الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: مناصروا الدعوة الإصلاحية
التمهيد
…
الفصل الرابع: مناصرو الدعوة الإصلاحية
أولا: التمهيد:
1ـ أهمية دور الحكام والعلماء في نصرة الدعوات وتأييدها:
يتناول هذا الفصل جانبا مهما من جوانب التعريف بالدعوة الإصلاحية، وذلك يتمثل في معرفة جهود عدد من الأعلام الذين أيدوا وناصروا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بكل ما يملكون وكل حسب تخصصه وقدرته، وكان لتأييدهم هذا أثر عظيم بإذن الله تعالى في قيامها ومن ثم المحافظة على استمرارها وتواصلها.
وهؤلاء المناصرون الذين سنأتي للتعريف بجهودهم في نصرة الدعوة صنفان:
الصنف الأول: الحكام من آل السعود، الذين ساهموا في نصرتها ونشرها عن طريق قوتهم وحكمهم.
الصنف الثاني: عدد من علماء هذه الدعوة المباركة، الذين ساهموا في نشرها وتثبيتها في نفوس الناس عن طريق دروسهم ومؤلفاتهم.
وقبل الحديث عن جهود هذين الصنفين ودورهما في نصرة الدعوة الإصلاحية ونشرها، نبين هذين الصنفين عموما.
فلا شك أن لهذين الصنفين أثرا عظيما في ترسيخ مفهوم الأفكار والدعوات والعقائد في نفوس الناس أيا كان نوع هذه الأفكار ولدعوات.
ونضرب لذلك مثلا في فتنة خلق القرآن، التي قال بها المعتزلة والجهمية، فهذه الدعوة الباطلة انتشرت في ذلك الزمان؛ لأنها وجدت مناصرة وتأييدا من بعض الحكام وممن ينتسب لأهل العلم، فقد ناصرها في البداية الخليفة العباسي المأمون في آخر سنة من حياته، ثم استمرت الفتنة في عهد الخليفة المعتصم، وهكذا في عهد الخليفة الواثق، ووفق الله تعالى أهل السنة والجماعة بوقفة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ضد القائلين بها رغم ما تعرض له من الأذى والضرب والسجن، كل ذلك في سبيل نصرة وتأييد العقيدة الصحيحة1.
وهذا كله مما يؤكد على أهمية هذه المكانة التي يضطلع بها هذان الصنفان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون الناس وينهون، وذلك
1 انظر: ترجمة الإمام أحمد من تاريخ الإسلام للذهبي، تحقيق أحمد شاكر، ص 42ـ58.
يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما سئل: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم"1.
فإذا استقام الأئمة، وهم: العلماء والأمراء والحكام، دل ذلك ولا شك على صلاح الأمة وتمسكها بأمور دينها، وعند ذلك تتحقق لها العزة والفلاح.
وقال رحمه الله أيضا: "الدين الحق لابد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ} [الحديد: 25] ، فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده"2.
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: " معلوم أن الداعي إلى الله عز وجل إذا لم يكن لديه قوة تنصر الحق وتنفذه، فسرعان ما تخبو دعوته وتنطفي شهرته، ثم يقل أنصاره، ومعلوم ما للسلاح والقوة من
1 شيخ الإسلام ابن تيمية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص98.
2 منهاج السنة النبوية، ابن تيمية،1/531.
الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع المعارضين ونصر الحق.."1.
ويقول أيضا: " أن بعض الدعاة لم يقدّر لدعواتهم النجاح لأسباب كثيرة، منها: عدم تيسر الناصر المساعد لهم"2.
ولقد كانت دولة آل سعود في أدوارها الثلاثة3هي الناصر
1 الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته، للشيخ بن باز، ص42.
2 المرجع السابق، ص38.
3 ينتسب آل سعود إلى جدهم سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي، وينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل من بني أسد بن ربيعة، وتمتد جذورهم إلى زمن بعيد، فقد انتقل مانع المريدي من المنطقة الشرقية عام850هـ إلى حجر اليمامة بناء على دعوة ابن عمه ابن درع صاحب حجر والجزعة، وقد سموا موضعهم الجديد الدرعية نسبة له.
