المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: أحكام زكاة ما تخرج الأرض - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٨

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: أحكام زكاة ما تخرج الأرض

‌ص: باب: أحكام زكاة ما تخرج الأرض

ش: أي: هذا باب في بيان زكاة الشيء الذي يخرج من الأرض، مثل الحبوب والخضراوات ونحوها.

ص: حديث حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا همام، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرو

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم ومالك وسفيان الثوري وعبد الله بن عمر، أن عمرو بن يحيى حدثهم

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عمرو بن يحيى

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، عن رسول الله عليه السلام مثله.

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب أن مالكًا، حدثه عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله عليه السلام مثله.

ص: 134

ش: هذه سبع طرق صحاح:

الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى المازني المدني ابن بنت عبد الله بن زيد بن العاصم روى له الجماعة، عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني روى له الجماعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه.

وهذا الحديث أخرجه الجماعة كما نذكره إن شاء الله تعالى.

وأخرجه الدارمي في "سننه"(1): بهذا الطريق، عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن عمرو بن يحيى

إلى آخره نحوه.

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن همام بن يحيى، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري [قال: قال رسول الله عليه السلام] (3): "ليس في أقل من [خمس](4) ذود شيء

" الحديث.

الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى

إلى آخره.

وأخرجه أحمد في "مسنده"(5) نحوه.

الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله ابن سالم بن عمر بن الخطاب.

(1)"سنن الدارمي"(1/ 469 رقم 1633).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 360 رقم 9901).

(3)

تكررت في "الأصل".

(4)

ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المصنف".

(5)

"مسند أحمد"(3/ 6 رقم 11044).

ص: 135

وعن مالك بن أنس، وعن سفيان الثوري، وعن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.

أربعتهم عن عمرو بن يحيى الأنصاري

إلى آخره.

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(1): عن أبي بكر النيسابوري، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب

إلى آخره نحوه سواء.

وأخرجه البخاري (2): عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني

إلى آخره نحوه.

وأبو داود (3): عن عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى

إلى آخره.

والترمذي (4): عن محمَّد بن بشار، نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا سفيان وشعبة ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى

إلى آخره.

الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال

إلى آخره.

وأخرجه الدارقطني في "سننه"(5): ثنا يحيى بن محمَّد بن صاعد، نا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن رسول الله عليه السلام قال:"لا تحل في البر والتمر زكاة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا تحل في الورق زكاة حتى تبلغ خمس أواقٍ، ولا تحل في الإبل زكاة حتى تبلغ خمس ذود".

السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري

إلى آخره.

(1)"سنن الدارقطني"(2/ 93 رقم 5).

(2)

"صحيح البخاري"(2/ 524 رقم 1378).

(3)

"سنن أبي داود"(2/ 94 رقم 1558).

(4)

"جامع الترمذي"(3/ 22 رقم 627).

(5)

"سنن الدارقطني"(2/ 92 رقم 4).

ص: 136

وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، قالوا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة".

السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (2): ثنا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عليه السلام قال:"ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْد من الإبل صدقة".

وأخرجه ابن ماجه (3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، حدثني الوليد بن كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يحيى بن عمارة وعباد بن تميم، عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي عليه السلام يقول:"لا صدقة فيما دون خمسة أوساق من التمر، ولا فيما دون خمس أواقٍ، ولا فيما دون خمس من الإبل صدقة".

قوله: "خمسة أوسق" الأوسق: جمع وسق، والوسق ستون صاعًا، وقد مرَّ الكلام فيه في آخر الباب الذي قبله.

قوله: "ذَود". بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها قال مهملة، والذَوْد من الإبل: من ثلاث إلى عشر، ومثل من الأمثال: الذود إلى الذود إبل، وقيل: الذود ما بين الثنتين والتسع من الإناث دون الذكور، قال الشاعر:

ذودٌ ثلاث بكرةٌ ونابان

غير الفحول من ذكور البعران

(1)"صحيح مسلم"(2/ 674 رقم 979).

(2)

"صحيح البخاري"(2/ 529 رقم 1390).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 571 رقم 1793).

ص: 137

وقولهم في المثل: الذود إلى الذود إبل، يدل على أنها في موضع اثنين؛ لأن الثنتين إلى الثنتين جمع، والأذواد جمع ذود، قال سيبويه: وقالوا: ثلاث ذود فوضعوه موضع أذواد، قال الفارسي: وهذا على حد قولهم: ثلاث أشياء، فإذا وصفت الذود فإن شئت جعلت الوصف مفردًا بالهاء على حد ما توصف الأسماء المؤنثة التي لا تعقل في حد الجمع فقلت: ذودٌ جَرِبَةٌ، وإن شئت جمعت فقلت: ذود جراب.

وفي "المحكم": الذود من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين.

وقال ابن الأعرابي: لا تكون إلا من الإناث، وهو مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس.

وذكر في كتاب "نعوت الإبل" لأبي الحسن النضر بن شميل ما يدل على أنه ينطلق على الذكور أيضًا، وهو قوله: الذود ثلاثة أبعرة، يقال: عند فلان ذود له، وعليه ثلاث ذود، وعليه أذواد له إذا كنَّ ثلاثًا فأكثر، وعليه ثلاث أذواد مثله سواء، ويقال: رأيت أذواد بني فلان إذا كانت فيما بين الثلاث إلى خمس عشرة.

وفي "الجامع" للقزاز: وقول الفقهاء: ليس فيما دون خمس ذود صدقة إنما معناه خمس من هذا الجنس، وقد أجاز قوم أن يكون الذود واحدًا، وأرسل الذود يكون لقطعة من الإبل.

وقال الجوهري: الذود مؤنثة لا واحد لها من لفظها.

وقال بعضهم: ومما يرسخ ما ذكره النضر بن شميل: رواية من روى "خمسة ذود" على الإضافة وهي الرواية المشهورة، ومنهم مَن رواه بالتنوين على البدل.

وفي "الاستذكار": الذود أحد الإبل كأنه يقول: ليس فيما دون خمس من الإبل أو خمس جمال أو خمس فوق صدقة، وقد قيل: الذود قطعة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، والأول أكثر عند أهل الفقه وأظهر.

