الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: ذوات العوار هل تؤخذ في صدقات المواشي أم لا
؟
ش: أي: هذا باب في بيان أن ذوات العوار من المواشي التي فيها تجب الزكاة هل يجوز أخذها حسابًا عن الزكاة أم لا؟
و"العُوار" بضم العين وتخفيف الواو، وقد تفتح العين.
وقال ابن الأثير: العَوار -بالفتح-: العيب، وقد تضم.
وقال الجوهري: العَوار: العيب.
وعن أبي زيد: قد تضم.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"بعث النبي عليه السلام مصدقًا في أول الإسلام فقال: خد الشارف والبكر وذوات العيب، ولا تأخذ حرزات الناس" قال هشام: أرى ذلك؛ ليستألفهم ثم جرت السنة بعد ذلك.
حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن النبي عليه السلام نحوه.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعن النسائي كذلك. وعن أبي حاتم: ضعيف الحديث. وعن أبي زرعة: كان صدوقًا في الحديث. وعن أحمد: ثقة. وعن البخاري: لم نر إلا خيرًا، هو في الأصل صدوق.
عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها.
الثاني: مرسل عن أحمد بن داود المكي أيضًا، عن يعقوب بن حميد أيضًا، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عروة، عن النبي عليه السلام.
وأخرجه أبو داود في "مراسيله"(1): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا هشام ابن عروة، عن عروة:"أن النبي عليه السلام بعث رجلًا على الصدقة، فأمره أن يأخذ البكر والشارف وذات العيب، وإياك وحزرات أنفسهم".
وأخرجه أيضًا كذلك ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه:"أن النبي عليه السلام بعث مصدقًا فقال: لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئًا، وخذ الشارف وذات العيب".
قوله: "خذ الشارف" بالشين المعجمة وكسر الراء، وهي الناقة المسنة.
وقال أبو عبيد: الشارف المسنة الهرمة، والبَكْر -بفتح الباء وسكون الكاف-: الفتيّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى: بَكْرة.
قوله: "ولا تأخذ حرزات الناس" بفتح الحاء والراء المهملتين، والزاي المعجمة، أي: لا تأخذ من خيارها، فالرواية هكذا بتقديم الراء على الزاي، وهي جمع حرزة -بسكون الراء- وهي خيار المال؛ لأن صاحبها يحرزها ويصونها، والرواية المشهورة بتقديم الزاي على الراء، وهي أيضًا جمع حَزْرة بسكون الزاي وهي خيار مال الرجل؛ سميت حزرة؛ لأن صاحبها لا يزال يحزرها في نفسه، سميت بالمرة الواحدة من الحزر ولهذا أضيفت إلى الناس في رواية الطحاوي وإلى الأنفس في رواية غيره.
قوله: "قال هشام: أُرَى ذلك" بضم الهمزة أي: أظن ذلك "ليستألفهم" من الاستئلاف، وهي طلب الألفة، وأشار بذلك إلى أنه كان في أول الإِسلام، ثم نسخ لما نذكره إن شاء الله تعالى.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم بك تقليد هذا الخبر وقالوا: هكذا ينبغي للمصدق أن يأخذ.
(1)"المراسيل لأبي داود"(1/ 131 - 132 رقم 113).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 361 رقم 9915).
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية وجماعة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي للمصدق أن يأخذ الشارف والبكر وذوات العيب، ولا يأخذ خيار أموال الناس.
وقال مالك في "الموطأ": السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم: أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم.
وقال ابن قدامة في "المغني": قال مالك والشافعي: إن رأى المصدق أن أخذ الشارف وذوات العوار ونحوهما خير له وأنفع للفقراء، فله أخذه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، وإنما يأخذ عدلًا من المال.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من الأئمة الأربعة وأصحابهم، وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وآخرين؛ فإنهم قالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، بل يأخذ عدلًا -أي وسطًا- من المال، اللهم إلا إذا كان جميع النصاب ذوات العيوب، فإنه حينئذٍ يأخذ منها.
وقال ابن التين: وإنما لم يأخذ ذات العَوار ما دام في المال شيء سليم لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبًا فإنه يأخذ واحدًا من وسطه، وهو قول الشافعي.
وقال مالك: يكلف بإتيان صحيح.
وذكر ابن بزيزة في "أحكامه": وفي مذهب مالك فيه أربعة أقوال: فقيل: لا يؤخذ منها على الإطلاق. وقيل: لا يؤخذ منها ويكلف رب المال أن يأتي بالوسط. وقيل: يؤخذ منها إن كانت سخالًا كلها.
