الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: القبلة للصائم
ش: أي: هذا باب في بيان القبلة هل تجوز للصائم أم لا؟.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرئيل، عن زيد جبير، عن أبي يزيد الضِّنِّي، عن ميمونة بنت سعد قالت:"سئل النبي عليه السلام عن القبلة للصائم، فقال: أفطرا جميعًا".
ش: أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي الحبَّال، روى له الجماعة.
وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، روى له الجماعة.
وزيد بن جبير بن حرملة الطائي الكوفي، روى له الجماعة.
وأبو يزيد الضِّنِّي -بكسر الضاد والنون المشددة- نسبة إلى ضِنَّة قبيلة. قال الدارقطني: ليس بمعروف. وقال ابن حزم: مجهول. روى له النسائي وابن ماجه.
وميمونة بنت سعد -وقيل: سعيد- خادم النبي عليه السلام.
وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الفضل بن دُكين، عن إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضِّني، عن ميمونة مولاة النبي عليه السلام قالت:"سئل النبي عليه السلام عن رجل قبل امرأته وهما صائمان. قال: قد أفطرا".
وقال ابن حزم (2): رويناه من طريق إسرائيل -وهو ضعيف- عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضني -وهو مجهول- عن ميمونة بنت عتبة مولاة رسول الله عليه السلام، وقال: ولئن صح هذا لكان حديث أبي سعيد الخدري: "أنه عليه السلام أرخص في القبلة للصائم" ناسخًا له، انتهى.
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 538 رقم 1686).
(2)
"المحلى"(6/ 209).
وقال الدارقطني: لا يثبت هذا الحديث. وكذا قال البيهقي، وقال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: هذا حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول.
قوله: "أفطر" أي: المقبِّل والمقبَّل، كلاهما أفطرا، يعني انتقض صومهما.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: ليس للرجل أن يقبِّل في صومه، وإن قبَّل فقد أفطر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن شبرمة وشريحًا وإبراهيم النخعي والشعبي وأبا قلابة ومحمد بن الحنفية ومسروق بن الأجدع؛ فإنهم قالوا: ليس للصائم أن يباشر القبلة، فإن قبل فقد أفطر، فعليه أن يقضي يومًا.
قال أبو عمر: وممن كره القبلة للصائم: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعروة بن الزبير.
وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي يومًا مكانه، وروي عن ابن عباس أنه قال:"إن عروق الخصيتن معلقة بالأنف فإذا وجد الريح تحرك وإذا تحرك دعا إلى ما هو أكثر من ذلك، والشيخ أملك لإربه".
وكره مالك القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب. وعن عطاء، عن ابن عباس أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب.
وقال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود من الفقهاء، ومنهم من كرهها على الإطلاق وهو مشهور قول مالك.
ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو المرويّ عن ابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك.
ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهي رواية ابن وهب عنه.
وقال النووي: إن حركت القبلة شهوة فهي حرام على الأصح عند أصحابنا، وقيل: مكروهة كراهة تنزيه، انتهى.
وقال أصحابنا في فروعهم: لا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن على نفسه، أو كان شيخا كبيرًا، ويكره له مس فرجها.
وعن أبي حنيفة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الفاحشة بلا ثوب، والتقبيل الفاحش مكروه، وهو أن يمضغ شفتها قاله محمَّد، وقال ابن قدامة: إن قبَّل فأمنى أفطر بلا خلاف؛ فإن أمذى أفطر عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واللمس بشهوة كالقبلة، فإن كان بغير شهوة فليس مكروهًا بحال.
وقال ابن حزم (1): وأما القبلة والمباشرة للرجل مع امرأته وأمته المباحة له [فهما سنة حسنة](2) نستحبها للصائم شابًّا كان أو كهلًا أو شيخًا، ولا نبال كان معها إنزال مقصود إليه أو لم يكن.
وادعى قوم أن القبلة تبطل الصوم، وقال قوم: هي مكروهة، وقال قومٌ: هي مباحة للشيخ مكروهة للشاب، وقال قومٌ: هي خصوص للنبي عليه السلام.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم عمر بن حمزة، قال: ثنا سالم، عن ابن عمر قال: قال عمر رضي الله عنه "رأيت النبي عليه السلام في المنام فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله ما شأني؟ قال: ألستَ الذي تُقَبِّل وأنت صائم؟ فقلت. والذي بعثك بالحق لا أقبل بعد هذا وأنا صائم، فأقرَّ به، ثم قال: نعم".
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(1)"المحلى"(6/ 205 - 206).
(2)
"في الأصل": حسنة حسنة، والمثبت من "المحلى".
أخرجه عن علي بن شيبة، عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو إسحاق بن راهويه شيخ الجماعة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة روى له الجماعة، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال يحيى: ضعيف. روى له الجماعة إلا النسائي، البخاري مستشهدًا.
عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث أبي أسامة، عن عمر بن حمزة، نا سالم، عن أبيه قال: قال عمر رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله، ما شأني؟ فالتفت إليّ فقال: ألست المقبِّل وأنت صائم؟ فوالذي نفسي بيده لا أقبل وأنا صائم امرأة ما بقيت".
وقال البيهقي: تفرد به عمر بن حمزة، فإن صح فعمر رضي الله عنه كان قويًّا تحرك القبلة شهوته.
وقال الذهبي (2): هذا لم يخرجوه، وضعفه ابن معين وقواه غيره. وروى له مسلم.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى"(3) وقال: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات لاسيمَّا وقد أفتى رسول الله عليه السلام عمر في اليقظة حيًّا بإباحة القبلة للصائم، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام، وكفى من هذا كله أن عمر بن حمزة لا شيء.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن هانئ- وكان يسمى الهزهاز قال:"سئل عبد الله عن القبلة للصائم، فقال: يقضي يومًا آخر".
(1)"سنن البيهقي الكبري"(4/ 232 رقم 7881).
(2)
نص كلام الذهبي كما في "مهذب السنن"(4/ 1608) بتحقيقنا: هذا لم يخرجوه، وقال أحمد ابن حنبل: عمر بن حمزة أحاديثه مناكير. وضعفه ابن معين وقواه غيره، وروى له مسلم وتحايده النسائي.
(3)
"المحلى"(6/ 208).
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال، عن الهزهاز، عن عبد الله مثله.
ش: أي: احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عبد الله بن مسعود، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف -ويقال: إساف- الأشجعي الكوفي، عن هانئ الذي يسمى الهزهاز.
