الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الخيل السائمة هل فيها صدقة أم لا
؟
ش: أي: هذا باب في بيان أن الخيل السائمة هل تجب فيها الزكاة أم لا؟
الخيل اسم جنس يتناول سائر الأصناف من هذا الحيوان الصاهل، واشتقاقه من الخيلاء، كما أن الفرس اشتقاقه من الفَرْس وهو الكسر.
قال الجوهري: الفرس يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى: فرسة.
والسائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فليست بسائمة؛ لأن أربابها لا بد لهم من العلف أيام الثلج والشتاء، فاعتبر الأكثر ليكون غالبًا.
وعند الشافعي: إذا علفها ثلاثة أيام ينقطع السوم، وعند مالك: لا يشترط السوم في المواشي.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الخيل فقال: في لثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها
…
".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا، حدثه عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، غير أنه قال:"ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها" فقط.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم
…
فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن معلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري والكجي، عن عبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ البصري روى له الجماعة، عن سهيل بن أبي صالح روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، عن أبيه أبي صاح ذكوان الزيات روى له الجماعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (1) مطولًا: عن محمَّد بن عبد الملك الأموي، عن عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِن صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه
…
" الحديث.
وفيه: "وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا ولا يَنْسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها".
وأخرجه البزار أيضًا مطولًا جدًّا: ثنا أحمد بن أبان، نا عبد العزيز بن محمَّد، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به وبماله فأحمي عليه صفائح في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجبينه وظهره حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار [ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا جيء به وبإبله على أوفر ما كانت فيبطح بقاع قرقرٍ فتسير عليه كلما مضى أخراها رُدَّ أولاها حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار](2) ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أُتي به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقرٍ فتسير عليه كلما مضى عنه آخرها رُدَّ عليه أولاها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، حتى يحكم الله تبارك وتعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 682 رقم 987).
(2)
تكررت في "الأصل".
قالوا: يا رسول الله والخيل؟ قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلي يوم القيامة.
والخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر.
أما التي هي له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله ويعدها له هي له أجر لا يغيب في بطونها شيء إلا كتب له به أجر، ولو عرض له مرج أو مَرْجان فرعاها فيه كتب له بما غيبت، ولو استنَّت شرفًا أو شرفين كتب له بكل خطوة أجر، ولو عرض له نهر فسقاها كانت له بكل قطرة غُيبت في بطونها منه أجر، حتى إنه ذكر الأجر في أرواثها وأبوالها.
وأما التي هي ستر فالذي يتخذها تعففًا وتجملا وتسترًا ولا يحبس حق ظهورها وبطونها في يسرها وعسرها.
وأما التي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرًا وبطرًا ورئاء الناس ويبذخ عليها.
قالوا: يا رسول الله، الحُمُر؟ قال: ما أنزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (1) ".
الثانى: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (2): عن سويد بن سعيد، عن حفص، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوه مطولًا وفيه:"وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر".
الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(1) سورة الزلزله، آية:[7، 8].
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 680 - 681 رقم 987).
وأخرجه مسلم (1) أيضًا: عن يو نس، عن ابن وهب
…
إلى آخره نحوه.
وهذا الإسناد شارك الطحاوي فيه مسلما؛ فإن كلًّا منهما أخرج عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (2) أيضًا.
قوله: "تكرمًا وتجملًا" منصوبان على التعليل أي: لأجل التكرم والتجمل.
قوله: "ولا يَنْسى حق ظهورها وبطونها" تعلق به أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في الخيل. وقال مَن لم يَرَ فيها الزكاة: إن المراد بذلك الحمل عليها في سبيل الله، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.
قوله: "ولم يَنْس حق الله في رقابها" قال أبو عمر: للعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قالت طائفة: معناه حسن ملكتها، وتعهد شبعها، والإحسان إليها، وركوبها غير مشقوق عليها، وخص رقابها بالذكر؛ لأن الرقاب والأعناق تستعار كثيرًا في مواضع الحقوق اللازمة والفروض الواجبة، ومنه قوله تعالى،:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (3).
وقالت طائفة: معناه إطراق فحلها وإقفار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله، وإلي هذا ذهب ابن نافع.
وهذا مذهب مَن قال: هل في المال حقوق سوى الزكاة. وممن قال ذلك: مجاهد والشعبي والحسن.
وقالت طائفة: معناه الزكاة الواجبة فيها، وهو قول أبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان رحمهم الله.
قوله: "صفائح" جمع صفيحة، من صفحت الشيء إذا بسطته.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 682 رقم 987).
(2)
"صحيح البخاري"(2/ 835 رقم 2242).
(3)
سورة النساء، آية:[92].
و "القاع": المستوي الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيه الماء، وجمعه: قيعان. وقيل: هي أرض فيها رمل.
و"القرقر": المستوي أيضًا من الأرض المتسع، فعلى هذا يكون ذكره للتأكيد.
و"العقصاء": الملتوية القرنين.
و"الجلحاء": التي لا قرن لها.
