الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الأرض تفتتح، كيف ينبغي للإِمام أن يفعل فيها
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الأرض التي يفتتحها الإِمام كيف ينبغي أن يفعل فيها؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه قال:"لولا أن يكون الناس ببانًا ليس لهم شيء؛ ما فتح الله عز وجل عليّ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عليه السلام خيبر".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:. . . فذكر نحوه.
ش: هذان إسنادان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة -وهو أيضًا ثقة كبير.
وأسلم أبو زيد -وقيل: أبو خالد- المدني مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقي (1): من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"لولا أني أترك الناس ببانًا لا شيء لهم؛ ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله عليه السلام خيبر".
وأخرجه البخاري (2): من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال:"لولا آخر المسلمين ما افتتحت قرية إلا قسمتها [بين أهلها] (3) كما قسم رسول الله عليه السلام خيبر".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 138 رقم 18172).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 822 رقم 2209).
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري".
قوله: "ببانًا" بباءين موحدتين، قال أبو عبيد: لا أحسبه عربيًا. وقال أبو سعيد الضرير: ليس في كلام العرب ببان، والصحيح عندنا: بيانًا واحدًا، والعرب إذا ذكرت من لا يعرف قالوا: هذا هيان بن بيان.
المعنى: لأسوين بينهم في العطاء حتى يكونوا شيئًا واحدًا لا فضل لأحد على غيره. وقال الأزهري: ليس كما ظن، وهذا حديث مشهور رواه أهل الإتقان، وكأنها لغة يمانية، ولم تقس في كلام معدّ.
وقال ابن الأثير: معنى كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا أن أترك آجر الناس ببانًا واحدًا أي أتركهم شيئًا واحدًا؛ لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ومن لم يجىء بعد من المسلمين بغير شيء منها، فلذلك تركها لتكون بينهم جميعهم.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن للإمام إذا فتح أرضًا عنوةً وجب عليه أن يقسمها كما تقسم الغنائم، وليس له احتباسها كما ليس له احتباس سائر الغنائم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد؛ فإنهم قالوا: إذا فتح الإِمام أرضًا عنوة يجب عليه أن يقسمها كما تقسم الغنائم.
وقال ابن حزم في "المحلى": وتقسم الأرض وتخمس كسائر الغنائم؛ فإن طابت نفوس جميع أهل العسكر على تركها أوقفها الإِمام حينئذ للمسلمين وإلا فلا، وهو قول الشافعي وأبي سليمان.
وقال مالك: تُوقف الأرض ولا تقسم ولا تكون ملكًا لأحد.
ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: الإمام بالخيار إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها، وإن شاء تركها أرض خراج ولم يقسمها.
حدثنا بذلك محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن أبي حنيفة وسفيان بذلك.
وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في رواية، فإنهم قالوا: الإِمام إذا فتح أرضًا فله الخيار، إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، وإن شاء تركها أرض خراج.
وفي "المحلى": قال أبو حنيفة: الإِمام مخير، إن شاء قسمها وإن شاء أوقفها، فإن أوقفها فهي ملك للكفار الذين كانت لهم.
قوله: "حدثنا بذلك" أي بما قال هؤلاء الجماعة الآخرون: محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة وسفيان الثوري.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:
ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم".
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن رسول الله - صلى الله عميه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من الزرع".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال:"أفاء الله عز وجل خيبر فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم".
فثبت بذلك أن رسول الله عليه السلام لم يكن قسم خيبر بكمالها، ولكنه قسم طائفة منها على ما احتج به عمر رضي الله عنه في الحديث الأول، وترك طائفة منها فلم يقسمها على ما روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم في هذه الآثار الأُخَر، والذي كان قسم منها هو الشق والنطاة، وترك سائرها، فعلمنا بذلك أنه قسم وله أن يقسم، وترك وله أن يترك.
فثبت بذلك أن هكذا حكم الأرضين المفتتحة؛ للإِمام قسمها إن رأى ذلك صلاحًا للمسلمين كما قسم رسول الله عليه السلام ما قسم من خيبر، وله تركها إن رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين أيضًا كما ترك رسول الله عليه السلام ما ترك من خيبر، يفعل ذلك ما رأى على التحري منه لصلاح المسلمين، وقد فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض السواد مثل ذلك أيضًا فتركها للمسلمين أرض خراج لينتفع بها من يجيء من بعده منهم كما ينتفع بها من كان في عصره من المسلمين.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الجماعة الآخرين فيما ذهبوا إليه: ما قد روي عنه عليه السلام من الأحاديث، وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة وهم: ابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم.