وقال ابن قتيبة: ذهب قومٌ إلى أن الذود واحد وذهب آخرون إلى أنه جمع وهو المختار، واحتج بأنه لا يقال: خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب.

ص: 138

قال أبو عمر: ليس هذا بشيء.

وقال ابن حبيب: الذود من الإبل من الثلاثة إلى التسعة فلا يتبعض الذود كما لا يتبعض النفر من الرجال، وزعم بعضهم أن الذود مشتق من الذود بمعنى السوْق؛ وذلك لأنها تذاد أي: تساق.

وقال ابن مرين: الذود الجمل الواحد.

وقال أبو زياد الكلابي في كتاب "الإبل" تأليفه: والثلاث من الإبل ذود، وليس الثنتان بذود إلى أن تبلغ عشرين.

قوله: "أواقٍ" جمع أوقية وهي أربعون درهمًا. وقد مرَّ الكلام فيه مستوفيً.

ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن مسلم، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة في شيء من الزرع والكرم حتى يكون خمسة أوسق، ولا في الرقة حتى تبلغ مائتي درهم".

حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، نا محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة".

ص: 139

وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة، وليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة".

الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله.

وأخرجه مسلم (2): ثنا هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ".

قوله: "ولا في الرقة" بكسر الراء وفتح القاف المخففة: الدراهم، ويقال: الورِق بفتح الواو وكسر الراء، والوِرق بكسر الواو وسكون الراء، والوَرْق بفتح الواو وسكون الراء، والرِّقَّة: الدراهم، وربما سميت الفضة وَرِقَةً، والرقة: الفضة والمال.

وعن ابن الأعرابي: الرقة: الفضة والذهب.

وعن ثعلب: جمع الوَرق والوِرَقْ أوراق، وجمع الرقة رِقُّون ورِقِّين.

وفي "الجامع": أعطاه ألف درهم رقةً يعني لا يخالطها شيء من المال غيرها.

وفي "الغريبين": الورق والرقة، الدراهم خاصةً، وأما الوَرَق فهو المال كله.

وقال أبو بكر: الرقة معناها في كلامهم الوَرِق وجمعها رقاة.

وفي "المعرب": الورق -بكسر الراء- المضروب من الفضة، وكذا الرقة.

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 572 رقم 1794).

(2)

"صحيح مسلم"(2/ 675 رقم980).

ص: 140

وفي "المجمل": الوَرق الدراهم وحدها، والوِرْق من المال.

قوله: "حتى تبلغ مائتي درهم" وهو نصاب الفضة.

ثم اعلم أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس ونوع عليه نقش الروم، وأحد النوعين يقال له: البغليّ وهي السود، الدرهم منها ثمانية دوانيق، والآخر يقال له: الطبري وهي العتق، الدرهم منها أربعة دوانيق، وذكر في بعض شروح "الهداية": البغليّ نسبة إلى ملك يقال له رأس البغل، والطبري نسبة إلى طبرية، وقيل: إلى طبرستان.

وقال الخطابي عن بعضهم: لم تزل الدراهم على العيار في الجاهلية والإِسلام وإنما غيروا السكك ونقشوها، وقام الإِسلام والأوقية أربعون درهمًا.

وفي "الأحكام" للماوردي: استقر في الإِسلام زِنة الدرهم ستة دوانيق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وقيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى الدراهم مختلفةً البغلية والطبرية ومنها الغربية ثلاث دوانيق، ومنها اليمنية دانق واحد، فأخذ البغلية والطبرية؛ لأنهما أغلب في الاستعمال، فكانا اثني عشر دانقًا، فأخذ نصفها فصار الدرهم ستة دوانيق فجعلها درهمًا.

وزعم المرغيناني أن الدرهم كان شبيه النواة، ودوِّر على عهد عمر رضي الله عنه فكتبوا عليه وعلى الدينار:"لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله"، ثم زاد ناصر الدولة بن حمدان:"صلى الله عليه وسلم" فكانت منقبةً لآل حمدان، وذكر الشيخ شهاب الدين القرافي في كتاب "الذخيرة": أن الدرهم المصري أربعة وستون حبةً وهو أكبر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزائد كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين.

وفي "فتاوى الفضلي": تعتبر دراهم كل بلد ودنانيرهم، ففي خوارزم تجب الزكاة عندهم في مائة وخمسين، وزن: سبعة.

فعلى هذا من ملك في زماننا مائتي درهم تكون نصابًا وإن لم يبلغ وزنها مائة مثقال ولا قيمتها اثنى عشر دينارًا.

ص: 141

وذكر أبو عمر: أن أبا عبيد قال: إن الدراهم لم تكن معلومةً إلى زمن عبد الملك، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق.

وقال القاضي عياض: ولا تصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولةً في زمن النبي عليه السلام وهو يوجب الزكاة في أعداد منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. قال: وهذا يُبيِّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق قولٌ باطلٌ، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإِسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم صغارًا وكبارًا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإِسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا يُستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وصرفوه على وزنهم.

وقال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت معلومة حينئذٍ وإلا فكيف كان تتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد؟! وهكذا كما كانت الأوقية معلومةً.

وقال الشيخ محيى الدين: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا في الإِسلام.

وروى ابن سعد في كتاب "الطبقات"(1) في ترجمة عبد الملك بن مروان: أنا محمَّد بن عمر الواقدي، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال:"ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضربها ونقش عليها".

(1)"الطبقات الكبرى"(5/ 229).

ص: 142

وقال الواقدي: ثنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن أبيه قال:"كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك بن مروان الدراهم والدنانير اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبَّةً بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة". انتهى.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال" في باب الصدقة وأحكامها: "كانت الدراهم قبل الإِسلام كبارًا وصغارًا، فلما جاء الإِسلام وأرادوا ضرب الدراهم -وكانوا يزكونها من النوعين- فنظروا إلى الدرهم الكبير فإذا هو ثمانية دوانيق، وإلى الدرهم الصغير فإذا هو أربعة دوانيق، فوضعوا زيادة الكبير على نقصان الصغير فجعلوهما درهمين سواء، كل واحد ستة دوانيق، ثم اعتبروها بالمثاقيل، ولم يزل المثقال في آباد الدهر محدودًا لا يزيد ولا ينقص، فوجدوا عشرة من هذه الدراهم التي واحدها ستة دوانيق تكون وزان سبعة مثاقيل، وأنه عدل بين الكبار والصغار، وأنه موافق لسنة رسول الله عليه السلام في الصدقة، فمضت سنة الدراهم على هذا، فاجتمعت عليه الأمة، فلم يختلف أن الدرهم التام ستة دوانيق، فما زاد أو نقص قيل فيه: زائد وناقص.