وكل هؤلاء ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "منصفه": (1) ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الهزهاز:"أن رجلًا لقي ابن مسعود وهو بالتمارين، فسأله عن صائم قبَّل، فقال: أفطر".
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري
…
إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (2): من حديث شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف سمعه يحدث، عن الهزهاز:"أن ابن مسعود رضي الله عنه قال في القبلة للصائم قولًا شديدًا -يعني-: يصوم يومًا مكانه" قال البيهقي: هذا عندنا إذا قبل فأنزل.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن عمر رضي الله عنه من قوله:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب:"أن عمر رضي الله عنه كان ينهى عن القبلة للصائم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمران بن مسلم، عن زاذان قال: قال عمر رضي الله عنه: "لأن أعضَّ على جمرة أحبّ إليَّ من أن أقبل وأنا صائم".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 315 رقم 9412).
(2)
"سنن البيهقي الكبير"(4/ 234 رقم 7895).
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه من وجهين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد ابن المسيب.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري عن سعيد بن المسيب:"أن عمر رضي الله عنه نهى عن القبلة للصائم".
قلت: هذا محمول على ما إذا لم يأمن على نفسه.
الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمران بن مسلم المنقري أبي بكر البصري القصيرروى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن زاذان أبي عبد الله -ويقال: أبو عمر- الكندي الكوفي الضرير البزاز روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه ابن حزم في "المحلى"(2) ولفظه: عن زاذان، عن ابن عمر:"في الذي يقبل وهو صائم أَلَا يقبل جمرةً".
وأخرجه ابن أبي شيبة (3) أيضًا.
قلت: هذا أيضًا في حق من لم يأمن على نفسه من الشهوة.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن سعيد بن المسيب.
حدثنا محمَّد بن حُمَيد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن عبد الكريم، عن سعيد بن المسيب:"في الرجل يقبل امرأته وهو صائم، فقال: تَنْقُصُ صومه".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 315 رقم 9410).
(2)
"المحلى"(6/ 209).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 315 رقم 9413).
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا بما روي عن سعيد بن المسيب.
أخرجه عن محمد بن حُميد بن هشام الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن موسى بن أعين الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني.
وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا محمدًا وابن معبد، وهما أيضًا ثقتان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا علي بن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب:"قال في القبلة للصائم: تنقص صيامه ولا تفطر".
قوله: "تنقص صومه" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون من النقض -بالضاد المعجمة- على معنى أنه يبطل صومه.
والآخر: من النقص -بالصاد المهملة- على معنى أن صومه يدخله النقصان ولكن لا يفطر، ويدل على هذا رواية ابن أبي شيبة؛ فإن فيها:"تنقص صيامه ولا تفطر". فافهم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بالقبلة للصائم باسًا إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها مما يمنع منه الصائم.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء والحسن البصري والثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وإسحاق وداود بن علي؛ فإنهم قالوا: لا نرى بالقبلة بأسًا للصائم إذا أمن على نفسه.
وقال أبو عمر: رويت الرخصة في القبلة للصائم عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عباس وعائشة، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في هذا الباب مستقصًى عن قريب.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 316 رقم 9417).
ص: وكان من حجتهم فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى: أنه قد روي عن رسول الله عليه السلام في إباحته القبلة للصائم ما هو أظهر من حديث ميمونة بنت سعد وأولى أن يؤخذ به، وهو ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله عليه السلام فقلت: فعلت اليوم أمًرا عظيمًا، فقبلت وأنا صائم. فقال رسول الله عليه السلام: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله عليه السلام: ففيم؟! ".
حدثنا علي بن معبد، ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا ليث بن سعد
…
فذكر بإسناده مثله.
فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة، وليس لحديث ميمونة بنت سعد الذي رواه عنها أبو يزيد الضنِّي وهو رجل لا يعرف فلا ينبغي أن يعارض حديث من ذكرنا بحديث مثله، مع أنه قد يجوز أن يكون حديثه ذلك على معنًى خلاف معنى حديث عمر رضي الله عنه هذا، ويكون جواب النبي عليه السلام الذي فيه جوابًا لسؤال سئل في صائمين بأعيانهما على قلة ضبطهما لأنفسهما، فقال ذلك فيه ما، أي أنه إذا كانت القبلة منهما فقد كان معها غيرها مما قد يضرهما لأنفسهما.
وهذا أولى ما قد حمل عليه معناه؛ حتى لا يضاد غيره.
ش: أي: وكان من حجة أهل المقالة الثانية فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى: أنه قد روي عن النبي عليه السلام حديث في إباحة القبلة للصائم، هو أصح من حديث ميمونة بنت سعد وأشهر، وهو حديث جابر، عن عمر بن الخطاب؛ فإن رجاله معروفون ثقات، فلا يعارضه حديث أبي يزيد الضني، وهو رجل لا يعرف، فحيئذٍ يسقط حديثه ولا يُعمل به، وقد ذكرنا أن ابن حزم ادعى أنه منسوخ، إن كان صحيحًا، وإنما قلنا: إن حديث جابر عن عمر أصح؛ لأن إسناده على شرط مسلم ورجاله رجال مسلم وغيره ما خلا ربيعًا، وهو أيضًا ثقة.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا الليث.
ونا عيسى بن حماد، قال: أنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله، قال عمر بن الخطاب:"هششت. فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمًرا عظيمًا؛ قبلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ -قال عيسى بن حماد في حديثه- قلت: لا بأس به، قال: فَمَهْ؟! ".
وأخرجه النسائي (2) والبيهقي (3).
فإن قيل: قال النسائي: هذا حديث منكر. وقال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه. وقال أحمد بن حنبل: هذا ريح، ليس من هذا شيء.
قلت: أخرجه الحاكم في "مستدركه"(4): أنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان، نا أبو حاتم وإبراهيم بن نصر الرازيان، قالا: نا أبو الوليد الطيالسي، نا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، انتهى.
واحتج به ابن حزم أيضًا.
وأبو داود لما أخرجه سكت عنه، وسكوته يدل على رضاه به (5)، وأيضًا نص الطحاوي على صحته بقوله: فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 311 رقم 2385).
(2)
"السنن الكبرى"(2/ 198 رقم 3048).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 261 رقم 8044).
(4)
"المستدرك"(1/ 596 رقم 1572).