وكذلك اختلفوا في الحبوب إذا كانت من صنف رديء أو عال، هل يؤخذ منه أو لا؟ والحكم بالوسط أعدل.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا أيضًا، عن ثمامة، عن أنس: "أن أبا بكر الصديق
- رضي الله عنه لما استخلف وَجَّه أنس بن مالك رضي الله عنه إلى البحرين فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضة -يعني- الصدقة التي فرض رسول الله عليه السلام على المسلمين التي أمر الله عز وجل بها ورسوله عليه السلام فمن سُئلها من المؤمنين على وجهها فليُعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه، فذكر فرائض الصدقة، وقال: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسٌ".
ش: أي: احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أنس رضي الله عنه.
أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، عن أبيه عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضي البصرة، عن جده أنس بن مالك
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (1) مطولًا: ثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس: "أن أنسًا حدثه أن أبا بكر- رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله عليه السلام على المسلمين، والتي أمر الله بها ورسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطِ في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس: شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدةً وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت -يعني- ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومَن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة.
(1)"صحيح البخاري"(2/ 527 رقم 1386).
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٌ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة: شاةٌ، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاة واحدةٌ فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق".
قوله: "فلا يعطه" أي: فلا يعطي الذي سأله المصدق من فوق، ويقال: فلا يعطي الزيادة على الواجب، وقيل: لا يعطي شيئًا من الزكاة؛ لأن الساعي إذا طلب فوق الواجب كان خائنًا، فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته.
قوله: "هَرِمة" يعني: كبيرة، وعن أبي زيد والأصمعي: أن الهَرِم الذي قد بلغ أقصى السن. ويقال: امرأة هَرِمة ورجال هَرِمون وهرائم ونسوة هَرِمات، وربما قيل: شيوخ هَرْمَى، وقد هَرِم هَرَمًا مثال: حَذِر قاله أبو حاتم، وقال صاحب "العين" يقال: نساء هَرْمى، وفي "الكامل" لأبي العباس: أَهْرَمه الدهر وهرَّمه، وقال ابن التين: الهَرِمة التي سقطت أسنانها.
قوله: "ولا ذات عوار" قد قلنا: إنه بفتح العين وضمها أي: ذات عيب.
قوله: "ولا تيس". هو فحل الغنم.
قال الخطابي: إنما لا يؤخذ التيس؛ لنقصه وفساد لحمه وكونه ذكرًا.
وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب أنه ليس أخذ الذكر في شيء من الزكاة إذا كان في النصاب إناث في غير أتبعة البقر، وابن اللبون بدلًا عن بنت مخاض إذا عدمها.
وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الذكر من الغنم الإناث لقوله عليه السلام: "في أربعين شاة شاة" ولفظ الشاة يقع على الذكر والأنثى، ويقال: لا يؤخذ التيس لفضيلته، ورده الخطابي بأن الأمر ليس كذلك، وإنما لا يؤخذ لفساد لحمه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا يحيى بن حمزة، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن، فكتب فيه: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار ولا تيس الغنم".
ش: الحكم بن موسى بن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري شيخ مسلم وأبي داود وأبي يعلى وأحمد وأبي زرعة والبخاري في "التعليق"، وروى النسائي وابن ماجه عن رجل عنه.
ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، وثقه ابن معين، وعنه: كان قدريًّا، روى له الجماعة.
وسليمان بن داود أبو داود الخولاني الدمشقي الداراني، قال ابن حبان: ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ليس به بأس. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد. روى له النسائي.
والزهري هو محمَّد بن مسلم روى له الجماعة.
وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، يقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمَّد، ويقال: اسمه وكنيته واحد، روى له الجماعة.
وأبوه محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، وُلِدَ في حياة النبي عليه السلام وهو كناه أبا عبد الملك على قول، وقال ابن سعد: كان رسول الله عليه السلام استعمل عمرو بن حزم على نجران اليمن، فولد له هناك على عهد رسول الله عليه السلام سنة عشر من الهجرة غلامٌ، فأسماه محمدًا وكناه أبا سليمان، وكتب بذلك إلى رسول الله عليه السلام فكتب إليه رسول الله عليه السلام: أن سمِّهِ محمدًا وكنِّه أبا عبد الملك ففعل، وقتل يوم الحرة بالمدينة في خلافة يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين، روى له النسائي وابن ماجه.
