المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ملا جرجيس الأديب - الروض النضر في ترجمة أدباء العصر - جـ ٢

[عصام الدين العمري]

الفصل: ‌ملا جرجيس الأديب

‌ملا جرجيس الأديب

(1)

هذا الأديب الذي رفعه المجد، وأوقعه في الكمال من المكان النجد. عمر ربع النظم بصخور أدبه وشيده، وأحيا دارس النثر بنظام عقوده ووطده. أمطر واستبرق، واثمر المعارف وأورق

(1) ترجم له صاحب منهل الاولياء (1: 295) فقال: «الاديب المؤرخ الظريف ملا جرجيس بن درويش كان ظريفا حسن الشكل والهيئة، لطيف المعاشرة حسن المسامرة، فيه دعابة ومجون. وكانت له اليد الطولى في نظم التواريخ بسرعة، مع جودة السبك. وحسن العبارة وجزالة المعنى.

وكان ملازما لعلي العمري المفتي، فكان يصلي به الأوقات. ومن ظرافته ما يحكى عنه انه صلى يوما بهم فلما سلم قيل لعلي المفتي: انه سكران. فقال علي المفتي للجماعة: اعيدوا صلاتكم فان امامنا سكران.

فالتفت بسرعة وقال: اي صلاة صليتها بكم وانا غير سكران منذ اربعين سنة» ثم قال بعد ان اورد له مقطوعتين من الشعر، «مات سنة اربعين ومائة والف.»

وترجم له المرادي في سلك الدرر (2: 7) فقال، «جرجيس الاديب الموصلي الشيخ الفاضل كان في سرعة انشاء التاريخ من معجزات الادب ونادرة العرب، وكان له فضل وفصاحة وبلاغة، وفيه مجون ومحاضرة لطيفة. رقيق الطبع انيق النظم، حسن المعاشرة، لطيف المباحثة والمناظرة.

في كل فن له دخول والى كل ذروة وصول. وله مجون انيق، ونزاهة ظريفة. وربما طلب منه التاريخ باسم معين فيقول الشرط فلا يخطئ العدد.

ودخل حلب فاجتمع بأدبائها، وتطارح مع فضلائها. وقال له يوما بعض الافاضل: اريد أن اشوشك، فقال: يا سيدي فرجني. وهذا يسمى في البديع بالاسلوب الحكيم. وتوفي في سنة احدى واربعين ومائة والف.

وترجم له الغلامي في شمامة العنبر (205 - 215) فقال عنه فيما قال «امام في الشعر تقتدى به الامثال وليس له في الهزليات مثال. قام لسعر الشعر في ايامه خير سوق، وعكفت عليه ابناء الأدب فدارت محاسنه بينهم على سوق. حتى كان له في ايامه طنة ورنة وصولة وجولة.

كانت اليد الطولى في نظم تاريخ الهجرة، والخط الأوفى الأوفر منه ببداهة الفكرة، حتى أجمع اهل الأدب من بني الحدباء على انه اعلى من انشا تاريخا وأرخ انشاء. نعم انه اعلى وأملى وأجلى وأحلى، واشعر اقرانه بعد المتقدم ابن عبد الباقي حسن واحسن واكثر سلاسة واكمل فصاحة وأبين. له ديوان شعر رأيته وقد طنبت على روضة الهجرة أبياته، ومحاسن نثر سمعته، وقد فاقت على خرائد المقاصير مخبياته. شعره يدل على ان الرجل كان يغترف من بحر؛ ويأخذ صنوف المعاني فيعيدها بسلاسة الفاظه سبيكة تبر. ويأتي بتشابيه ليس لها شبيه. لو رآها ابن المعتز لما كان مفتونا بتشبيه مواعين داره. ولما شبه هلال الأفق بالقلامة من-

ص: 178

أسهر في ليالي الفضائل وأسهد، وسابق في ميدان المعارف فأبعد.

أسفر عن البلاغة صباحها، وصير نفسه جناحها. فلم يبق من البيان موردا إلا وقد ورده. ولا عقدا إلا وقد أحرزه وأصفده. فرقى من الفضل إلى المقام الاسنى، وملك في الفصاحة زمام المكارم والحسنى

من البشانقة الغر الذين لهم

لواء حسن على الأقمار معفو

فهو الدقيق الفكر، والشهير الذكر. الذي عمر المشاهد، وأساغ لها المصادر والموارد، حتى أثمرت أغصان بأنامله، وتفتحت أزهار حدائق الأدب بموارده ومناهله.

فكل فضيلة لديه منحطة، وكل حسنة بكمالاته مزينة ومختطة، فهو رئيس حرفة النظم والنشيد، ونفس جسد البيت والقصيد.

إذا نظم أصغى الدهر إلى نظامه، وصار بكله مسامع إلى سماع كلامه.

تخذ التطول بالفصاحة عادة

فكأنه كلف بذاك متيم

- أظفاره. ولما ادركت دولته حرفة الادب. ولتمت له ولايته وكان أمير المؤمنين بلا لقب، رأيت هذا الشاعر في لجة بحر دفته يجر ذيول البلاغة مع أربابها، ويأتي بيوت الفصاحة من أبوابها. له معاشرة وموانسة مع الحسان ومغازلة مع الغزلان، وميل على ذمة الناقل الى المرد والفتيان، فجرني عن معاشرته صقال العارضين، وصيرني دينار وجهي من منادمته صفر اليدين.»

وقد ذكر له من الشعر قصيدة رائية طويلة يذكر بها ايام شبابه مطلعها «خلباني من ذكر زيد وعمرو» وأخرى رائية أيضا مطلعها «رأيت في رأي من يهوى الذكور ومن» يفاضل فيها بين النساء والغلمان ولم يذكرهما صاحب الروض.

وله ترجمة في كتاب الحجة فيمن زاد على ابن حجة 97، 98، 99 وتاريخ الموصل 2: 140 والعلم السامي 28 وترجم له صاحب الدر المكنون في حوادث سنة اربعين ومائة والف. فقال فيها توفي أديب الزمان ملا جرجيس بن درويش الموصلي الحنفي. كان شاعرا مجيدا. لطيف المعاشرة، حسن المسامرة، فيه دعابة ومجون، وله اليد الطولى في نظم التواريخ.

ص: 179

لازم الوالد ملازمة الزند للساعد، فقضى العمر والزمان مساعد.

ثم أتم نحبه، ولقي بالخير ربه.

مات من كنا نراه أبدا

طود فضل راسخ كالوتد

بحر فضل ماج في أحشائه

فرمى في قلبه بالزبد

كان مثل السيف إلا أنه

حسد الدهر عليه فصدى

له أدب تحسد عليه النفوس الآذان، وكمال يصلح أن يكون عوضا عن الأرواح في الأبدان. تستفيد منه العيون نورا، والقلوب بهجة وسرورا. وله من النظم ما هو البدر المقمر، والشمع المقصور المزهر. وقد ذكرت منه، ما يخبرك عنه.

فمن ذلك قوله في مدح الوالد رحمه الله تعالى (1).

ربع الشباب هو الربيع الاينع

ورياضه لذوي البلاغة مرتع

اكداره صفو المشيب وماؤه

خمر وظلمته شموس تطلع

فاغنم لذيذ حياته فالمرء لا

يدري لعمرك أين منه المصرع

لا تجعلن العيش منه مؤجلا

ما فاز باللذات إلا مسرع

وانهز به فرص الزمان فإنه

ما مر من أيامه لا يرجع

أو ما ترى من مر عمر شبابه

منه بلهو صباه كان يولع

فاليوم أن ذكرت له أيامه

كادت حشاه أسى عليه تقطع

يا لائمي باللهو في زمن الصبا

لست النصوح ولست ممن يسمع

أني امرؤ لا يلو عن لذاته

أن شئتموا لوما فلوموا أو دعوا (2)

مالي ومن يدعو التنسك رتبة

دعني فلى بين الندامى موضع (3)

(1) أختار صاحب الشمامة من هذه القصيدة سبعة عشر بيتا.

(2)

في الاصل: لولا فلوموا. وفي الشمامة اني امرؤ ما حال عن لذاته.

(3)

في الاصل: بين النداما. ومن يدعو التنسك ريبة. وفي الشمامة ومن جعل التنسك رتبة.

ص: 180

فلقد عركت ذوي التزهد برهة

لم ألتق إلا أفاعي تلسع

وقد اطلعت على حقائقهم فخذ

فيما أردت فأنت منهم اورع

أني عليك أخا الشباب لمشفق

أن كنت لي فيما أرى لك تتبع

واصل به الإخوان أصحاب الوفا

ممن له أن غاب كأس يكرع

صل بالغبوق صبوحه واشرب على

نغم البلابل حيث ما هي تسجع

ما بين كل مهذب الأخلاق ذي

أدب على حسن الطبائع يطبع

قد هذبته يد التجارب فاستوى

فيه لكتمان السرائر موضع (1)

بكر معتقة إذا جليت غدت

منا العقول بما عليها تخلع

من كف ظبي أشبهت وجناته

غنج من التقبيل لا يتمنع (2)

إن قام فالأشطان فيه شواخص

أو ماس فالأغصان منه خضع

يزري بالحاظ الجآذر لحظه

والوجه بالأقمار اذ تتشعشع

فتخاله لترجج الأرداف إذ

يسعى إليك إلى وراء يدفع

لا يفصلن عليك بين كئوسها

بل بين فارغة وأخرى تترع

هذا هو العيش الهني فطب ولا

تعبأ بما نقل الحسود الأشنع

واذا نبابك سيف عزمك لا تخف

فجوارك الكهف الظليل الأمنع

أعني علي القدر خير أولي النهى

بل خير ما حوت الجهات الأربع

ذاك الذي يحمي الذمار كما حمى

أشباله الليث الهزبر الأروع

من معشر شم الأنوف وحسيهم

نسب إلى الفاروق طردا يرفع

أن كان بحر العلم أصبح جاريا

بين البرية فهو فيهم منبع

حبر غدا لذوي التصدر مصدرا

أفعالهم منه غدت تتفرع

شرف له الأيام تسجد رهبة

والدهر بين يديه طوعا يركع

(1) في الاصل: فاستوا.

(2)

في الاصل تحكها وجناته وما اثبتناه من الشمامة.

ص: 181

يا راقيا درج المعالي سؤددا

ولديه فيض عناية مستودع

حاولت إرثا عن أبيك فضائلا

فبلغت منها خير ما يتوقع

وكسيت من حلل العلوم براعة

حتى غدوت من البراعة ابرع

هيأت نحو الصرف نطق بيانه

وحديث تهذيب الأصول لأبدع (1)

لا زال نصبك في محلك سرمدا

وعلاك من مجرى المجرة أرفع

قل للذي جعل الفخار جهالة

اقصر فليس العز ما لا يجمع

كلا ولا خيلا يطيب ركوبها

أو باز صيد او كلابا تخدع

بل كنت مرتبة بعز مثالها

من أن يكون بها لمثلك مطمع (2)

هي رتبة العلماء كم من دونها

مهج تذوب أسى وهام تقطع

فاسعد بعيد بل بعيدين أتت

مجموعة وقد المثنى يجمع

بالفطر والنوروز هذا يعلن ال

بشرى وهذا بالربيع يلعلع

والحق إن تهنا بك الأعياد إذ

هي شكل دائرة وأنت المرجع

فوجودها في كل عام مرة

ونداك عيد كل عامك اجمع

بالصوم كنت لأمر ربك طائعا

ويداك مفطرة لأمرك أطوع

صوم بلغت به النجاح وإنما

قد صم فيه من العداة المسمع

وفطرت بالإفطار عزم قلوبهم

فانزاغت الأبصار نحوك خشع

هذا الربيع تبهرجت أيامه

والأرض زخرف وشيها المتنوع

فكأن رقم زهورها سحب يرى

بخلالها للماء برق لامع

واعتاض معتل النسيم بصحة

فسرى من الكافور نشر أضوع

والزهر يبسم عن ثغور اقاحه

وعيون مسود السحائب تدمع

وزبرجد الأوراق كل صبيحة

بالدر من حبب الندى مترصع

(1) في الاصول: هيئت نحو الصرف.

(2)

في الاصول: من ان يكن فيها لمثلك.