قوله: "ولو استنت" أي: جرت وقيل: لجَّت في عدوها إقبالًا وإدبارًا، وقيل: الاستنان يختص بالجري إلى فوق، وقيل: هو المرح والنشاط، وقيل: استنت: رعت، وقيل: الاستنان الجري بغير فارس.
والاستنان في غير هذا الموضع: الاستياك وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها.
قوله: "شرفًا أو شرفين" أي: شوطًا أو شوطين، وقيل: الشرف هنا ما علا من الأرض.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى وجوب الصدقة في الخيل إذا كانت ذكورًا وإناثًا وكان صاحبها يلتمس نسلها، واحتجوا في إيجابهم الزكاة فيها بقول رسول الله عليه السلام:"ولم ينْس حق الله فيها".
قالوا: ففي هذا دليل أن لله فيها حقًّا وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وزفر بن الهذيل رحمهم الله؛ فإنهم قالوا بوجوب الزكاة في الخيل المتناسلة، واحتجوا على ذلك بقوله عليه السلام في الحديث المذكور:"ولم ينْس حق الله فيها"، فهذا دليل أن لله فيها حقًّا وهو كحقه في سائر الأموال الزكوية.
قال البيهقي: هذا لا يدل على الزكاة. وكذا قال الطحاوي على ما يجيء؛ لأنه اختار قول مَن قال بعدم الوجوب فيها.
قلت: بل يدل عليها ظاهر قوله: "ولم ينْس حق الله في رقابها" مع قرينة قوله في أول الحديث الصحيح: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته"، و"ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها"، و"ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها".
وأيضًا فغير الزكاة من الحقوق لا يختلف فيها حكم الحمير والخيل، فافهم.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" بسند جيد (1): عن عمر رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام حديثًا طويلًا وفيه: "فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاء لها ثغاء ينادي: يا محمَّد، يا محمَّد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا فقد بلَّغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمَّد، يا محمَّد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا
…
" الحديث.
وروي أنه ذكر بعيرًا له رغاء، فدل على وجوب الزكاة في هذه الأنواع وليس الذم لكونه غلَّ الفرس أو لم يجاهد عليه؛ لأن الغلول لا يختص بهذه الأنواع، وترك الجهاد بنفسه يذم عليه أكثر مما يذم على تركه بفرسه.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره قال:"رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كان يأخذ من الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر والحجاج بن منهال، قالا: ثنا حماد بن سلمة
…
فذكر بإسناده مثله.
وممن ذهب إلى هذا القول أيضًا أبو حنيفة وزفر رحمهما الله.
(1) ورواه البزار في "مسنده"(1/ 314 رقم 204) مطولًا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهو في "المصنف"(6/ 525 رقم 33530) من حديث أبي هريرة نحوه، وأصله في "الصحيح".
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من وجوب الزكاة في الخيل بأثر عمر بن الخطاب.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد بن مخارق شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن عمه جويرية بن أسماء البصري، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن السائب بن يزيد ابن سعيد الكندي- ويقال: الأسدي، ويقال: الليثي، ويقال: الهذلي- وللسائب هذا ولأبيه صحبة.
وهذا الإسناد على شرط الشيخين.
وأخرجه الدارقطني بنحوه (1): من حديث الزهري: "أن السائب بن يزيد
…
" إلى آخره.
وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثني ابن أخي جويرية، ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري به.
وذكره أبو عمر أيضًا في "التمهيد"(2) ثم قال: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري وغيره.
وصحرج بقي بن مخلد في "مسنده": ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمَّد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن حسين، أن ابن شهاب أخبره، أن السائب ابن أخت نمر أخبره: "أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقات الخيل
…
".
ومن طريقه أخرجه ابن حزم في "المحلى"(3).
(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الدراية"(1/ 255): وروى الدارقطني في "غرائب مالك" بإسناد صحيح عنه عن الزهري
…
فذكره.
(2)
"التمهيد"(4/ 217).
(3)
"المحلى"(5/ 227).
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى"(1): ثنا عبد الله بن الربيع، نا عبد الله بن محمَّد بن عثمان، ثنا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس: "أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من الرأس عشرة ومن
الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة -يعني رأس الرقيق- وعشرة دراهم وخمسة دراهم".
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود، وعن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، كلاهما عن حماد بن سلمة
…
إلى آخره.
و"البرذون": بكسر الباء الموحدة الفرس العجمي، وفي "المطالع": البراذين خيل غير عراب ولا عتاق؛ سميت بذلك من البرذنة وهي الثقالة، يقال: برذن الرجل إذا أثقل. وقال الجوهري: البرذون: الدابة، والأنثى: البرذونة.
قلت: كأنه أخذ هذا من قول الأصمعي: يقال لذوات الحافر وغيرها من البهائم كلها: برذون، وبرذونة. وأنشد الكسائي:
أرَيْتَ إذا جالت بك الخيلُ جولَة
…
وأنت على برذونة غير طائِل (2)
وقالت أعرابية تهجو ضرتها:
تزحزحي عني (3) يا برذونه
…
إن البراذين إذا جرينه
مع العناق (4) ساعةً أعيينه
(1)"المحلى"(5/ 226).