(5)
قد ذكرنا ما في هذا الكلام غير مرة.
قوله: "هششت" أي ارتحت، يقال: هش لهذا الأمر يهش هشاشة إذا فرح به واستبشر وارتاح له وخف، وذكره في "الدستور" في باب نَصَرَ يَنْصُرُ، وفي باب ضَرَبَ يَضْرِبُ أيضًا، وفي باب عَلِمَ يَعْلَمُ أيضًا، ولكن الذي ذكره في باب نَصَرَ يَنْصُرُ معناه الإسقاط، تقول: هَشَشْتُ الورق هَشًّا خبطته بِعَصًى ليتحات، ومنه قوله تعالى:{وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} (1).
والذي ذكر في باب ضَرَبَ يَضْرِبُ معناه الليونة، تقول: هَشَّ الخبزُ هُشُوشة إذا لان.
والذي ذكره في باب عَلِمَ يَعْلَمُ معناه: الارتياح، وقال الجوهري: وقد هَشِشْتُ لفلان -بالكسر- أهشُّ هشاشة إذا خففت وارتحت له.
قوله: "أرأيت" أي أخبرني.
قوله: "ففيم" أصله ففيما و"ما" استفهامية دخلت عليها حرف الجر، ومعناه: ففيما فرقك بين الحكمين، يعني: فلأجل أي شيء تُفَرِّق بينها إذا تمضمضت بالماء وأنت صائم، وبين ما إذا قبلت وأنت صائم، يعني لا فرق بينهما في أن كلا منهما لا ينتقص الصوم.
قال الخطابي: وفيه إثبات القياس، والجمع بين الحكمين في الحكم الواحد؛ لاجتماعهما في الشبه، وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله إلى الحلق والجوف فيكون به فساد الصوم، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم، نقول: فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر؟ فالآخر بمثابته، انتهى.
وكلمة "في" للتعليل نحو قوله تعالى: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} (2)، وقوله عليه السلام:"إن امرأة دخلت النار في هرة"(3).
(1) سورة طه، آية:[18].
(2)
سورة يوسف، آية:[32].
(3)
"مسند أحمد"(2/ 507 رقم 10592) وغيره.
وأما "فَمَه؟ " في رواية أبي داود فالهاء فيه للسكت.
قوله: "مع أنه قد يجوز
…
إلى آخره" إشارة إلى جواب آخر بطريق التنزل، تقريره أن يقال: إن حديث أبي يزيد الضنِّي وإن كان صحيحا ولكنه محمول على معنى يخالف معنى حديث عمر رضي الله عنه؛ لأن معنى حديث عمر: أن القبلة لا تفطر لكونه ممن يضبط نفسه ولا يخاف عليه حصول شيء معها مما هو يضره، ومعنى حديث أبي يزيد: أنه جواب من النبي عليه السلام -عن سؤال سئل في صائمين معينين حصلت بينهما قبلة على عدم ضبطهما لأنفسهما، فقال: إذا كانت قبلة بين مثلهما يدعو ذلك إلى وقوع شيء آخر مما يفسد صومهما، فلذلك قال في حقهما: "أفطرا".
فإذا كان معنى كل من الحديثين على ما ذكرنا لا يكون بينهما تضادة لأن شرط التضاد اتحاد المحل، فهذا أولى ما يحمل عليه حتى يرتفع التضاد والخلاف والله أعلم.
ص: وأما حديث عمر بن حمزة فليس أيضًا في إسناده كحديث بكير الذي قد ذكرنا؛ لأن عمر بن حمزة ليس مثل بكير بن عبد الله في جلالته وموضعه من العلم وإتقانه، مع أنهما لو تكافئا لكان حديث بكير أولاهما؛ لأنه قول من رسول الله عليه السلام في اليقظة وذلك قول قد قامت به الحجة على عمر، وحديث عمر بن حمزة إنما هو على قول حكاه عن رسول الله عليه السلام في النوم، وذلك ما لا تقوم به الحجة، فما تقوم به الحجة أولى مما لا تقوم به الحجة.
ثم هذا ابن عمر رضي الله عنه قد حدَّث عن أبيه بما حكاه عمر بن حمزة في حديثه، ثم قال بعد أبيه بخلاف ذلك.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن مُورِّق، عن ابن عمر:"أنه سئل عن القبلة للصائم، فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب".
فدل ذلك أن هذا كان عنده أولى مما حدث به عمر مما ذكره عمر بن حمزة في حديثه.
ش: هذا جواب عن حديث عمر بن حمزة الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن حديث عمر بن حمزة لا يعادل حديث بكير بن عبد الله بن الأشج الذي احتجت به أهل المقالة الثانية؛ لأن عمر بن حمزة لا يلحق بكيرًا في جلالة قدره وإتقانه وضبطه، وإن كان عمر بن حمزة أيضًا قد روى له مسلم على أن يحيى بن معين قد ضعفه، وقال ابن حزم فيه: لا شيء.
قوله: "مع أنهما
…
إلى آخره" جواب آخر، بيانه: أن عمر بن حمزة وبكير بن عبد الله لو سلمنا أنهما تكافئا -يعني تساويا- في الصفات المذكورة وتعادلا في الرواية، ولكن حديث بكير أولى بالعمل؛ لأنه قول من رسول الله عليه السلام في حالة اليقظة، ورواية عمر بن حمزة قول حكاه عن رسول الله عليه السلام في النوم وذلك مما لا تقوم به الحجة، فلذلك قال ابن حزم: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات، وقد أفتى رسول الله عليه السلام عمر رضي الله عنه في اليقظة بإباحة القبلة للصائم، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام.
قوله: "ثم هذا ابن عمر
…
إلى آخره" جواب آخر، بيانه: أن عبد الله بن عمر قد حدث عن أبيه عمر رضي الله عنه بما رواه حمزة بن عمر، عن سالم، عنه، عن أبيه عمر، ثم قال بعد أبيه عمر بخلاف ذلك.
وهو ما أخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي- اسمه محمَّد بن ميمون السكري روى له الجماعة، عن مورق العجلي أبي المعتمر البصري الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن عمر
…
إلى، آخره.
وأخرج البيهقي في "سننه"(1): من حديث محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن:"أن فتًى سأل ابن عمر عن القبلة وهو صائم، فقال: لا، فقال شيخ عنده: لم تحرج الناس وتضيِّق عليهم؟! والله ما بذلك بأس. قال: أما أنت فَقَبّلْ؛ فليس عند استك خير".