ص: 182

قم للنعيم بروضة عمرتها

قد أينعت زهرا وخطك اينع

أشجارها كعرائس كل غدت

من سندس خضر عليها برقع

تسمعك أن عبث الصبا بغصونها

كيف المثاني بالأنامل تقرع

يحكي بها الناعور حين حنينه

صوت الرضيع إذا أبته المرضع

والسلسبيل حكت سلاسل مائه

حبات رمل راعهن مروع

لا سيما الغرف التي فيها لها

مهج الملوك من المهابة تصدع

وطغو حوض وانسكاب جداول

ما بين منصرف وآخر يمنع

ولك الهنا في مورد الورد الذي

بنفيس رياه النفوس تمتع

لو لم يكن ملك الزهور لما غدا

فوق الأسرة دونهم متوقع

فكأنه بالروض شبه كواكب

وله بأفق الأرض حينا مطلع

من لا يهيج صبابة لقدومه

وجوى فدعه مع البهائم يرتع

من لم ينفس كربه متنزها

برياضه فالعمر منه مضيع

أيكون في طبع البلابل فضلة

عن طبعنا فتفوز فيه وتمتع

فانهض لها ودع الهموم لوقتها

أن الهموم بمثل هذا تدفع

لا زال ما أثرت عمرك عامرا

أبدا وما عمر الأعادي بلقع

فو حق مجدك أنني لمهذب

إذ منك ملتمس وأنت المفزع

هذا المعنى بديع إلا أنه متداول، فممن اكثر استعماله الأديب الكامل المازن الشيخ أبو محمد الخازن (1) وقد قال من قصيدة:

ولئن كنت قد أجدت فمنه

وإليه ما كان من حسناتي

هو اورى زندي وأنبت مني

في رياض الصنيع أزكى نبات

كم تهاديت في حواشي نداه

كتهادي الفتاة بالحبرات

(1) مرت ترجمته في ج 1 ص 378

ص: 183

وللصاحب كمال الدين ابن النبيه (1) في هذا المعنى أيضا:

يا جامعا بالعطايا شمل عترته

كالقطب لولاه ما صحت دوائرة

إن جاد شعري فهذا الفضل علمني

من غاص في البحر جاءته جواهره

وقريب منه أيضا قوله:

أنا الذي شملتني منك عاطفة

فما أقول على ما فات وا ندامي

عزيتني بيد اثري تراني بها

فاقطف ثمار جني الشكر من كلمي

وللشيخ أبي محمد الخازن (2) أيضا فيه:

أطرى وأطرب بالأشعار انشدها

أحسن ببهجة إطرابي وإطرائي

ومن منائح مولانا مدائحه

لأن من زنده قدحي وايرائي

فخذ إليك ابن عباد محبرة

لا البحتري يدانيها ولا الطائي

وللسري الرفاء الموصلي (3) فيه:

أثنى عليه ثناء روض هزه

سيل الحيا فاهتز في أشباله

وغدت خلائقه أحق بمنطقي

فمزجت صفو زلالها بزلاله

أهدي له مارق من أفواهه

وأبيحه مارق من سلساله

ويقول لي قوم فضلت وإنما

فضل الثناء عليه من أفضاله

لأحمد لي أن راح در مدائحي

عبقا وقد فضلتها بخلاله

(1) مرت ترجمته في ص: 41 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص. 378 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص. 485 ج 1

ص: 184

ولابن النبيه (1) مثله:

منك مدحي يا أيها الملك الأش

رف والدر بعض فضل البحر

وثنائي عليك منك ونشر ال

روض شكر لمستهل القطر

أنت قربتني فأعليت قدري

أنت خولتني فأغنيت فقري

وله مثله:

لي ذهب الشعر الذي كلما

قلب في نيرانهم يزدد

وليس لي فضل سوى أنني

انظم ما موسى به يبتدي

ومن تتمة القصيدة المترجمة:

لي في مقامك همة لكن من

واخاه عكس الدهر ماذا يصنع

أني رهين سحابة لا تنجلي

ظلماتها كلا ولا هي تهمع

لا غرو أن الدهر من عاداته

يضع اللبيب وذا الجهالة يرفع

يزري بكل محجب ذي طرة

تحكى الدجى ويسود فيه الأقرع

ان يحتسب مفني لأجل فضيلة

أشهدت هذا الدهر أني أهلع

ماحزت من قطر الخضم ومائه

مما به حدث الحوادث يرفع

فالكيس مثل فؤاد موسى أمه

والجيب أقوى في فناه الاصبع

وكذلك من رزق الحجى حرم الغنى

كيف السبيل وبينهم لا يجمع

والله لولا سوء حظي خانني

لرأيتني آتي بما لا يسمع

فلا جعلن بك القريض نظامه

سمطا يتيمته سناك الألمع

ولأشهرن به لعمرك انه

نبل له مهج الاعادي موقع

وأرى بقاك هو الغنى وكفى به

نفعا وربي فوق ذلك أنفع

(1) مرت ترجمته في ص 41 ج.

ص: 185

وله في مدح الوالد أيضا:

عطف الحبيب وجاد لي بوفاء

وطفى ببرد الوصل حر جوائي

ومضى قديم الهجر حتى لم يكن

وصفا جديد الود أي صفاء

سكنت عيون الدهر عن حركاتها

ونمت سعودي واضمحل عنائي

وغدا الحبيب يقول لي هنيت في

هذا الوصال لقد أمنت جفائي

رشأ رنا لاح السنا لما دنا

وإذا انثنى كالصعدة السمراء

ظبي أرى فيه الكرى عني سرى

دمعي جرى أنبا الورى ببلاء

لم انس ليلة زارني متوحدا

تحت الدجى في غفلة الرقباء

فنهضت ارفل قائلا أهلا به

من طارق تحت الظلام فنائي

عانقته مستبشرا بقدومه

كتعانق الأحباب يوم لقاء

وغدوت مبتهجا به وشكرت ص

نع الدهر حيث البدر من ندمائي

طاب المقام وبث كل شوقه

بأرق معنى من نسيم صباء

ثم انثنى طلب المدام وحثني

لجلاء بكر قرقف عذراء

حتى إذا حضرت وباشر أخذها

فأبيت شربي غاية الايباء

وأقمت عذري أنني ذو حلفة

أن لست أشربها بطول بقاء

فأقالني مستعذبا لقبوله

وكذا قبول العذر للكرماء

لا زلت اسقيه وارشف ثغره

وكفى به سكرا عن الصهباء

وإذا نشقت شذاه أنشدني الهوى

ارج النسيم سرى من الزوراء

حتى غدت شفتاه إذ هو طافح

سكرا كعقد عقيقة حمراء

وتوردت وجناته فتخالها

خمرا بجوف زجاجة بيضاء

عبثت به أيدي الكرى ورايته

يومي إلى بمقلة نعساء

بادرت في إفراده بمبيته

فأبى وأقسم غير تحت ردائي

ص: 186

فأجبته يا حبذا وضممته

متعففا عن موقع الفحشاء

حتى سطا جيش الصباح بصولة

محقت رسوم ثوابت الزرقاء

قبلته في نحره متودعا

منه وحسبي أن بلغت منائي

ثم استمر زماننا في لذة ال

عيش الهنيء وبهجة الآلاء

سعد علمت بأنني ما نلته

إلا بطالع سيد السعداء

وهو الذي حاز الفخار بهمة

حلت عقود كواكب الجوزاء

حامي ذمار من استلاذ بركنه

وظلال كهف الموصل الحدباء

أعني علي المجد من فاق الورى

بمناقب جلت عن الإحصاء

من معشر خشي الزمان حراسهم

فغدا لهم من جملة الخدماء

لو شد أصغرهم لأمر عزمه

حنيت لديه كواهل الكبراء

قوم ينابيع العلوم صدورهم

يرد الورى منها ورود الماء

من ذا يفاخر مجد قوم همهم

ضعف القوي وقوة الضعفاء

يا سيدا ساد الأنام بحلمه

وبذاك أحيا سنة الآباء

يا ذا الفضائل أنت من شهدت له

بالفضل لكن السن الخرساء

فذووه عنك تصرفت بفروعه

إذ أنت مصدر صيغة الفضلاء

يهنيك هذا العيد بل بثلاثة ال

أعياد كل واجب التهناء

عيد أتى النوروز فيه مبشرا

وبعيد ينع الورد خير هناء

هذا الربيع وقد بدت أعلامه

والروض يضحك من بكى الأنواء

فكأنما الأشجار فيه عرائس

قد قمصت بالحلة الخضراء

وكأنما الأوراق كل صبيحة

قطع ترصعها يد الأنواء

والأرض من وشي الزهور أديمها

متلون كتلون الحرباء

قم فاغتنم أوقاته متنزها

فيها برغم خياشم الأعداء

ص: 187

هذا طريق لطيف في الاستطراد من المديح إلى وصف الربيع وغيره. وقد استعمله الكثير من الشعراء المتقدمين. فمنهم أبو سعيد الرستمي (1) فقد قال من قصيدة:

علي أنابيب القناة تتابعت

تتابع دال المعجمات وذالها

مكارم عبادية صاحبية

شريفة عم الأولياء وخالها

إليك ابن عباد ابن عباس انثنت

أعنة شكر الدهر بعد انفتالها

ألم تر انوار الديار تبسمت

وقابلها عين الحيا بانهمالها

وخيم للنوروز من زهراتها

عساكر في قيعانها وتلالها

وصال على الأسد المها في عراصها

وقال مع السيد الطلا في ظلالها

ولولاك ما نامت على الأرض وحشها

ولا أمنت عصم المها في قلالها

لك افتر ثغر الملك واهتز عطفه

وجرت بك الدنيا ذيول اختيالها

بقيت مع الدنيا تصون مذالها

وإرشاد غاويها وسد اختلالها

تباهي بك الأيام عند اختلالها

وتزهى بك الأعياد عند اقتبالها

(1) مرت ترجمته في ص 235 ج 1.

ص: 188

وللشيخ أبي محمد الخازن (1) من قصيدة طويلة:

ملك تجلى باتضاح جبينه

عن كوكب ومحله عن كبكب

ويحيط بالآفاق طودا شامخا

مستعلى العرنين ثبت المنكب

كافي كفاة بني بويه ونابهم

وشهابهم في كل خطب مرهب

طاب الزمان ورقت الاسحار مذ

جاء الخريف وقال للصيف اذهب

قد جاء بالجادي احسن منظر

وأسر منتظر وأغنم منهب

تعطى العذارى ورده ببنانها

فتضم بين مخضب ومخصب

فكأن بعض رياضه متلفع

بالاتخمي وبعضه بالشرعبي

وتلونت زهراته من ازرق

في أصفر أو أحمر في أصهب

وموشح بحلي القطار موشم

ومطير بذرى الشمال مطيب

ولئن أطلت فقد أطبت وأنني

رجل متى أصف المعالي أطنب

أطري وأطرب منشدا فليستمع

شاهانشاه نشيد مطر مطرب

وقوله من اخرى في مدح الصاحب بن عباد (2) كذلك:

أيها الصاحب اطلعت علينا

طود علم أشم ذا هضبات

فتن العالم افتتانك في العل

م فظنوك عالم اللذات

أثبت الله طود عزك فالت

وحيد في ظل ذلك الإثبات

زارك العيد في جيوش سعود

خافقات الأعلام والرايات

وتراءت منها طلائع للنو

روز تجلو أعطافه العطرات

وتعير الربي مطارفها الخض

ر وتهدى ابرادها المعلمات

وبدت كي تعيد نرجسها الرا

قد يقظان بعد طول سبات

فهنيئا سعادة الدين والدنيا

له واختصاصه بالثقاة

(1) مرت ترجمته في ص 278 ج 1.

(2)

مرت ترجمته في ص 156 ج 1.

ص: 189

أفحمتنا أوصاف علياه بسطا

فاعتصمنا منه بمختصرات

كرم في شجاعة وعلو

في خشوع وقدرة في أناة

ويقرب مما نحن فيه قوله أيضا من قصيدة مدح بها فخر الدولة

يا أيها الملك المهدي للندى

والمجتبى والمنتقى والمتقى

كم من نذور للقواضب في العدا

فانهض لهن محققا ومصدقا

وأقم حسامك في منابر هامهم

وذرى مفارقهم خطيبا مفلقا

واملك بقايا هذه الدنيا فقد

عقدت عليك صافناتك خندقا

واستجل روض الزعفران بمثله

صرفا كلون الزعفران مصفقا

ناب الخريف عن الربيع بورده

متفتحا وبمسكه متفتقا

كأسنة ذهبية مسنونة

ألقت عليها الشمس ريضا ازرقا

وتألقت أوراقه واستعطفت

ما بين جنبيه الحمام الاورقا

وله من أخرى صاحبية مثلها:

فيا فلك الدنيا بروجك لم تسع

لهمتك العليا فصلها بأبرج

تملكت بسط الأرض. بالحلم والحجى

وأنت خليق بالذي نلته حجي

وهذا الربيع الطلق حط سعوده

بربع زكي معلم ومعرج

ولم يعلم العشاق أن ربيعهم

ينازعهم في كل احور أبلج

أغار على غر الثغور فحازها

وركبها في الأقحوان المفلج

ص: 190

وأعطى العيون النجل روضة نرجس

تدق الشفاه اللعس روض بنفسج

وكم شجر أنواره قمرية

تفاصحها قمرية لم تلجلج

ولاح شقيق الروض ولهان حائرا

بوجنته ملطوم رأس المشجج

وكم جزع واد مغدق النبت معشب

متى يخط سيار الصبا فيه يأرج

ترقرق عن ساج من الماء سابل

وأشرف عن ضاح من الطل سجسج

وغردت الأطيار في جنباتها

قطائع شتى بين فرد ومزوج

ومثل هذا الأسلوب كثير، إلا أنه قد اكتفينا من هذا البحر الزخار بهذا المقدار. رجع، تتمة القصيدة المترجمة:

واحكم بصنعك إن أمرك نافذ

فعساك يا ذا الطلعة الغراء

تنصف بعد لك قصة المظلوم فا

لإنصاف نصف علامة العلماء

عجبا أيظلم جاركم وفقيركم

وبكم تزاح مظالم الفقراء

نبئت أن مصيبتي في زلتي

كانت بيوم وليمة الأمراء

والله ما أذنبت فيه ولم اكن

كالغير مثل الأنفس الطمحاء

لكن سمعت بي التقول جاهلا

إضمار ما قصدت به غرمائي

والله قال إذا أتاكم فاسق

فتبينوا ما قال من أنباء

كيلا تصيبوا غيره بجهالة

خطأ وذاك بمنزل الإيحاء

ص: 191

ولقد أظن بان فيكم حالتي

لا تستقيم وهؤلاء ورائي

قوم يرون به التقرب رتبة

فيداهنون بتهمة البراء

تالله أن مدحوا وأن ذموا فتى

فكلاهما في الحالتين مرائي

لا يتقون الله في خزي امرئ

يلقونه حسدا بكل بلاء

يا ذا ترى حسدي لأي فضيلة

أف لهم من حسد جهلاء

يا ليت شعري ما ابتنيت ببابكم

حتى مشوا سعيا بهدم بنائي

ويل لهم يوما انوط بذيلهم

ويكون للجبار فصل قضاء

فهنالك النهاش يكلح وجهه

ويبوء بالتنكيل والاخزاء

ولأنت أخبر فيهم من مخبر

عنهم ولكن لا أفوه بذائي

ولقد أحس بها فؤادي قبل أن

وقعت فلم يخطئ بها ظنائي

لكنني أن لم أثق بمظنتي

جهلا فكان الخزي فيه جزائي

وأرى قليلا في ما جوزيته

مالي أنا ومجالس الوزراء

وقد اعترفت وما أراني مذنبا

إذ لي بذلك أسوة بسوائي

لكن إذا علت الشقاوة ربها

فصوابه في الفعل عين خطاء

مثلا يقال إذا البهيمة ما جثت

عقرت بوقع مشافر الخلطاء

والعفو أجدر للمقر بذنبه

ولأنت فيه لذو اليد البيضاء

أن لم يكن لي في جنابك حرمة

أرعى بذاك تقارب الإغراء

أني لكم وبكم ومنكم نسبة

فيكم إليكم مقصدي ورجائي

ما راعني إلا مقالة حسدي

أبعدتهم وشفيت منه حشائي

والله ما استغنيت عنكم لا وهل

جسد بمستغن عن الأعضاء

في الدار قرب والمزار تباعد

يا حسرتي فأنا القريب النائي

فأسمح ندى وأصفح يدا وأفسح مدى

وأمنح رضى وأربح جزيل دعائي

ص: 192

والطف بعيد لم تعبه ردية

وافي إليك مبرقعا بحياء

ما نال من دنياه غير نفائس ال

ألفاظ وهي ذخيرة الأدباء

أهديتها لك وهي لي شرف إذا

لثمت أنامل معجم الفصحاء

ولئن أتت ردا فيا حزني وإن

وقع القبول بها فيا بشرائي

لكن اذا ما دمت باق لم أزل

أرضيت عني أم عكست رضائي

فلأصبرن لحكم ربي قائلا

حمدا على السراء والضراء

وله في الوالد رحمه الله تهنئة بعيد الفطر:

شهدت بفضل محلك الافضال

ورست بساحل مجدك الآمال

بزغت نجوم علاك من أفق النهى

فغدا يجدد عزك الإقبال

لا يدعى متشبه بك رتبة

فالنجم نجم والهلال هلال

هيهات ذلك كيف يدرك فضل من

شهدت له بمهودها الأطفال

علم غدا لذوي التصدر مصدرا

تشتق منه لديهم الأفعال

بالجزم في حركاته متصرف

ما أثرت في منعه الإعلال

عنا به ظلل الهموم تقشعت

وتألقت أنى يكون ظلال

حامي الذمار نعم وكهف الجار بل

علم الفخار على الورى مفضال

فإذا الضعيف غدا له يشكو غدا

عنه وما في جانبيه هزال

ص: 193

وإذا المقل به التجى من فاقة

أودت به ما ضره الإقلال

حبر ولكن بالحبور متوج

بحر ولكن في الورود زلال

ليث ولكن لا يضام جليسه

غيث ولكن ما به أوحال

من عترة سادوا البرية محتدي

وبذاك فيهم تضرب الأمثال

فكأنهم قد صاح فيهم صائح

حولوا إلى نهج الجدود فحالوا

يا دوحة الشرف التي قد أينعت

عذباتها وزهابها الاخضال (1)

يا من يوبل جوده ووجوده

تحيى الرسوم وتشرق الأطلال

يا عز من يحمي جوارك خيموا

يا فخر من بضلال كهفك قالوا

يا من له ببيانه وبنانه

ويراعه فبراعة وجمال

نثر حكى المنثور في زهراته

وبديع لفظ في البديع لئال

ما ذاك الا خير إرث عن أب

وأب رأوا شرف الكمال فمالوا

(1) في الاصول: عذاباتها وزهابها.

ص: 194

شرف نما مجد سما بحر طمى

عز الحمى غيث همى مهطال (1)

ما نلت من قلل المعالي رتبة

إلا ودون منالها الأهوال

من لم ير سنن الوجود فريضة

طلبا لماذا تخبأ الأموال

من طل وبلك يرتوي صادي الحشى

وبريق لمع ماء غيرك آل

لولا يمينك في النوال تيمنا

لعلت على كف اليمين شمال

في ذروة المجد انتمى لك منهج

تنبو وتقصر دونه الآمال

لك بالوفا والجود في أجيادنا

طوق وفي ساق الزمان حجال

بين المرادين استوت لك كنية

فاطلب بها ما شئته ستنال

حظ وهي كبد الحواسد دونه

والكد في كبد الحضيض مجال

لا غرو أن يقضوا الحياة بدائهم

كمدا وداء الحاسدين عضال (2)

(1) في الاصول بحر طما، غيث هما.

(2)

في الاصل: الحيات بدائهم.

ص: 195

إذ يرجعون وكيدهم بنحورهم

وكفى بما رجعوا عليك وبال

فليهنك العيد المبارك سيدي

يوم برفحته الهناء يقال (1)

لا زالت الأيام عيد كلها

لك باقيات ما لهن زوال

فضل الصيام بلغته طوعا وقد

أفطرت مغفورا ونعم مآل

بذت يداك نداك فيه فأغمرت

وبذاك فضل شائع ونوال

ومن لطائف التهنئة قول القاضي الارجاني (2):

أنت للعيد وهو للناس عيد

صاحب مسعد ويوم سعيد

إنما تسعد الأنام لعمري

بالذي تستمد منه السعود

وعلى ذاك فاغتنمه نزيلا

فهو بين الأنام يوم جديد

لك فيه وبعده كل يوم

فرح طارف وعز تليد

ولك الدهر إن رضيت غلام

ولك الناس أن قنعت عبيد

أنت في الدهر لا تزال مقيما

وهو يمضي مرددا ويعود

هل رأى العيد قط قبلك مولى

كل معنى في جوده موجود

وجهه المستهل والأنمل العشر

ففي كل لحظة منه عيد

يقتل الحاسدين قتلا نداه

ويرجى قراه فرد وسيد

(1) رفحه ترفيحا: قال له بالرفاء والبنين قلبوا الهمزة حاء. ولم ترد الرفحة في اللغة.

(2)

مرت ترجمته في ص 68 ج 1.

ص: 196

وقد أخذ ابن النبيه (1) معنى أول هذه الأبيات فقال:

رمضان طيفك سار حولا كاملا

ومضى لما أوليته متشكرا

فتهن عيدا أنت حقا عيده

يا خير من صلى وصام وأفطرا

ومن البدائع قول الصابي (2) في بعض الوزراء:

يصوم الوزير الدهر عن كل منكر

وليس لهذا الصوم عيد ولا فطر

ويفطر بالمعروف والجود والندى

وليس لهذا الفطر صوم ولا فطر

فاكرم به من صائم مفطر معا

توافي لديه الأجر والحمد والشكر

وللصابي (2) أيضا:

يا ماجدا يده بالجود منفطر

وفوه من كل هجو صائم ابدا

اسعد بصومك إذ قضيت واجبه

نسكا ووفيته من شهره العددا

واسحب من العيد أذيالا مجددة

واستقبل العيش من إفطاره رغدا

وانعم بيومك من ماض قررت به

عينا ومنتظر يفضي إليك غدا

وفز بعمرك ممدودا وملكك مو

طودا ونل منهما الجد الذي بعدا

حتى ترى كرة الأرض البسيطة في

يمناك مملوة أرجاؤها رشدا

ومولك الفلك الدوار متبعا

اوطار نفسك لا يألوك مجتهدا

ومن لطائف التهنئة قول الارجاني (3) في عيد الأضحى:

قدمت مع الأضحى فأضحى مجيئه

وراءك عن ثغر الميامن مفترا

(1) مرت ترجمته في ص 41 ج.

(2)

مرت ترجمته في ص 389 ج.

(3)

مرت ترجمته في ص 68 ج 1، ص 367 ج 1

ص: 197

تطالعتما سعدا ولكن سبقته

فأسعدته وانساق يتلو لك الأثرا

وقالوا ترى النحر المبشر لم يزل

يحل بطوق من هلال له النحرا

تعوض من أعلامه بأهلة

طلعن عليه يوم موكبه تترى

فقلت بل المولى ابن خالد الذي

بأسنى العطايا منه زائره يقرى

لنا كل يوم منه عيد تكاملت

مواسمه ما قلب الأنمل العشرا

كفى وجهه والكف والعمر والعدى

هلال الورى والعشر والعيد والنحرا

ومنه قول بعضهم:

عماد الدين قابلك السعود

وعشت كما تريد لمن تريد

وأظهرك الإله على الأعادي

ومات بدائه فيك الحسود

أتاك العيد مقتبلا جديدا

وجدك فيه مقتبل جديد

تهنا الناس في الأعياد فينا

وأنت لنا برغم العيد عيد

عطفا على القصيدة المترجمة

فانهض وجرد عطفة عمرية

فالوقت راق وحلت الأشكال

ودنا السرور اليك متبهجا وقد

صفت الكدور وخفت الأثقال

وأتمم مسرة نجلك الزاكي الذي

قد زانه فضل به وكمال

ينبوع زهر حديقة الكرم الذي

عرفت به في المكرمات خصال

ص: 198

اكرم به خلفا لعمري أنه

شهم له فوق المقال مقال

صل شمله وارغد بذلك عيشه

فالعيش أهنأ ما يكون وصال

تبلغ بذلك من مرادك فرحة

أبدا وأنت القائل الفعال

لا اشمت الله العدا بكم ولا

بلغوا منى ما أملوه ونالوا

خذها إليك هدية من وامق

في مدحكم لا يعتريه ملال

جارت عليه حرفة الأدب التي

فيها لألسنة العقول عقال

كعروسة بكر تنظم عقدها

عذراء ما في جيدها أعطال

وأجز القبول بها لعمرك إنها

درر وفي مهج العداة نبال

فأنا كمهد وردة لحديقة

إذ منك لي بوصولها إيصال

ولقد أمنت من الزمان وصرفه

ما دام لي بحماك منه ظلال

لا زلت في حلل الفصاحة رافلا

ما صافحت ريح الجنوب شمال

وله يمدح بعض الفضلاء:

كفى من جفوني ما تفيض المدامع

وحسبك ما عني بحبك شائع

إلى الله ما اخفت حشاي من الجوى

وما في الهوى أحنت عليه الاضالع

تق الله في قلب لديك وديعة

وعند كرام الناس تجنى الودائع

فرفقا بمن أمسى أسير كآبة

أبى أن يقيه ذلك السجن شافع

بحسنك مشغول لودك حافظ

لأمرك مأمور لحكمك طائع

ص: 199

هواك سطا ظلما علي فها أنا

لعزة سلطان المحبة خاضع

فيا منيتي أن كان في بذل مهجتي

رضاك فأني في هواك لبائع

تعودت منك الهجر حتى الفته

فصبري على ما دون بعدك واسع

فلا تحرم العين القريحة نظرة

وكن كيف ما تهوى فما أنا جازع

خفضت جناحي ناصبا حال ذلتي

لعل ابتداء منك للخفض رافع

فما أنا كالموصول لا صلة له

ولا عائد قد نازعته المواقع

وأوضح من هذا قول البهاء زهير (1):

يقولون لي أنت الذي سار ذكره

فمن صادر يثني عليك ووارد

هبوني كما قد تزعموني أنا الذي

فأين صلاتي منكم وعوائدي

ومثله لابن عنين (2):

انظر إلي بعين مولى لم يزل

يولي الندى وتلاف قبل تلافي

أنا كالذي احتاج ما تحتاجه

فاغنم ثنائي والدعاء الوافي

(1) مرت ترجمته في ص 212 ج 1.

(2)

مرت ترجمته في ص 459 ج 1.

ص: 200

وللأديب جعفر المصري (1):

وافيت بابكم لأرفع مبتدأ

شعري وانصب خفض عيش أغبرا

حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي

أو تصرفوا من غير شيء جعفرا

وللسليماني (2):

وأنا الذي أضنيته وهجرته

فهل صلة أو عائد منك للذي

وقال آخر:

لا تهجروا من لا تعود هجركم

وهو الذي بلبان وصلكم غذي

ورفعتم مقداره بالابتدا

حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي

وللصفي الحلي (3):

لما رأت علياك أني كالذي

أبدو فينقصني السقام الزائد

وافيتني ووفيت لي بمكارم

فنداك لي صلة وأنت العائد

ولابن حجة (4):

قطع الأحبة عادتي من وصلهم

فكأن قلبي بالتواصل ما غذي

فاذا سمعتم في النحاة بعاشق

منعوه من صلة له فأنا الذي

(1) لم نعثر له على ترجمة.

(2)

هو ابو الحسن الامير علي بن عثمان بن علي بن سليمان الاربلي المعروف بأمين الدين السليماني. ولد سنة اثنتين وستمائة. كان شاعرا مجيدا من اعيان شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام.

كان جنديا ثم ترك ذلك وتزهد. وتوفي بمصر سنة سبعين وستمائة. له القصيدة الموسومة بالفاخرة. وهي قصيدة غزلية ضمن كل بيت من ابياتها نوعا من انواع البديع.

فوات الوفيات 2: 118، النجوم الزاهرة 7: 236، هدية العارفين 1: 712 تاريخ الادب العربي في العراق 1: 312.

(3)

مرت ترجمته في ص 148 ج 1.

(4)

مرت ترجمته في ص 40 ج 1.

ص: 201

تتمة القصيدة المترجمة:

عسى عطفة تحيي على البعد مغرما

إذا عز وصل بالرضا فهو قانع

اذا جن ليل جن إذ حن صبوة

فلا دمعه راق ولا الطرف هاجع

وأصغي بسمعي للعواذل تارة

كأني لما جاءوا من اللوم سامع

وهيهات إلا أن ذكرك منه لي

يلذ ولو أن العذول منازع

أوضح من هذا والطف معنى قول البهاء زهير (1):

أحب العذول لتكراره

حديث الحبيب على مسمعي

وأهوى الرقيب لأن الرقيب

يكون إذا كان حبي معي

ومثله قول مجد الدين الاربلي:

أصغي إلى قول العذول بجملتي

مستفهما عنكم بغير ملال

لتلقطي زهرات ورد حديثكم

من بين شوك ملامة العذال

عطف على القصيدة المذكورة:

أراني وقلبي ما خلا قط من هوى

كأني من ثدي المحبة راضع

بروحي حبيبا لم يزل متعطفا

جميل الثنا تزكو لديه الصنائع

بجيد حكى ظبي الفلاة تلفتا

إذا راعه عن ورده الماء رائع

فما البرق إلا من ثناياه لامع

ولا الطيب إلا من شذاياه ضائع

فلله أجفان الظبا زمن الصبا

بهاكم صباصب وهانت فجائع

(1) مرت ترجمته في ص 212 ج 1.