وجده هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري الصحابي رضي الله عنه.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه"(1) مطولًا: من حديث الحكم بن موسى، نا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله عليه السلام كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم وقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيْل: ذي رُعَيْن ومعَافِر وهمْدان. أما بعد فقد رفع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، ما سقت السماء وكان سيحًا أو كان بعلًا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبونٍ ذكر إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسًا وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسًا وسبعين، فإن زادت ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاةً سائمةً شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرِمة ولا عجفاء ولا ذات عَوار ولا تيس الغنم، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس أواقٍ من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم، وليس فيما دون خمس أواقٍ شيء، وفي كل أربعين دينارًا
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 89 رقم 7047).
دينارٌ، وإن الصدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة تزكَّى بها أنفسكم، ولفقراء المؤمنين وفي سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر، وإنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء.
قال يحيى: أفضل ثم قال: كان في الكتاب: إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المحرمة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق حتى يبتاع. ولا يُصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد ليس بين فرجه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوبٍ واحدٍ وشقه بادٍ، ولا يصلين أحد منكم عاقصٌ شعره، وكان في الكتاب: إن من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قودٌ إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعِب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشرٌ من الإبل، وفي السن خمسٌ من الإبل، وفي الموضحة خمسٌ من الإبل، وإن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار".
وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده"(1) نحوه، عن الحكم بن موسى.
وقال البغوي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون صحيحًا.
وقال ابن عديّ: قد روى عن سليمان بن داود يحيى بن حمزة وصدقة بن عبد الله من الشاميين.
(1)"مسند أحمد"(1/ 11 رقم 72).
وللحديث أصل رواه معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد مرسلًا. وجوده سليمان.
وقال البيهقي: قد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا: أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وعثمان الدارمي وجماعة.
وأخرجه أبو داود في "المراسيل"(1): عن الحكم، ثم قال: وَهِمَ الحكم في قوله: ابن داود. ورواه محمَّد بن بكار بن بلال وأخوه، عن يحيى بن حمزة، قال: حدثني سليمان بن أرقم، عن الزهري.
وقال أبو هُبيرة: قرأت في أصل يحيى بن حمزة هذا الحديث: حدثني سليمان بن أرقم.
وقال الذهبي: سليمان واهٍ تركه النسائي، وقال النسائي: قال مروان بن محمَّد الطاطري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، قال: "جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في أدم
…
" فذكر بعض الحديث لم يسنده.
وروى منه ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه مرسلًا.
وروى عبد الله بن نُمير، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب "أنه وجد الكتاب الذي عند آل عمرو بن حزم
…
" فذكر شيئًا منه.
وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": هو كتاب محفوظ يتداوله آل حزم، وإنما الشأن في إيصال سنده.
وقال أبو الحسن الهروي: الحديث في أصل يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، غلط عليه الحكم.
وقال ابن منده: رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، وهو الصواب.
(1)"مراسيل أبي داود"(1/ 211 - 213 رقم 257).
وقال صالح جزرة: ثنا دحيم قال: نظرت في أصل كتاب يحيى: حديث عمرو بن حزم في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم. قال صالح: فكتب هذا الكلام عني مسلم بن الحجاج.
وقال الذهبي: يُرجح أن الحكم وَهِمَ ولابد، فالحديث إذًا ضعيف الإسناد.
وقال ابن معين: سليمان الخولاني لا يُعرف والحديث لا يصح، وقال مرةً: ليس بشيء. ومرةً: شامي ضعيف. وقال ابن حنبل: ليس بشيء.
وفي "التمهيد" لابن عبد البر: قال أحمد بن زهير: سمعت ابن معين يقول: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات مجهول لا يعرف. وقال الطحاوي: سمعت ابن أبي داود يقول: سليمان بن داود وسليمان بن أبي داود الحراني ضعيفان جميعًا.
قوله: "قَيْل ذي رعين" القَيْل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قَيِّل بالتشديد كأنه الذي له قول منفذٌ، والجمع: أقوال وأقيال أيضًا، ومَن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. ذكره الجوهري في الأجوف الواوي.
و"ذو رعين" ملك من ملوك حمير، ورعين حصنٌ كان له، وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ، وهم آل ذي رعين وشعب ذي رعين.
قوله: "ومعافر" بفتح الميم: حيٌّ من همدان لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وهمْدان -بسكون الميم- قبيلة من اليمن.
قوله: "سَيْحا" بفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وهو الماء الجاري.
و"البَعْل": بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وهو النخل الذي يشرب بعروقه فيستغني عن السقي.
قال أبو عمرو: البعل العذي وهو ما سقته السماء.
وقال الأصمعي: العذي ما سقته السماء، والبعل ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا سماء.