والناس في الزكوات على الأصل الذي هو الستة لم يزيغوا عنه، وكذلك في المبايعات. انتهى.

وزعم بعضهم أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عددًا وقت قدوم سيدنا رسول الله عليه السلام قال: ويدل عليه قول عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة: "إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدةً واحدة فعلت" تريد الدراهم، فأرشدهم عليه السلام إلى الوزن وجعل العيار وزن أهل مكة شرفها الله تعالى.

وفي بعض شروح البخاري: واختلف في أول مَن ضربها، فقال أبو الزناد: أمر عبد الملك بضربها في العراق سنة أربع وسبعين، وقال المدائني: بل كان ذلك في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين، وقيل: أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم سنة سبعين، على ضرب الأكاسرة، ثم غيَّرها الحجاج.

ص: 143

وذكر محمَّد بن خلف في كتاب "المكاييل"، عن الواقدي، عن سعيد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان لقريش أوزن في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أقرت على ما كانت عليه الأوقية أربعون درهمًا، والرطل اثنى عشر أوقيةً، فذلك أربعمائة وثمانون درهما، وكان لهم النش وهو عشرون درهمًا، والنواة وهي خمسة دراهم، وكان المثقال اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبةً، وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل، والدرهم خمسة عشر قيراطًا، فلما قدم سيدنا رسول الله عليه السلام كان يسمى الدينار لوزنه دينارًا، وإنما هو تبر، ويسمى الدرهم لوزنه درهمًا وإنما هو تبر، فأقرت موازين المدينة على هذا، فقال النبي عليه السلام:"الميزان ميزان أهل المدينة".

وحكى الأثرم عن أحمد أنه قال: اصطلح الناس على دراهمنا وإن كان بينهم في ذلك اختلاف لطيف. قال: وأما الدينار فليس فيه خلاف.

قال أبو عمر: روى جابر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: "الدينار أربعة وعشرون قيراطًا" قال أبو عمر: هذا وإن لم يصح سنده ففي قول جماعة العلماء به، واجتماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه.

وقال ابن حزم في "المحلى"(1): وبحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكلٌّ اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبةً وثلاثة أعشار حبَّة، بالحب من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبةً وستة أعشار حبَّة وعُشر عُشر حبَّة، فالرطل مائة درهم واحدة وثمانية وعشرون درهمًا بالدرهم المذكور.

وقال ابن حزم أيضًا: الدرهم في الورق والدينار في الذهب ثم يجتمعان في النواة والنش والأوقية، وقد دخل في الرطل في بعض المقادير، فالدرهم المذكور في الزكاة هو الذي في كل سبعة دنانير ذهبا منه عشرة دراهم بوزن مكة، والأوقية أربعون درهما مكية من ذهب أو فضة، والرطل اثنى عشر أوقية مكية.

(1)"المحلى"(5/ 246).

ص: 144

وقال في "الإيصال": لا خلاف بين أحد في الأوقية المذكورة في أواقي الورق في الصدقة المفروضة: أنها أربعون درهمًا بالدرهم المكي، وأما وزن الرطل فإن الناس يختلفون في أن المثقال على وزنه قديما وحديثًا، وهو درهمان طبريان، والدرهم الطبري هو القرطبي.

ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: ثنا شيبان ابن عبد الرحمن، عن ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله عليه السلام: "ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، ولا خمس أواقٍ ولا خمسة أوساق صدقة".

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا ليث

فذكر بإسناده مثله.

حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر نحوه ولم يرفعه.

ش: هذه ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن الحسن بن موسى الأشيب أبي علي البغدادي قاضي طبرستان وشيخ أحمد، روى له الجماعة، عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي أبي معاوية البصري المؤدب روى له الجماعة، عن ليث بن أبي سليم أيمن بن زنيم القرشي الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام نحوه.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 360 رقم 9903).

ص: 145

وأخرجه البيهقي (1): من حديث عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن نافع

إلى آخره نحوه.

الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الله بن سعيد، نا المحاربي عبد الرحمن بن محمَّد، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي عليه السلام قال:"ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، ولا خمس أواقٍ من فضة صدقة".

الثالث: وهو موقوف: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني نزيل مصيصة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي المكي، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما ولم يرفعه إلى النبي عليه السلام.

ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام مثله.

ش: نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور، تُكُلم فيه؛ فعن النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بثقة. وعن أحمد: كان من الثقات. وعن يحيى: ثقة. وعنه: يروي عن غير الثقات.

وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور.

ومعمر هو ابن راشد. وأبو صالح هو ذكوان الزيات. والكل ثقات.

والحديث أخرجه أبو عمر بن عبد البر (2): نا سعيد بن نصر، نا قاسم بن أصبغ، نا ابن وضاح، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 121 رقم 7215).

(2)

"التمهيد لابن عبد البر"(20/ 135).

ص: 146

معمر، قال: حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام قال:" [ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، و] (1) ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة".

وقال إسناده حسن.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: ثنا الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده:"أن رسول الله عليه السلام كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن" فكتب فيه: ما سقت السماء أو كان سيحًا أو بعلًا فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقط بالرِشاء أو بالدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق".

ش: مرَّ هذا الإسناد بعينه في أواخر الباب الذي قبله، وهو حديث مطول جدًّا أخرج بعضه هناك وبعضه ها هنا؛ للتبويب، وترك أكثره، وقد ذكرناه بتمامه هناك مع شرح معانيه.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا تجب الصدقة في ضيء من الحنطة والشعير والتمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق، وكذلك كل شيء مما تخرج الأرض مثل الحمص والعدس والماش وما أشبه ذلك فليس في شيء منه صدقة حتى يبلغ هذا المقدار أيضًا، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد وأهل المدينة.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن المسيب والثوري ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا تجب الصدقة -أي الزكاة- في شيء من الحنطة ونحوها من الحبوب، وفي التمر والزبيب حتى تكون خمسة أوسق، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "التمهيد".