ص: 202

ولعت بصغري بالمحبة والشقا

فما زال حظي منه ما أنا والع

رعى الله دهرا بالحمى مع أحبة

لهم سوق شوق كم فنى فيه طامع

بضاعتهم فيه خدود وأعين

فقلبي على تلك البضائع ضائع

سقى الله ربعا كان معهد عهدنا

وجاديه من هامل المزن هامع

وحيا الحيا حيا به معدن الحيا

ولا زال في أرجائه الزهر يانع

فعهدي به يزهو بكل محجب

بطلعته تسبى البدور الطوالع

وحظي سعيد والزمان مساعد

وليس لحبل الوصل إذ ذاك قاطع

أفتية ذاك الحي هل فيكم رشا

عهدت له بين الضلوع مراتع

وهل للصبا عود وللدهر عطفة

وهل ما قطعناه من العيش راجع

وهيهات ذاك العيش إلا بأن يكن

بحضرة من للحلم والعلم جامع

أبو الفضل إبراهيم ذو المجد والتقى

له قدم فوق البراعة بارع

هو الماجد المعروف بالبذل والسخا

فإحسانه بين البرية ذائع

إمام الهدى مجلي الصدا منهل الندى

مريع العدى للناس فيه منافع

إذا ما رأى الإسراف من بسط كفه

وحاول قبضا خالفته الأصابع

أخذ هذا المعنى من قول أبي تمام:

تعود بسط الكف حتى لو أنه

ثناها لقبض لم تطعه أنامله

ولو لم يكن في كفه غير روحه

لجاد بها فليتق الله سائله

ص: 203

أخذ معنى البيت الثاني أبو سعيد الرستمي (1) وسبكه في مدح الصاحب ابن عباد فقال:

واجد بالعلاء والمجد وجدا

لم يجده بيوسف يعقوب

وإذا ما أتاه طالب جدوى

راحتيه فالطالب المطلوب

قل لباغي الندى خف الله لا ت

سأله عمرا فإنه موهوب

أخذ هذا المعنى الشيخ زين الدين ابن الوردي (2) أخذا فاحشا وأورده في الغزل دون المديح فقال:

تعجبت من مهديه لو أن لامسا

أراد انقباضا لم تطعه أنامله

وسال عذار لو نعى نفس صبه

لجاد بها فليتق الله سائله

والطف منه قول ابن نباته (3):

وضعت سلاح الصبر عنه فماله

يقاتل بالالحاظ من لا يقاتله

وسال عذار فوق خديه جائر

على مهجتي فليتق الله سائله

رجع تتمة القصيدة المترجمة:

شريف زكا أصلا وفرعا ومحتدى

ولا سيما ما قد زكته الطبائع

ومن ذا يضاهي نجل حيدرة الذي

له في بديعات الكلام بدائع

تأثل علم الله فيهم تسلسلا

فكل لكل في الفضائل تابع

هم السادة الغر الميامين خلتهم

نجوما لهم أوج الكمال مطالع

(1) مرت ترجمته في ص 235 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص 137 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص 114 ج 1

ص: 204

بهم يهتدي الساري إلى منهج الهدى

ويجبر مكسور ويؤمن فازع

فإن كان بحر العلم في الناس جاريا

فهم أبدا عين له ومنابع

فلا زلت يا كهف المساكين رافلا

بثوب الهنا ماحن في الأيك ساجع

ولصاحب الترجمة أيضا:

هي المنازل لا أودى بها الملل

ولا تخلل في اكنافها الخلل

ولا خلا روضها من كل يانعة

ولا ذوى ظمأ أملودها الخضل

كلا ولا زالت الأنواء صيبة

تروي ثراها وعمت أهلها الخول

دار الأحبة لا أعفى لهم أثر

ولا خلا منهم ربع ولا طلل

عهدي بنا معهم في كل مغتبط

والشمل مجتمع والحبل متصل

أيام كانت ميادين الزهور لنا

مراتعا حيث يشدو الورق والحجل

من كل ذي هيف ما ماس منعطفا

الا وسبحت الأغصان والأثل

وان رنا بلحاظ كحلت دعجا

أرتك سحر الحلال الأعين النجل

مدت أيادي سبا من ذاك فينا بنا

فحال دون التلاقي السهل والجبل

وطاش سهم الأماني لم يصب غرضا

وقد وهي الحبل لما أعيت الحيل

فهم أحبة قلبي أين حط لهم

رحل ولست بساليهم وإن رحلوا

ص: 205

عسى الزمان الذي أبلى بفرقتهم

يثني الأزمة رجعا والقضا دول (1)

ويصبح الخوف أمنا والفراق لقى

والبعد قربا وماضي عمرنا سهل (2)

بسعد من لا يداني الهم همته

فخر الوجود الكريم الماجد البطل

بنى له في المعالي من فضائله

بيتا دعائمه آباؤه الأول

فذاك كعبة جود طالما ولكم

حجت إليه مطايا القصد والقفل

وللرستمي (3) في هذا المعنى من قصيدة صاحبية:

وأنت الذي حج المرجون بيته

فأعطيتها الآمال قبل سؤالها

يسيرون في شرق البلاد وغربها

نواشط عن أوطانها وحلالها

تنص إليك العيس من كل وجهة

على بابها من أينها وكلالها

يحجون بيت الله في العام مرة

ودارك طول الدهر ملقى رحالها

ومثله للارجاني (4):

فما أنت إلا بيت مجد وسؤدد

للقياه يسرى دائما ويسار

على أن حج البيت في العام مرة

وحجك في اليوم القصير مرار

(1) في الاصول: على الزمان الذي.

(2)

كذا وهو خطأ.

(3)

مرت ترجمته في ص 235 ج 1.

(4)

مرت ترجمته في ص 68 ج 1، 376 ج 1

ص: 206

وقوله أيضا:

إذا ما الورى طرا فدوك من الردى

فقد جل من يفدى وقد قل من يفدي

وما أنت إلا للورى بيت سؤدد

وكعبة مجد قصدها أبدا يجدي

وتلطف ابن النبيه (1) بقوله:

كعبة إحسان يدا كفه ال

بيضاء مثل الحجر الأسود

يزدحم الناس على لثمها

كالإبل الهيم على المورد

تتمة القصيدة المترجمة:

فمن يضاهي بني الزهراء في شرف

أو من يفاخرهم أصلا إذا أصلوا

هو النقي فما في فعله دنس

هو الجري فما في نقله زلل

من معشر قد سموا هام السماك على

بالعز والفضل فيهم يضرب المثل

قوم إذا فخرت قوم بجدهم

كانوا لتيجان أعلى مجدهم كلل

أن حدثوا صدقوا أو حاججوا غلبوا

أو ناسبوا فخروا أو قابلوا قبلوا

وكيف لا وهم المعروف أنهم

من طينة الفضل والمعروف قد جبلوا

من لا يرى مدحهم فرضا فذاك من ال

ذين هم عن طريق الحق قد عدلوا

(1) مرت ترجمته في ص 41 ج 1.

ص: 207

هذا المعنى مأخوذ من قصيدة عبد الرحيم البرعي وهي:

كل من لم ير فرضا حبهم

فهو في النار وان صلى وصاما

هم نجوم اشرف الكون بهم

بعد ما كانت نواحيه ظلاما

فتحوا الأرض بعليا بأسهم

واستباحوا يمنا منها وشاما

وللأديب علي بن الجهم الشامي (1) في معناه:

ولا يقبل الإيمان إلا بحبهم

وهل يقبل الله الصلاة بلا طهر

ومن كان مجهول المكان فإنما

منازلكم بين الحجون إلى الحجر

وما زال بيت الله بين بيتوكم

تذبون عنه بالمهندة البتر

ومثله للصفي (2) من قصيدة:

لو أن عبدا أطاع الله ثم أتى

ببغضكم كان عند الله غير تقي

فضل به زينة الدنيا فكان لها

كالتاج للرأس أو كالطوق للعنق

صلى عليك اله العرش ما طلعت

شمس النهار ولاحت انجم الغسق

وآلك الغرر اللائي بهم عرفت

سبل الرشاد فكانت مهتدى الفرق

قوم متى أضمرت نفس امرئ طرفا

من بغضهم كان من بعد النعيم شقي

ولي في هذا المعنى من قصيدة في مدح آل البيت رضي الله عنهم:

بجدهم وبسعي منهم وبهم

نلنا المنى وسما الإسلام في الأمم

لا يقبل الله مناقط نائلة

ولا فريضة ان لم يذكروا بفم

ما حل بغضهم قلبا وحل به

هداية أبدا فاحذر من التهم

هم علة الكون بل روح الوجود

وهم هداية منحت من بارئ النسم

(1) مرت ترجمته في ص 232 ج 1.

(2)

مرت ترجمته في ص 148 ج 1.

ص: 208

فحبهم فرض عين بغضهم خطأ

كفر صريح فحاذر زلة القدم

وللصفي أيضا من قصيدة في آل البيت رضي الله تعالى عنهم:

يا عترة المختار يا من بهم

أرجو نجاتي من عذاب أليم

حديث حبي لكم سائر

وسر ودي في هواكم مقيم

قد فزت كل الفوز إذ لم يزل

صراط ديني بكم مستقيم

فمن أتى الله بعرفانكم

فقد أتى الله بقلب سليم

ولصاحب الترجمة قصيدة يتشوق بها إلى حلب:

أمن الوشاة وأعين الرقباء

هذا نحيبك أم حبيبك نائي

أم ضاع من عطر الأحبة نسمة

أهدتك طيب محاجر الكباء (1)

أم من وميض بويرق من بارق

أجلى سناه حنادس الظلماء

أم شاقك الربع القديم فلم تزل

تهفو إلى نفحاته الفيحاء

لولا غرامك لم تذق أرقا ولا

أشجاك ذكر منازل عفياء

أيظن أن يخفي المحبة عاشق

والظرف منه ينم بالإفشاء

صرح وصرح بالحبيب ولا ترى

حمل الغراب يخف بالإخفاء

كيف الصيانة والصبابة برحت

بك والدموع تسيل كالأنواء

فالصب من خلع العذار تهتكا

يبدي حنين خليعة النفساء

فسقى عفيفا من ديار اعفة

صوب الولي وجادها بولاء

عهدي بنا وبهم بها في غبطة

نمشي فنسحب أذيل الخيلاء

أيام كان بها الحبيب مواصلا

والبشر محفوفا بكل هناء

رشأ من الأتراك في لحظاته

سلب الفؤاد وفتنة السحراء

يا قاتلي بلحاظه مهلا فقد

أصمي جفونك نبلها أحشائي

هلا رعيت قديم عهد بالحمى

حيث المروج أريجة الارجاء

(1) الكباء ككساء عود البخور او ضرب منه.

ص: 209

ومبيتنا زهر الرياض ووردنا

صفو الحياض ونحله الندماء

والزهر ينفح والرياض أنيقة

وعلى الغصون صوادح الورقاء

وزبرجد الأوراق تحسب إنها

قطع ترصعها يد الانداء

عمري على تلك المعاهد لم يزل

بادي الأسى متنفس الصعداء

ما أن يراجعنا الزمان بأوبة

ويصح فيه لدى الاياس رجائي

وارى الأحبة في الربوع روائعا

حول المشاهد من حمى الشهباء

بلد لها شهد البرية أنها

عدن البلاد ومعدن الفضلاء

حلب جلت عن قلب ساكنها الصدا

وحلت بألطف زخرف وبناء

فاقت على كل البلاد بما حوت

من لطف ماء واعتدال هواء

فهي المقدسة التي قد شرفت

لا سيما بمصارع الشهداء

بلد تراها حيث ما قابلتها

بالوضع شكل حمامة بيضاء

لو لم تقاس بجنة ما كانت ال

فردوس فيها بهجة النظراء (1)

فكأنما غرر البلاد جماعة

وهي العروس بدت بهم لجلاء

تنسي الغريب بأنسها أوطانه

ويرى المقام بها من النعماء

يا ليت شعري هل أراني مرة

ألقى بها دون البلاد عصائي

ولئن قضى لي في الزمان بزورة

منها إذا أني من السعداء

هيهات حال البعد بين منالها

شتان بين الشام والحدباء

أن ذاك إلا أن يكون بهمة ال

مولى الذي بلغت فيه منائي

مولاي إبراهيم ذو الشرف الذي

خرق السها وسما على الجوزاء

من محتد سادوا وحسبك من غدت

تثني عليهم السن الأعداء

السادة العلماء نسل السادة ال

فضلاء نسل السادة النجباء

(1) كذا في الاصل لم تقاس وهو خطأ.

ص: 210

لا زلت يا كنز الفضائل رافلا

أبدا بثوب العز والآلاء

وهي طويلة حذفت منها أبياتا.

وله أيضا يتشوق إلى وطنه، ويتذكر معاهد انسه ولذات مساكنه.

تاق الغريب لعودة وإياب

وصبا لجمع الشمل بالأحباب

وغدا يحن إلى اللقاء تشوقا

لقديم أنس محاضر الأصحاب

من كل مطبوع الخصال مهذب

أهل الوفاء معادن الآداب

كرر على سمعي أخي حديث اخ

وان الصبا لا زينب ورباب

يا لائمي لتشوقي تلك الربا

عني وخفض عنك ما بك مابي

لو ذقت حلو الجمع بعد مرارة ال

تفريق يوما لم تفه بعتاب

أني امرؤ والله ما ذكر الحمى

ألا وأسكرني بغير شراب

ولئن صبا قوم لمال أو غنى

فأنا إلى عهد التصابي صابي

صلة الأحبة مذهبي وودادهم

أربى وتذكار المنازل دابي

مالي وللزوراء بعد زيارتي

أقطارها لمراقد الأقطاب

حادي المطي هديت قف بي ساعة

واحبس مطيك أن تنال ثوابي (1)

أن كنت للحدباء تعزم راشدا

مهلا فذاك من الزمان مآبي

لم اتخذ بلدا بها بدلا ولا

أسلو عهود صبوتي وشبابي

شرفي بها وبأهلها إذ لم أزل

ما بينهم أبدا عزيز جناب

حتى أحمل حمل راحلة بها

القى وجوه أحبتي الأنجاب

(1) في الاصل: هو تب قف بي ساعة.