قوله: "فدل هذا" أي ما روي عن ابن عمر بعد أبيه كان عنده أولى مما حدث به عمر بن الخطاب مما ذكره عمر بن حمزة في حديثه ذلك.
وإلى هذا ذهب جماعة من الفقهاء، فقالوا: تباح القبلة للصائم إذا كان شيخا، وتكره إذا كان شابًا.
ص: وأما ما قد احتجوا به من قول ابن مسعود رضي الله عنه فإنه قد روي عنه خلاف ذلك.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن حكيم بن جابر قال:"كان ابن مسعود رضي الله عنه يباشر امرأته وهو صائم".
فقد تكافأ هذا الحديث وما روى الهِزْهاز عن عبد الله.
ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى، من قول عبد الله بن مسعود حين سئل عن القبلة للصائم فقال:"يقضي يوما آخر"، بيانه: أن هذا معارض بما روي عنه أيضًا على خلاف ذلك.
وهو ما أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي، عن حكيم بن جابر الأحمسي
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم (2): من طريق الشعبي، عن عمرو بن شرحبيل:" أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يباشر امرأته بنصف النهار وهو صائم"، ثم قال: وهذا أصح
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 232 رقم 7879).
(2)
"المحلى"(6/ 212).
طريق عن ابن مسعود، فإذا كان كذلك فقد تساوى حديثاه، وهو معنى قوله:"فقد تكافأ هذا الحديث وما روى الهِزْهاز" وهو هانئ عنه، فإذا تكافئا لم يبق لأحد من أهل المقالتين أن يحتج بشيء من ذلك؛ لأن أحدًا من أهل المقالتين إذا احتج بأحد الحديثين على الآخر؛ فالآخر أيضًا يحتج عليه بالآخر.
ص: وأما ما ذكروه من حديث سعيد- يعني ابن المسيب أنه ينقص صومه، فإن ما روي عن رسول الله عليه السلام من تشبيهه ذلك بالمضمضة أولى من قول سعيد.
ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى أيضًا من قول سعيد بن المسيب أنه ينقص صومه، بيانه: أن ما روي عن النبي عليه السلام من أنه شبه القبلة بالمضمضة في الصوم أولى بالعمل وأحق بالقبول من قول سعيد بن المسيب؛ لأنه ليس لأحد كلام مع كلام صاحب الشرع.
فإن قيل: لم يجب الطحاوي عما روي عن عمر رضي الله عنه: "لأن أعض على جمرة أحب إلى من أن أُقَبِّلَ وأنا صائم".
قلت: كأنه قد اكتفى بما أجاب به عن حديثه الآخر، ونقول أيضًا: هذا معارض بما رواه عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تقبله امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو وهو صائم، فلا ينهاها".
أخرجه ابن حزم (1).
فدل هذا على أن ما روي عن عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك إنما هو في حق من لا يملك نفسه، ولا يأمن عن الإنزال.
ص: ثم قال بذلك جماعة من أصحاب رسول الله عليه السلام مما سنذكر ذلك عنهم في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ش: أي ثم قال بإباحة القبلة للصائم جماعة من الصحابة رضي الله عنهم على ما يجيء بيانه في آخر الباب، وهذا كجواب ثانٍ عن ما روي عن عمر وابن مسعود من كراهة
(1)"المحلى"(6/ 211).
القبلة للصائم، يعني وإن كان قد روي عن هذين من كراهة ذلك، فقد روي عن جماعة من الصحابة غيرهما إباحة ذلك، والأخذ بما جاء عن الجماعة أولى؛ فافهم.
ص: وقد جاءت الآثار عن رسول الله عليه السلام متواترة بأنه كان يقبل وهو صائم، فمن ذلك:
ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس:"أن النبي عليه السلام كان يصيب من الرءوس وهو صائم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، قال: ثنا عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام مثله.
ش: أي قد جاءت الأحاديث عن النبي عليه السلام متكاثرة، بأنه عليه السلام كان يُقبِّل والحال أنه صائم.
فمن ذلك ما أخرجه عن ابن عباس من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح
…
إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا زهير بن محمَّد، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس:"أن النبي عليه السلام كان يصيب من الرءوس".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا بهذا اللفظ، ولا نعلم له طريقا أحسن من هذا الطريق.
ورواه عاصم بن هلال، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخطأ فيه، والصحيح عن عبد الله بن شقيق.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- ابن الوليد الرقام القطان البصري شيخ البخاري.
عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى
…
إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق (1): عن معمر، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، وهو: أحمد بن خالد، قال: أنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنهما:"إن رسول الله عليه السلام كان يقبلها وهو صائم".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن فروخ، قال:"أتت أم سلمة امرأة فقالت: إن زوجي يقبلني وأنا صائمة، فقالت: كان رسول الله عليه السلام يقبلني وهو صائم وأنا صائمة".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة المخزومية -ربيبة النبي عليه السلام وكان اسمها بَرة- فسماها رسول الله عليه السلام زينب.
وأخرجه البخاري (2) مطولا: ثنا مسدد، نا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها
…
الحديث، وفي آخره:"كان يقبلها وهو صائم"
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العَبْسي الكوفي شيخ البخاري، عن طلحة بن يحيى بن طلحة المدني نزيل الكوفة، روى له
(1)"مصنف عبد الرزاق"(4/ 183 رقم 7407).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 681 رقم 1828).
الجماعة سوى البخاري، عن عبد الله بن فروخ القرشي مولى آل طلحة بن عبيد الله، وثقه ابن حبان.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى، حدثني عبد الله بن فروخ، أن امرأة سألت أم سلمة فقالت:"إن زوجي يقبلني وأنا صائمة فما ترين؟ قالت: كان رسول الله عليه السلام يقبلني وهو صائم وأنا صائمة".
وأخرجه النسائى (2) أيضًا.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: أنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح، عن شتير بن شكل، عن حفصة بنت عمر- رضي الله عنها، عن النبي عليه السلام:"أنه قبل وهو صائم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن مسلم
…
فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن سليمان الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح -بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- أبي الضحى الكوفي، روى له الجماعة.
عن شُتَيْر -بضم الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- بن شكل العبسي الكوفي روى له الجماعة، البخاري في "الأدب".
وأخرجه مسلم (3): ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب -قال
(1)"مسند أحمد"(6/ 320 رقم 26762).
(2)
"السنن الكبرى"(2/ 203 رقم 3074).