ص: 147

وقال أبو عمر بن عبد البر: قوله عليه السلام: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" يقتضي نفي وجوب الزكاة عما دون خمسة أوسق، ويقتضي وجوبها في هذا المقدار فما فوقه، والخمسة الأوسق عندنا بالكيل القرطبي: خمسة وعشرون قفيزًا على حساب ثمانية وأربعين.

هذا وإن كان القفيز اثنين وأربعين مدًّا كما زعم جماعة من الشيوخ عندنا فهي ثمانية وعشرون قفيزًا ونصف قفيز وأربعة أسباع قفيز وزن جميعها ثلاثة وخمسون ربعًا وثلث ربع كل ربع منها من ثلاثين رطلًا.

فهذا هو المقدار الذي لا تجب الزكاة فيما دونه وتجب فيما فوقه كيلًا؛ لأن الحديث إنما نبَّه على الكيل.

وهذا إجماع من العلماء أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق إلا أبا حنيفة وزفر ورواية عن بعض التابعين؛ فإنهم قالوا: الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قلَّ ذلك أو كثر إلا الطرف والقصب الفارسي والحشيش والحطب.

وأجمع العلماء كلهم من السلف والخلف على أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، واختلفوا فيما سوى ذلك من الحبوب، فقال مالك: الحبوب التي تجب فيها الزكاة: الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والحمص والعدس والجلبان واللوبيا وما أشبه ذلك من الحبوب والقطاني كلها.

قال: وفي الزيتون الزكاة.

وقال الشافعي: كل ما يزرعه الآدميون وييبس ويُدَّخر ويقتات مأكولًا خبزًا وسويقًا وطبيخًا ففيه الزكاة.

قال: والقطاني كلها فيها الزكاة، واختلف قوله في الزيتون، وآخره أنه رجع إلى أنه لا زكاة فيه؛ لأنه إدام. قال: وليس في الأرز والقتّ والقثاء وحبوب البقل والشونيز صدقة، ولا يؤخذ من ثمر الشجر صدقة إلا في النخل والعنب، وقال الطبري في هذا

ص: 148

الباب بقول الشافعي، ولا زكاة عنده في الزيتون، وأجمعوا أنه لا يضاف التمر إلى الزبيب ولا إلى البر ولا الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم، والغنم والضأن والمعز يُضاف بعضها إلى بعض بإجماع.

واختلفوا في ضم الذهب والورق بعضه إلى بعض في الزكاة، فقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والثوري: يضم أحدهما إلى الآخر فيكمل به النصاب، إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة، وكذلك قال الثوري إلا أنه قال: يضم القليل إلى الكثير بقيمة الأكثر.

وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والشافعي وأصحابه وأبو ثور وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والطبري وداود بن عليّ: لا يضم شيء منهما إلى صاحبه، ويعتبرون تمام النصاب في كل واحدٍ منهما.

واختلفوا في زكاة الزيتون، فقال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص زيتونًا ويؤخذ زيتًا صافيًا.

وقال مالك: لا يخرص ولكن يؤخذ العشر بعد أن يُعصر، ويبلغ كيل الزيتون خمسة أوسق.

وقال أبو حنيفة والثوري: تؤخذ الزكاة من حبِّه.

وكان ابن عباس يوجب الزكاة في الزيتون، وروي عن عمر رضي الله عنه ولا يصح فيه شيء، وكان الشافعي بالعراق يقول في الزيتون [الزكاة] (1) ثم قال بمصر: لا أعلم الزكاة تجب في الزيتون.

واتفق مالك والشافعي على أن لا زكاة في الرمان.

وقال عياض: رأى أبو حنيفة إخراج الزكاة العشر ونصف العشر من كل ما أخرجت الأرض من الثمار والرياحين والخضر ونحوها إلا الحشيش ونحوه.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "التمهيد"(20/ 153).

ص: 149

ورأى الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين: أن لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وذهب مالك في المشهور عنه أنها تجب في كل ما يقتات ويُدَّخر غالبًا، ونحوه قول الشافعي وأبي ثور إلا أنهما استثنيا الزيتون.

وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها، ما ادَّخر منها وما لم يُدَّخر.

وقال ابن حزم في "المحلى"(1): ولا تجب الزكاة إلا في ثمانية أصناف من الأموال فقط وهي: الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والإبل والبقر والغنم ضأنها وماعزها فقط، ولا زكاة في شيء من الثمار ولا من الزرع ولا في شيء من المعادن غير ما ذكرنا، ولا في الرقيق ولا في العسل ولا في عروض التجارة.

وقال: واختلف السلف في كثير مما ذكرنا، فأوجب بعضهم الزكاة فيها ولم يوجبها بعضهم، واتفقوا في أصناف سوى هذه أنه لا زكاة فيها، فمما اتفقوا أنه لا زكاة فيها كل ما اكتسب للقينة لا للتجارة من جوهر وياقوت ووطاء وغطاء وثياب وآنية نحاس أو حديد أو رصاص أو قزدير وسلاح وخشب ودور وضياع وبغال وحمير وصوف وحرير وغير ذلك لا يحاش شيئًا.

وقالت طائفة: كل ما عمل منه عصيدة أو خبز ففيه الزكاة، وما لم يؤكل إلا بقلها فلا زكاة فيه. وهو قول الشافعي.

وقال مالك: الزكاة واجبة في القمح والشعير والسلت، وهي كلها صنف واحد.

قال: وفي العَلَس، وهو صنف مفرد.

وقال مرة أخرى: إنه يضم إلى القمح والشعير والسلت.

قال: وفي الدخن وهو صنف مفرد وفي السمسم والأرز والذرة، وكل صنف منها منفرد لا يضم إلى غيره، وفي الفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبان والبسيل والترمس وسائر القطنية، وكل ما ذكرنا فهو واحد يضم بعضه إلى بعض.