ص: 211

ونظير هاتين القصيدتين ما كتب به الأديب ابن حجة إلى القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي (1) من القاهرة إلى حماة، يتشوقه ويذكر وطنه:

يا طيب الأخبار يا ريح الصبا

يا من إليه فؤاد صب قد صبا

يا صادق الأنفاس يا أهل الذكا

يا طاهر الأذيال كم لك من نبا

يا من نراه عبارة عن حاجر

يا روح نجد مرحبا بك مرحبا

يا نسمة الخبر الذي من طيبه

تتنسم الأخبار عن تلك الربا

بالله أن رنحت ذاتك بالحمى

ووردت شعبا من دموعك معشبا

وهززت فيه كل عود اراكة

أضحى بهاتيك الثغور مطيبا

ودخلت كل خباء زهر قد غدا

بدموع أجفان الغمام مطنبا

وطرقت حي العامرية ظامئا

فنعمت بالوادي بريا زينبا

عج بالعذيب فإن محجر عينه

أمسى لما حملته مترقبا

واصحب عبير المسك منه فإنه

لشوارد الغزلان أضحى مشربا

فإذا تنسمت الشذا وتعطرت

منك الذيول وطبت يا ريح الصبا

عرج على وادي حماة بسحرة

متيمما منه صعيدا طيبا

واحمل لنا في طي بردك نشره

فبغير ذاك الطيب لن نتطيبا

واسرع إلي وداو في مصر به

قلبا على نار البعاد مقلبا

لله ذاك السفح والوادي الذي

ما زال روض الأنس فيه مخصبا

وانعم بمصر نسبة لكن أرى

وادي حماة ولطفه لي أنسبا

ارض رضعت بها ثدي شبيبتي

ومزجت لذاتي بكاسات الصبا

يا ساكني مغنى حماة وحقكم

من بعدكم ما ذقت عيشا طيبا

(1) في خزانة الحموي ص 32 وهذه القصيدة كتبت بها من القاهرة المحروسة سنة اثنتين وثمانمائة الى القاضي تاج الدين ابن البارزي صاحب دواوين الانشاء الشريف تشوفا اليه والى حماة المحروسة.

ص: 212

وبعيد هاتيك الموارد لم أجد

لي في المناهل منهلا مستعذبا

ومهالك الحرمان تمنع عبدكم

من أن ينال من التلاقي مطلبا

وإذا اشتهيت السير نحو دياركم

قرأ النوى لي في الأواخر من سبا

وخسرت أياما مضت لكن إذا

شاهدتكم يوما رأيت المكسبا

والله أن لم ألقكم من بعد ذا

فعلى زماني لم أزل متعتبا

وقد التفت اليك يا دهرى بطو

ل تعتبي ويحق لي أن اعتبا

قررت لي طول الشتات وظيفة

وجعلت دمعي في الخدود مرتبا

وأذقتني فقد الأحبة والهوى

والأهل والأوطان في زمن الصبا

وأسرتني لكن بحق محمد

يا دهر كن في مخلص متسببا

فمحمد ومدينة قد حلها

لم ألق غيرهما لقلبي مطلبا

مولى إذا قصد الزمان بلحنه

خفضي غدا عن رفع قدري معربا

ذو رتبة نصب السعود بيوتها

من فوق هام الفرقدين وطنبا

وفضائل أمست على حلل العلو

م برقمها الزاهي طرازا مذهبا

وكتابة منسوبة لكن إلى

غير الكمال وحقها لن تنسبا

وإذا تسنم ذروة من منبر

لخطابة فابن الخطيب هنا هبا

من بيت فضل قد علت طبقاته

واراه للعلم الشريف مبوبا

وإذا وقفت بحاجة في بابه

تلقاه بابا للنجاح مجربا

يا كاتب الأسرار يا من فضله

قد جمل الدنيا وزان المنصبا (1)

أقلامك السمر الرشاق إذا ثنت

أغنت نهار الخطب عن بيض الظبا

وسرى نسيم الذوق في قضبانها

فغدا بها بين الأنام مشببا

فلأجل ذا أن رجعت أقوالها

لم تلق إلا مرقصا أو مطربا

(1) في الاصول: وزال الغبا.

ص: 213

ومن النظائر، التي تشق لطافتها المرائر، قصيدة الشيخ شمس الدين ابن الصائغ (1)، يتشوق إلى دمشق وأطرافها وأدبائها، وهي:

أدمشق لا بعدت ديارك عن فتى

أبدا إليك بكله يتشوق

أشتاق منك منازلا لم أنسها

أني وقلبي في ربوعك موثق

أني اتجهت رأيت دوحا ماؤه

متسلسل يعلو عليه جوسق

والريح تكتب والجداول أسطر

خط له نسخ الغرام محقق

والطير يقرأ والنسيم مردد

والغصن يرقص والغدير يصفق

ومعاطف الأغصان هزتها الصبا

طربا فذا عار وهذا مورق

وكأن أزهار الرياض سرادق

في ظلها من كل لون نمرق

وكأنما في كل عود صادح

عود خلا مزمومه والمطلق

والورق في الأوراق يشبه شجوها

شجوى وأين من الخلي الموثق

تتلو على الأغصان أخبار الهوى

فيكاد ساكت كل شيء ينطق

يا سائرا والريح تعثر دونه

والربع يبسم إذ به يتألق

أن جئت من وادي دمشق منزلا

لي نحوه حتى الممات تشوق

بالجبهة الغراء والنهر الذي

يزهو به القصر المنيف الابلق

ورأيت ذاك الجامع الفرد الذي

في الأرض مثل جماله لا يخلق

قل للفتى عبد الرحيم بأنني

أبدا لحسن وداده أتخلق

إن كنتم عرضتم بتشوق

وحياتكم أني إليكم أشوق

(1) هو محمد بن حسن بن سباع بن ابي بكر الجذامي، ابو عبد الله، شمس الدين المعروف بابن الصائغ أديب. عالم باللغة، مصري الاصل. ولد بدمشق سنة خمس واربعين وستمائة وتوفي فيها سنة عشرين وسبعمائة وكان له حانوت بالصاغة. له «المقامة الشهابية» و «شرح ملحة الاعراب» وقصيدة في الفي بيت في «الصنائع والفنون» و «شرح قصيدة ابن دريد» مجلدان و «مختصر صحاح الجوهري» يظن انه «الراموز في اللغة» ثلاث مجلدات و «ديوان شعر» مجلدان. ترجمته في النجوم الزاهرة 9: 248 والدرر الكامنة 3: 419 وفوات الوفيات 2: 188 وبغية الوعاة 34 وابن الوردي 2: 270 والبداية والنهاية 14: 89 والاعلام 6: 318 وفيه ذكر اختلاف في سنة وفاته.

ص: 214

وللبرهان القيراطي (1) في هذا الباب، ما يحير عقول ذوي الألباب ويكاد أن يهزأ رقة بماء السحاب. وهو:

لله ليل كالنهار قطعته

بالوصل لا أخشى به ما يرهب

وركبت منه إلى التصابي ادهما

من قبل أن يبدو الصباح الأشهب

أيام لا ماء الخدود يشوبه

كدر العذار ولا عذاري أشيب

كم في مجال اللهو لي من جولة

أضحت ترقص بالسماع وتطرب

وأقمت للندمان سوق خلاعة

تحيى المجون إلي فيه وتجلب

وذكرت في عليا دمشق معهدا

أم الزمان بمثله لا تنجب

قوم بحسن صفاتهم وفعالهم

قد جاء يعتذر الزمان المذنب

اشتاق في وادي دمشق معهدا

كل الجمال إلى حماه ينسب

ما فيه إلا روضة أو جوسق

أو جدول أو بلبل أو ربرب

وكأن ذاك النهر فيه معصم

بيد النسيم منقش ومكتب

وإذا تكسر ماؤه أبصرته

في الحال بين رياضه يتشعب

وشدت على العيدان ورق أطربت

فغناؤها من غاب عنه المطرب

والورق تشدو والنسيم مشبب

والنهر يسقى والجداول تشرب

وحلت لقلبي من عسال جنة

فيها لأرباب الخلاعة ملعب

ولكم طربت على السماع بجنكها

وغدا بربوتها اللسان يشبب

(1) هو ابراهيم بن شرف الدين عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر المعروف ببرهان الدين القيراطي.

ولد بمصر سنة ست وعشرين وسبعمائة. وحفظ القرآن. واشتغل بالفقه، وفاق اهل زمانه بالأدب جاور بمكة وحدث بها وتوفي فيها سنة احدى وثمانين وسبعمائة.

من آثاره: مطلع النيرين ويشتمل على النظم والنثر، والوشاح المفصل في الأدب، وديوان شعره. الدرر الكامنة 1: 32 والنجوم الزاهرة 11: 196 والمنهل الصافي 1: 70 وشذرات الذهب 6: 269 وايضاح المكنون 1: 525 و 2: 501. وآداب زيدان 3: 135.

ص: 215

وللقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (1) على هذا المنوال، يشكو من الشوق ألم البعد والنكال:

يا نسيم الجنوب بالله بلغ

ما يقول المتيم المستهام

قل لأحبابه: فداكم فؤاد

ليس يسلو ومقلة لا تنام

بنتم فالسهاد عندي مقيم

مذ نأيتم، والعيش عندي حمام

فعلى الكرخ فالقطيعة فالش

ط فباب الشعير مني السلام (2)

يا ديار السرور لا زال يبكي

بك في مضحك الرياض غمام (3)

رب عيش صحبته فيك غض

وجفون الخطوب عنا نيام

في ليال كأنهن أمان

من زمان كأنه أحلام

وكأن الأوقات فيها كئوس

دائرات وأنسهن مدام

زمن مسعد وألف وصول

ومنى تستلذها الأوهام

كل انس ولذة وسرور

قبل لقياكم علي حرام

وله يتشوق إلى بغداد، ويصف مواضعه وتلك العهاد:

أراجعة تلك الليالي كعهدها

إلى الوصل أم لا يرتجى لي رجوعها

وصحبة أقوام لبست لفقدهم

ثياب حداد مستجد خليعها

(1) هو ابو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني فقيه أديب شاعر. ولد بجرجان وكان في صباه كثير الرحلات ولقى العلماء. تولى قضاء جرجان ثم اصبح قاضي القضاة في الري بعد اتصاله بالصاحب بن عباد توفي بنيسابور سنة اثنتين وتسعين وهو دون السبعين. فحمل تابوته الى جرجان. من كتبه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» مطبوع. و «تفسير القرآن» و «تهذيب التاريخ» و «ديوان شعر» و «رسائل» وكان خطه يشبه خط ابن مقلة.

يتيمة الدهر 4: 3 ووفيات الأعيان 2: 440 ومعجم الأدباء 14: 14 والنجوم الزاهره 4: 250 والكنى والالقاب 2: 31 وهدية العارفين 1: 684 وشذرات الذهب 3: 56 وطبقات الشافعية 3: 459 والبداية والنهاية 11: 331 والاعلام 4: 115 ومعجم المطبوعات 682.

(2)

في الاصول فباب العشير وهو خطأ. وباب الشعير محلة ببغداد.

(3)

في الاصل: في مضجعيك.

ص: 216

إذا لاح لي من نحو بغداد بارق

تجافت جفوني واستطير هجوعها

وإن اخلفتها الغاديات وعودها

تكلف تصديق الغمام دموعها

سقى جانبي بغداد كل غمامة

يحاكي دموع المستهام هموعها

معاهد من غزلان أنس تحالفت

لواحظها أن لا يداوي صريعها

يحن إليها كل قلب كأنما

يشاد بحبات القلوب ربوعها

فكل ليالي عيشها زمن الصبا

وكل فصول الدهر فيها ربيعها

وما زلت طوع الحادثات تقودني

على حكمها مستكرها فأطيعها

فلما حللت القصر قصر بنوتي

تفرق عنى آيسات جموعها (1)

بدار بها يسلى المشوق اشتياقه

ويأمن ريب الحادثات مروعها

بها مسرح للعين فيما يروقها

ومستروح للنفس مما يروعها

كأن خرير الماء في جنباتها

رعود تلقت مزنة تستريعها

إذا ضربتها الريح وانبسطت لها

ملاءة بدر فصلتها وشيعها

رأيت سيوفا بين أثناء ادرع

مذهبة يغشى العيون لميعها

فمن صنعة البدر المنير نصولها

ومن نسج أنفاس الرياح دروعها

صفا عيشنا فيها وكادت لطيبها

تمازجها الأرواح لو تستطيعها

ولابن حجة أيضا يتشوق إلى حماة ويعرض بمدح ابن البارزى (2) ويتأسف على المنازل والربوع. وهي:

خل التعلل في حمى يبرين

فهوى حماة هو الذي يبريني

وأطع ولا تذكر مع العاصي حمى

فيما وراء النهر ما يرضيني

وبالانجبار اذا بدا لي شطه

يحلو الشراب ونهله يشفيني

(1) في اليتيمة: قصر مسرتي.

