدنة مبنيًا على ما ذكرتم حتى يُردَّ به، وإنما أجزناه لأن الشاة أفضل من البقرة والبدنة، وأجاب عن ذلك بقوله: "فقيل له:. . ." إلى آخره وهو ظاهر.
قوله: "وقد روي عن النبي عليه السلام. . . إلى آخره" ذكره شاهدًا لما قاله من أن الجزور أفضل من الشاة.
وأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا عن أبي بكر الحنفي واسمه عبد الكبير عن عبد المجيد البصري، روى له الجماعة، يروي عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر فيه مقال، فقال يحيى: ضعيف، وقال النسائي: متروك الحديث.
يروي عن أبيه نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث عبد الكبير الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر:"أن النبي عليه السلام، كان يضحي بالمدنية بالجزور أحيانًا وبالكبش إذا لم يجد جزورًا".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 272 رقم 18859).
فإن قيل: قد وجدنا أحاديث تدل على أن الضأن أفضل:
منها: ما رواه ابن حزم (1) من طريق هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة: "أن جبريل عليه السلام قال للنبي عليه السلام يوم الأضحى: يا محمد إن الجذع من الضأن خير من السيد من المعزي وأن الجزع من الضأن خير من السيد من البقر وأن الجذع من الضأن خير من السيد من الإبل، ولو علم الله ذبحًا هو أفضل منه لفدى به إبراهيم عليه السلام".
ومنها: ما رواه عبد الرزاق (2) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال رحمه الله: "مر النعمان بن أبي فطيمة على رسول الله عليه السلام بكبش أقرن أعين فقال-عليه السلام: ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذي ذبح إبراهيم عليه السلام".
قال ابن حزم (3): وروي نحوه من طريق زياد بن ميمون عن أنس رضي الله عنه.
ومنها: ما رواه ابن حزم أيضًا (4) من طريق وكيع عن هشام بن سعد عن حاتم ابن أبي نصر عن عبادة بن نُسَيّ عن النبي عليه السلام قال: "خير الأضحية الكبش". وفي رواية عن عبادة بن نسي عن أبيه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله عليه السلام: "خير الكفن الحلة وخير الأضحية الكبش"، أخرجه البزار (5).
قلت: قد قال ابن حزم: هذه الأخبار مكذوبة أما خبر أبي هريرة وعبادة بن نسي فعن هشام بن سعد وهو ضعيف جدًّا، وطرحه أحمد وأساء القول فيه جدًّا ولم يجز الرواية عنه يحيى بن سعيد، وزياد بن ميمون مذكور بالكذب، وخبر عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وهو ضعيف ومرسل مع ذلك وأيضًا ففي الخبر
(1)"المحلى"(7/ 371).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(9/ 379 رقم 8131).
(3)
"المحلى"(7/ 372).
(4)
"المحلى"(7/ 372).
(5)
"مسند البزار"(7/ 153).
المنسوب إلى أبي هريرة كذب ظاهر، وهو قوله [إنه](1) فدى الله به إبراهيم ولم يُفْدَ إبراهيم بلا شك وإنما فُدِيَ ابنه.
قوله: "من السيد من المعزي" أي من المسن منه وقيل: من الجليل منه، والسيد يجيئ لمعان فيأتي على الرَّبِّ والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم والمتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود، وأصل السيد: سيود قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
فإن قيل: كيف مذاهب الفقهاء في هذا الباب؟
قلت: قال مالك: لا تجزئ الأضحية إلا في الإبل والبقر والغنم والنعجة والعنز والتيس أفضل من الإبل والبقر.
وقال أبو حنيفة والشافعي: الإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم الماعز، وأصنافه ثمانية: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ولا يجوز من غير هذه الأصناف، وقال الحسن بن حي: تجوز الأضحية ببقرة وحشية عن سبعة وبالظبي أو الغزال عن واحد، وأجاز أبو حنيفة بما حملت به البقرة الإنسية من الثور الوحشي وبما حملت به العنز من الوعل.
وقال ابن حزم (2): الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو حافر كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله، والأفضل في ذلك ما كثر لحمه وطاب وغلا ثمنه والله أعلم.
ص: فيما روي عن رسول الله عليه السلام من إباحة الشركة في الهدي إذا كان جزورًا: ما حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد قال: ثنا سفيان عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى بدنة مائة وأشرك عليًّا رضي الله عنه في ثلثها".