(1)"المحلى"(5/ 210 - 213).

ص: 150

قال: وأما في البيوع فكل صنف منها على حياله إلا الحمص واللوبيا فإنهما صنف واحد. ومرة رأى الزكاة في حب العصفر، ومرةً لم يرها فيه.

وأوجب الزكاة في زيت الفجل، ولم يرها في زريعة الكتان ولا في زيتها ولا في الكتان ولا في القطن ولا في الكرسنَّة ولا في الخضر كلها، ولا في اللفت، ورأى الزكاة في الزبيب وفي زيت الزيتون لا في حبه، ولم يرها في شيء من الثمار ولا في تين ولا في بلوط ولا قسطل ولا رمَّان ولا جوز الهند ولا جوز ولا لوز ولا غير ذلك أصلًا.

وقال أبو حنيفة: الزكاة في كل ما أنبتت الأرض من حبوب أو ثمار أو نوَّار، ولا يحاش شيئًا حتى الورد والسوسن والنرجس وغير ذلك حاشا ثلاثة أشياء فقط وهي: الحطب والقصب والحشيش فلا زكاة فيها.

واختلف قوله في قصب الذريرة؛ فمرةً رأى فيها الزكاة، ومرةً لم يرها فيها.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة في الخضر كلها ولا في الفواكه. وأوجبا الزكاة في الجوز واللوز والتين وحب الزيتون والجلّوز والصنوبر والفستق والكمون والكراويا والخردل والعناب وحب البسباس، وفي الكتان وفي زريعته أيضًا، وفي حب العصفر وفي نواره، وفي حب القنب لا في كتانه وفي الفوة، إذا بلغ كل صنف مما ذكرنا خمسة أوسق وإلا فلا.

وأوجبا الزكاة في الزعفران والقطن والوَرْس.

واختلفا في الإجاص والبصل والثوم والحنَّاء، فمرة أوجبا فيها الزكاة، ومرةً أسقطاها. وأسقطا الزكاة عن خيوط القنب وعن حب القطن، وعن البلوط والقسطل والنبق والتفاح والكمثرى والمشمش والهليلج والبطيخ والقثاء واللفت والتوت والخروب والحرف والحلبة والشونيز والكراث. انتهى.

وفي "البدائع"(1): يجب العشر في العنب عندهما؛ لأن المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة وهو الزبيب فيخرص العنب جافًّا، فإن بلغ مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة

(1)"بدائع الصنائع"(2/ 178).

ص: 151

أوسق يجب في عينه العشر أو نصف العشر، وإلا فلا شيء فيه.

وروي عن محمَّد أن العنب إذا كان رقيقًا لا يصلح للماء ولا يجيء منه الزبيب فلا شيء فيه وإن كثر.

وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار إذا كان يجيء منها ما يبض من سنة إلى سنة بالتجفيف أنه يخرص ذلك جافًّا، فإن بلغ نصابًا وجب وإلا فلا كالتين والإجاص والكمثرى والخوخ ونحو ذلك؛ لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة فكانت كالزبيب. وقال محمَّد: لا يجب العشر في التين والخوخ والإجاص والكمثرى والتفاح والنبق والمشمش والتوت والموز والخروب، ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق.

وروي عن محمَّد أنه يجب العشر في البصل، ولا عشر في الآس والورد والوَسِمَة، لأنها من الرياحين.

وأما الحناء فقال أبو يوسف: فيه العشر. وقال محمَّد: لا عشر فيه؛ لأنها من الرياحين فأشبه الآس والورد، والعصفر والكتان إذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق وجب فيه العشر، ويجب في العصفر والكتان أيضًا على طريق التبع.

وقالا في اللفت: إذا بلغ خمسة أوسق ففيه العشر، وكذا حب الصنوبر، ويجب في الكروياء والكمون والكسبرة والخردل، ولا يجب في السَّعْتر والشومر والحلبة؛ لأنها من جملة الأدوية.

وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر، فإذا بلغ ما يخرج منه خمسة أوسق وجب فيه العشر، ولا شيء في البلوط، ولا في بذر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة، وكل بذر لا يصلح إلا للزراعة بلا خلاف بينهما، والله أعلم.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فأوجبوا الصدقة في قليله وكثيره.

ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وإبراهيم النخعي والزهري وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وزفر بن الهذيل رحمهم الله؛ فإنهم أوجبوا الصدقة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره، ولم يوقتوا فيها شيئًا.

ص: 152

وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا معتمر بن سليمان الرقي، عن خصيف، عن مجاهد، قال:"فيما أخرجت الأرض فيما قلَّ منه أو كثر العشر أو نصف العشر".

ثنا (2) غُنْدَر، عن شعبة، عن حماد، قال:"في كل شيء أخرجت الأرض العُشر أو نصف العشر".

ثنا (3) وكيع، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال:"في كل شيء أخرجت الأرض زكاة، حتى في عشر دستجات بقل دستجة بقل".

ثنا (4) عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري:"أنه كان لا يوقت في الثمرة شيئًا، وقال: العشر أو نصف العشر".

ثنا (5) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال:"في كل شيء أخرجت الأرض زكاة". انتهى.

وقال ابن المنذر: زعم علماء الأمصار أن الزكاة ليست بواجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أن أبا حنيفة وحده، قال: تجب في كل ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير.

قلت: قوله: "إلا أن أبا حنيفة وحده" غير صحيح لما ذكرنا الآن عن مجاهد والنخعي والزهري وحماد مثل قوله.

وقال النووي: لا خلاف بين المسلمين أن لا زكاة فيما دون خمسة أوسق إلا ما قال أبو حنيفة وبعض السلف أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة.

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 371 رقم 10028).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 371 رقم 10029).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 371 رقم 10030).

(4)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 371 رقم 10031).

(5)

"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 372 رقم 10034).