(2)
انظر كتاب "الحيوان" للجاحظ (1/ 916)، و"لسان العرب"(14/ 293).
(3)
في كتاب "الحيوان" للجاحظ (1/ 916): "إليك".
(4)
في كتاب "الحيوان"(1/ 916): "الجياد".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون منهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقالوا: لا صدقة في الخيل السائمة البتة.
ش: أي: خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح ومكحولًا والشعبي والثوري والزهري والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا صدقة في الخيل السائمة أصلًا.
وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به لقولهم من قول رسول الله عليه السلام: "ولم ينس حق الله فيها" أنه قد يجوز أن يكون ذلك حقًّا سوى الزكاة، فإنه قد روي عن رسول الله عليه السلام ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي عليه السلام، قال:"في المال حق سوى الزكاة، وتلا هذه الآية: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} (1) إلى آخر الآية".
فلما رأينا المال قد جعل فيه حق سوى الزكاة، احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره رسول الله عليه السلام في الخيل هو ذلك الحق أيضًا.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم لوجوب الزكاة في الخيل من قوله عليه السلام: "ولم ينس حق الله فيها"، أنه قد يجوز أن يكون المراد منه حقًّا سوى الزكاة؛ فإنه ورد في الحديث:"أن في المال حقًّا سوى الزكاة". وهو ما أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة ميمون الأعور، قال الترمذي: يضعف. عن عامر الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس، لها صحبة.
(1) سورة البقرة، آية:[177].
وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا بشر ابن الوليد، ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في المال حقًّا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
…
} (2) الآية".
وأخرجه الترمذي (3) أيضًا نحوه وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك.
قالوا: إذا كان في المال حقٌ سوى الزكاة احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره عليه السلام في الخيل هو ذلك الحق دون الزكاة، ثم اختلفوا في ذلك الحق الذي هو خلاف الزكاة.
فقال قوم: هو إطراق فحلها وإفقار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله، وقد بيَّن ذلك حديث جابر رضي الله عنه على ما يأتي عن قريب.
وقال آخرون: هو حسن ملكتها وتعهد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها.
وقال ابن حزم (4): وأما الحديث فليس فيه إلا أن لله حقًّا في رقابها وظهورها غير معيَّن، ولا مبيِّن للمقدار، ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم، فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث، وهو حملٌ على ما طابت به نفسه منها في سبيل الله، وعارية ظهورها للمضطر.
وقال ابن الجوزي في "التحقيق": والجواب عن هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن حقها إعارتها وحمل المنقطعن عليها، فيكون ذلك على وجه الندب.
(1)"سنن الدارقطني"(2/ 125 رقم 11).
(2)
سورة البقرة، آية:[177].
(3)
"جامع الترمذي"(3/ 48 رقم 660).
(4)
"المحلى"(5/ 228).
والثاني: أن يكون واجبًا ثم نسخ بدليل قوله: قد عفوت لكم، عن صدقة الخيل؛ إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم.
قلت: فلأبي حنيفة أن يقول: المراد به صدقة خيل الغزاة وكلامنا في الخيول السائمة، وأيضًا فالذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق.
وأما دعوى النسخ فبعيدة؛ لأنه لو كان لاشتهر في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ولما قرر عمر رضي الله عنه الصدقة في الخيل، وأن عثمان رضي الله عنه ما كان يصدِّقها.
وروى عبد الرزاق (1): عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين، أن ابن شهاب أخبره:"أن عثمان رضي الله عنه كان يصدق الخيل".
ص: وحجة أخرى: أن الذِكر في الحديث الذي رويناه عن أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة، لا في الخيل السائمة.
ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى وهو أن ذِكر الخيل في حديث أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة عند أربابها لا في الخيل السائمة التي ترعى.
وفيه نظر؛ لأنه ذكر الخيل عقيب ذكر زكاة المال وزكاة الإبل وزكاة الغنم كما ذكرناه في حديث مسلم الطويل وحديث البزار، وهذه قرينة أن المراد من الخيل: الخيل التي فيها الزكاة، وأن المراد من الحق فيها: هو الزكاة.
ص: وحجة أخرى: أنا رأينا رسول الله عليه السلام ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق، فسئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال:"إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحة سمينها".
حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي عليه السلام.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(4/ 35 رقم 6888)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 381 رقم 10143).
فلما كانت الإبل أيضًا فيها حق غير الزكاة، احتمل أن تكون كذلك الخيل.
ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث المذكور، بيانه: أن النبي عليه السلام ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق. ثم سئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها
…
" إلى آخره.
فلما كان في الإبل حق سوى الزكاة، فكذلك يحتمل أن يكون الحق الذي ذكر في الخيل هو غير الزكاة.