أما حديث ابن عباس: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي -فيه مقال- عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا سريج بن النعمان، ثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:"أن رسول الله عليه السلام دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف".
قوله: "بالشطر" أي بالنصف، ورواية أحمد فسرت رواية الطحاوي.
(1)"مسند أحمد"(1/ 250 رقم 2255).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر:"أن رسول الله عليه السلام عامل. . ." إلى آخره.
وأخرجه البخاري (1)، ومسلم مطولاً (2): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر:"أن رسول الله عليه السلام عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من زرع أو تمر. . ." الحديث.
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عون محمد بن عون الزيادي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا محمد بن أبي خلف، قال: ثنا محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال:"أفاء الله على رسوله خيبر، فأقرهم رسول الله عليه السلام كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحه فخرصها عليهم".
قوله: "أفاء الله خيبر" أي جعلها غنيمة لرسوله وللمؤمنين.
قوله: "فخرصها عليهم" أي حزر ما عليها من الزرع والتمر، وهو من الخرص وهو الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخِرْص -بالكسر- يقال: كم خِرْص أرضك؟.
قوله: "هو الشَّق" بفتح الشين المعجمة وهو الأعرف عند أهل اللغة، وكذلك قيَّده البكري.
و"النطاة" بالنون، وهما موضعان من أرض خيبر.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 820 رقم 2203).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1186 رقم 1551).
(3)
"سنن أبي داود"(2/ 285 رقم 3414).
ص: فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون عمر رضي الله عنه لم يفعل في السواد ما فعل من ذلك من جهة ما قلتم، ولكن لأن المسلمين جميعًا رضوا بذلك، والدليل على أنهم قد رضوا بذلك أنه جعل الجزية على رقابهم، فلم يخلُ ذلك من أحد وجهين:
إما أن يكون جعلها ضريبة للمسلمين لأنهم عبيد لهم.
أو أن يكون جعل ذلك عليهم كما يجعل الجزية على الأحرار؛ لتحقن بذلك دماؤهم.
فرأيناه قد أهمل نساءهم ومشايخهم وأهل الزمانة منهم وصبيانهم، وإن كانوا قادرين على الأكتساب أكثر مما يقدر عليه بعض البالغين، فلم يجعل على أحد مما ذكرنا شيئًا من ذلك، فدلّ ما بقي من ذلك أن ما أوجب ليس لعلة الملك، ولكنه لعلة الذمة، وقبل ذلك جميعُ من افتتح تلك الأرض، فكان أخذهم ذلك منه دليلاً على إجازتهم لما كان عمر رضي الله عنه فعل من ذلك.
ثم رأيناه وضع على الأرض شيئًا مختلفًا، فوضع على جريب الكرم شيئًا معلومًا، ووضع على جريب الحنطة شيئًا معلومًا، وأهمل النخل فلم ياخد منها شيئًا. فلم يخل ذلك من أحد وجهين:
إما أن يكون يملك به القوم الذين قد ثبتت جزيتهم ثمار أراضيهم والأرض ملك المسلمين، أو يكون جعل ذلك عليهم كما جعل الخراج على رقابهم، ولا يجوز أن يكون الخراج يجب إلا فيما ملكه بغير أخد الخراج.
فإن حملنا ذلك على التمليك من عمر رضي الله عنه إياهم ثمر النخل والكرم بما جعل عليهم مما ذكرنا، جُعِلَ فعله ذلك قد دخل فيما قد نهى عنه رسول الله عليه السلام من بيع السنين ومن بيع ما ليس عندك، فاستحال أن يكون الأمر على ذلك.
ولكن الأمر عندنا على أن تمليكه لهم الأرض التي أوجب هذا عليهم فيما تقدم على أن يكون ملكهم لذلك ملكًا خراجيًا هذا حكمه فيما يجب عليهم فيه، وقَبِلَ
الناسُ منه جميعًا ذلك، وأخذوا منه ما أعطاهم مما أخذ منهم، فكان قبولهم لذلك إجازة منهم لفعله.
قالوا: فلهذا جعلنا أهل السواد مالكين لأرضيهم وجعلناهم أحرارًا للعلة المتقدمة، وكل هذا فإنما كان بإجازة القوم الذين غنموا تلك الأرضين، ولولا ذلك لما جاز وكانوا على ملكهم.