ص: 153

قلت: الذي قاله باطل، فعجبي منه كيف يتلفظ بهذا الكلام مع شهرته بالورع والديانة، وكيف قد غفل عن مستندات هؤلاء من الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما على ما يجيء الآن إن شاء الله تعالى؛ ولقد صدق مَن قال:

حفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياءُ

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال:"بعثني رسول الله عليه السلام إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العشر، ومما سقي بالدوالي نصف العُشر".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو بكر بن عياش

فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان طريقان صحيحان:

الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الحناط -بالنون- المقرئ الكوفي روى له الجماعة؛ مسلم في مقدمة كتابه، واختلف في اسمه فقيل: محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك.

عن عاصم بن أبي النَّجود -بفتح النون- الأسدي أبي بكر المقرئ روى له الجماعة الشيخان مقرونًا بغيره، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي روى له الجماعة، عن معاذ بن جبل.

وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر ابن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ رضي الله عنه

إلى آخره نحوه سواء.

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 581 رقم 1818).

ص: 154

وأخرجه النسائى (1) أيضًا ولفظه: "بعثني رسول الله عليه السلام إلى اليمن، فأمرني أن آخذ مما سقت السماء العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر".

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان.

عن أبي بكر بن عياش

إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ قال:"بعثني رسول الله عليه السلام إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء وما سقي بعلًا العُشر، ومما سقي بالدوالي نصف العشر".

قوله: "مما سقت السماء" أي: المطر.

قوله: "وما سقي بعلًا" البعل بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة هو الذي يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها.

قال الأزهري: هو ما ينبت من النخل في أرض يقرب ماؤها، فرسخت عروقها في الماء واستغنت عن ماء السماء والأنهار وغيرها.

وقال ابن ماجه (3): قال يحيى بن آدم: البعل والعثري والعذي هو الذي يسقى بماء السماء، والعثري ما يزرع بالسحاب وبالمطر خاصةً ليس يصيبه إلا ماء المطر، والبعل: ما كان من الكرم قد ذهبت عروقه في الأرض إلى الماء فلا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست.

فإن قيل: "بعلًا" منصوب بماذا؟

(1)"المجتبى"(5/ 42 رقم 2490).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(4/ 131 رقم 7282).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 581 رقم 1818).

ص: 155

قلت: يجوز أن يكون حالًا، وغير المشتق يقع حالًا بالتأويل كما في قولك: جاءني يزيد أسدًا. أي شجاعًا، والأظهر أنه نصب على التمييز من قبيل {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} (1)؛ وذلك لأن نسبة التفجير إلى الأرض لما كانت مبهمة بيَّنها بقوله:{عُيُونًا} وهو من قبيل ما يبين إجمالًا في نسبة الفاعل إلى مفعوله.

قوله: "بالدوالي" جمع دالية وهي المنجنون التي يديرها الثور.

فإن قيل: ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث؟

قلت: هو أنه مطلق وليس فيه فصل بين أن تكون خمسة أوسق أو أقل أو أكثر، فوجب العمل بإطلاقه، ووجبت الصدقة في كل ما تخرج الأرض سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولكن إن كان الخارج مما سقي بالسيح والمطر ففيه العُشر كاملًا، وإن كان بالدالية أو السانية (2) ففيه نصف العُشر.

وأما جواب أبي حنيفة عن الأحاديث المتقدمة فهو أن المراد بها زكاة التجارة؛ لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهمًا.

وقد أجيب عنها بأنها منسوخة.

فإن قيل: ما وجه النسخ في ذلك؟

قلت: إذا ورد حديثان أحدهما عام والآخر خاص، فإن عُلِم تقديم العام على الخاص خصَّ العام بالخاص، كمن يقول لعبده: لا تعط لأحد شيئًا. ثم قال له: أعطِ زيدًا درهمًا. ثم قال له: لا تعط أحدًا شيئًا. فإن هذا ناسخ للأول.

هذا مذهب عيسى بن أبان، وهو المأخوذ به، ويقال: هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فإن العام يجعل آخرًا لما فيه من الاحتياط، وهنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا احتياطًا. وقال بعض أصحابنا: وحجة أبي حنيفة فيما ذهب إليه عموم قوله

(1) سورة القمر، آية:[12].

(2)

السانية: هي الناقة التي يستقى عليها. انظر لسان العرب (14/ 404 مادة سنا).

ص: 156

تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} (1) وقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (2) والأحاديث التي تعلقت بها أهل المقالة الأولى أخبارآحاد، فلا تقبل في معارضة الكتاب.

فإن قيل: ما تلوتم من الكتاب ورويتم من الأحاديث لأبي حنيفة رضي الله عنه تقتضي الوجوب من غير تعرض لمقدار الواجب، وما روى هؤلاء يقتضي وجوب المقدار، فكان بيانًا لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه.

قلت: لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما احتج به أبو حنيفة عام، فيتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل، وما روى هؤلاء يختص فيما يدخل تحت الوسق فلا يصلح بيانًا للقدر الذي يجب فيه العُشر؛ لأن من شرط البيان أن يكون شاملًا لجميع ما يقتضي البيان، وهذا ليس كذلك، فعلم أنه لم يرد مورد البيان.

ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور".

حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيما سقت الأنهار والعيون أو كان عثريًّا يُسقى بالسماء العشور، وفيما سقي بالناضح نصف العشور".

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله عليه السلام مثله.

(1) سورة البقرة، آية:[267].

(2)

سورة الأنعام، آية:[141].

ص: 157

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله عليه السلام مثله.

ش: هذه أربع طرق:

الأول: إسناده صحيح على شرط الشيخين: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله

إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا: العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر".

وأخرجه النسائي (2) وابن ماجه (3) أيضًا.

وأخرجه الترمذي (4) ولكن عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

قوله: "بالناضح" وهو واحد النواضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها.

الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حَبيب سويد المصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي عليه السلام.

وأخرجه الدارقطني (5): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يزيد بن سنان، ثنا ابن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم بن

(1)"سنن أبي داود"(2/ 108 رقم 1596).

(2)

"المجتبى"(5/ 41 رقم 2488).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 581 رقم 1817).

(4)

"جامع الترمذي"(3/ 31 رقم 639).

(5)

"سنن الدارقطني"(2/ 130 رقم 6).

ص: 158

عبد الله، عن أبيه:"أن رسول الله عليه السلام فرض في البعل وما سقت السماء والأنهار والعيون العُشر، وفيما سقي بالنضح نصف العُشر".