ثم إنه أخرج حديث جابر بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (1): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي عليه السلام قال: "ما مِن صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاعٍ قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذٍ جماء ولا مكسورة القرن، قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وجلبها على الماء، وحملٌ عليها في سبيل الله
…
" الحديث.
قوله: "ذات الظلف" الظلف للغنم والبقر والظباء، وهو ما هو منشق من القوائم.
قوله: "إطراق فحلها" وهو إعارتها للضراب، لا يمنعه إذا طلبه، ولا يأخذ عليه عسبًا أي أجرًا، يقال: طرق الفحل الناقة، فهي مطروقة، وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن تطرق، وأطرقته أنا: أعرته لذلك، إطراقًا.
قوله: "ومنيحتها" المنيحة: المنحة وهي عند العرب على معنيين:
(1)"صحيح مسلم"(2/ 685 رقم 988).
أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلةً فتكون له.
والآخر: أن يمنحه ناقةً أو شاةً فينتفع بلبنها ووبرها زمانًا ثم يردها، وهو تأويل قوله في بعض الأحاديث:"المنحة مردودة"(1). والمنحة تكون في الأرض يمنحها الرجل أخاه ليزرعها، ومنحة الورق هي القرض.
قال الفراء: يقال: منحته أمنحُه وأمنِحَه.
وقال ابن دريد: أصل المنحة أن يعطي الرجل رجلًا ناقةً فيشرب لبنها أو شاةً، ثم صارت كل عطية منحة.
وقال غيره: ومنيحة اللبن أن يجعلها الرجل لآخر سنةً.
قوله: "وجلبها على الماء" قيل: معناه أن يقربها للمصدّق وييسر ذلك عليه بإحضارها على الماء ليسهل عليه تناول أخذ الزكاة منها، وهو بسكون اللام؛ لأنه مصدر من جلب يجلب جلْبًا. ويقال: كانت هذه الأشياء قبل فرض الزكاة ثم نسخت، ويقال: هذه في موضع تتعين فيه المواساة.
ص: وأما ما احتجوا به مما رويناه عن عمر رضي الله عنه فلا حجة لهم فيه أيضًا عندنا؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يأخذ ذلك منهم على أنه واجب عليهم، وقد بيَّن السبب -الذي من أجله أخذ ذلك منهم عمر بن الخطاب- حارثة بن مضرّب.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن القاسم -المعروف بسحيم- الحراني، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال: "حججت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قد أصبنا دواب وأموالًا، فخذ من أموالنا صدقةً تطهرنا بها، وتكون لنا زكاةً. فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قَبلي، ولكن انتظروا حتى أسال المسلمين، فسأل أصحاب رسول الله عليه السلام فيهم علي بن أبي طالب، فقالوا:
(1) رواه أبو داود في "سننه"(2/ 319 رقم 3565)، والترمذي في "جامعه"(4/ 433 رقم 2120)، وابن ماجه في "سننه"(2/ 801 رقم 2398)، كلهم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.
حسن، وعلي رضي الله عنه ساكتٌ لم يتكلم معهم. فقال: مَا لَكَ يا أبا الحسن لا تتكلم؟ قال: قد أشاروا عليك ولا بأس بما قالوا إن لم يكن أمرًا واجبًا وجزية راتبةً يؤخذون بها. قال: فأخذ من كل عبد عشرةً، ومن كل فرس عشرةً، ومن كل هجين ثمانية، ومن كل برذون أو بغل خمسة دراهم في السنة، ورزقهم كل شهر الفرس عشرة دراهم، والهجين ثمانية، والبغل خمسةَ خَمسةً، والمملوك جريبين كل شهر".
فدل هذا الحديث على أن ما أخذ منهم عمر من أجله ما كان أخذ منهم في ذلك أنه لم يكن زكاةً ولكنها صدقة غير زكاة. وقد قال لهم عمر رضي الله عنه: "إن هذا لم يفعله اللذان كانا قبلي- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه". فدل ذلك على أن رسول الله عليه السلام وأبا بكر رضي الله عنه لم يأخذا مما كان يحضرهما من الخيل صدقةً، ولم ينكر على عمر رضي الله عنه ما قال من ذلك أحد من أصحاب رسول الله عليه السلام، ودلَّ قول علي لعمر رضي الله عنهما:"قد أشاروا عليك إن لم يكن جزية راتبة وخراجا واجبًا"، وقبول عمر رضي الله عنه ذلك منه أن عمر إنما كان أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه أن يأخذه منهم فيصرفه في الصدقات، وأن لهم منع ذلك منه متى أحبوا، ثم سلك عمر رضي الله عنه بالعبيد أيضًا في ذلك مسلك الخيل فلم يكن ذلك بدليل على أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم صدقة، وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك، فكذلك ما أخذه منهم بسبب الخيل ليس ذلك بدليل على أن الخيل فيها صدقة، ولكن ذلك على التبرع من أربابها بإعطاء ذلك.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى مما روي، عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ من الفرس صدقة.
