المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌قاسم الرامي (1) ثغر ملك العربية الذي بهر ذكاء وطبعا، ونور - الروض النضر في ترجمة أدباء العصر - جـ ٢

[عصام الدين العمري]

الفصل: ‌ ‌قاسم الرامي (1) ثغر ملك العربية الذي بهر ذكاء وطبعا، ونور

‌قاسم الرامي

(1)

ثغر ملك العربية الذي بهر ذكاء وطبعا، ونور شجرتها المباركة السنية الذي أزهر نباتا وينعا، فأقام للفصاحة برهانا وللأدب دليلا، ونظم للإعجاز جمانا واتخذ البلاغة سبيلا، فهو خازن الكمال وماحي دارس أطلال المعارف وناثر العقود واللآل.

(1) ترجم له محمد امين العمري في منهل الاولياء (1: 394) فقال: » الشيخ قاسم الرامي، شاعر مشهور بسرعة نظم التواريخ عارف بالموسيقى، خبير بالايقاع والنغمات والنقرات، لا يشذ عنه شيء منها.

يعاشر الشيوخ الصوفية، ويحضر معهم السماع، ويحدو لهم فيسكرهم طيب حدوه، وغرابة شدوه فهو كما قيل:

ما أنت حين تغني في مجالسهم

الا نسيم صبا والقوم أغصان

زارني يوما فسألني ان أقرأ عليه ترجمته من الكتاب الذي ترجمت به شعراء المصر والعصر وسميته «مراتع الأحداق» فأخذت أقرأ السجع الذي اوردته في مدحه حتى انتهيت الى قولي منها:

يا من يجاريه بفن الغنا

حاذر على ذقنك من حلقه

فاستحسن التورية في حلقه، وضحك كثيرا.

ومات سنة ست وثمانين والف». وذكر له قطعتين ذكرهما كاملة صاحب الروض وترجم له صاحب شمامة العنبر (189 - 197) فقال عنه «نادرة اسمارى وجهينة اخباري. ومسن اقلامي. بمفاكهته اقتطف زهرة أيامي، وبالمشحوذ من قريحته اصلح السقيم من اقلامي

امتزجت سلافة اخلاقه بطبعي امتزاج الماء بالبابلي المشعشع، وما ذاك الا أنه بكل الذي يهوى نديمه مولع. كبير مع الكبار، صغير مع الصغار كيفما دارت الزجاجة دار

هو مع مشايخ الطريقة محبب وكل له مريد، وفي القراء قارئ مجيد، مجود للقرآن المجيد. وفي هذا النثر بالنسبة الى رجال الخفاجي محمود مشكور، وفي النظم ضحكت قوافيه بمصفوف الثغور

وفي الموسيقى اعار ابراهيم الموصلي الحلاوة والحنين، وفي البديع ثنى الشيخ الموصلي عز الدين. وفي التاريخ قلت في خاطري لو شاء لنظم تاريخا في بيت لا يستحيل بالانعكاس

وفي المنادمة يبكي لرقة مسامرته النديم

له من تواريخه في الناس اسنى خيرات تلاحظ الانسان من ولادته الى الممات. ما ولد في الموصل مولود الا وله تاريخ بعروة المهد مشدود. ولا قضي عليه الا ودخل مع ملك الموت اليه تاريخه

ما رأيته مسك القلم الا ودرج على ان التاريخ نوع من البديع يبتغي النداء الى تلك الفكرة بيا قريب الفرج. واما مجونه فقد فضح ابن حجاج. وتوريته دارت فكر ابن حجة، على انه في الغرام على بيضاء نقية واضح المحجة.

ص: 246

الجامع لأنواع النوادر من اللطائف. وهو هدية الأيام والليال، الذي زين جيد الدهر بسوانح الظرائف. وهو مبرز الأدب ومنبع البيان، ومحرز الأدب الشائع بفضله في كل مكان. وهو غيث الفضل الساكب، الذي ملأ النواحي والجوانب. «كما رش ماء القطر ماء شقائق»

أنبت معارف وفطن، وزين معالم ودمن. فهو بحر الفصاحة الذي انفرزت منه الأنهار، وشمس البلاغة المشرق على دمن المعارف في ضحوة النهار. السباق في مضمار الشعر والقريض، المستخرج درر أفكاره من بحر الطويل العريض.