(2)

مرت ترجمته في ص 212 ج 2

ص: 217

أنا سائل والنهر فيها لذ لي

ومع افتقاري نظرة تغنيني

وجناس ذاك الثغر يحلو للورى

تحريفه ويروق في تشرين

والنبت يضبطه بشكل معجم

لما يزيد الطير في التلحين

والغصن يحكى النون في ميلانه

وخياله في الماء كالتنوين

والله ما أنا آيس من قربها

بالله صدقني وخذ بيميني

فالعين قد أبقت بقايا ادمع

وهناك أجريها برجع أنين

فاحذر ملامي عند فيض مدامعي

فالدمع دمعي والعيون عيوني

وأهيل ذاك الدائرين لبعدهم

دور اشتياقي سلسلته جفوني

قالوا تسلى عن ثمار شطوطها

فأجبت لا والتين والزيتون

يا لائمين على شريعتها لكم

في ذاك دينكم ولي أنا ديني

فلنا على الأعراف من ريحانها

قصص أتت بتناسخ البشنين

وبشط شرعيا لنا كم شرعت

أعوادها وتثقفت باللين

لكن إذا اشتبكت رأيت الظل قد

الفته مضطربا شبيه طعين

وعيونها كم قال هدب نباتها

ما للنباتي مثل سرح عيوني

فمتى يقابلني الزمان بجيرة

وأرى قرار العين في جبرين

تلك المعالم والمعاهد بغيتي

بحماة لا الجيران من جيرون

كم قال دمع الصب ليتهم على

تلك الرسوم بفضلهم يجروني

بالله يا أهل الحنين إذا بدا

ترجيعكم بحنينكم واسوني

فجواد دمعي أن تقاصر جريه

أعدته وخز مهامز بجفوني

يا عين خل العز بعد فراقهم

وارث لذلي في الغرام وهوني

فأهيل ذاك السفح بعد بعادهم

لم أرض سفحا غير سفح عيوني

ص: 218

وهواهم ديني فمه يا عاذلي

لا تبغ مني رخصة في الدين

يا نازلين حمى حماة نعمتم

فيها صباحا نوره يهديني

غبتم وهذا محضري لي شاهد

بالعسر من صبري وبالمضمون

وحللتم دار السعادة بالحمى

فبحقكم بالبعد لا تشقوني

ذنبي عظيم بانقطاعي عنكم

ولأجلة في مصر لا تبقوني

وتكونت نار اشتياقي في الحشى

لفساد تكويني فدع تكويني

وعجزت ضعفا عن وفا دين اللقا

فترفقوا بفؤادي المرهون

فعسى يزول ظلام بعدي عنكم

وأرى ضياء القرب من شمسين

ولرقة فيكم أظن بأنكم

حنيتم طربا لرجع حنيني

هذي غراميات صب ماله

أرب بتورية ولا تضمين

لكن إذا ذكروا بديع مدائح

في البارزي فكل ذلك دوني

ما القصد فخري إنما أنا عبده

والشك ادفعه بحسن يقين

الغصن نسقيه وغصن يراعه

يسقي الورى لكن أنا ينشيني

فالطرس وهو مطرف بيمينه

ينسي السواجع معرب التلحين

هو كامل في فضله وعلومه

والله أعطاه كمال الدين

حسنت لياليه وأيام له

فبدا الزمان بطرة وجبين

يا صاحب البيت الذي عن وصفه

قد أحجمت شعراء هذا الحين

إن جاء نظمي قاصرا من ضعفه

عذرا فهذي نشطة الخمسين

ص: 219

ونعم كبرت وبان عجزي إنما

كانت مسرات اللقا تصبينى

وحجبتموني عن حماة وغبتم

عني فهذا من فنون جنوني

وقعدت عن ديوان شيخ شيوخنا

في مصر جار عويس والمتيني

برهان شوقي قد أقمت دليله

بسنا بحوث مع ضياء الدين

لا زلتم بكمالكم في نعمة

مقرونة بالنصر والتمكين

ومما أنشأته وأنا في بلاد الروم، وأنا في قاغزمان، متشوقا إلى الأهل والأوطان هذه الأرجوزة:(1)

أيها الساقي لقد نام الرقيب

قم فإن الوقت خال بالحبيب

قم فلا واشي لدينا وعذول

أنا والبدر فلا تخش الأفول

قم ليزهو الناد من شمس العقار

أن في العقل لطيشا وخمار

قم ليزهو الناد حسنا وبهاء

قبل أن يدنو صباح وضياء

أيقظ الندمان كي تأتي الصبوح

فالضيا قد آن ساقي أن يلوح

قم فإن الكأس في وقت السحر

صحف الإبريز تزهو بالدرر

جددن أنسي بأقداح المدام

أنها الخمر التي تحيى العظام

فيه تعطي الراح للروح النشاط

هاتها فالوقت وقت الانبساط

فالهنا في الراح يا بدر الدجى

يا حياة الروح يا نفس الرجا

امزج الصهباء بالماء القراح

واجعل التقبيل عقدا للنكاح

قم فإن العمر ماض لا يعاد

واحيني في ذكر هند وسعاد

هاتها واسمح بتقبيل الخدود

يا حبيبي فالتهاني لا تعود

هاتها واسمح بقرب ووصال

إن قلبي دون شرب في نكال

هاتها فالوقت خال عن رقيب

ان شرب الراح يحلو بالحبيب

(1) هذه الارجوزة مليئة بالاخطاء اللغوية والنحوية ولا يستقيم الوزن الا بها وقد تركنا الاشارة اليها لانها لا تخفى على القارئ.

ص: 220

قل لمن لم يدر ما طعم الشراب

قد أضعت العمر في وقت الشباب

أن عمرا ينقضي من غير راح

ليس فيه يا حبيبي من فلاح

وأرح حادي كئيبا ذاعنا

ليس دون الراح مهنى واهنا

وصف الصهباء وقتا بالصبا

ثم كرر ذكر أيام الصبا

واعد بالله نغمات العراق

إن بعد الدار مما لا يطاق

آه من بعد الأحبة والديار

أورثت للقلب إحراقا بنار

أضرمت والله جمرا في الفؤاد

آه من جور التنائي والبعاد

واذكرن حادي أحاديث الوطن

أن بعد الحي من أوفى المحن

وتفنن لي بصوت في الحزين

أن قلبي عند أحبابي رهين

أي قلب يسلو أيام الوصال

فسلوي عن أحيبابي محال

عندهم والله قلبي والفؤاد

وهيامي في حشائي للمعاد

وأحيني حادي بتقسيم الحجاز

ثم صرح يا مغني بالمجاز

واطربن قلبي بأبيات النوى

ثم سلسل لي أحاديث النوى

عن أحييني بنغمات العجم

وانف هما باغترابي قد هجم

أنني من بعدهم أشكو الجنون

وأظن الموت عندي والمنون

كل عيش ينقضي في ذي الهموم

هو مر لا تساويه السموم

هات فالقمري في أيك الغصون

وادفع الأحزان عني والشجون

وارح قلبي بنغمات الهزار

وأزح همي بنثر الجلنار

صف لي بنت الكرم وصفا للعروس

فهي في الألطاف تهزو بالشموس

كل نور من علاها مكتسب

وهي تسمو في تجليها الذهب

ص: 221

فهي نور بسناها وبها

خمرة من لطفها تعلو السها

يا لها من خمرة تحيى المزاج

قم وناولها بأقداح الزجاج

قم فقاغزمان در مثمنة

جنة صفها بكل الألسنة

ما لها في كل وجه من نظير

أنها جنات عدن يا سمير

قم فهات الراح فيها يا حبيب

أن عيشي في سواها لا يطيب

واجعل الأقداح تزهو في الرياض

بين غدر وسواق وحياض

وانظم الكاسات حول السلسبيل

مع حب ومحب وخليل

وانثرن حولي لأنواع الورود

كل عيش في سواه لا يسود

ضمخن طيبا وعودا عنبرا

طوق الأغصان درا جوهرا

تشبه الحدباء لطفا وسنا

فهي دار تسدى بسطا وهنا

أكرمنها إنها نعم الديار

إنها سامت بأصوات الهزار

واجعلن مدحي لها مهرا تمام

أن حسن النظم في حسن الختام

ومن شعر صاحب الترجمة:

بالروح أهيف قد زانه الجيد

ذاك الغزال الذي من صيده الصيد

ظبي غدا الحسن مكنوزا بوجنته

لكنه بختام الثغر مرصود

علقته غرة مني فوا لهفي

من شادن فيه للأبصار تقييد

وا حيرتي مع مغرور بصبوته

لا يرعوي أن حالي فيه مجهود

والله ما علمه مني سوى نظري

له وفي نظرة العشاق تأكيد

أن قلت ما ان يوما أن تلين إلى

معذب قال أن لان الجلاميد

ص: 222

كفاك من تلفي يا منتهى كلفي

أن الفؤاد بسيف اللحظ مقدود

قد صرت أحسد من يلقاك مبتسما

وطالما بت خالي البال محسود (1)

لله كم ليلة قد بت مرتقبا

عد النجوم وهل للشهب تعديد

وهمي وهمي مطوي ومنتشر

والصبر والشوق مقصور وممدود

فيا هيامي إذا الإصباح مشرقة

ويا سقامي إذا ما احلولك السود

ويا غرامي أن شط المزار بنا

ويا منامي كم ذا أنت مفقود

ويا فؤادي أما تلهيك لاهية

ويا سهادي متى للطرف تسهيد

ويا جناني عن الآمال منقطع

ويا لساني عن الأقوال معقود

سقى العهاد حمى قد كان معهدنا

على العهود وطيب العيش مرغود

فيه الحبيب لنا ساق ومطربنا

شاد يقر له باللحن داود

ولابن خفاجة (2) قريب من هذا اللحن والمعنى:

أمسى يقر لحسنه بدر الدجى

وغدا يذوب لشدوه الجلمود

(1) كذا في الاصول وهو خطأ

(2)

مرت ترجمته في ص. 438 ج 1

ص: 223

فإذا بدا فكأنه هو يوسف

وإذا شدا فكأنه داود

ولطيف قول القيراطي (1) في عواد:

أقول إذ جس عودا مطرب حسن

يريك يوسف في أنغام داود

من حسن وجهك تضحى الأرض مشرقة

ومن بنانك يجري الماء في العود

وتلطف ابن الوردي (2) بقوله:

والله لو انصف الأقوام أنفسهم

أعطوك ما ادخروا منها وما صانوا

ما أنت حين تغنى في مجالسهم

إلا نسيم الصبا والقوم أغصان

وعجيب أيضا قول البدر الدماميني (3):

غنت فأغنت عن كئوس الطلا

بالسكر من لذات تلك اللحون

فقلت إذ هيمني صوتها

في مثل هذا الحلو تمحى الذقون

ومثله للصنوبري (4):

قلت له إذ هز في لحية

ويلاه من قد ذاب في عشقها

(1) مرت ترجمته في ص 144 ج 1.

(2)

مرت ترجمته في ص 137 ج 1.

(3)

مرت ترجمته في ص 460 ج 1.

(4)

هو ابو بكر أحمد بن محمد بن الحسن بن مرار الضبي الحلبي الانطاكي. المعروف بالصنوبري. شاعر مطبوع قال الشعر تأدبا لا تكسبا. واقتصر في اكثر شعره على وصف الرياض والازهار. وكان ممن يحضر مجالس سيف الدولة وتنقل بين حلب ودمشق. وتوفي سنة اربع وثلاثين وثلاثمائة. عده ابن شهرآشوب في معالم العلماء من شعراء أهل البيت. جمع الصولى ديوانه في نحو مائتي ورقة. وجمع الشيخ راغب الطباخ ما وجده من شعره في كتاب سماه الروضيات وهو مطبوع. وفي كتاب الديارات للشابشتى زيادات على ما في الروضيات. فوات الوفيات 1: 111 والبداية والنهاية 11: 119 وشذرات الذهب 2: 335 والكنى والالقاب 2: 394 واللباب 2: 61 واعيان الشيعة 9: 356 ومعالم العلماء 151 والديارات 218. واعلام النبلاء 4: 23 والاعلام 1: 198.

ص: 224

تذكر اذ غنت فنادى نعم

فقلت وا شوقي إلى حلقها

ولبعضهم في الهجو:

ومغن بارد النغم

ة مختل اليدين

ما رآه أحد في

دار قوم مرتين

وفيه:

ومغن يورث الند

مان هما واغتماما

لو يغني في هجير

صار بردا وسلاما

تتمة الأبيات المترجمة:

فيا ليالي الهنا لو أنت راجعة

ويا زمان الصبا لو أنت مردود

حتى أراجع ما ألفيت من طرب

إذ ليس للعمر في الأيام تخليد

وقد أطلنا هذه الترجمة لما حضرنا من هذه الاستطرادات المذكورة والمحاضرات المبرورة. فمن نظمه قوله:

زار الحبيب وجنح الليل منسدل

حيث الحواسد بالإغفاء قد غفلوا

فقمت ارفل مسرورا به ولقد

كاد الفؤاد لقرب الوصل ينذهل

بتنا جميعا وبات الدهر يحسدنا

والوقت صاف وحبل الوصل متصل

كل يبث الذي لاقى لصاحبه

من الوشاة وما قالوا وما نقلوا

لا زلت أعتبه حتى ترصع تب

ر الخد بالدر لما مسه الخجل

ص: 225

ثم اثنينا الى صفو القلوب وتجد

ديد العهود وأن لا تذكر الأول

حتى إذا شام طول الليل وانكسرت

للنوم أجفانه واسودت المقل

أباحني منه وصلا لم أؤمله

من الزمان بما تشفى به الغلل

عانقته باشتياق وارتشفت له

رضاب ثغر حكاه الطل والعسل

فيا لها ليلة جاد الحبيب بها

وطاب لي منه فيها اللثم والقبل

على عفاف بلا ريب ولا دنس

يغري به لعهود بيننا خلل

حتى إذا لاح جيش الصبح منتشرا

وأدهم الليل ولي وهو منجفل

أشار يبغي وداعي قائما ويدي

في ذيله وهو يخليها وينفصل

يقول أخشى عيون الراصدين متى

أبصرتنا فعليك الأمر يشتكل

ولما طاب الكلام، وانجر الحديث إلى حالك الظلام، فنقول:

أن للأدباء في هذا الطريق إشارات، ورقيق عبارات. والسابق منهم إليه ابن المعتز (1) فإنه قال:

سقى الجزيرة ذات الطل والشجر

ودير عبدون هطال من المطر

(1) مرت ترجمته في ص 122 ج 1.