بيان ذلك: أن يقال: إن ما روي عن عمر من ذلك فليس لهم فيه حجة؛ لأن عمر رضي الله عنه لم يكن يأخذ ذلك منهم على أنه كان واجبًا عليهم وإنما كان أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه على سبيل التبرع والتقرب إلى الله تعالى، ليأخذ ذلك ويصرفه في
الصدقات، والدليل على ذلك: ما رواه حارثة بن مضرب، ألا ترى أنهم لما قالوا:
"خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها وتكون لنا زكاة". أجاب عمر رضي الله عنه فقال: "هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي" وأراد بهما: النبي عليه السلام وأبا بكر- رضي الله عنه، فدلَّ ذلك أن النبي عليه السلام لم يكن يأخذ من الخيل شيئًا ولا أبو بكر- رضي الله عنه من بعده في خلافته، وأيضًا فلم يُنكر على عمر- رضي الله عنه قوله ذلك أحد من الصحابة، إذ لو كان الأمر بخلافه لأنكروا عليه، فدلَّ ذلك كله أن ما كان أخذه عمر رضي الله عنه من السائب بن يزيد ليس على جهة الوجوب، بيَّن ذلك حديث حارثة بن مضرب، وأيضًا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعمر بن الخطاب:"قد أشاروا عليك إن لم يكن جزية راتبة وخراجًا واجبًا" دلَّ على ما قلنا؛ لأن عمر قبل هذا القول منه، فدل ذلك كله على أن عمر إنما أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه ليأخذه ويصرفه في الصدقات، حتى إن لهم منع ذلك متى أحبوا، وأيضًا فإن عمر- رضي الله عنه قد سلك في العبيد أيضًا مسلك الخيل حيث أخذ من كل عبد عشرة، والعبيد إذا لم يكونوا للتجارة لا يجب فيهم شيء، فدلَّ ذلك أن ما كان يأخذه كان على سبيل التبرع من أصحابها حيث أعطوا ذلك.
ثم إنه أخرج الأثر المذكور عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن القاسم المعروف بسحيم الحراني قال أبو حاتم: صدوق. عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن حارثة بن مضرِّب العبدي الكوفي قال أحمد: حسن الحديث. وعن يحيى: ثقة. وروى له الأربعة.
وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): ثنا محمَّد بن المعلى الشونيزي، ثنا محمَّد بن عبد الله المخزومي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: "أن قومًا من أهل الشام أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: إنا قد أصبنا كراعًا ورقيقًا، وإنا نحب أن نزكيه. قال: ما فعله صاحباي قبلي، ولا أفعله حتى
(1)"سنن الدارقطني"(2/ 126 رقم 2).
أستشير، فشاور أصحاب محمَّد عليه السلام فقالوا: حسنٌ، وعلي رضي الله عنه ساكت، فقال: ألا تتكلم يا أبا الحسن؟ فقال: قد أشاور عليك وهو حسن إن لم يكن جزيةً راتبة يؤخذون بها بعدك. قال: فأخذ من الرقيق عشرة دراهم ورزقهم جريبين من بر كل شهر، وأخذ من الفرس عشرة دراهم ورزقه عشرة أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من المقاريف ثمانية دراهم ورزقها ثمانية أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من البراذين خمسة دراهم ورزقها خمسة أجربة من شعير كل شهر.
قال أبو إسحاق: فلقد رأيتها جزيةً تؤخذ من أعطياتنا زمان الحجاج وما نرزق عليها".
قال الشيخ: "المقرف" من الخيل دون الجواد (1). انتهى.
قوله: "تطهرنا بها" أي: بالصدقة، تلمحوا في هذا قوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (2).
قوله: "فقالوا: حسن" أي: قال الصحابة: هذا شيء حسن، يعني: أخذك منهم بسؤالهم إياه شيء حسن.
قوله: "وعلي ساكت" جملة اسمية وقعت حالًا.
قوله: "ومن كل هجين" أي: ومن كل فرس هجين، قال ابن الأثير: الهجين في الناس والخيل إنما يكون من قِبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك كان الولد هجينًا، والإقراف من قبل الأب.
قال الجوهري: المقرف الذي دانى الهجنة من الفرس وغيره الذي أمه عربية وأبوه ليس كذلك؛ لأن الإقراف إنما هو من قبل الفحل، والهجنة من قبل الأم.
وقال ابن الفارسي: المقرف مداني الهجنة، والعتيق من الفرس هو الأصيل.
(1) المقرف من الخيل: الهجين، وهو الذي أمه برذونة، وأبوه عربي، وقيل بالعكس، وقيل: هو الذي دانى الهجنة وقاربها. انظر "النهاية"(4/ 46).
(2)
سورة التوبة، آية:[103].
قال الجوهري: العتيق الكريم من كل شيء والخيار من كل شيء. وفرسٌ عتيق أي رائع.
وقال في باب العين: وفرس رائع أي: جواد.
وفي "المطالع": الهجين من الخيل هو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، وقد يستعمل ذلك في غير الخيل.
قوله: "جَرِيبين" تثنية جَرِيب -بفتح الجيم وكسر الراء- قال الجوهري: الجريب من الطعام والأرض مقدار معلوم، والجمع: أجربة وجربان.