له الشيم الشم التي لا ينالها

فتى علق الأذيال بالأنجم الزهر

حلى كنف العلم والأدب، وأخذ مجموع محاسن العرب. فهصر أفنان المعاني، وعصر عناقيد الأمن والأماني. فلم يجلس إلا للإفادة ولم يستأنس إلا بالمعالي والسيادة. ولا حسر إلا للكمال ذرعا، ولا حشر إلا للمعالي طبعا. فكم نشيد زينه، وكم قصيد حسنه، وكم شعر روقه، وكم نثر زانه وفوقه. فطبعه زناد أدب يوري كمالا، ويقدح معارف وأفضالا، ففضله كله حكم عطائية، ومنح موانح علية سماوية، تورث كمالا، وتدفع كسلا وملالا.

- ثم أورد له نماذج من شعره لم يذكرها صاحب الروض. وقال عنه انه اخترع متسقات في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على حروف الهجاء. الا انه قال: المحبوكات سبقني الناس اليها فجعل اول القصيدة الاولى الالف وآخرها الباء: واول القصيدة الثانية الباء وآخرها التاء أعني القافية، وأول الثالثة التاء وقافيتها الثاء المثلثة وقس على هذا الى آخر حروف الهجاء، وذكر ست مقطوعات نماذج لها.

وترجم له صاحب كتاب العلم السامي ص 277 كما ترجم له صاحب كتاب «الحجة فيمن زاد على ابن حجة: 89 والقس صائغ في تاريخ الموصل 2: 179 وليس في كل ذلك ما يزيد الى ما ذكرنا.

ص: 247

دع عنك ما خلدت يونان من حكم

وسار في حكماء الروم من مثل

وانظر إليها تجدها أحرزت سبقا

في الجهد منها وحاز السبق في مهل

فمع ما فيه من الكمال والأدب، وكونه مرجع لسان العرب فهو ماهر بالموسيقى وعلم المقامات، قد صعد إلى أوج المنازل منه وأعلى المقامات.

وقد ذكرت من أشعاره ما يرشدك إلى علو منزلته ومناره، وقوله في مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:

أحب غزال الحي عذب المقبل

ولست أبالي من وشاة وعذل

وفي ورد خديه وآس عذاره

خلعت عذاري والتهتك لذلي

لبست ثياب السقم من سقم جفنه

وفي خصره جسمي غدا جسم منحل

ولما بدا في مطلق الحسن قيد ال

فؤاد بوجد عنه سل كل مبتلى

ذوائبه فيها القلوب ذوائب

وطلعته أن تبد للشمس تخجل

له قامة فيها قيام قيامتي

تحملني في الحب ما لم احمل

وقد ضاء قلبي إذ تبسم ثغره

وضاع شذا من فيه ريا القرنفل

فقلت له يا مالك الرق رق لي

وكن شافعي من ذا الجفا يا ابن حنبل

هذا الإبهام (1) مع تداوله وكثرة استعماله فهو لطيف، فمنه قول ابن نجيع الحراني، وهو أشمل مما ذكر.

(1) الابهام هو ان يقول المتكلم كلاما مبهما يحتمل معنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد.

ص: 248

تفقهت في عشقي له مثل ما غدا

خبيرا بأحكام الخلاف يجادل

فيا مالكي ما ضر لو كنت شافعي

بوصلك وافعل في ما أنت فاعل

فإني حنيفي الهوى متحنبل

بعشقك لا أصغي لما قال قائل

وقد أجاد بعضهم بقوله:

يا مالكي شافعي ذلي فصل كرما

ولا تكن رافضي واقصر عن الملل

فجملة الأمر أني مغرم دنف

شوقي أمامي وصبري عنك معتزلي

ولابن الوردي (1) من رسالة في الكلام على مائة غلام.

يقول بدر طالع

في ليل شعر مالك

أنا أمامي مالك

فقلت أنت مالكي

تتمة الأبيات المترجمة:

فقال إذا جردت قلبك في الهوى

بترك السوى طوع الجوى بتذلل

فقلت بنون الحاجبين أليتني

كذا صاد عينيك الغزاة بمقتل

لأنت المني ما دمت حيا وميتا

فكيف فؤادي عن هواك بمنسل

(1) مرت ترجمته في ص 137 ج 1

ص: 249

فقال أترضى أن أزورك في الكرى

وفي غرتي الغراء عينك تنجلي

فقلت له كم ذم حبيك عذلي

وما كذبوا في كل ناد ومحفل

فما الفخر الاحب أحمد في الورى

محمد المحمود طه المبجل

جزى الله عنا البدر ما هو أهله

أنار الهدى لما بدا غير مؤتل

له معجزات باهرات اجلها

نزول كتاب الله من خير منزل

ومنها انشقاق البدر نصفين والظبا

له ناطقات أنه خير مرسل

وفي كفه صم الحصى سبحت وإذ

روى الجيش منها أعلنوا بالتهلل

وأن إليه الجذع أنا كهيكل

نأت روحه عنه فلم يتحمل

وقد ظللته حيث سار غمامة

تقيه هجيرا يا له من مدلل

دعاه وأدناه لحضرة قدسه

إله قديم واحد لم يمثل

وناداه يا مختار شرف بساطنا

بنعليك خل الخلق عنك بمعزل

ص: 250

وسل تعط واشفع أنت خير مشفع

وشاهد جمالي يا حبيبي واجتلي

وعاد عريض العرض يطلب مكة

وجيه ويلقى الناس في وجه مقبل

لقد فاز رامي في مديح محمد

كريم السجايا فاق كل مفضل

عليه صلاة الله ثم سلامه

مدى الدهر ما راق المديح وما تلي

كذا الآل والأصحاب والتابعين ما

صبوت إليهم ثم زاد توسلي

قوله «وسل تعط واشفع أنت خير مشفع» هو من قبل تضمين زين الدين ابن الوردي وهو:

سل تعط واشفع تشفع ما ترده يكن

لو شئت لا تنقل الأضحى إلى صفر

والشيخ زين الدين تطارح مع أبي العلاء المعري في قصيدته الرائية، وضمن أعجازها وبعض صدورها، ونقلها إلى مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.

ولكونها في باب هذا المديح تعين أن نذكر من قصيدة المعري ما وقع عليه التضمين فقط، والأبيات المضمنة، تبركا بمدحه صلى الله تعالي عليه وسلم.

فمطلع قصيدة المعري قوله:

يا ساهر الطرف أيقظ راقد السمر

لعل بالجزع أعوانا على السهر

ص: 251

ومنها في مخاطبة البرق:

وأن بخلت عن الأحياء كلهم

فاسق المواطر حيا من بني مطر (1)

يود أن ظلام الليل دام له

وزيد فيه سواد القلب والبصر

لو اختصرتم من الإحسان زرتكم

والعذب يهجر للإفراط في الخصر

قلدت كل مهاة عقد غانية

وفزت بالشكر في الآرام والعفر

أقول والوحش ترميني بأعينها

والطير تعجب مني كيف لم أطر

في بلدة مثل ظهر الظبي بت بها

كأنني فوق روق الظبي من حذر

لا تطو بالسر عني يوم نائبة

فإن ذلك ذنب غير مغتفر

يا روع الله سوطى كم أروع به

فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر (2)

باهت بمهرة عدنانا فقلت لها

لولا الفصيصي كان المجد في مضر (3)

(1) في الاصول: وان تجلت على الاحباء. وما اثبتناه من شروح سقط الزند.

(2)

في الاصول: فزاد وحنا والصواب: وجناء وهي الناقة العظيمة الغليظة الوجنتين.

(3)

في الاصول: باهت بمهرة عدنان فقلت لها لولا العنصنصى. والتصويب من شروح سقط الزند.

والفصيصي نسبة الى فصيص بطن من تنوخ وتنوخ من قضاعة.

ص: 252

وافقتهم في اختلاف من زمانكم

والبدر في الوهن مثل البدر في السحر

أعاذ مجدك عبد الله خالقه

من أعين الشهب لا من أعين البشر

سافرت عنا فظل الناس كلهم

يراقبون أياب العيد من سفر

لو غبت شهرك موصول بتابعه

وأبت لانتقل الأضحى إلى صفر (1)

ولا تزال بك الأيام ممتعة

بالآل والحال والعلياء والعمر (2)

قال الشيخ زين الدين ابن الوردي:

أدر أحاديث سلع والحمى أدر

والهج بذكر الحمى والبانة العطر

وقف على الجزع واذكرني لساهره

«لعل بالجزع أعوانا على السهر»

إذا تبسم ليلا قل لساهره

«يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

ويا سحائب أغنى عنك نائله

«فاسق المواطر حيا من بني مضر (3)

(1) في الاصول: وشئت لا نتقل وما اثبتناه من شروح سقط الزند.

(2)

في شروح سقظ الزند: ولا تزل له ازمان ممتعة.

(3)

اصله في بيت المعري: من بني مطر، وقد جعله ابن الوردي من بني مضر لانه يمدح الرسول صلى عليه وسلم.