(3)
"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1107).
يحيى: أنا وقال الآخران-: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن شُتَيْر بن شكل، عن حفصة قالت:"كان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور بن المعتمر، عن مسلم بن صُبَيْح، عن شتير
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1) أيضًا بهذا الإسناد: عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور
…
إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (2) أيضًا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي أن علي بن الحسين أخبره، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي عليه السلام كان يقبلها وهو صائم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن عائشة مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام
…
فذكر بإسناده مثله.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1107).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 538 رقم 1685).
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، قال: ثنا القاسم، عن عائشة مثله، وزاد:"وكانت تقول: وأيكم أملك لأربه من رسول الله عليه السلام".
حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: ثنا سفيان، قلت لعبد الرحمن بن القاسم:"أحدثك أبوك، عن عائشة أن رسول الله عليه السلام كان يقبلها وهو صائم؟ قال: فطأطأ رأسه واستحى قليلا وسكت، ثم قال: نعم".
حدثنا محمَّد بن عبد الله -هو ابن ميمون البغدادي- قال: ثنا الوليد -هو ابن مسلم- قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى، قال: ثنا أبو سلمة، عن عائشة رضي الله عنها:"أن رسول الله عليه السلام كان يقبلها وهو صائم".
حدثنا يونس، قال: ثنا بشر-هو ابن بكر- قال: ثنا الأوزاعي
…
فذكر مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: ثنا أبو سلمة، أن عائشة قالت:
…
فذكر مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال:"جمع له أبي أهلي في رمضان فأدخلهم علي، فدخلت على عائشة فسألتها عن القبلة -يعني للصائم- فقالت: ليس بذلك بأس، قد كان مَن هو خير الناس يُقبِّلُ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أسد، قال: ثنا يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة:"أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبيد الله بن معمر، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت:"أراد النبي عليه السلام أن يقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبلني".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود، عن عائشة قالت:"ما كان رسول الله عليه السلام يمتنع من وجوهنا وهو صائم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود قال:"انطلقت أنا وعبد الله بن مسعود إلى عائشة نسألها عن المباشرة، ثم خرجنا ولم نسألها، فرجعنا فقلنا: يا أم المؤمنين، أكان رسول الله عليه السلام يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، وكان أملككم لإربه".
فسؤال عبد الله عائشة رضي الله عنها عن هذا دليل على أنه لم يكن عنده في ذلك شيء عن رسول الله عليه السلام حتى أخبرته به عائشة عنه؛ فدل ذلك على أن ما روي عنه مما قد وافق ذلك كان متأخرًا عما روي عنه مما خالف ذلك.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق، قالا:"سألنا عائشة: كان رسول الله عليه السلام يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملك لإربه منكما -أو لأمره- الشك لأبي عاصم".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع، عن حُريث بن عمرو، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها من قالت:"ربما قبلني رسول الله عليه السلام وباشرني وهو صائم، وأما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شيبان أبو معاوية، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون قال:"سألنا عائشة عن الرجل يقبل وهو صائم، فقالت: كان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرني إسرائيل، عن زياد، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة، قالت: كان رسول الله عليه السلام يقبلني وأنا صائمة".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: ثنا موسى بن عُلَيّ، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص قال: "بعثني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة زوج النبي عليه السلام -فقال: سلها أكان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم؟ فقالت: لا، فقلت: إن عائشة رضي الله عنها تخبر الناس أنه كان يقبل وهو صائم، فقالت: لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حبًّا، أما إياي فلا".
وقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله عليه السلام أنه كان يقبل وهو صائم، فدل ذلك أن القبلة غير مفطرة للصائم.
ش: هذه عشرون طريقا في حديث عائشة رضي الله عنها:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- استشهد به البخاري، واحتج به الأربعة.
عن أبيه عبد الله بن ذكوان روى له الجماعة، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم روى له الجماعة.
وهذا إسناد حسن جيد.
وأخرجه أحمد (1) في "مسنده": ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن علي بن حسين، عن عائشة:"أن رسول الله عليه السلام كان يقبل وهو صائم".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن عائشة.
(1)"مسند أحمد"(6/ 215 رقم 25842).
وأخرجه مسلم (1): ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن علي ابن الحسن بن علي، عن عائشة:"أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز أبي الحسن البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه مسلم (2): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى
…
إلى آخره نحوه.
الرابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبيد بن إسماعيل، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي عليه السلام كان يقبل بعض نسائه وهو صائم ثم تضحك".
ورواه أيضًا مالك (3) عن هشام.
الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وهو أيضًا صحيح.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1106).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1106).
(3)
"موطأ مالك"(1/ 292 رقم 642).
وأخرجه الدارمي في "سننه"(1): أنا حجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:"أن رسول الله عليه السلام كان يقبل وهو صائم".
السادس: أيضًا صحيح.
وأخرجه مسلم (2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، عن عبد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله عليه السلام يملك إربه".
قوله: "لأملك لإربه" أي لحاجته، يعني أنه كان غالبا لهواه.
قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان:
أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها: الأَرَب والأَرْب والإِرْبة والمأْرُبَة.
والثاني: يراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، وقال القاضي عياض: رويناه بكسر الهمزة والسكون عند أكثرهم ومعناه: وطره، قال الله عز وجل:{غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} (3) الذين لا رغبة لهم ولا حاجة لهم في النساء، والإربة أيضًا العضو.
قال الخطابي: كذا رواه أكثرهم، وإنما هو "لأَرَبه" أي وطره.
السابع: أيضًا صحيح: عن إسماعيل بن يحيى بن المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة
…
إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "المعرفة"(4): أنا أبو إسحاق الفقيه، قال: أنا شافع بن
(1)"سنن الدارمي"(2/ 21 رقم 1722).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 777 رقم 1106).
(3)
سورة النور، آية:[31].
(4)
"معرفة السنن والآثار"(3/ 382 رقم 2497).
محمَّد، قال: أنا أبو جعفر، قال: ثنا المزني قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان، قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم
…
إلى آخره نحوه.
ورواه مسلم (1) في "الصحيح": عن علي بن حُجْر وغيره، عن سفيان.
الثامن: عن محمَّد بن عبد الله شيخ أبي داود أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه مسلم (2) نحوه، ولكن عن أبي سلمة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.
التاسع: أيضًا صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وأخرجه البيهقي (3) نحوه.