قلت: المراد هنا جريب الطعام، وجريب الأرض ما يكون طولها ستين ذراعًا وعرضها مثل ذلك بذراع الملك كسرى، يزيد على ذراع العامة بقبضة.
ص: وقد روي عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان وشريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام مثله.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام مثله.
فذلك أيضًا ينفي أن يكون في الخيل صدقة.
ش: أخرج هذا الحديث؛ لكونه صريحًا في عدم الزكاة في الخيل من ثلاث طرق:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق بن معاوية الكوفي قاضيها أحد أصحاب أبي حنيفة،
روى له الجماعة، عن سليمان الأعمش روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن عاصم بن ضمرة السلولي، وثقه العجلي، وابن المديني، وروى له الأربعة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام قال:"قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، وليس فيما دون المائتين زكاة".
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري وشريك بن عبد الله، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو، عن الحارث بن عبد الله الأعور الكوفي، فيه مقال: فقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال ابن المديني: الحارث كذاب. روى له الأربعة.
وأخرجه ابن ماجه (2): ثنا سهل بن أبي سهل، نا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي عليه السلام قال:"تجاوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود، عن يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد العبدي وثقه ابن يونس، عن إبراهيم بن طهمان الخراساني روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو، عن الحارث بن عبد الله، عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه الترمذي (3) من طريق الحارث معلقا، ومن طريق عاصم مسندًا فقال: ثنا محمَّد بن عبد الملك، عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي.
ثم قال: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.
(1)"مسند أحمد"(1/ 113 رقم 913).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 579 رقم 1813).
(3)
"جامع الترمذي"(3/ 16 رقم 620).
وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.
قال: وسألت محمَّد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روى عنهما جميعًا.
وأخرجه أبو داود (1): عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال رسول الله عليه السلام: "قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دارهم".
قوله: "والرقيق" فعيل بمعنى مفعول من الرق وهو العبودية، وإنما أسقط الصدقة عن الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة، فأما إذا كان منها شيء للتجارة ففيه الزكاة في قيمته.
وقال ابن الجوزي: هذا الحديث ناسخ لحديث أبي هريرة المذكور أولًا؛ لأن العفو لا يكون إلا عن شيء لازم. وفيه نظر قد بيَّناه.
ص: فإن قال قائل: فقد قرن مع ذلك الرقيق فلما كان لا ينفي أن تكون الصدقة واجبةً في الرقيق إذا كانوا للتجارة، فكذلك لا ينفي ذلك أن تكون الزكاة واجبةً في الخيل إذا كانت سائمةً، وكما كان قوله:"قد عفوت لكم عن صدقة الرقيق" إنما هو على الرقيق للخدمة خاصّةً، فكللك قوله:"قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إنما هو على خيل الركوب خاصةً.
قيل له: يحتمل ما ذكرت، وإذا بطل أن تنتفي الزكاة بهذا الحديث انتفت بما ذكرنا قبله مما في حديث حارثة؛ لأن فيه أن عليًّا رضي الله عنه قال لعمر- رضي الله عنه ما قد ذكرنا، فدل ذلك أن معنى قول رسول الله عليه السلام هذا كان عند علي رضي الله عنه على نفي الزكاة منها؛ وإن كانت سائمة.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 101 رقم 1574).
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن ذكر الخيل قد قرن في حديث علي رضي الله عنه هذا مع ذكر الرقيق، وعفوه عليه السلام عن صدقة الرقيق إذا كان للخدمة لا يستلزم نفيها إذا كان للتجارة، فكذلك عفوه عن الخيل للركوب لا يستلزم نفيها إذا كانت سائمةً.
وتوجيه آخر: أن المراد من الرقيق ها هنا ما إذا كانوا للخدمة، وأما إذا كانوا للتجارة فتجب الصدقة فيهم، فإذا كان هذا محمولًا على هذا المعنى فلا ينافي أن يكون معنى الخيل أيضًا محمولًا على خيل الركوب؛ فتجب الصدقة حينئذٍ إذا كانت سائمةً.
وتقرير الجواب أن يقال: سلمنا ما ذكرت من الاحتمال النافي لعدم وجوب الصدقة، ولكن قول علي- رضي الله عنه في حديث حارثة بن مضرّب المذكور عن قريب:"لا بأس بما قالوا إن لم يكن أمرًا واجبًا وجزيةً راتبةً يؤخذون بها" قرينة تدل على نفي الزكاة عن الخيل سواء كانت سائمة أو لم تكن.
ص: وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه السلام ما معناه قريب من معنى حديث عاصم والحارث عن علي رضي الله عنه.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت سليمان بن يسار، يحدث عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام قال:"ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثني محمَّد بن عيسى بن فليح، قال: ثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، عن سليمان بن فليح، عن عبد الله بن دينار
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك
…
فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن خثيم بن عِراك، عن أبيه
…
فذكر بإسناده مثله.