الثالث: بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي

إلى آخره.

وأخرجه البخاري (1): ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي عليه السلام قال:"فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العُشر، وما سقي بالنضح نصف العشر".

الرابع: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن لهيعة

إلى آخره.

ورجاله ثقات، إلا أن في ابن لهيعة مقالًا على أن أحمد وثقه جدًّا.

قوله: "أو كان عَثَرِيًّا" بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وكسر الراء، وهو من النخيل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة.

وقيل: هو العِذْي وقيل: ما سُقي سيحًا، والأول أشهر؛ سمي به كأنه عثر على الماء عثرًا بلا عمل من صاحبه، وهو منسوب إلى العَثْر -بسكون الثاء- ولكن الحركة من تغييرات النسب.

وقال الجوهري: العَثَرِيّ -بالتحريك- العِذْي، وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر، والعِذي: بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة الزرع الذي لا يسقيه إلا المطر. قاله الجوهري أيضًا.

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، أن

(1)"صحيح البخاري"(2/ 540 رقم 1412).

ص: 159

أبا الزبير، حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يذكر عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر".

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.

وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي.

وأخرجه مسلم (1): حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح وهارون بن سعيد الأيلي وعمرو بن سواد والوليد بن شجاع، كلهم عن ابن وهب -قال أبو الطاهر: أنا عبد الله بن وهب- عن عمرو بن الحارث، أن أبا الزبير، حدثه أنه سمع جابر بن عبد الله يذكر، أنه سمع النبي عليه السلام قال

إلى آخره نحوه سواء.

قوله: "الغيم" أي: السحاب، وأراد به المطر، من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال.

و"السانية": الناقة التي يستقي عليها، وقيل: هي الدلو العظيمة وأداتها التي يستقي بها، ثم سميت الدواب سواني لاستقائها، وكذلك المستقى بها سانية أيضًا.

قال عياض: السانية الإبل التي يرفع عليها الماء من البئر، وتسنى أي تسقى، يقال: سنى يسنو سُنوًا: إذا استقى.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: ففي هذه الآثار أن رسول الله عليه السلام جعل فيما سقت السماء ما ذكر فيها ولم يقدر في ذلك مقدارًا، ففي ذلك ما يدل على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، قل أو كثُر.

ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

وأشار بهذا الكلام إلى بيان كيفية الاستدلال بأحاديث هؤلاء، وهو أنها تخبر أن الواجب فيما سقت السماء ونحوها العشر كاملًا، ونصفه فيما سقت الدالية أو

(1)"صحيح مسلم"(2/ 675 رقم 981).

ص: 160

السانية مطلقًا من غير تعرض فيها إلى بيان المقدار، فدلت بعمومها على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فإذا كان الأمر كذلك، تكون أحاديث هؤلاء مضادة لأحاديث أهل المقالة الأولى؛ لأن فيها ذكر المقادير، فحينئذٍ لم يتم استدلالهم بها.

فإن قيل: فإذا لم يتم استدلالهم بها لما ذكرتم فكذلك، لا يتم استدلالكم أيضًا بأحاديثكم لما ذكرتم من التضاد بينها.

قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن ما استدللنا به عام وما استدل به هؤلاء خاص. وقد ذكرنا فيما مضى أن العام إذا عُلم تقدمه على الخاص خُص العام بالخاص، وإذا لم يعلم فإن العام يُجعل آخرًا، لما فيه من الاحتياط، وها هنا لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرًا، فصار العمل للأحاديث العامة، فافهم.

ص: فإن قال قائل ممن يذهب إلى قول أهل المدينة: إن هذه الآثار التي رويتَها في هذا الفصل غير مضادة للآثار التي رويتها في الفصل الأول إلا أن الأولى مفسرة وهذه مجملة، فالمفسر أولى من المجمل.

قيل له: هذا محال؛ لأن رسول الله عليه السلام أخبر في هذه الآثار أن ذلك الواجب من العشر أو نصف العشر فيما يُسقى بالأنهار أو بالعيون أو بالرشاء أو بالدالية، فكان وجه الكلام على كل ما خرج مما سُقي بذلك، وقد رويتم أنتم عن رسول الله عليه السلام أنه ردَّ ماعزًا عندما جاء فأقر عنده بالزنا أربع مرات، ثم رجمه بعد ذلك، ورويتم أن رسول الله عليه السلام قال لأنيس:"اغدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، فجعلتم هذا دليلًا على أن الاعتبار بالاقرار بالزنا مرة واحدة؛ لأن ذلك ظاهر قول رسول الله عليه السلام:"فإذا اعترفت فارجمها" ولم تجعلوا حديث ماعزٍ قاضيًا على حديث أُنَيسٍ هذا المُجْمَل، فيكون الاعتراف المذكور في حديث أنيسٍ المجمل هو الاعتراف المذكور في حديث ماعز المفسر، فإذا كنتم قد [فعلتموه](1) هذا فيما

(1) كذا في "الأصل، ك"، ولعل الصواب:"فعلتم".

ص: 161

ذكرنا، فما تنكرون على مَن فعل في أحاديث الزكوات ما وصفنا؟ بل حديث أنيس أولى أن يكون معطوفًا على حديث ماعز؛ لأنه ذكر فيه الاعتراف، وإقراره مرة واحدة ليس هو اعتراف الزاني الذي يوجب الحد عليه في قول مخالفكم، وحديث معاذ وابن عمر وجابر رضي الله عنهم في الزكاة إنما فيه ذكر إيجابها فيما سُقي بكذا أو فيما سقي بكذا، فذلك أولى أن يكون مضادًا لما فيه ذكر الأوساق، من حديث أنيس لحديث ماعز رضي الله عنه.

ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم التضاد بين هذه الآثارة؛ لأن الأحاديث التي فيها ذكر الأوساق مفسرة، والأحاديث المطلقة التي لم يذكر فيها المقدار مجملة، فالعمل بالمفسر أولى من العمل بالمجمل؛ لأن ما في المفسر يبيِّن ما في المجمل، فيكون المفسر قاضيًا على المجمل فيحمل عليه، ويُعطف حكمه على حكمه.