(1) في "الأصل، ك": "أفدى"، وهو تحريف أو سبق قلم من المؤلف رحمه الله.
(2)
"المحلى"(7/ 370).
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "ساق النبي عليه السلام سبعين بدنة وأشرك بينهم فيها، فلما كانت الشركة في الجزور مباحة في الهدي وغير مباحة في الشاة، ثبت بذلك أن الشاة إنما عدلت بجزء من الجزور وقد ذكرنا عن رسول الله عليه السلام في هذا الباب الذي قبل هذا؛ أن رجلاً قال له: إن عليّ ناقة وقد عزبت عني فأمره أن يجعل مكانها سبعًا من الغنم فدل ذلك على ما ذكرنا أيضًا.
ش: ذكر هذا تأييدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثالثة من أن الشاة الواحدة لا تجزئ إلا عن واحد؛ لأنه عليه السلام أباح الشركة في الجزور، كما في حديث جابر، ولم يبح في الشاة، فدل ذلك على أنها تعدل بجزء من الجزور، ألا ترى أنه عليه السلام أمر ذلك الرجل الذي قال له: إن عليّ ناقة وقد عزبت عني؛ أن يجعل مكانها سبعًا من الغنم فصارت الواحدة لسبع الجزور فلم تجز إلا عن واحد، فثبت بذلك صحة ما قالوا.
ثم إنه أخرج حديث جابر من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم الملقب بالصادق، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر، عن جابر رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (1)، وأبو داود (2)، والنسائي (3)، وابن ماجه (4) مطولًا ومختصرًا، وقد ذكرناه في كتاب الحج مستقصى.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 886 رقم 1218).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 182 رقم 1905).
(3)
"السنن الكبرى"(2/ 454 رقم 4139).
(4)
"سنن ابن ماجه"(2/ 1027 رقم 3076).
وأخرجه أحمد (1) وغيره.
ص: وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يوافق هذا المعنى:
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة عن أبي جمرة قال: "سئل ابن عباس رضي الله عنهم عما استيسر من الهدي، قال: جزور أو بدنة أو شرك في دم".
حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا أسد قال: ثنا حماد بن زيد عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يقول. . . فذكر مثله فأخبر عن ابن عباس بأن الجزء من الجزور يعدل الشاة فيما استيسر من الهدي.
ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس ما يوافق ما ذكرنا من أن الشاة إنما عدلت بجزء من الجزور، في معنى حديث جابر المذكور آنفًا؛ وذلك لأنه قال:"أو شرك في دم" بكسر الشين أي نصيب.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي جمرة -بالجيم والراء- نصر بن عمران الضبعي، عن عبد الله بن عباس.
والثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى. . . إلى آخره.
ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام أيضًا ما يدل على فضل الجزور على البقرة وعلى فضل البقرة على الشاة.
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول؛ فإذا جلس الإِمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر فمثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنه، ثم كالذي يهدي بقرة ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة ثم كالذي يهدي البيضة".
(1)"مسند أحمد"(3/ 378 رقم 15085).
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد حدثني قالا: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني ابن الهاد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:"سمعت رسول الله عليه السلام يقول: مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي بدنة، ثم الذي على إثره كمثل الذي يهدي بقرة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش، ثم الذي على إثره كالذي يهدي دجاجة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البيضة".
حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال: ثنا الشافعي قال: ثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام فدكر نحوه.
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا محمد بن المنهال قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا روح بن القاسم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج بن المنهال قال: ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . فذكر مثله.
فلما جعل النبي عليه السلام المهجر في أفضل الأوقات كالمهدي بدنة والمهجر في الوقت الذي بعده كالمهدي بقرة والمهجر في الوقت الثالث كالمهدي كبشًا؛ ثبت بذلك أن أفضل ما يهدى: الجزور ثم البقرة ثم الكبش.
فلما كانت البدنة أعظم ما يهدى؛ ثبت أنها أعظم ما يضحى به ولما كانت باتفاقهم لا تجزئ في الأضحية عما فوق السبعة كانت الشاة أحرى أن لا تجزئ عن ذلك، وكما انتفى أن تجزئ الشاة عن ما فوق السبعة ثبت أنها لا تجزئ إلا عن خاص من الناس، وقد أجمعوا على أنها تجزئ عن الواحد فاختلفوا فيما هو أكثر منه فلا يدخل فيما قد ثبت له حكم الخصوص إلا ما قد أجمعوا على دخوله فيه، [فثبت](1) بما ذكرنا أنه لا يجوز أن يضحى بالشاة الواحدة عن اثنين ولا عن أكثر من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله.