قالوا: فكذلك نقول: كل أرض مفتتحة عنوة فحكمها أن تقسم كما تقسم الأموال: خُمسها لله عز وجل، وأربعة أخماسها للذين افتتحوها، ليس للإِمام منعهم من ذلك إلا أن تطيب أنفس القوم بتركها كما طابت أنفس الذين افتتحوا السواد لعمر رضي الله عنه بما ذكرنا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: استدلالكم بفعل عمر رضي الله عنه غير تام؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ما فعله في السواد إنما كان برضى المسلمين كلهم، والدليل على ذلك أنه قد وضع الجزية على رقابهم. . . إلى آخره، وهو ظاهر.
وأراد بأرض السواد أرض الكوفة والبصرة؛ سميت بذلك لشدة خضرتها بالزروع والأشجار.
قوله: "ضريبة" على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، وهو ما يؤديه الذمي إلى الإِمام من الخراج المقرر عليه، أو العبد إلى سيده من المال المضروب عليه، ويجمع على ضرائب.
قوله: "على جريب الكرم" قال الجوهري: الجريب من الأرض: مقدار معلوم. وفي "المعرب": الجريب أرض طولها ستون ذراعًا وعرضها ستون ذراعًا بذراع الملك كسرى، يزيد على ذراع العامة بقبضة، وهي ست قبضات، وذراع الملك سبع قبضات.
قوله: "عنوة" أي قهرًا وغلبة.
ص: وكان من الحجة للآخرين عليهم: أنَّا نعلم أن أرض السواد لو كانت كما ذكر أهل المقالة الأولى لكان قد وجب فيها خُمس الله بين أهله الذين جعله الله عز وجل لهم، وقد علمنا أنه لا يجوز لإِمام المسلمين أن يجعل ذلك الخُمس ولا شيئًا منه لأهل الذمة، وقد كان أهل السواد الذين أقرهم عمر رضي الله عنه قد صاروا أهل ذمة وكان السواد بأسره في أيديهم، فثبت بذلك أن ما فعله عمر رضي الله عنه من ذلك كان من جهة غير الجهة التي ذكروا، وهو على أنه لم يكن وجب لله عز وجل في ذلك خُمس، فكذلك ما فعل في رقابهم فمَنَّ عليهم بأن أقرهم في أرضهم ونفى الرقَّ عنهم، وأوجب الخراج عليهم في رقابهم وأرضيهم فملكوا بذلك أرضهم وانتفى الرق عن رقابهم.
فثبت بذلك أن للإِمام أن يفعل هذا بما افتتح عنوة فينفي عن أهلها رقّ المسلمين، وعن أرضيهم ملك المسلمين منه، ويوجب ذلك لأهلها، ويضع عليها ما يجب عليهم وضعه من الخراج كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة أصحاب رسول الله عليه السلام.
واحتج عمر رضي الله عنه لذلك بقول الله عز وجل: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (1)، ثم قال:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} (2) فأدخلهم معهم، ثم قال:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (3)، يريد بذلك الأنصار، فأدخلهم معهم. ثم قال:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} (4) فأدخل فيها جميع من يجيء من بعدهم، فللإمام أن يفعل ذلك ويضعه حيث رأى وضعه مما سمَّى الله عز وجل في هذه السورة.
فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
(1) سورة الحشر، آية:[7].
(2)
سورة الحشر، آية:[8].
(3)
سورة الحشر، آية:[9].
(4)
سورة الحشر، آية:[10].
ش: هذا جواب عن السؤال المذكور، وهو ظاهر.
قوله: "واحتج عمر رضي الله عنه لذلك. . ." إلى آخره، لما فتح عمر رضي الله عنه العراق سأله قومٌ من الصحابة قسمته بين الغانمين، منهم: الزبير وبلال وغيرهما، فقال: إن قسمتها بينهم -يعني الناس- بلا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية -أعني قوله تعالى:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} (1) إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} (2)، وشاور عليًّا وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها ويضع عليها الخراج؛ ففعل ذلك.
ووافقته الجماعة عند احتجاجه بالآية، وهذا يدل على أن هذه الآية مُحكمة غير منسوخة، وأنها مضمومة إلى آية الغنيمة في الأرضين المفتتحة، وهذا يرد على من يدعي انتساخ هذه الآية، فافهم.