العاشر: أيضًا صحيح: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن عائشة.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(4): ثنا حجاج، نا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله عليه السلام قبلها وهو صائم.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 776 رقم 1106).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1106).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 233 رقم 7883).
(4)
"مسند أحمد"(6/ 223 رقم 25909).
الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن الوليد الرقام شيخ البخاري.
عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر
…
إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الثاني عشر: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن أسد المصري ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، نا يحيى بن حسان، نا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة:"أن رسول الله عليه السلام كان يقبل وهو صائم".
وهذا الحديث لا نعلم رواه من حديث يحيى عن عمرة إلا الليث، ولا عن الليث إلا يحيى بن حسان، ولم نسمعه إلا من الحسن وكان ثقة مأمونًا.
الثالث عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن طلحة بن عبيد الله، وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي.
عن عائشة رضي الله عنها.
وهؤلاء كلهم رجال "الصحيح" ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن سعد بن
(1)"سنن أبي داود"(2/ 311 رقم 2384).
إبراهيم، عن طلحة بن عبيد الله -يعني ابن عثمان القرشي- عن عائشة قالت:"كان رسول الله عليه السلام يقبلني وهو صائم وأنا صائمة".
الرابع عشر: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن عمر بن أبي زائدة زكرياء الهمداني الثقة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو عاصم، نا عمر بن أبي زائدة، حدثني أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت:"ما كان رسول الله عليه السلام يمتنع من وجهي وهو صائم، وما مات حتى كانت أكثر صلاته قاعدًا إلا الصلاة المكتوبة، وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه الإنسان وإن كان يسيرًا".
الخامس عشر: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري روى له الجماعة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي.
وأخرج البخاري (1): عن سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة:"كان النبي عليه السلام يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
وأبو داود (2): نا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة- رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه".
وأخرج البيهقي (3): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أن علقمة
(1)"صحيح البخاري"(2/ 680 رقم 1826).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 311 رقم 2382).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 229 رقم 7864).
وشريحًا النخعي كانا عند عائشة فقال أحدهما لصاحبه: سلها عن القبلة للصائم، فقال: ما كنت لأرفث عند أم المؤمنين، فقالت:"كان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
وأخرجه النسائي (1) نحوه: عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن شعبة رحمه الله به.
قوله: "فسؤال عبد الله عائشة رضي الله عنها
…
إلى آخره" إشارة إلى الجواب عما روي عن ابن مسعود في القبلة للصائم من قوله: "يقضي يوما آخر" وقد تقدم في أول الباب في معرض احتجاج أهل المقالة الأولى، بيانه: أن عبد الله بن مسعود سأل عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث عن مباشرة الصائم، فدل ذلك على أنه لم يكن عنده علم من ذلك عن رسول الله عليه السلام إذ لو كان له علم من ذلك لما سألها فدل ذلك على أن قوله في حديثه الذي تقدم: "يقضي يومًا آخر" كان متقدما على سؤاله هذا؛ إذ لو كان متأخرا لم يعد السؤال، فإذا كان متقدمًا وسؤاله متأخرًا دل على أنه قد ترك ذلك القول ورجع إلى ما أجابت به عائشة رضي الله عنها.
السادس عشر: عن إبراهيم بن مرزوق
…
إلى آخره.
وأخرجه مسلم (2): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: سمعت ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: انطلقت أنا ومسروق إلى عائشة، فقلنا لها:"أكان رسول الله عليه السلام يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملككم لإربه- أو من أملككم لإربه، يشك أبو عاصم".
السابع عشر: عن أبي بشر الرقي عبد الملك بن مروان، عن شجاع بن الوليد السكوني، عن حُريث بن عمرو -وهو حريث بن أبي مطر- الفزاري أبي عمرو الحنَّاط -بالنون- الكوفي فيه مقال، فقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: متروك،
(1)"السنن الكبرى"(2/ 206 رقم 3088).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 777 رقم 1106).
وعنه: ليس بثقة. وقال ابن معين: لا شيء. استشهد به البخاري في الأضاحي، وروى له الترمذي وابن ماجه.
وهو يروي عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع.
وأخرجه البزار في "مسنده" مختصرًا: ثنا معمر بن سهل، نا عامر بن مدرك، نا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم.
الثامن عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن شيبان بن عبد الرحمن أبي معاوية النحوي روى له الجماعة، عن زياد بن علاقة بن مالك التغلبي أبي مالك الكوفي روى له الجماعة، عن عون بن ميمون الأودي أبي يحيى الكوفي روى له الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: نا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة قالت:"كان النبي عليه السلام يقبل في شهر الصوم".
وكذا أخرجه مسلم (2) والترمذي (3) وقال: حديث حسن صحيح.
التاسع عشر: أيضًا صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء
…
إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(4): ثنا حماد بن خالد الخياط، ثنا أبو بكر النهشلي، وأبو المنذر قال: حدثني أبو بكر، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن
(1)"سنن أبي داود"(2/ 311 ر قم 2383).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 778 رقم 1106).
(3)
"جامع الترمذي"(3/ 106 رقم 727).
(4)
"مسند أحمد"(6/ 256 رقم 26233).
عائشة رضي الله عنها: "أن النبي عليه السلام كان يقبل وهو صائم -ثم قال أبو المنذر- في رمضان".
وأخرجه ابن ماجه أيضًا (1).
العشرون: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن عُلَيّ -بضم العين وفتح اللام- أبي عبد الرحمن المصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبيه عُلَيّ بن رباح اللخمي المصري روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثابت مولى عمرو بن العاص، روى له الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): عن عبد الرحمن بن مهدي، عن موسى -يعني ابن عُلَيّ- عن أبيه، عن أبي قيس قال: "أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة
…
" إلى آخره نحوه.
قوله: "وقد تواترت" أي تكاثرت هذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب عن رسول الله عليه السلام أنه كان يقبل والحال أنه صائم، فدل ذلك على أن التقبيل لا ينقض الصوم ولا يضر الصائم، وهذه حجة على مَن يخالف ذلك، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: كان ذلك مما خُص به رسول الله عليه السلام، ألا ترى إلى قول عائشة رضي الله عنها:"وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله عليه السلام".
قيل له: إن قول عائشة رضي الله عنها هذا إنما هو على أنها لا تأمن عليهم ولا يأمنون على أنفسهم ما كان رسول الله عليه السلام يأمنه على نفسه؛ لأنه كان محفوظًا.