فلما لم يكن في شيء مما ذكرنا من هذه الآثار دليلًا على وجوب الزكاة في الخيل السائمة، وكان فيها ما ينفي الزكاة منها؛ ثبت بتصحيح هذه الآثار قول الذين لا يرون فيها الزكاة.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: هذه سبع طرق:
الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي وثقه أبو حاتم، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، عن عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري (1): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا عبد الله بن دينار، سمعت سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، قال: قال النبي عليه السلام: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة"، وفي لفظ:"وعبده".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وسعيد بن عامر الضبعي البصري، كلاهما عن شعبة، عن عبد الله بن دينار
…
إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 532 رقم 1394).
وأخرجه أحمد (1): عن سعيد بن عامر نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار
…
إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (2): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة".
الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار
…
إلى آخره.
وهذا أيضًا صحيح.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه السلام قال:"ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة".
الخامس: عن محمَّد بن عيسى بن فليح الجراحي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار بن النضير المصري وثقه ابن حبان، وقال النسائي: ليس به بأس.
عن سليمان بن فليح بن سليمان المدني لم أعرف من حاله شيئًا، عن عبد الله بن دينار
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(4) وزاد فيه: "إلا صدقة الفطر".
(1)"مسند أحمد"(2/ 477 رقم 10190).
(2)
"سنن ابن ماجه"(1/ 579 رقم 1812).
(3)
"سنن أبي داود"(2/ 108 رقم 1595).
(4)
"صحيح ابن حبان"(8/ 65 رقم 3272).
السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (1): حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا أيوب بن موسى، عن مكحول، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة- وقال عمرو: عن النبي عليه السلام، وقال زهير: يبلغ به: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".
وأخرج أبو داود (2): ثنا محمَّد بن المثنى ومحمد بن يحيى بن فياض، قالا: ثنا عبد الوهاب، نا عبيد الله، عن رجل، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:"ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق".
السابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن حماد بن زيد، عن خثيم بن عراك، عن أبيه عراك بن مالك، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (3): عن حاتم بن إسماعيل، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.
وأخرجه مسلم (4): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحوه.
قوله: "في عبده" المراد منه العبد الذي يتخذ للقنية حتى إذا كان للتجارة تجب فيه الزكاة.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 676 رقم 982).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 108 رقم 1594).
(3)
"مصنف ابن أبي شيبة"(7/ 311 رقم 36386).
(4)
"صحيح مسلم"(2/ 672 رقم 982).
وقال الترمذي (1): والعمل عليه عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة، إلا أن يكونوا للتجارة، وإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول.
ولقائل أن يقول من جهة أبي حنيفة: كما أن المراد من العبد عبد الخدمة، فكذلك المراد من الفرس فرس المغازي.
وقال صاحب "الهداية": هو المنقول عن زيد بن ثابت.
وذكر أبو زيد الدبوسي في كتاب "الأسرار" فقال: إن زيد بن ثابت رضي الله عنه لما بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول الله عليه السلام إنما أراد فرس الغازي. قال: ومثل هذا لا يعرف بالرأي، فثبت أنه مرفوع.
وروى أحمد بن زنجويه في كتاب "الأموال": نا علي بن الحسن، نا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه قال:"سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة؟ فقال: ليس على فرس المغازي في سبيل الله صدقة".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2) نحوه: عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهم.
ولأن الزكاة إنما وجبت في الأموال النامية، وذلك ممكن في الإناث من الخيل، وفي المختلطة، ويتقوى بالآثار المنقولة من السلف منها: ما روي عن عمر رضي الله عنه "كان يأخذ من الفرس عشرة دراهم ومن البراذين خمسة" وقد مرّ.
وبلغه أن عبد الرحمن بن أمية ابتاع فرسًا أنثى بمائة قلوص فندم البائع، فلحق بعمر بن الخطاب وشكى إليه القصة، فقال:"نأخذ من أربعين شاةٍ شاةً ولا نأخذ من الخيل. فضرب على كل فرس دينارًا".
(1)"جامع الترمذي"(3/ 23 رقم 628).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(7/ 312 رقم 36388).
وفعله عثمان بن عفان، وكان أيضًا يأخذ الزكاة منها. كذا ذكره في "أحكام ابن بزيزة".
ص: وأما وجه طريق النظر فإنا رأينا الذين يوجبون فيها الزكاة ولا يوجبونها حتى تكون ذكورًا وإناثًا يلتمس صاحبها نسلها، ولا تجب الزكاة في ذكورها خاصةً، ولا في إناثها خاصةً، وكانت الزكوات المتفق عليها في المواشي السائمة تجب في الإبل والبقر والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا.
فلما استوى حكم الذكور في ذلك خاصةً، وحكم الأناث خاصة، وحكم الذكور والإناث، وكانت الذكور من الخيل خاصةً والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة، كان كذلك في النظر للإناث منها والذكور إذا اجتمعت، لا تجب فيها زكاة.