والأدوار أو الدول السعودية الثلاث هي:
الدولة السعودية الأولى: تبدأ من الاتفاقية المشهورة بين الإمام محمد بن سعود وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام1157هـ، وحتى نهاية هذا الدور عام1233هـ.
الدولة السعودية الثانية: تبدأ من 1235 وحتى نهاية هذا الدور عام1309هـ.
الدولة السعودية الثالثة: تبدأ منذ فتح الملك عبد العزيز للرياض عام 1319هـ.
انظر: تاريخ المملكة العربية السعودية، سيد إبراهيم، ص149، تاريخ المملكة العربية السعودية، د. عبد الله عثيمين، 1/80، الموسوعة العربية العالمية، 16/14ـ18.
وقد تميز حكم آل سعود في أدواره الثلاثة ـ ولله الحمد ـ بالتمسك بالشريعة الإسلامية وتحكيمها، مطبقين في ذلك قوله تعالى:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] ، والمباحث التالية في هذا الفصل تبين هذه الأمور، نسأل الله تعالى للأموات منهم الرحمة والمغفرة، وللأحياء التوفيق والصلاح.
والمؤيد الأول ـ بعد تأييد الله تعالى وتوفيقه ونصره ـ لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فالدولة السعودية الأولى هي التي أعانتها على القيام والمناصرة، ثم واصلت الدولتان السعوديتان الثانية والثالثة تلك الرعاية والإعانة والتأييد والنصرة لهذه الدعوة المباركة.
وأيضا كان من مناصري الدعوة الإصلاحية ومؤيديها عدد كبير من العلماء والدعاة، الذين ساهموا في نصرتها عن طريق مؤلفاتهم ورسائلهم ودروسهم، وجهادهم الطويل في الدفاع والذب عنها بكل الوسائل والأساليب المشروعة، لإيمانهم بأنها دعوة سلفية تقوم على الكتاب والسنة وفق مذهب أهل السنة والجماعة ولا تحيد عنه.
حرص الشيخ على وجود المناصر له للقيام بالدعوة:
كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حريصا كل الحرص على وجود من يساند دعوته من الحكام؛ لكونه يستشعر أهمية دور الحاكم في حماية الدعوة وخصوصا في بداياتها من الأعداء والخصوم، وليساهم أيضا في تطبيق ما تدعو إليه وتأمر به، ويلزم من تحت حكمه بعدم المخالفة.
وقد استند الشيخ في حرصه هذا على سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
حينما كان يعرض نفسه في مكة على القبائل1قائلا: " ألا من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي" 2، وأيضا اشتراطه صلى الله عليه وسلم للنصرة والمنعة على الأنصار حين اتفق معهم صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة بقوله صلى الله عليه وسلم:" وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة"3.
فيستفاد من موقفه هذا عليه الصلاة والسلام أهمية وجود الحماية والنصرة للداعية ليقوم بالبلاغ وهو مطمئن على نفسه وأتباعه من أعداء الحق4.
ولهذا كله حرص الشيخ رحمه الله على الاتصال بالحاكم المناصر والمؤيد للدعوة فبدأ ذلك باتصاله بابن معمر أمير العيينة، ولكن هذا الأمير لم يستطع إكمال تلك المناصرة نتيجة لخوفه من سليمان آل محمد حاكم الأحساء فقام بإخراج الشيخ، الذي اتجه بعد ذلك إلى الدرعية، كما سبق أن عرفنا في مراحل دعوة الشيخ.
1 انظر: ابن كثير، السيرة النبوية، 1/437.
2 رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن عن رسول الله، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي:" هذا حديث حسن صحيح"، رقم:2925.
3 رواه الإمام أحمد في المسند من حديث جابر، رقم:14456، وصححه الشيخ الأرناؤوط،22/348.
4 ويدل على أهمية ذلك أيضا قوله تعالى على لسان نبيه لوط عليه السلام: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] .
2ـ اللقاء التاريخي والبيعة المباركة:
بعد قدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى الدرعية قادما من العيينة نزل ضيفا عند آل سويلم من أهالي الدرعية، ثم أتى إليه أمير الدرعية محمد بن سعود برفقته أخوه مشاري وثنيان، ورحب به الأمير غاية الترحيب والتبجيل.
فأخبره الشيخ بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما دعا إليه وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم، وما أعزهم الله به من الجهاد في سبيل الله وأغناهم به وجعلهم إخوانا، ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.