ص: 226

كم فيهم من مليح الوجه مكتحل

بالغنج يكسر جفنيه على حور

نادمته بالهوى حتى استقاد له

طوعا واسلفني الميعاد بالنظر

وجاءني في قميص الليل مستترا

مستعجل الخطو من خوف ومن حذر

ونم ضوء هلال كاد يفضحنا

مثل القلامة قد قدت من الظفر

فقمت افرش خدي في التراب له

ذلا واسحب أذيالي على الأثر

وكان ما كان مما لست أذكره

فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

ولبعض الأدباء في ذلك:

آه على ليلة جاد الزمان بها

فعادلت كل ما افنيت من عمري

نام الحبيب نديمي في دجنتها

إلى الصباح بلا خوف ولا حذر

كلامه الدر يغني عن كواكبها

ووجهه عوض فيه عن القمر

فبينما أنا يرعى من محاسنها

طرفي وسمعي اذ بودرت بالسحر

فلم يكن عيبها إلا تقاصرها

وأي عيب لها أشنا من القصر

وددت لو أنها طالت علي ولو

مددتها بسواد القلب والبصر

ولابن سناء الملك (1) فيه:

يا ليلة الوصل بل يا ليلة العمر

أحسنت إلا إلى المشتاق بالقصر

يا ليت زيد بحكم الوصل فيك له

ما طول الهجر من أيامك الأخر

(1) مرت ترجمته في ص. 212 ج 1

ص: 227

أو ليت نجمك لم تنقل ركائبه

أو ليت صبحك لم يقدم من السفر

أو ليت لم يصف فيك الشرق من كدر

فذلك الصفو عندي غاية الكدر

أو ليت كلا من الشرقين ما ابتسما

أو ليت كلا من النسرين لم يطر

أو ليت قلبي وطرفي تحت ملك يدي

فزدت فيك سواد القلب والبصر

وليت ألقى حبيبي سحر مقلته

على العشاء فأنفاه بلا سحر

أو ليت كنت سألتيه مساعدة

فكان يحبوك بالتكحيل والشعر

أو ليت جملة عمري قد غدا ثمنا

في البعض منك ومن للعمي بالعور

كأنها حين ولت قمت أجذبها

فانشق في الشرق منها الذيل من دبر

وللصلاح الصفدي (1) فيه:

لما أتى زائرا وهنا مع السحر

ظفرت بالليلة الزهراء من عمري

وبات يجلو لطرفي حسن صورته

وأين منها محيا الشمس والقمر

فرحت أقطف من بستان وجنته

وردا سقاه بماء الدل والخفر

وكلما كاد ضوء الصبح يفضحنا

من فرقة غبت في ليل من الشعر

(1) مرت ترجمته في ص. 105 ج 1

ص: 228

أخذه من قول القاضي الفاضل (1):

زار الصباح فكيف حالك يا دجى

قم فاستذم بفرعه أو فالنجا

رأت القضيب كقدها فتأودت

والروض أنشر نشره فتأرجا

وقلب هذا المعنى بدر الدين بن الصاحب (2) فقال:

يا ليل أن الحب وافى

وخفت إسراع دهم خيلك

فطل وغش الصباح اني

دخلت يا ليل تحت ذيلك

وللشيخ سعد الدين بن عربي (3) من ذاك الباب:

وليلة وصل راقبت غفلة الدهر

فجادت ببدر وهي مشرقة البدر

سميري بها غصن من البان مائد

يرنحه سكر الشبيبة لا الخمر

أشاهد فيها طلعة القمر الذي

تبسم عن طلع وأن شئت عن در

وانظم مهما لاح لي نظم ثغره

قصائد من شعر وأن شئت من سحر

لقد أعربت عيناه عن سحر بابل

وان كان مبني الجفون على الكسر

وأشهد حقا أن فوق جبينه

لآيات حسن هن من سورة الفجر

(1) مرت ترجمته في ص. 111 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص 135 ج 1

(3)

هو محمد بن محمد بن علي بن العربي الطائي الحاتمي. سعد الدين ابن الشيخ محي الدين ابن العربي.

شاعر ولد في صقلية سنة ثمان عشرة وستمائة. سمع الحديث ودرس، وناب في دمشق، وتوفي بها سنة ست وخمسين وستمائة. ودفن بقرب ابيه. له ديوان شعر» اكثره في الغلمان وأوصافهم و «زاد المسافر وأدب الحاضر» الوافي بالوفيات 1: 186 وفوات الوفيات 2: 158 وفيه وفاته سنة 686 ونفح الطيب 1: 401 وشذرات الذهب 5: 283 وبروكلمان التكملة 1: 802 والاعلام 7: 257.

ص: 229

ونحن بقصر أشرفت شرفاته

على روضة تفتر يانعة الثمر

همت في ذراه ادمع الطل والندى

وبات لها زهر الربا باسم الثغر

يضوع أريج المسك منها إذا انثنت

مدبجة الأرجاء من بلل القطر

وبات بها شادي الهزار مرددا

افانين ترديد على فنن نضر

وقد عبقت من ذلك الجو نفحة

معطرة الأنفاس طيبة النشر

أليلتنا أن لم تكوني عبارة

وحقك من عمري فديتك بالعمر

أمنت بها إتيان واش وحاسد

فما من رقيب غير أنجمها الزهر

ضممت إلى صدري الحبيب معانقا

وهل لك يا قلبي محل سوى الصدر

فيا ليلة أحيت فؤادي بقربه

فأحييتها شكرا إلى مطلع الفجر

ولما رأيت الروح فيها مسامري

تيقنت حقا أنها ليلة القدر

وللبهاء زهير مثله (1):

رعى الله ليلة وصل خلت

وما خالط الصفو فيها الكدر

(1) مرت ترجمته في ص 212 ج 1.

ص: 230

أتت بغتة وقضت سرعة

وما قصرت مع ذاك القصر

بغير احتيال ولا كلفة

ولا موعد بيننا ينتظر

فقلت وقد كاد قلبي يطير

سرورا بليل المنى والظفر

أيا قلب تعرف من قد أتاك

ويا عين تدرين من قد حضر

ويا قمر الأفق عد راجعا

فقد حل في الأرض عندي القمر

ويا ليتني هكذا هكذا

وبالله بالله قف يا سحر

فكانت كما نشتهي ليلة

وطاب الحديث وطاب السمر

خلونا وما بيننا ثالث

وأمسى وعند النسيم الخبر

وللقاضي السعيد ابن سناء الملك (1):

أتى إلي وأهوى خده لفمي

فقمت أقطف منه وردة الخجل

والجو قد مد سترا من سحائبه

لما توهم أن الشهب كالمقل

قمنا ولا خطرة إلا إلى خطر

دان ولا خطوة إلا إلى أجل

والعين تسحب ذيلا من مدامعها

والقلب يسحب أذيالا من الوجل

أكلف النفس مع علمي بعزتها

وطأ على البيض أو حملا على الأسل

حتى وصلنا إلى ميقات مأمنه

يا صاحبي فلو أبصرتما عملي

أواصل اللثم من فرع إلى قدم

وواصل الضم من صدر إلى كفل

وبات يسمعني من لفظ منطقه

أرق من كلمي فيه ومن غزلي

ونلت ما نلت مما لا أهم به

ولا ترقت إليه همة الأمل

لم أسحب الذيل كي أمحو مواطئه

لكنني قمت أمحو الخطو بالقبل

يا ليلة قد تولت وهي قائلة

لا تنظمني مع أيامك الأول

(1) مرت ترجمته في ص 212 ج 1، 140 ج 2.

ص: 231

ولابن مطروح (1) من أبيات:

وجاد الزمان به ليلة

وعما جرى بيننا لا تسل

فأحنيت قامته بالعناق

وذبلت مرشفه بالقبل

وكم تهت في غور خصر له

وأشرفت في نجد ذاك الكفل

وأذنت حين تجلى الصباح

بحي على خير هذا العمل

وها أثر المسك في راحتي

وهذا فمي فيه طعم العسل

وللصفي الحلي (2) أيضا من أبيات:

لم أنس ليلة زارني ورقيبه

يبدي الرضا وهو المغيض المحنق

أمسى يعاطيني المدام وبيننا

عتب أرق من النسيم وأروق

حتى إذا عبث الكرى بجفونه

كان الوسادة ساعدي والمرفق

عانقته وضممته فكأنه

من ساعدي مطوق وممنطق

حتى بدا فلق الصباح فراعه

أن الصباح هو العدو الأزرق

فهناك أو ما للوداع مقبلا

كفي وهي بذيله تتعلق

يا من يقبل للوداع أناملي

أني إلى تقبيل ثغرك أشوق

ولبعض الأدباء:

وبتنا جميعا وبات الغيور

يعض يديه علينا حنق

نود دواما لو أنا نبيع

سواد الدجى بسواد الحدق

ولبعض المغاربة:

يا ليلة قد تقضت في هوى رشأ

أشهى إلى القلب من عين بها السهر

من قبلها ما رأيت البدر معتنقي

ولا سمعت بليل كله سحر

(1) مرت ترجمته في ص 85 ج 1.

(2)

مرت ترجمته في ص 148 ج 1.

ص: 232

ولبعضهم ايضا فيه:

أفدي الذي زارني والليل معتكر

والأفق مما كسي من نشره عطر

فلم نزل نتجارى في العتاب معا

أشكو اليه جواه وهو يعتذر

ناديت يا ليل دم ليلا بلا سحر

فقال ليلك هذا كله سحر

وفيه أيضا لبعضهم:

يا ليلة واصل فيها الحبيب

برغم واشينا وغيض الرقيب

فبت والمعشوق في مضجعي

قرير عين بوصال الحبيب

أشكو إليه بعض تبريحه

وألثم الثغر النقي الشنيب

وبينما نحن على غفلة

إذ أقبل الصبح بزي عجيب

ابن المستوفي (1):

يا ليلة حتى الصباح قطعتها

قابلت فيها بدرها بأخيه

أحييتها وأمتها عن حاسد

ما همه إلا حديث يشيه

ومعانقي حلو الشمائل أهيف

جمعت ملاحة كل شيء فيه

يختال معتدلا فان عبث الصبا

متعرضا لقوامه يثنيه

نشوان تهجم بي عليه صبابتي

ويردني ورعي فاستحييه

(1) هو المبارك بن احمد المبارك بن موهوب اللخمي الاربلي، المعروف بابن المستوفي. مؤرخ ومن العلماء بالحديث واللغة والادب. كان رئيسا جليلا. ولد باربل سنة أربع وستين وخمسمائة. وولي فيها استيفاء الديوان ثم الوزارة. واستولى عليها الاعداء. فانتقل الى الموصل، وتوفي بها سنة سبع وثلاثين وستمائة.

له تاريخ اربل اربع مجلدات. والنظام في شرح شعر المتنبي وابي تمام، وديوان شعر.

وفيات الاعيان 1: 442 والحوادث الجامعة 135 وبغية الوعاة 384 وبروكلمان التكملة 1: 496 والاعلام 6: 149.

ص: 233

علقت يدي بعذاره وبخده

هذا اقبله وذا أجنيه

حسد الصباح الليل لما ضمنا

غيظا ففرق بيننا داعيه

وللقاضي الفاضل (1):

بتنا على حال يسوء العدى

وربما لا يمكن الشرح

بدا بنا الليل وقلنا له

أن غبت عنا هجم الصبح

ولابن الصائغ (2):

زار الحبيب بليلة

ووشاته لا تشعر

وضممته ولثمته

وفعلت ما لا يذكر

وللبدر الدماميني (3):

في ليلة البدر أتى

حبي فقرت مقلتي

وقال لي يا بدر نم

فقلت هذي ليلتي

وللحاجري (4):

ولم أنسه كالبدر ليلة زارني

يميل كغصن البان وهو رطيب

وبتنا ولا واش سوى طيب نشره

علينا ولا غير النجوم رقيب

ولبعضهم:

رعى الله ليلا ضمنا بعد هجعة

وأدنى فؤادا من فؤاد معذبي

فبتنا جميعا لو تراق زجاجة

من الراح فيما بيننا لم تسرب

(1) مرت ترجمته في ص: 11 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص: 153 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص: 460 ج 1

(4)

مرت ترجمته في ص 139 ج 1

ص: 234

وليحيى القرطبي (1):

عجبت لليل الوصل أسرع سيره

وقد كان ليل الهجر أبطأ واعجزا

وبتنا جميعا لالتصاق جسومنا

وميز منها بعضها ما تميزا

وللبدر الدماميني أيضا: (2)

قلت له والدجى مول

ونحن في لذة التلاقي

قد عطس الصبح يا حبيبي

فلا تشمته بالفراق

وللصاحب ابن مطروح (3) أيضا:

حبذا ليلة وصل

منه بل ليلة قدر

أشرقت عن نور كأس

وسنا وجه وثغر

وتعانقنا فما قو

لك في ماء وخمر

وتعاتبنا فقل ما

شئت في غنج وسحر

ولما أدبر الليل

وجاء الصبح يجري

قال إياك رقيبي

بك يدري قلت يدري

ولصاحب الترجمة في الخلاعة، والعذر ممن يتكلم في أوان السماع، قبل الغور والاطلاع، فإن هذا الباب مما عبث فيه

(1) هو ابو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن بقي القرطبي ويعرف بابن بقي المغربي أحيانا شاعر من اهل قرطبة جيد النظم والنثر واشتهر بموشحاته التي قيل انها تجاوزت الثلاثة آلاف. وله مثلها من القصائد والمقطعات. كان يجوب البلاد سعيا وراء الرزق حتى استقرت به الحال عند الامير يحيى بن علي بن القاسم فانزله منزلا كريما. وتوفي سنة اربعين وخمسمائة.

وفيات الاعيان 5: 248 والمغرب في حلى المغرب 2: 19 ومعجم الادباء 21: 20 وقلائد العقيان 291 وازهار الرياض 2: 280 والاعلام 9: 188.

(2)

مرت ترجمته في ص. 460 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص 85 ج 1

ص: 235

الأدباء، ونظمت فيه الفضلاء.

