الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شهرا عيدٍ لا ينقصان: رمضان وذو الحجة
".
ش: أي: هذا باب في بيان معنى قوله عليه السلام: "شهرا عيدٍ لا ينقصان".
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق وعليّ بن معبد، قالا: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا حماد، عن سالم أبي عبيد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن النبي عليه السلام قال:"شهرا عيدٍ لا ينقصان: رمضان وذو الحجة".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: عثمان بن عمر بن فارس، قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن رسول الله عليه السلام مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان ورجالهما ثقات.
وحماد هو ابن سلمة، وسالم هو ابن سالم وكنيته أبو عبيد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأبو بكرة نُفيع بن الحارث الثقفي الصحابي.
والحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي:
فقال البخاري (1): ثنا مسدد، ثنا معتمر، قال: سمعت إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي عليه السلام قال.
وحدثني مسدد، قال: نا معتمر، عن خالد الحذاء، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي عليه السلام قال:"شهران لا ينقصان شهرا عيد: رمضان وذو الحجة".
وقال مسلم (2): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا يزيد بن زُريع، عن خالد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي عليه السلام قال:"شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة".
(1)"صحيح البخاري"(2/ 675 رقم 1813).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 766 رقم 1089).
وقال أبو داود (1): نا مسدد، أن يزيد بن زريع حدثه، عن خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن
…
إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي (2): ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، قال: نا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن
…
إلى آخره نحوه.
قال أبو عيسى: حديث أبي بكرة حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي عليه السلام مرسل.
وقال ابن ماجه (3): ثنا حُميد بن مسعدة، نا يزيد بن زريع، نا خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة
…
إلى آخره نحوه.
قوله: "شهرا عيد" كلام إضافي مبتدأ، وخبره:"لا ينقصان".
قوله: "رمضان" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أحدهما: رمضان، أي: شهر رمضان، والآخر: شهر ذي الحجة، ورمضان في الأصل مصدر "رمِض" إذا احترق من الرمضاء، وهو شدة الحر، وسمي هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال بهذا الاسم لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع ومقاساة شدته، وقيل: لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وكان اسم شهر رمضان في اللغة القديمة ناتقًا؛ سموه به لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم اضجارًا بشدته عليهم، قال ابن الأعرابي: رمضان هو ناتق، والجمع نواتق، وأنشد:
وفي ناتق أَحلَّت لدى حَوْمة الوغى
…
وَدَلَّت على الإدْنَاءِ فرسانُ خَثْعَما (4)
(1)"سنن أبي داود"(2/ 297 رقم 2323).
(2)
"سنن الترمذي"(3/ 75 رقم 692).
(3)
"سنن ابن ماجه"(1/ 531 رقم 1659).
(4)
كذا وقع هذا البيت في "الأصل، ك"، وفي "لسان العرب"، (مادة: نتق)، وفي كتاب "الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (1/ 568): وفي ناتِق أَجْلَتْ لدى حَوْمَةِ الوغى
…
وَوَلَّتْ عَلى الأدبارِ فُرسَانُ خَثْعَمَا.
وذلك كما كان اسم شوال: عاندًا وعاذلا، وكان اسم ذي القعدة: هُوَاعًا، والجمع أَهْوعة، وإن شئت هُوَاعات، وكان اسم ذي الحجة: بُرَكًا، والجمع: بركات، وكان اسم المحرم: موتمرًا بهمز وبغير همز، والجمع مآمر ومآمير، وكان اسم صفر: ناجزًا، والجمع نواجز، وكان اسم ربيع الأول: خوانًا، والجمع: أخونة، وكان اسم ربيع الآخر: وبَصَانًا بالتخفيف، والجمع وَبَصَانات، وكان اسم جمادى الأولى: حنينًا والجمع حناين وأحنة وحنن، وكان اسم جمادى الآخرة: ورنة، والجمع: ورْنات، ويقال: رُنَة -بالضم-، وكان اسم رجب: الأصم، والجمع: صُمم، وكان يقال له أيضًا: مُفصل الأسنة، أي مُسقطها؛ لأنه شهر حرام، وكان اسم شعبان: وعلًا، وجمعه: أَوْعال، ويقال: وُعلان، ويقال: كان اسمه العجلان ويقال: عادل.
ثم إن رمضان منع الصرف للتعريف والألف والنون، ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة، قاله الفراء، وعن الفراء أيضًا يقال: هذا شهر رمضان، وهذا رمضان بلا شهر؛ قال الله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ} (1)، وفي الحديث:"مَن صام رمضان"(2)، ومنهم مَن منع أن يقال: رمضان بلا شهر، وكذا منعوه أن يجمع؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، والحديث يرد عليه.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: ففي هذا الحديث أن هذين الشهرين لا ينقصان، فتكلم الناس في معنى ذلك، فقال قوم: لا ينقصان: أي لا يجتمع نقصانهما في عام واحد، وقد يجوز أن ينقص أحدهما، وهذا قول قد دفعه العِيان؛ لأنا وجدناهما ينقصان في أعوام، وقد يجمع ذلك في [كل](3) واحد منهما، فدفع ذلك قوم بهذا وبحديث النبي عليه السلام الذي ذكرناه في غير هذا الموضع أنه قال في شهر رمضان:"فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين"، وبقوله: "إن الشهر
(1) سورة البقرة، آية:[185].