فلما تحقق الأمير من معرفة حقيقة دعوة الشيخ وهدفه وما في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، فأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد.
ثم اشترط الإمام محمد بن سعود على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله مقابل تأييده والقوف مع دعوته شرطين:
1ـ أن لا يغادر الدرعية مستقبلا، وقال له: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان، أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا.
2ـ وأن لا يعارضه فيما يأخذه من ضرائب سنوية على سكان
الدرعية في وقت الثمار، وقال له: إن لي على أهل الدرعية قانونا آخذه منهم وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا.
وبعد ذلك قال الشيخ: أما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها، وأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك"1.2.
وبهذا فقد اتفق الإمامان ـ رحمهما الله ـ على القيام بالدعوة ونشرها بكل ما يستطيعان من الوسائل، وكان ذلك الاتفاق سنة 1157هـ (1744م) ، وعلى هذا الأساس قامت نواة دولة جديدة في المنطقة هي الدولة السعودية الأولى.
1 انظر: حسين بن غنام، تاريخ نجد، 1/81، وعثمان بن بشر، عنوان المجد، 1/12، الشيخ ابن باز، الإمام محمد بن عبد الوهاب، ص34، د. عبد الله بن عثيمين، تاريخ المملكة العربية السعودية، ص 79.
2 يقول الشيخ د. التركي: فهذا الموقف من الإمام المناصر والشيخ المصلح، يذكرنا ببيعة العقبة الثانية، التي حدثت في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، فقد قال أبو الهيثم بن النبهان رضي الله عنه: يا رسول الله إنا بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: " بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
انظر: الدولة والدعوة، ص27-28، السيرة النبوية لابن هشام، 2/442، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، في حديث كعب بن مالك الأنصاري، رقم: 15798، وحسنه الأرناؤوط، وقال" حديث قوي"، والمراد: بالهدم الهدم، أي أقبر حيث تقبرون، وقيل نحو: المحيا محياكم والممات مماتكم، أي: لا أفارقكم، انظر: مسند الإمام أحمد، تحقيق الأرناؤوط وآخرون، 25/89ـ95.
يقول الشيخ د. عبد الله التركي: " إن أصدق ما يقال في ظهور الدعوة وفي نشأة الدولة: أنهما وجهان لعملة واحدة، يستوي النظر إلى أي من الوجهين أولا؛ لأن تاريخ الدولة أو منهج الدعوة، لا يكتمل إلا بالنظر إلى الوجهين معا"1.
فوائد هذه الاتفاقية المباركة:
استطاعت هذه الاتفاقية المباركة بفضل الله تعالى من تحقيق عدد من الفوائد، من أبرزها:
1ـ دورها الكبير في نشر الدين الإسلامي الصحيح الخالي من الشوائب والبدع والخرافات في العقائد والعبادات والآداب والأحكام.
2ـ إحياء منهج أهل السنة والجماعة، والاقتداء بالسلف الصالح رحمهم الله تعالى.
3ـ ظهور نواة دولة سياسية مستقلة في نجد وبعد بذلك في الجزيرة العربية قائمة على أساس ديني.
4ـ تطبيق أحكام دين الإسلام وحدوده وشرائعه وشعائره، من أداء للصلوات في المساجد والالتزام بها والأمر بالمعروف والنهي عن
1 الدولة والدعوة، ص7.
المنكر، وإحياء روح الجهاد في سبيل الله تعالى لنشر الدعوة وتصحيح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات، وإزالة العوائق التي تحول دون نشر دعوة الإسلام الصحيحة، ونحو ذلك.
5ـ ظهور حركة علمية قوية في نجد نتيجة لدروس الشيخ وقدوم طلاب العلم من البلدان المجاورة.
6ـ الاستقرار الأمني والسياسي نتيجة لوحدة المسلمين في الجزيرة العربية خلف إمام واحد يطبق الشريعة وأحكامها على الجميع.
7ـ دعوة جميع المسلمين في البلدان والقرى القريبة والبعيدة إلى قبول هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، وإعطاء البيعة والسمع والطاعة للإمام ابن سعود رحمه الله.
هذه أبرز الفوائد الجليلة والعظيمة التي اتضحت وتجلت بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذه الاتفاقية المباركة.
******