فإذا كان كذلك فيكون تقدير الآيتين بمجموعهما: واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خُمسه في الأموال سوى الأرضين، وفي الأرضين إذا اختار الإِمام ذلك، وما أفاء الله على رسوله من الأرضين فلله وللرسول إن اختار تركها على ملك أهلها، ويكون ذكر الرسول ها هنا لتفويض الأمر إلى الله في صرفه إلى من رأى، فاستدل عمر رضي الله عنه من الآية بقوله:{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (1) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} (2)، وقال: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن جاء من بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل فيها لهم الحق بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} (2)، فلما استقر عنده حكم دلالة الآية وموافقة جلّ الصحابة على إقرار أهلها ووضع الخراج؛ بعث عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان فمسحا الأرضين ووضعا الخراج على الأوضاع المعلومة، ووضعا الجزية على الرقاب، وجعلاهم ثلاث طبقات: اثنى عشر،
(1) سورة الحشر، آية:[7].
(2)
سورة الحشر، آية:[10].
وأربعة وعشرين، وثمانية وأربعين، ثم لم يتَعقب فعله هذا أحدٌ ممن جاء بعده من الأئمة بالفسخ، فصار ذلك اتفاقًا.
ص: فإن احتج في ذلك مُحتج بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال:"لما وفد جرير بن عبد الله وعمار بن ياسر وأناس من المسلمين إلى عمر رضي الله عنه قال عمر لجرير: يا جرير، والله لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسمت لكم، ولكني أرى أن أرده على المسلمين، فرده، وكان ربع السواد لبجيلة، فأخذه منهم وأعطاهم ثمانين دينارًا".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا أبو أسامة، قال: وحدثني إسماعيل، عن قيس، عن جرير، قال:"كان عمر رضي الله عنه قد أعطى بجيلة ربع السواد، فأخذناه ثلاث سنين، فوفد بعد ذلك جرير إلى عمر رضي الله عنه ومعه عمار بن ياسر، فقال عمر رضي الله عنه: والله لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما كنت أعطيتكم، فأرى أن تردوه على المسلمين، ففعل، قال: فأجازني عمر رضي الله عنه بثمانين دينارًا".
قالوا: فهذا يدل أن عمر رضي الله عنه قد كان قسم السواد بين الناس ثم أرضاهم بعد بما أعطاهم على أن يعود للمسلمين.
قيل له: ما يدل هذا الحديث على ما ذكرت، ولكن يجوز أن يكون عمر رضي الله عنه فعل من ذلك في طائفة من السواد فجعلها لبجيلة، ثم أخد ذلك منهم للمسلمين بما عوض عمر أهلها ما عوضهم منها من ذلك، وما بقي بعد ذلك من السواد فعلى الحكم الذي بيَّناه، ولما قد تقدم في هذا الباب، ولولا ذلك لكانت أرض السواد أرض عُشر، ولم تكن أرض خراج.
ش: أي فإن احتج أحد من أهل المقالة الأولى وجوب قسمة الأرض إذا افتتحت عنوة على الإِمام بين الغانمين بما روي عن عمر رضي الله عنه؛ وذلك لأنه يدل
على أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كان قسم السواد بين الناس، ثم بعد ذلك أرضاهم بالذي أعطاهم على أن يعود للمسلمين.
وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له" أي للمحتج المذكور.
حاصله أن يقال: لا نسلم أنه يدل على ما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن يكون عمر رضي الله عنه فعل ما فعل من ذلك في طائفة من السواد فجعلها لبجيلة. . . إلى آخر ما ذكره الطحاوي.
وأخرج الأثر المذكور من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن أي خالد البجلي الكوفي، عن قيس بن أبي حازم الأحمسي الكوفي، وكان هاجر إلى النبي عليه السلام ليبايعه فقبض وهو في الطريق، وقيل: إنه رآه يخطب ولم يثبت ذلك، وأبوه له صحبة، واسمه حصين بن عوف يكنى بأبي حازم.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى"(1): من حديث عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل، عن قيس قال:"أعطى عمر رضي الله عنه جريرًا وقومه ربع السواد فأخذه سنتين أو ثلاثًا، ثم إن جريرًا وفد إلى عمر مع عمار، فقال له عمر رضي الله عنه: لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما كنتم عليه، ولكن أرى أن تردوه على المسلمين، فرده عليهم وأعطاه عمر ثمانين دينارًا".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد مشايخ الشافعي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه البيهقي أيضًا نحوه (2) وقال: الشافعي: أنا الثقة، عن إسماعيل، عن
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 135 رقم 18160).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(9/ 135 رقم 18157).