وتقرير الجواب أن يقال: ما ذكرتم محال؛ لأنه عليه السلام أخبر في أحاديث معاذ وابن عمر وجابر أن الواجب الذي أمره من العشر أو نصف العشر فيما يُسقى بالأنهار أو بالعيون أو بالدالية والسانية، فكان الذي يقتضيه الكلام هو الوجوب في كل ما خرج مما سقي بهذه الأشياء، فإذا كان كذلك كيف تكون تلك الأحاديث التي فيها المقادير قاضية على هذه الأحاديث كما فيها من التضاد؟ فإذا ثبت التضاد وجب طلب المخلص، ووجهه مما ذكرناه.

ثم أشار بقوله: "وقد رويتم أنتم

" بلى آخره إلى أنهم قد عكسوا فيما قالوا حيث تركوا العمل به في حديث ماعز وحديث المرأة اللذين اعترفا بالزنا، بيان ذلك أنكم رويتم أن النبي عليه السلام ردَّ ماعزًا عندما جاء فأقر عنده بالزنا أربع مرات، ثم أمر رسول الله عليه السلام برجمه وهذا مفسر، ورويتم أيضًا أنه عليه السلام قال لأنيس بن الضحاك الأسلمي: "اغدُ على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهذا مجمل، فجعلتم هذا دليلًا على أن الاعتبار في الإقرار بالزنا مرةً واحدة، فعملتم بهذا المجمل وتركتم العمل بالمفسر حيث لم تشترطوا في إقامة الحد على الزاني إلا إقراره مرةً واحدةً، فإذا كنتم قد

ص: 162

فعلتم هذا في هذه القضية، فكيف تنكرون على مَن فعل ذلك في أحاديث الزكوات ما وصفنا؟ بل كان الذي ينبغي عطف حديث أنيس على حديث ماعز؛ لأن الاعتراف مذكور في حديث ماعز، وإقرار الرجل مرةً واحدةً لا يوجب عليه الحد عند مخالفيكم؛ لأنهم يشترطون الإقرار أربع مرات أخذًا بما في حديث ماعز، فكان هو القاضي والمعطوف عليه، وحديث معاذ وابن عمر وجابر رضي الله عنهم يبيِّن إيجاب الزكاة فيما يُسقى بكذا وفيما يُسقى بكذا، فلا شك أنه مضاد لما فيه ذكر المقادير وهي الأوساق، والتضاد بينهما أظهر من التضاد الذي بين حديث ماعز وأنيس، وإليه أشار بقوله: "فذلك أولى أن يكون مضادًّا لما فيه ذكر الأوساق

" إلى آخره.

ثم اعلم أن حديث ماعز أخرجه الجماعة مختلفين ومتفقين من رواية أبي سعيد وبريدة وأبي هريرة ويزيد بن نعيم بن هزال وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة رضي الله عنهم، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، في كتاب الحدود.

وأما حديث تلك المرأة التي رجمت فأخرجه الجماعة أيضًا من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وعمران بن حصين رضي الله عنهم على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

ص: وقد حمل حديث معاذ وجابر وابن عمر رضي الله عنهم على ما ذكرناه وذهب في معناه إلى ما وصفنا: إبراهيم النخعي ومجاهد.

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أخبرني شريك، عن منصور، عن إبراهيم، قال:"في كل شيء أخرجت الأرض الصدقة".

حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد قال:"سألته عن زكاة الطعام، فقال: فيما قلَّ منه أو كثر العشر أو نصف العشر".

ش: أعضد كلامه بما روي عن هذين الجليلين من التابعين: مجاهد بن جبر المكي، وإبراهيم بن يزيد النخعي.

ص: 163

وقوله: "وقد حمل"، وقوله:"وذهب" تنازعًا في قوله: "إبراهيم النخعي". وقوله: "ومجاهد" عطفٌ عليه.

وإسناد أثريهما صحيح، ورجاله ثقات.

وخُصيف -بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء- ابن عبد الرحمن الجزري، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي.

والأثران أخرجهما ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) وقد ذكرناه فيما مضى عن قريب.

ص: والنظر الصحيح أيضًا يدل على ذلك؛ وذلك أنا رأينا الزكوات تجب في الأموال والمواشي في مقدارٍ منها معلوم بعد وقت معلوم وهو الحول، فكانت تلك الأشياء تجب بمقدار معلوم ووقتٍ معلوم.

ثم رأينا ما تخرج الأرض تؤخذ منه الزكاة في وقت ما تخرج ولا يُنتظر به وقت، فلما سقط أن يكون له وقت تجب فيه الزكاة بحوله سقط أن يكون له مقدار تجب الزكاة فيه ببلوغه، فيكون حكم المقدار والميقات في هذا سواء، إذا سقط أحدها سقط الآخر كما كانا في الأموال التي ذكرنا سواء، لما ثبت أحدهما ثبت الآخر. فهذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.

ش: أي: القياس الصحيح أيضًا يدل على وجوب الصدقة في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره من غير تقدير بمقدار.

قوله: "وذلك" أي: وجه دلالة النظر الصحيح على ذلك، أنا رأينا الزكوات إنما تجب في الأموال وفي المواشي السائمة بشرطين:

أحدهما: أن يكون منها بمقدار معلوم وهو النصاب.

والثاني: أن يكون بعد وقت معلوم وهو مضي الحول.

(1) تقدم.

ص: 164

ورأينا وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض إنما هو في وقت إخراجها ولا يؤقت بوقت معيَّن.

فلما سقط أن يكون له وقت محدود لوجوب الزكاة بحول ذلك الوقت؛ فكذلك بالنظر والقياس عليه سقط أن يكون له مقدار معين تجب الزكاة فيه بحصول ذلك المقدار، فاستوى فيه حكم المقدار والوقت فبسقوط أحدهما يسقط الآخر، كما استوى حكم المقدار والوقت في الأموال والمواشي، فبثبوت أحدهما يثبت الآخر، والله أعلم.

قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي: الذي ذكرناه من وجوب الزكاة في القليل والكثير مما أخرجته الأرض -الذي هو النظر الصحيح- هو قول أبي حنيفة وزفر وآخرين كما ذكرناه.

ص: 165