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 709 رقم 1910).
(3)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
قد يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين"، فأخبر أن ذلك جائز في كل شهر من المشهور، وسنذكر ذلك بإسناده في موضعه من كتابنا إن شاء الله تعالى.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أهل الحديث منهم: أحمد بن حنبل، فإنهم قالوا: معنى قوله: "لا ينقصان" لا يجتمع نقصانهما في عام واحد، يعني لا ينقصان معًا في سنة واحدة، بل إن نقص أحدهما يتم الآخر البتة، وزيف الطحاوي هذا القول بقوله: وهذا قول قد دفعه العيان، أي المشاهدة وهو أنا قد وجدنا الشهرين المذكورين ينقصان معًا في عام واحد.
قوله: "فدفع ذلك قوم بهذا
…
" إلى آخره، إشارة إلى أن طائفة من العلماء دفعوا هذا القول بشئين:
أحدهما: هو ما ذكره.
والثاني: بحديث النبي عليه السلام وهو قوله: "فإن غمَّ عليكم فعدوا ثلاثين"(1)، رواه ابن عمر رضي الله عنهما، وقوله عليه السلام:"إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وقد يكون ثلاثين"(2)، رواه أبو هريرة، وسيجيء بيان هذه الأحاديث في كتاب الإيمان إن شاء الله تعالى.
ص: وذهب آخرون إلى تصحيح هذه الآثار كلها، وقالوا: أما قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" فإن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وقد يكون ثلاثين، فذلك كله كما قال، وهو موجود في الشهور كلها.
وأما قوله: "شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة" فليس ذلك عندنا على نقصان العدد، ولكنهما فيهما ما ليس في غيرهما من المشهور، في أحدهما الصيام، وفي الآخر الحج، فأخبرهم رسول الله عليه السلام أنهما لا ينقصان وإن كانا تسعًا وعشرين، وهما شهران كاملان كانا ثلاثين ثلاثين أو تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين؛ ليعلم
(1) متفق عليه من حديث ابن عمر، البخاري (2/ 672 رقم 1801)، ومسلم (2/ 759 رقم 1080).
(2)
البخاري (3/ 207 رقم 1921) من حديث عمر بن الخطاب.
بذلك أن الأحكام فيهما -وإن كانا تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين- متكاملة فيهما غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين ثلاثين، فهذا وجه تصحيح هذه الآثار التي ذكرناها في هذا الباب.
ش: أي ذهب جماعة آخرون من أهل الحديث منهم إسحاق، وأراد بهذه الآثار: حديث أبي بكرة المذكور، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، ولما كان بينهما تعارض بحسب الظاهر وفقوا بينهما، وقالوا:
أما قوله: "صوموا لرؤيته
…
" الحديث، فإن الأمر فيه كما قال، فإن كل شهر من شهور السنة قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين.
وأما قوله: "شهرا عيد لا ينقصان" فليس معناه على نقصان العدد؛ لأنه واقع بالمشاهدة في جميع المشهور -كما قلنا- بالعيان وبالأحاديث المذكورة، ولكن معناه: أنهما كاملان تامان في حكم العبادة سواء كانا ثلاثين ثلاثين أو تسعًا وعشرين تسعًا وعشرين، وأصل ذلك: أن الناس لما كثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل عيدهم وصومهم وحجهم؛ أعلمهم النبي عليه السلام أن هذين الشهرين وإن نقصت أعدادهما فحكمهما على التمام والكمال في حكم العبادة؛ لئلا يقع في القلوب شك إذا صاموا تسعًا وعشرين يومًا أو وقع في وقوفهم خطأ في الحج، فبيَّن أن الحكم كامل، وأن الثواب تامٌّ وإن نقص العدد.
والدليل على ذلك ما أخرجه الطبراني (1): من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة".
ورجال إسناده ثقات.
وقال بعضهم: معناه لا يجتمعان في النقص في الغالب فيكون هذا مخرجًا على الغالب.
(1) الطبراني في "الكبير" انظر "مجمع الزوائد"(3/ 147).
وقال قوم منهم أبو بكر بن فورك: إن الإشارة بهذا كانت إلى سنة معلومة.
وقال قوم منهم الخطابي: أراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان.
وقال قوم: لا يمكن أن يحمل هذا إلا على الثواب، أي: للعامل فيهما ثلاثين يومًا وليلة في الصلاة والصيام ونحوهما.
فهذه ستة أقوال قد ذكر الطحاوي منها قولين وزيَّف أحدهما كما بيَّناه، والله أعلم بالصواب.