والدليل على أن القبلة عندها لا تفطر الصائم ما قد روينا عنها أنها قالت: "فأما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف"، أرادت بذلك أنه لا يخاف من إربه، فدل
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 537 رقم 1683).
(2)
"مسند أحمد"(6/ 296 رقم 26575).
ذلك على أن مَن لم يخف من القبلة وهو صائم شيئًا أخر وأمن على نفسه؛ أنها له مباحة، وقد ذكرنا عنها في بعض هله الآثار أنها سئلت عن القبلة للصائم فقالت جوابًا لذلك السائل:"كان رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم"، فلو كان حكم رسول الله عليه السلام في ذلك عندها خلاف حكم غيره من الناس إذا لما كان ما علمته من فعل النبي عليه السلام جوابًا لما سئلت عنه من فعل غيره، وقد سألها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما جمع له أبوه أهله في شهر رمضان عن مثل ذلك فقالت:"كان رسول الله عليه السلام يفعل ذلك"، وهذا عندنا لأنها كانت تأمن عليه، فدل ما ذكرنا على استواء حكم رسول الله عليه السلام وسائر الناس عندها في حكم القبلة إذا لم يكن معها الخوف على ما بعدها مما تدعو إليه، وهو أيضًا في النظر كذلك؛ لأنا قد رأينا الجماع والطعام والشراب قد كان ذلك كله حرامًا على رسول الله عليه السلام في صيامه كما هو حرام على سائر أمته في صيامهم، ثم هذه القبلة قد كانت لرسول الله عليه السلام حلالًا في صيامه؛ فالنظر على ما ذكرنا أن تكون أيضًا حلالًا لسائر أمته في صيامهم أيضًا، ويستوي حكمه وحكمهم فيها كما يستوي في سائر ما ذكرنا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن القبلة في الصيام كانت مخصوصة للنبي عليه السلام، والدليل عليه قول عائشة:"وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله عليه السلام" فلا تجوز لغيره حتى لو قبَّل وهو صائم ينقض صومه.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم دعوى الخصوصية، وقول عائشة ذلك لا يدل عليها، بل إنما قالت ذلك لأنها ما كانت تأمن عليهم لكونهم غير محفوظين، فلا يأمنون على أنفسهم، بخلاف رسول الله عليه السلام فإنه كان محفوظًا.
والدليل على أن القبلة لا تفطر الصائم عندنا قولها: "أما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف".
أرادت بهذا القيد أنه لا يخاف من إربه لضعف شهوته، فدل ذلك على أن كل من لم يخف من القبلة والحال أنه صائم شيئًا آخر مما يفسد صومه أنها له مباحة حتى إذا خاف شيئًا آخر من ذلك يكره له ذلك.
وقال ابن حزم: وقال قوم: هي خصوص للنبي عليه السلام، فمن ادعى أنه خصوص له عليه السلام فقد قال الباطل، ثم روى حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار الآتي ذكره عن قريب، وفيه:"إني لأتقاكم لله عز وجل وأعلمكم بحدوده".
قال فهذا الخبر يكذب قول من ادعى في ذلك الخصوص له عليه السلام لأنه أفتى بذلك عليه السلام من استفتاه.
وقال أبو عمر: هذا دليل على أن الخصوص لا يجوز ادعاؤه عليه بوجه من الوجوه إلا بدليل مجتمع عليه، وقال عليه السلام:"إنما بعثت معلمًا مبشرًا، وبعثت رحمة مهداة" عليه السلام.
قوله: "وقد ذكرنا عنها" أي: عن عائشة رضي الله عنها
…
إلى آخره، وهو ظاهر.
وذكر هذا أيضًا لإبطال دعوى الخصوص، ولاستواء حكم رسول الله عليه السلام وحكم سائر الناس عند عائشة في حكم القبلة إذا لم يكن ثمة خوف مما يفسد الصوم.
قوله: "وهو أيضًا في النظر كذلك" أي الاستواء المذكور أيضًا كذلك في القياس والنظر، وهو ظاهر أيضًا.
ص: وقد روي عن النبي عليه السلام ما يدل على استواء حكمه وحكم أمته في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن رجلًا قبَّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي عليه السلام فذكرت ذلك لها، فاخبرتها أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله عليه السلام كان يقبِّل وهو صائم، فرجعت فأخبرت بذلك زوجها، فزاده شَرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله عليه السلام يُحل الله لرسوله ما شاء، ثم رجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عليه السلام عندها فقال رسول الله عليه السلام: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أَخْبَرتِها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها
فأخبرته فزاده شَرًّا وقال: يُحل الله لرسوله ما يشاء، فغضب رسول الله عليه السلام وقال:"إني لأتقاكم لله عز وجل، وأعلمكم بحدوده".
فدل ذلك على ما ذكرنا.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي: قد روي عن النبي عليه السلام ما يدل على أن حكمه عليه السلام وحكم أمته متساويان في حكم القبلة في الصوم؛ لأن فعل الرسول عليه السلام كله يَحْسُنُ التأسي به فيه على كل حال؛ إلا أن يخبر أن ذلك له خاصة، أو ينطق القرآن بذلك وإلا فالاقتداء به أقل أحواله أن يكون مندوبًا إليه في جميع أفعاله، ومن أهل العلم من رأى أن أفعاله واجب الاقتداء فيها كوجوب أوامره.
وأخرجه بإسناد صحيح ولكنه مرسل.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم
…
إلى آخره نحوه.
وقال أبو عمر: هذا الحديث مرسل عند جميع رواة "الموطأ" عن مالك، وهذا المعنى أن رسول الله عليه السلام كان يقبل وهو صائم صحيح من حديث عائشة وأم سلمة وحفصة رضي الله عنهن: يروى عنهن كلهن، وعن غيرهن، عن النبي عليه السلام من وجوه ثابتة.
ومما يستفاد منه: جواز القبلة للصائم في رمضان وغيره؛ شابًّا كان أو شيخًا على عموم الحديث وظاهره؛ لأنه عليه السلام لم يقل للمرأة: هل زوجك شيخ أو شاب؟ وهو المبُيِّنُ عن الله مراده من عباده.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(4/ 184 رقم 7412).
وفيه: إيجاب العمل بخبر الواحد الثقة ذكرًا كان أو أنثى، وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث.
قال أبو عمر: ومن خالف ذلك فهو عند الجميع مبتدع، والله أعلم.