ش: أراد أن وجه القياس أيضًا يقتضي أن لا تجب الزكاة في الخيل مطلقًا؛ وذلك لأن مَن يوجب الزكاة في الخيل يَشترط أن تكون مختلطة ذكورًا وإناثًا، حتى يكون فيها درٌّ وتناسل، حتى لا يوجب في ذكرانها خاصة ولا في إناثها خاصةً، وبقية السوائم من الإبل والبقر والغنم تجب فيها الزكاة مطلقًا سواء كانت ذكورًا أو إناثًا أو مختلطة، وهذا بلا خلاف بينهم، وكانت الخيل إذا كانت ذكورًا خاصة لا تجب، وكذا إذا كانت إناثًا خاصة لا تجب بلا خلاف.
فالقياس على هذا أن لا تجب إذا كانت ذكورًا وإناثًا؛ لأنه لما استوى الأحوال كلها في بقية المواشي في الوجوب كان ينبغي أن تستوي الأحوال أيضًا في الخيل في عدم الوجوب.
وقد شنَّع ابن حزم على أبي حنيفة في هذا الموضع (1) فقال: استدل أبو حنيفة بفعل عمر وعثمان رضي الله عنهما ثم خالفه.
وذلك أن قول أبي حنيفة: إنه لا زكاة في الخيل الذكور ولو كثرت وبلغت ألف فرس، فإن كانت إناثًا أو إناثًا وذكورًا سائمة غير معلوفة فحينئذ تجب فيها
(1)"المحلى"(5/ 228).
الزكاة، وصفة تلك الزكاة أن صاحب الخيل مخيَّر إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قوَّمها فأعطى من كل مائتي درهم عشرة، وهذا خلاف فعل عمر- رضي الله عنه.
قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة خالف فعل عمر- رضي الله عنه؛ فإن عمر رضي الله عنه أخذ من كل فرس عشرة دراهم على ما مرَّ في حديث حارثة بن مضرب.
وأما اشتراطه أن تكون ذكورًا وإناثًا أو إناثًا حتى تجب فيها الزكاة فليس ذلك من رأيه واجتهاده بل هو هكذا منقول عن إبراهيم النخعي.
قال محمَّد في "آثاره": أنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال في الخيل السائمة التي يُطلب نسلُها:"إن شئت في كل فرس دينارًا، وإن شئت عشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، ثم كان في كل مائتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكر أو أنثى". انتهى.
فمن هذا عرفت أن وجه النظر هذا فيه نظر. فافهم.
ص: وحجة أخرى: أنَّا قد رأينا البغال والحمير لا زكاة فيها وإن كانت سائمةً، والإبل والبقر والغنم فيها الزكوات إذا كانت سائمةً، وإنما الاختلاف في الخيل، فأردنا أن ننظر أيّ الصنفين هي أشبه به فنعطف حكمه على حكمه، فرأينا الخيل ذات حوافر وكذلك الحمير والبغال هي ذوات حوافر أيضًا، وكانت المواشي من البقر والغنم والإبل ذوات أخفاف، فذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف، فثبت بذلك أن لا زكاة في الخيل كما لا زكاة في الحمير والبغال.
ش: أراد به دليلًا آخر في اقتضاء القياس عدم وجوب الزكاة في الخيل، وهو ظاهر، ولكن فيه نظر من وجهين:
الأول: أن الخيل يؤكل لحمها، ولا سيما عند من لا يرى الزكاة فيها، فشبهها بمأكول اللحم كالبقر والغنم والإبل أقرب من شبهها بما لا يؤكل لحمها كالحمير والبغال؛ لأن المشابهة بين الشيئين لا تطلب إلا في الوصف الأعم الأشهر.
وهذا الوصف الذي ذكرنا هو أعم وأشهر من المشابهة التي ذكرها.
الثاني: أن قوله: وكانت المواشي من البقر والغنم والإبل ذوات أخفاف ليس كذلك؛ لأن ذوات الأخفاف هي الإبل فقط، وأما البقر والغنم فهي ذوات أظلاف وهي في الحقيقة كالحافر غير أنها مشقوقة، والحافر غير مشقوقة.
ص: وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو أحب القولين إلينا.
وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار قال:"قلت لسعيد بن المسيب: أَعَلَى البراذين صدقة؟ فقال: أَوَ على الخيل صدقة؟ ".
ش: أي: هذا الذي ذكرنا من عدم وجوب الزكاة في الخيل هو قول الإِمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن الحسن، وأشار بقوله:"وهو أحب القولين إلينا" إلى أنه اختار قول أبي يوسف ومحمد في هذا الباب، وترك قول أبي حنيفة.
قوله: "وقد روي ذلك" أي: عدم الوجوب في الخيل "عن سعيد بن المسيب".
أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار قال:"سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين فقال لي: أَوَفي الخيل صدقة؟ أَوَفي الخيل صدقة؟ ".
قلت: أراد به إنكار الوجوب فيها، ولا يتم به الاستدلال؛ لأنه يمكن أن يكون مراده خيل الغزاة، كما روي عن ابن عباس كذلك، وقد ذكرناه.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 381 رقم 10146).