قيس بن أبي حازم، عن جرير قال:"كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث سنين، ثم قدمت على عمر ومعي فلانة بنت فلان -امرأة منهم- فقال عمر رضي الله عنه: لولا أني قاسم مسئول لتُركتكم على ما قُسم لكم، ولكن أرى أن تردوا على الناس".
ثم إن أصحاب الشافعي رحمه الله: استدلوا بهذا على أن عمر رضي الله عنه قسم أرض السواد وملكهم زقاب الأرضين.
قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر على إعطائه دون الخراج؛ ليكونوا أسوة كسائر الناس.
فإذا قلت: إنما دفع عمر رضي الله عنه السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإِجارة، والأجرة قد تسمى خراجًا، قال النبي عليه السلام:"الخراج بالضمان"، ومراده أجرة العبد للمشتري إذا رد بالعيب.
قلت: هذا غلط من وجوه:
الأول: أن عمر رضي الله عنه لم يستطب نفوس القوم الغانمين في وضع الخراج وترك القسمة، وإنما تشاور، وحاجَّ من طلب القسمة بما أوضح به قوله ولو كان قد استطاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة.
الثاني: أنه كيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر رضي الله عنه أنه رأى ردَّه على المسلمين، وأظهر أنه لا يسعه غيره؛ لما كان عنده أنه الأصلح للمسلمين.
الثالث: أنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك الاقتصار على إعطائه دون الخراج كما ذكرناه آنفًا.
وأما قولهم: "الأجرة قد تسمى خراجًا" ففاسد أيضًا؛ لأنه لا خلاف أن الإِجارات لا تجوز إلا على مدد معلومة إذا وقعت على المدة، وأيضًا فإن أهلها لا يخلو إما أن يكونوا عبيدًا أو أحرارًا، فإن كانوا عبيدًا فإن إجارة المولى من عبده لا
تجوز، وإن كانوا أحرارًا فكيف جاز أن يترك رقابهم على أصل الجزية ولا يترك أرضهم على أملاكهم، وأيضًا لو كانوا عبيدًا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم؛ لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم، وأيضًا لا خلاف أن إجارة الشجر غير جائزة، وقد أخذ عمر رضي الله عنه الخراج من النخل والشجر، فدلَّ على أنه ليس بأجرة.
ص: فإن احتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي جازم قال:"جاءت امرأة من بجيلة إلى عمر رضي الله عنه، فقالت: إن قومي رضوا منك من السواد بما لم أرض، ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبًا وجملي طعامًا -أو كلامًا هذا معناه- ففعل ذلك بها عمر رضي الله عنه".
قيل لهم أيضًا: هذا عندنا -والله أعلم- على الجزء الدي كان سلَّمه عمر رضي الله عنه لبجيلة فملكوه، ثم أراد انتزاعه منهم بطيب أنفسهم ولم يخرج حق تلك المرأة منه إلا بما طابت نفسها، فأعطاها عمر رضي الله عنه ما طلبت حتى رضيت، فسلَّمت ما كان لها من ذلك كما سلَّم سائر قومها حقوقهم.
فهذا عندنا وجه هذا الباب كله من طريق النظر على ما بيَّنا، وهو قول أبي حنيفة وسفيان وأبي يوسف ومحمدًا رحمهم الله.
ش: أي: فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بقضية المرأة البجلية وهي أم كرز البجلية.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم.
وأخرجه البيهقي (1) وقال: رواه هشيم، عن إسماعيل. . . إلى آخره، ولفظه أنها قالت: "لست أسلِّم حتى تحملني على ناقة ذلول وعليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي
(1) تقدم.
ذهبًا، ففعل ذلك، وكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارًا". انتهى.
وقال الجصاص: وإنما أعطى عمر رضي الله عنه المرأة المذكورة من بيت المال لأنه قد كان جائزًا له أن يفعله من غير أخذ ما كان في أيديهم من السواد.
ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض مصر أيضًا:
ما حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن حمير، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما[قال: "لما فتح عمرو بن العاص] (1) أرض مصر جمع من كان معه من أصحاب رسول الله عليه السلام واستشارهم في قسمة أرضها بين من شهدها كما قسم بينهم غنائمهم وكما قسم رسول الله عليه السلام خيبر بين من شهدها، أو يوقفها حتى يراجع في ذلك رأي أمير المؤمنين. فقال نفر منهم، فيهم الزبير بن العوام رضي الله عنه وابنه: ما ذاك إليك ولا إلى عمر، إنما هي أرض فتحها الله علينا وأَجَفْنَا عليها خيلنا ورجالنا، وحوينا ما فيها، فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها.
وقال نفر منهم: لا تقسمها حتى تراجع أمير المؤمنين فيها، فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر رضي الله عنه في ذلك ويخبروه في كتابهم إليه مقالتهم، فكتب إليهم عمر رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد وصل إليَّ ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا المسلمين ومؤن من يغزو أهل العدو من أهل الكفر، وإني إن قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم من المسلمين مادة يقوون بها على عدوهم، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله وأرفع عن المسلمين من مؤنهم وأجري على ضعفائهم وأهل الديوان منهم لقسمتها بينكم، فأوقفوها فيئًا على من بقي من المسلمين حتى تنقرض آخر عصابة تغزو من المؤمنين، والسلام عليكم".
ففي هذا الحديث ما قد دلَّ في حكم الأرضين المفتتحة على ما ذكرنا، وأن حكمها خلاف ما سواه من سائر الأموال المغنومة من العدو.
(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
ش: ذكر هذا الأثر شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من أن حكم الأرضين المفتتحة خلاف حكم الأموال المغنومة.
أخرجه بإسناد صحيح: عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن نعيم بن حماد المروزي الفارض الأعور شيخ البخاري في المقرنات، وثقه أحمد ويحيى، عن محمد بن حمير بن أنيس القضاعي وثقه ابن حبان، وروى له البخاري وأبو داود (1).
عن عمرو بن قيس السكوني أبي ثور الشامي الحمصي، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، عن أبيه قيس بن ثور، وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث ذكر أصحاب رسول الله عليه السلام أنه قسم خيبر بين من كان شهدها، فذلك ينفي أن يكون فيما فعل رسول الله عليه السلام في خيبر حجة لمن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان ومن تابعهما في إيقاف الأرضين المفتتحة لنوائب المسلمين.
قيل له: هذا حديث لم يفسر لنا فيه كل الذي كان من رسول الله عليه السلام في خيبر، وقد جاء غيره فإن لنا ما كان من رسول الله عليه السلام.
فيما حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، قال: حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال:"قسم رسول الله عليه السلام خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا".
(1) أبو داود إنما روى له في "المراسيل"، ووثقه ابن معين ودحيم، وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به، ومحمد بن حرب وبقية أحب إلي منه.
وقال أحمد بن حنبل: ما علمت إلا خيرًا. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال ابن قانع: صالح.
وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال".
ففي هذا الحديث بيان ما كان من رسول الله عليه السلام في خيبر، وأنه كان أوقف نصفها لنوائبه وحاجته، وقسم بقيتها بين من شهدها من المسلمين، فالذي كان أوقفه منها هو الذي دفعه إلى اليهود مزارعة على ما في حديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم اللذين ذكرناهما، وهو الذي تولى عمر رضي الله عنه قسمته في خلافته بين المسلمين لما أجلى اليهود عن خيبر، وفيما بينا من ذلك تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان في إيقاف الأرضين وترك قسمتها إذا رأى الإِمام ذلك.
ش: السؤال مع جوابه ظاهر.
وإسناد الحديث المذكور صحيح.
وسفيان هو الثوري، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وبشُير -بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة- بن يسار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الحارثي الأنصاري المدني روى له الجماعة.
وسهل بن أبي حثمة عبد الله الأنصاري المدني الصحابي رضي الله عنه، قال الواقدي: مات النبي عليه السلام وهو ابن ثمان سنين.
والحديث أخرجه أبو داود (1): عن الربيع بن سليمان، واشترك فيه مع الطحاوي عن شيخ واحد بإسناد واحد.
قوله: "نصفًا لنوائبه" النوائب جمع نائبة، وهي ما تنوب الإنسان أي تنزل به من المهمات والحوادث، وقد نابه ينوبه نوبًا، وانتابه إذا قصده مرة بعد مرة والله أعلم.
…
(1)"سنن أبي داود"(2/ 174 رقم 3010).