وليلة بت على غرة

إذ جاء إبليس فحياني

وقال ما رأيك في روضة

قد جمعت من كل ريحان

من نرجس غض ومن حوله

شقائق الورد ونعمان

فقلت يا شيخ أيا حبذا

إن صح هذا كيف تلقاني

قال وفي مربع مشرف

قلت نعم روحي فدى الباني

قال وفي فرش حرير زهت

قلت تجدني جعفر الثاني

قال وفي صافية عتقت

قلت بها قضيت أزماني

قال وفي ساق علا ردفه

قلت بها املأ أحضاني

قال وفي شاد حلا صوته

قلت إذا تظهر أشجاني

قال وفي عود رخيم وني

قلت نعم عيد بعيدان

قال وفي بعض كباب الشوا

قلت نعم أملأ مصراني

فقال لي يا أفسق الناس نم

فأنت من أنصح أعواني

فقلت اخسأ يا أشر الورى

فحسن ديني عنه ينهاني

وكل قولي بك هزء فقم

خزيت من أقبح شيطان

فرد منكوبا على عقبه

يعجب من طوعي وعصياني

وإنني أستغفر الله من

ما قلت في سري وإعلاني

ومثلها للقاضي زين الدين عمر بن الوردي (1):

نمت وإبليس أتى

بحيلة منتدبه

فقال: ما قولك في

حشيشة منتخبه

فقلت لا قال: ولا

خمرة كرم مذهبه

(1) مرت ترجمته في ص: 137 ج 1

ص: 236

فقلت: لا. قال: ولا

مليحة مطيبه

فقلت: لا. قال ولا

آلة لحن مطربه

فقلت: لا. قال: فنم

ما أنت إلا حطبه

ومثلها للصفي الحلي (1):

وليلة طال سهادي بها

فجاءني إبليس عند الرقاد

فقال لي هل: لك في شفة

كبسية تطرد عنك السهاد

قلت: نعم. قال وفي قهوة

عتقها العاصر من عهد عاد

قلت: نعم قال: وفي مطرب

إذا شدا يطرب منه الجماد

قلت: نعم. قال: وفي طفلة

في وجنتيها للحيا اتقاد

قلت: نعم. قال: وفي شادن

قد كحلت أجفانه بالسواد

قلت: نعم. قال: فنم آمنا

يا كعبة الفسق وركن الفساد

وللشيخ ظهير الدين (2) فيه:

وليلة زارني إبليس آخرها

وكان فيها اعتراني كثرة السهر

فقال: هل لك في خمر معتقة

فقلت شربي على المزمار والوتر

فقال: هل لك في تنزيل بندقة

فقلت: ما زلت أهوى ذاك من صغري

فقال: هل لك في خود ملاعبة

فقلت: ما مطلبي منها سوى النظر

(1) مرت ترجمته في ص: 148 ج 1

(2)

هو محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله، ابو شجاع الروذباري، الملقب بظهير الدين. وزير، عالم. ولد بالاهواز سنة سبع وثلاثين واربعمائة. وولي الوزارة للمقتدي العباسي سنة ست وسبعين واربعمائة، فعمرت العراق في عهده. وعزل سنة اربع وثمانين واربعمائة. وحج سنة سبع وثمانين واربعمائة، فجاور بالمدينة الى ان توفي سنة ثمان وثمانين واربعمائة. ودفن بالبقيع. وكان وافر العقل، عالما بالادب، له شعر رقيق. وصنف كتبا منها «ذيل تجارب الامم» لمسكويه. وكان يكتب على طريقة ابن مقلة.

وفيات الاعيان 2: 69 والمنتظم 9: 90 والوافي بالوفيات 2: 30 وطبقات السبكي 3: 56 والاعلام 6: 332 وفيه مصادر اخرى.

ص: 237

عمري أدب على من جاء تحت يدي

وحل سرواله عندي بلا حذر

وفي القمار تراني ماهرا دربا

وفي التجانين في أقصى الدنا خبري

فقال إبليس لما أن تحققني

يا أعرج النحس بل يا أفسق البشر

وهذا الباب طويل. وقد اكتفينا بهذا المقدار منه:

ومن مقاطيع صاحب الترجمة:

مولاي قد راق لنا مجلس

يفرح القلب وينسي الهموم

وشوقنا الداعي قضى أن تكن

معنا فشرف وقتنا بالقدوم

وما الطف قول محيي الدين بن عبد الظاهر (1) في مثل هذا:

انعم فإن الدوح يا مالكي

حمل من أجلك ما لا يطيق

والنرجس الغض غدا شاخصا

فلا تخل عينه للطريق

وقد أخذه الصاحب ابن مكانس (2) وزنا وقافية فقال

بعدك شمس الدين يا ماجرى

من أدمع الطل بخد الشقيق

والنرجس الغض غدا شاخصا

فلا تخل عينه للطريق

وكتب الشيخ بدر الدين الدماميني (3) إلى أحد أصحابه يستدعيه:

عندي عروس على الراحات قد جليت

سلافة أخبرت عن سالف الزمن

بكر تزوجها ابن الفرات فكن

من الشهود لهذا المجلس الحسن

(1) مرت ترجمته في ص: 43 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص: 213 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص 460 ج 1

ص: 238

وهو مأخوذ من هذا:

نجوم الليل قد طلعت نهارا

ونحن من المدام على ورود

وشمس الراح تغرب في ثغور

وتشرق بعد ذلك في الخدود

وماء النيل زوج بالحميا

فهل لك أن تكون من الشهود

وكتب ابن الزين (1) إلى بعض أصدقائه يستدعيه أيضا:

قامت لغيبتك الدنيا على ساق

والكأس أصبح غضبانا على الساقي

والراح قد أقسمت أن لا تطيب لنا

حتى أرى وجهك الزاهي بإشراق

وأعين الزهر نحو الباب ناظرة

وقد صغت أذن السوسان للطاق

وناح حزنا عليك العود حين بكى

الراووق والجنك ذو وجد وإطراق

والدف يزعق والموصول ناح جوى

والزمر يصرخ من وجد وأشواق

والشمع أضحى بنار الوجد ملتهبا

يذري مدامعه من فيض أحداق

(1) هو محمد بن زين بن محمد بن زين الطنتدائي النحرارى. ابو عبد الله المعروف بلبيكم. عالم بالقرآن.

كثير النظم. ولد بالنحرارية من الغربية بمصر، وتعلم بأبيار ثم بالقاهرة، وأصله من طنطا (طنتدا).

له منظومات في القراءات، أفرد قراءة كل امام من السبعة بمنظومة. وشرح الفية ابن مالك نظما. وله ديوان كبير. وكان لا يتحامى الالفاظ المطروقة على السنة العامة. وقد يقع في شعره اللحن. ومن نظمه «قصة يوسف عليه السلام» في الف بيت وتوفي سنة خمس واربعين وثمانمائة عن نحو تسعين عاما.

الضوء اللامع 7: 246 وخطط مبارك 17: 5 والتبر المسبوك 31 وهو فيه محمد بن زيد تصحيف زين والاعلام 6: 368. وانظر ص 167 ج 1 من الروض

ص: 239

والند أحرق أحشاه وناح لنا

بعرفه بشذا مسك واعباق

وساقي الراح غنانا نوى فشجا

من طيب لذة ألحان بعشاق

والنهر جن فجاء الريح سلسله

وبات في الأرض صبا ماله راقي

والريح أصبح معتلا على فرش ال

أزهار في الحب ملقى غير خفاق

والورد قد فكك الأزرار من شغف

وشمر النرجس والسنان عن ساق

وانشق قلب شقيق الروض من كمد

وناظر الروض ما أغنى بإطباق

وأزرق في الروض من غيض بنفسجه

والزهر يزور من محمر آماق

والآس قد ماس والمنثور منتثر

والجلنار شكى نارا بإحراق

والورق للروض تملي من صبابتها

والغيم يكتب أشواقا بأوراق

فاسمح بفضلك جودا بالحضور لنا

ما دام شمل مسرات الهنا باقي

ولا تدع طيب أوقات السرور إلى

غد ولا تتناسى عهد ميثاقي

ص: 240

ولو دعيت إلى هذا سعيت له

يا حب ذاك على رأسي واحداقي

وللوزير ابن زيدون (1) يستدعي أيضا:

كتبت والراح في يمناي مترعة

وأحسن الناس يسقينا ويلهينا

ونحن في مجلس حل السرور به

خلوت من ثالث حتى توافينا

أن جئتنا زدتنا أنسا نسر به

وزدت مجلسنا حسنا وتزيينا

فكن جواب كتابي والسلام فما

أراك تلحقنا إلا مجانينا

ولصاحب الريحانة الشهاب الخفاجي (2) مع نثر:

ولما نزلنا منزلا طله الندى

أنيقا وبستانا من الروض حاليا

أجد لنا طيب المكان وحسنه

منى فتمنينا فكنت الأمانيا

يا غاية الأماني، وسلوة الحزين العاني، قد دعانا الربيع بلسان النسيم، وصاحت الطيور هلموا إلى النعيم المقيم. فعيون الأزهار شاخصة للطريق، وقدود الأغصان واقفة لانتظار الرفيق. فبالله عليك إلا جعلت يومنا بك عيدا، وجددت لنا بك سرورا جديدا والسلام.

(1) مرت ترجمته في ص: 110 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص: 353 ج 1

ص: 241

وقد تلطف من قال:

جعلت فداك قد حضر الطعام

وضجت من تأخرك المدام

فإن ما جئتنا عجلا وإلا

أخذنا في اغتيابك والسلام

وما الطف اعتذار محي الدين ابن عبد الظاهر (1) لمن استدعاه

أنا في منزلي وقد وهب الل

هـ صديقا وقينة وعقارا

فابسطوا العذر في التأخر عنكم

شغل الحلي أهله أن يعارا

ولصاحب الترجمة:

مر أهل الوفاء واستودعوني

بين قوم ذوي خداع ومكر

إن فعلت الجميل أوفيت شرا

أو أردت الوفا جزيت بغدر

فإذا أحمق أتاك بجهل

يبتغيني اعتراض نظمي ونثري

فامتحنه وأروه من غباري

طرفا ثم دعه يلحق بإثري

نقل أن السري الرفاء الموصلي (2) كان من مداح سيف الدولة.

فزاد (سيف الدولة)(3) في الثناء على المتنبي، فقال له السري:

أشتهي أن الأمير ينتخب قصيدة من غرر قصائده لأعارضها، ويتحقق الأمير بذلك أنه اركب المتنبي غير سرجه. فقال له سيف الدولة على الفور: عارض قصيدته القافية التي مطلعها.

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي

وللحب ما لم يبق مني وما بقي

قال السري: فكتبت القصيدة، واعتبرتها في تلك الليلة؛ فلم أجدها من مختارات أبي الطيب؛ لكن رأيته يقول في آخرها:

اذا شاء أن يلهو بلحية أحمق

أراه غباري ثم قال له الحق

(1) مرت ترجمته في ص: 43 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص. 485 ج 1

(3)

ليست في الاصول

ص: 242

وما كمد الحساد شيئا قصدته

ولكنه من يزحم البحر يغرق

فقلت: والله أشار سيف الدولة إلى هذا البيت، فأحجمت عن معارضة القصيدة

ولصاحب الترجمة:

كأن ثناياك اللآلي حرستها

بحق من الياقوت ليس له مثل

وأما سواد خلته الخال فوقه

على الشفة العليا فذاك هو القفل

وله أيضا:

بادي من الجامع بادي الحيا

يختال في المشي على مهله

فابصر المرآة في راحتي

انظر بالعكس إلى شكله

فغار من ذاك على حسنه

فحط يمناه على وجهه

فداه روحي رشأ لم أر

أحسن في الادلال من فعله

وله:

أو ما ترى عرقا ألم بصدره

متقاطرا كمدامع المهجور

فكأنما هو لؤلؤ متدحرج

من فوق ألواح من البلور

وله:

حييت أكرم بك من قادم

كنت لداء الشوق نعم الطبيب

أديت ما حملت من منيتي

فذاك روحي يا رسول الحبيب

وله:

ورب مسرة فارقت فيها

حبيبي يوم سرت إلى العيون

وهل ينسر لي بالقلب عين

وقلبي فاقد فيها عيوني

ص: 243

وله:

وعدتني بالأمس يا سيدي

وعدا وأنتم أهل بيت تفون

حاشاك يا مولاي من أن تكون

ممن يقولون ولا يفعلون

وله:

أن المنية نبل والهوى هدف

والدهر رام مصيب قوسه الفلك

كم عاقل غافل أمسى لها غرضا

فطاح وهو على اللذات منهمك

هذا مأخوذ من قول بعض الحكماء: العالم كرة، والناس هدف والمصائب سهام، والله الرامي، فأين المفر،

وله:

كل من الناس قد أضحى له سند

منهم فما أحد إلا له أحد

وقد بقيت وحيدا ليس لي أحد

فارحم أيا أحدا من لا له أحد

وله:

يقولون أن الدهر يرفع ناقصا

ويخفض فيه وافر العقل كامل

نعم حيث أن الدهر ميزان أهله

به النقص يعلو والكوامل تسفل

ومثله للوزير أبي محمد ابن سفيان (1) من قصيدة:

همم إلى صرف العلى مصروفة

وحجي أقام وقد تزحزح يذبل

(1) هو أبو محمد ابن سفيان الوزير أحد وزراء آل ذي النون ملوك طليطلة في الاندلس. كان كاتبا مترسلا وشاعرا مجيدا. ذكره الفتح بن خاقان في قلائد العقيان فاطرى أدبه. واورد نماذج من شعره ونثره منها قصيدة في مدح القادر بالله يحيى بن ذي النون الذي تولى الحكم من سنة سبع وستين واربعمائة الى سنة ثمان وسبعين واربعمائة.

قلائد العقيان 144 والعالم الاسلامي 2: 81 وانوار الربيع 2: 302.

ص: 244

وبلاغة راقت ازاهر روضها

وغدت تحية من يقيم ويرحل

ولئن يضع فضلي ويذهب نقصهم

صعدا فأرجح كفة من يسفل

ولهذا قال ابن نباتة السعدي:

ما بال طعم العيش عند معاشر

حلو وعند معاشر كالعلقم

من لي بعيش الأغبياء فإنه

لا عيش إلا عيش من لم يعلم

ويقرب منه قول بعضهم:

يقولون ساد الارذلون بعصرنا

وصار لهم مال وخيل سوابق

فقلت لهم شاخ الزمان ولم تزل

تفرزن في أخرى الدسوت البيادق

ومن هذا المشهور:

عتبت على الدنيا بتقديم جاهل

وتأخير ذي فضل فقالت لي العذرا (1)

فذو الجهل أولادي لهذا أحبهم

وذو الفضل من أبناء ضرتي الأخرى

***

(1) كذا في الاصول ولعل الصواب فقالت هب العذرا

ص: 245