ص: وقد روي عن المتقدمين في ذلك:
ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، عن سعد بن أبي وقاص، وسأله رجل:"أتباشر وأنت صائم؟ فقال: نعم".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار:"أن عبد الله بن عباس سئل عن القُبلة للصائم، فرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي النضر، أن عائشة بنت طلحة أخبرته:"أنها كانت عند عائشة زوج النبي عليه السلام فدخل عليها زوجها عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم وهو صائم، فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ فقالت له عائشة: نعم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال أنه قال:"سألت عائشة رضي الله عنها ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها".
فهذه عائشة تقول فيما يحرم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذكرنا، فدل ذلك على أن القبلة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه، ولكنه لا يأمن إذا فعلها منْ أن تغلبه شهوته حتى يقع فيما يحرم عليه.
ش: أيْ: قد روي عن الصحابة والتابعين في حكم القبلة للصائم.
وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهم في أن حكمها الإباحة، وأخرج عن ثعلبة بن صعير وعلي بن أبي طالب في أن حكمها [....](1).
أما أثر سعد بن أبي وقاص فأخرجه بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التنيسي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن سالم بن عبد الله النصري -بالنون والصاد المهملة- وهو سالم سَبَلان، وهو سالم الدوسي، وهو سالم مولى المهري، وهو سالم مولى دوس، وهو سالم مولى النصريين، وهو سالم مولى، مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال أبو حاتم: شيخ. روى له مسلم والأربعة غير الترمذي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي:"قال رجل لسعد: يا أبا إسحاق، أتباشر وأنت صائم؟ قال: نعم، وآخذ بجهازها".
وأخرجه ابن حزم (3)، وفي لفظه: قال: نعم، وأقبض على متاعها.
وأما أثر ابن عباس فكذلك أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه"(4).
وقال أبو عمر في "شرحه": وكره مالك القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب، ولم يذهب فيها إلى ما رواه عن زيد بن أسلم هذا.
وفي "شرح المهذب": عن مالك إباحة القبلة في النفل دون الفرض، ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا أن ينزل بالقبلة.
(1) طمس في "الأصل، ك" ولعل موضعها: الكراهة كما سيأتي.
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 317 رقم 9429).
(3)
"المحلى"(6/ 212).
(4)
"موطأ مالك"(1/ 293 رقم 648).
وأما أثر عائشة رضي الله عنها فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك عن أبي النضر -واسمه سالم- بن أبي أمية القرشي التيمي روى له الجماعة، عن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية المدنية- وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم، وذلك بعد أن مات زوجها ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق روى لها الجماعة.
وأخرجه عبد الرزاق (1): عن مالك
…
إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي مرة -اسمه يزيد- مولى عقيل بن أبي طالب روى له الجماعة، عن حكيم بن عقال العجلي البصري وثقه ابن حبان.
وبنحو ذلك أخرج ابن حزم في "المحلى"(2): من طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن مسروق قال:"سألت عائشة أم المؤمنين: ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ فقالت: كل شيء إلا الجماع".
ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أن أبي مريم، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن صعير العذري -هكذا قال ابن أن أبي مريم، وكان رسول الله عليه السلام قد مسح وجهه- أنه أخبره:"أنه سمع أصحاب رسول الله عليه السلام ينَهون الصائم عن القُبلة، ويقولون: إنها تجر إلى ما هو أكثر منها".
فقد بيَّن في هذا الحديث المعنى الذي من أجله كرهها مَن كرهها للصائم، وأنه إنما هو خوفهم عليه منها أن تجره إلى ما هو أكثر منها. فذلك دليل على أنه إذا ارتفع ذلك المعنى الذي من أجله منعوه منها؛ أنها له مباحة.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(4/ 183 رقم 7411).
(2)
"المحلى"(6/ 211).
ش: أخرج هذا ليعلم أن من منع الصائم عن القبلة من الصحابة والتابعين لم يكن منعهم على الإطلاق، وإنما كان ذلك إذا كانت يخاف منها شيء آخر مما يفسد الصوم، ألا ترى أن ثعلبة بن صعير قد أخبر أنه سمع أصحاب رسول الله عليه السلام ينهون الصائم عن القبلة ويقولون: إنها -أي إن القبلة- تجر ما هو أكثر منها وهو الجماع؟.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ثعلبة بن صُعَيْر -بضم الصاد وفتح العين المهملتين- ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعير وعداده، في الصحابة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، قال:"رأيت أصحاب رسول الله عليه السلام وهم ينهون عن القبلة للصائم".
ص: وقد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي العطار، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه قال:"سأل عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن قبلة الصائم، فقال علي رضي الله عنه: يتقي الله ولا يعود، فقال عمر رضي الله عنه: إن كانت هذه لقريبة من هذه".
فقول علي رضي الله عنه: "يتقى الله ولا يعود"، يحتمل: ولا يعود لها ثانية أي: لأنها مكروهة من أجل صومه، ويحتمل:"ولا يعود" أي: لا يقبل مرة بعد مرة فيكثر ذلك منه، فتتحرك له شهوته، فيخاف عليه من ذلك مواقعة ما حرم الله عليه.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 316 رقم 9425).
وقول عمر رضي الله عنه: "هذه قريبة من هذه" أي: أن هذه التي كرهتها له قريبة من التي أبحتها له، وأن هذه التي أبحتها له قريبة من التي كرهتها له، فلا دلالة في هذا الحديث، ولكن الدلالات فيما تقدمه مما قد ذكرناه قبله.
ش: أخرج هذا ليبين تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله في الذي قبَّل في الصوم: يتقي الله ولا يعود، وهو ظاهر.
وأخرجه بإسناد صحيح: محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن هشام بن إسماعيل بن يحيى الحنفي أبي عبد الملك الدمشقي العطار شيخ البخاري في غير "الصحيح"، وثقه النسائي والعجلي، وروى له من الأربعة غير ابن ماجه.
عن مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي روى له الجماعة، عن أبي حيَّان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، روى له الجماعة، عن أبيه سعيد بن حيان التيمي الكوفي وثقه ابن حبان، روى له الترمذي حديثًا، وأبو داود آخر.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) نحوه عن شريح القاضي: ثنا حفص، عن عاصم وجرير ووكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن شريح، قال:"سئل عن القبلة للصائم، فقال: يتقي الله ولا يعود".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 316 رقم 9416).