قوله: "خمسة أوسق" جمع وسق بفتح الواو وكسرها لغتان والفتح أشهر، ويقال بالفتح يجمع على أوسق وبالكسر على أوساق.
والوسق ستون صاعًا كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، فتكون ثلاثمائة وعشرين رطلًا، هذا مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق: الصاع ثمانية أرطال، فتكون الجملة أربعمائة وثمانين رطلًا.
قوله: "بالرشاء" بكسر الراء والمد، وهو الحبل.
و"الدالية" المَنْجُنُون التي تديرها البقرة.
قوله: "طروقة الجمل" طروقة فعولة بمعنى مفعولة، أي مركوبة للجمل، وكل امرأة طروقة زوجها، وكل ناقة طروقة فحلها.
قوله: "باقورة" الباقورة بلغة أهل اليمن: البقر.
قوله: "ولا يجمع بين متفرق" صورته أن يكون لهذا أربعون شاة ولذاك أربعون أيضًا وللآخر أربعون فجمعوها حتى لا تكون فيها إلا شاة.
قوله: "ولا يفرق بين مجتمع" صورته أن يكون شريكان ولكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما في ماليهما ثلاث شياة، ثم يفرقان عنهما عند طلب الساعي الزكاة فلم يكن على كل منهما إلا شاة واحدة.
قوله: "وما أخذ من خليطين" معناه أن يكون شريكين في إبل تجب فيها الغنم، فتؤخذ الإبل في يد أحدهما، فتؤخذ منه صدقتها، فإنه يرجع بها على شريكه بحصته على السوية.
قوله: "الوَرِق" بكسر الراء وهي الفضة.
قوله: "من اعتبط مؤمنًا قتلًا فإنه قودٌ" أي: قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله؛ فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل مَن مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلانٌ عبطةً أي: شابًّا صحيحًا، وعَبَطُّت الناقة واعْتَبَطُّتها إذا ذبحتها من غير مرض.
قوله: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه" أي قطع جميعه وفي رواية "إذا استوعب جَدْعُه" وكلاهما على صيغة المجهول.
ص: فهكذا كانت كتب رسول الله عليه السلام وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما تجري من بعده، وكتب علي رضي الله عنه من بعد ذلك.
فدلَّ ما ذكرنا على نسخ ما في حديث عائشة رضي الله عنها الذي بدأنا بذكره في هذا الباب.
وفيه أيضًا ما يدل على تقديمه بما رويناه بعده، وهو قول عائشة:"أن رسول الله عليه السلام كان بعث مصدقًا في صدر الإسلام فأمره بذلك"
ونسخ ذلك ما قد ذكرنا في كتاب أبي بكر لأنسٍ، وفي كتاب عمرو بن حزم، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي: فكما ذكرنا أنه لا تؤخذ في الصدقات ذات عيب، كانت كتب رسول الله عليه السلام التي كتبها رسول الله عليه السلام إلى أهل اليمن منها الذي رواه عمرو بن حزم، وكذا كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي كتبه لأنس بن مالك حين وجهه إلى البحرين، وكذا كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أخرجه البيهقي (1): من حديث الشافعي، عن سفيان بن عيينة، نا بشر بن عاصم، عن أبيه: "أن عمر رضي الله عنه استعمل أباه سفيان بن عبد الله على الطائف ومخاليفها، فخرج مصدقًا
…
" الحديث.
وكذا روى (2) بإسناده إلى الشافعي، أنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن هذا كتاب الصدقات، وفيه: ولا تخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عَوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق
…
" الحديث.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 100 رقم 7093).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 87 رقم 7043).
قوله: "وكتب عليٌّ من بعد ذلك" أي: وهكذا كانت تجري كتب علي بن أبي طالب إلى عماله من بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم مثل ما كانت كتب النبي عليه السلام وكتب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده.
قوله: "فدل ما ذكرنا على نسخ ما في حديث عائشة رضي الله عنها" وهذا النسخ ظاهر؛ لأن في حديث عائشة أخبر أن هذا كان في صدر الإِسلام، ثم بعد ذلك أمر بخلافه، فدل هذا على نسخ الأول.
ويمكن أن يجمع بين حديث عائشة وبين ما يعارضه من الأحاديث أن حديث عائشة يكون محمولًا على ما إذا كان المال كله معيبًا فإن الساعي حينئذ يأخذ معيبًا من جنسه، وأحاديث غيرها تكون محمولةً على ما إذا كان المال صحيحًا كله أو أكثره، فإنه حينئذٍ لا يأخذ إلا عدلًا وسطًا، ولا يأخذ ذات العوار. فافهم.