(1) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
ش: دلالة حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري على أفضلية الجزور على البقرة وعلى أفضلية البقرة على الشاة ظاهرة لا مرية فيها كما قد بين الطحاوي ذلك بقوله: "فلما جعل رسول الله عليه السلام. . . إلى آخره، وهو ظاهر.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي عبد الله الأغر سليمان المدني، عن أبي هريرة.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر وحرملة وعمرو بن سواء العامري قال أبو الطاهر: ثنا وقال الآخران: أنا ابن وهب. . . إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه:"طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر".
الثاني: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان كلاهما، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (2): من طريق الليث أيضًا ولكنه عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام قال: "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم فالناس فيه كرجل قدم بدنة، ورجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم
(1)"صحيح مسلم"(2/ 587 رقم 850).
(2)
"المجتبى"(3/ 98 رقم 1387) وليس في لفظه تكرار لكل نوع من الأنعام ففيه: "كرجل قدم بدنة" مرة واحدة وكذا "البقرة" وكذا "الشاة". . إلخ.
شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفورًا، وكرجل قدم عصفورًا، وكرجل قدم بيضة، وكرجل قدم بيضة".
الثالث: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (1) أيضًا أنا محمد بن منصور قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة يبلغ به النبي عليه السلام:"إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم؛ الأول فالأول فإذا خرج الإِمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة فالمهجر إلي الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر البيضة والدجاجة".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري البصري، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول، كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم طائرًا، وكرجل قدم بيضة، فإذا قعد الإِمام -يعني على المنبر- طويت الصحف".
وأخرج حديث أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق المدني إلى آخره.
(1)"المجتبى"(3/ 98 رقم 1389).
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يعقوب نا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس، من جاء من الناس على منازلهم فرجل قدم جزورًا، ورجل قدم بقرة، ورجل قدم شاة ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم عصفورًا، ورجل قدم بيضة قال: فإذا أذن المؤذن وجلس الإِمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر".
قوله: "فإذا جلس الإِمام" أي على المنبر طوت الملائكة الصحف، قيل: هذا يدل على أن الملائكة ها هنا غير الحفظة.
قوله: "يستمعون الذكر" أي الخطبة؛ لأن فيها ذكر الله -تعالى- وتلاوة القرآن.
قوله: "المهجر" بضم الميم وفتح الهاء وكسر الجيم المشددة من التهجير، وهو السير في الهاجرة، حكى ذلك الحربي عن أبي زيد عن الفراء وغيره.
وحكى الخليل أنه التبكير وبه فسروا قوله عليه السلام: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" أي التبكير إلى كل صلاة.
وذهب أصحاب الشافعي في تأويله [وقالوا](2): معناه هجر منزله وتركه.
وقال ابن الأثير: التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه يقال: هجّر يهجّر تهجيرًا، فهو مهجّر وهي لغة حجازية، أراد: المبادرة إلى أول وقت الصلاة.
قوله: "ثم كالذي يهدي بقرة" يحتج به في أن البدن لا تكون إلا من الإبل وحدها.
قولى: "ثم كالذي يهدي الدجاجة ثم كالذي يهدي البيضة".
(1)"مسند أحمد"(3/ 81 رقم 11786).
(2)
في "الأصل، ك": "وقال"، وما أثبتناه أليق بالسياق.
احتجت به الظاهرية على أن من لم يقدر على الشاة يتقرب بذبح الدجاجة، فإن لم يقدر فالبيضة فإن ذلك يجزئ عن الأضحية.
وقال عياض: ليس هذان مما يطلق عليه اسم هدي لكنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا وجاء به بعده لزمه حكمه في اللفظ وحمل عليه كقوله: "متقلدًا سيفًا ورمحا" أي وحاملً رمحًا، وكذلك هنا لأنه قال: كالمتقرب بالصدقة بدجاجة أو بيضة وأطلق على ذلك اسم الهدي لتعلقه وتحسين الكلام به، وقد جاء أيضًا في الرواية الأخرى كأنما قرب كذا كأنما قرب كذا، وهذا ضرب من التمثيل للأجور ومقاديرها، لا على تمثيل الأجور وشبيهها حتى يكون أجرها كأجر هذا، وتكون الدجاجة في التمثيل بقدر أجرها من أجر البدنة لو كانت هذه مما يهدى وكذا البيضة. والله أعلم.
***