ص: 253

تشرف الركن مذ قبلت أسوده

«وزيد فيه سواد القلب والبصر»

عذبت وردا فلم تهجر على خصر

«والعذب يهجر للإفراط في الخصر (1)

أن الغزالة لما أن شغفت تجب

«وفزت بالشكر في الآرام والعفر» (2)

ضمنت مدح رسول الله مبتهجا

«والطير تعجب مني كيف لم أطر

ولي ذنوب متى أذكر سوالفها

«كأنني فوق روق الظبي من خور (3)

ولي فؤاد متى يفخر سوى مضر

«فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر»

والله لو أن أهل الأرض قاطبة

«مثل الفصيصي كان المجد في مضر (4)

وأين شعري من الهادي الذي نزلت

«في وصفه معجز الآيات والسور» (5)

وأنت في القبر حي ما اعتراك بلى

«والبدر في الوهن مثل البدر في السحر

لله قولي لعبد الله والده

قولا إلى قص علياه على قدري

(1) في الاصول: على حضر، وفي الحصر: وصوابه الخصر وهو الشديد البرد.

(2)

في الاصول: في الشكر.

(3)

وفي شعر ابي العلاء: من حذر بدل من خور.

(4)

في الاصول: العصنصي.

(5)

في شروح سقط الزند: معجزات الآي والسور.

ص: 254

«أعاذ مجدك عبد الله خالقه

من أعين الشهب لا من أعين البشر

وارتجي منك من ذي العرش عافية

«بالآل والحال والعلياء والعمر»

ولصاحب الترجمة في المديح من المجانسات الأواخر:

لا أوحش الله منا

ظرائفا ولطائف

وبيت شعر مشيد

أني عليه لطائف

وأغيد ذا دلال

يسبي النهى بالسوالف

وعود أيام أنس

سقيا لتلك السوالف

وروضة دام فيها ال

هزار بالغصن واقف

وخادما قام وقفا

لخدمة النفس واقف

وراحتي وهو طوعا

عن شربها لا مخالف

انعام أنغام صوتي

صباه غير مخالف

وطيب عيش ومغنى

قراه مأوى وظائف

فقد جرى لي دواما

من الوزير وظائف

ورب شعر لطيف

قد قلته وهو عارف

بمدحه حسدوني

عليه أهل المعارف

أخرت من سوء حظي

والغير كالبرق خاطف

يأتي بأدنى مقال

وللجوائز خاطف

أبا مراد وكنز البلا

د صدر المواقف

ركن السداد بيوم ال

جلاد خير المواقف

ما زلت للمجد شار

على ذرى السعد شارف

فكم أخي البغي عاص

ريح الشقا منه عاصف

ص: 255

بالسيف لم تبق تال

من ذكره غير تالف

لديك ذو السلم راج

ومنك ذو الحرب راجف

جيد الوزارة حال

بعزكم فهو حالف

والله ذو العرش عاط

وغصن نعماك عاطف

فبرق زندك وار

وسحب كفك وارف

رام أتى لك ساع

يا آصف الدهر ساعف

لا زلت للمجد كاس

شمس الظهيرة كاسف

ولما انفتح لنا في هذا الجناس باب فلنذكر بعض ما ورد فيه من أشعار السلف. فمن عبث فيه الأديب الصرصري: (1)

شدا هاتف بالغضا غردا

فأحدث لي طربا أن شدا

فرنح عطفي كأني سمعت

فصيحا بأرجائه أنشدا

وأني لتملكني لوعة

إذا حث حادي السرى أوحدا

غراما بمن فاق بدر التمام

وأصبح في حسنه أوحدا

ولولاه لم ترني والها

أهيم به متهما منجدا

سألت فؤادي عونا عليه

فألفيت قلبي له منجدا

سأقتحم الهول في حبه

لقيت نعيما به أو ردى

يحوم على العذب من ورده

فؤادي حلا به اذ اوردا

(1) هو يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصاري، أبو زكريا، جمال الدين الصرصري. ولد في صرصر على مقربة من بغداد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وسكن بغداد. شاعر ضرير له ديوان شعر صغير مخطوط ومنظومات في الفقه وغيره. منها الدرة اليتيمة والحجة المستقيمة» قصيدة داليه في الفقه الحنبلي 2774 بيتا.

وقصيدة في كل بيت منها حروف الهجاء كلها. وغيرها. قتله التتار يوم دخلوا بغداد سنة ست وخمسين وستمائة. قيل قتل أحدهم بعكازه ثم أستشهد.

البداية والنهاية 13: 221 والنجوم الزاهرة 7: 66 وذيل مرآة الزمان 1: 247 - 332 وهدية العارفين 2: 523 وكشف الظنون 1349 وبروكلمان 1: 290 وتكمتله 1: 443 ومرآة الجنان 4: 147 والاعلام 9: 225 وفيه مصادر أخرى.

ص: 256

أسامر في حبه الفرقدين

وأرعاهما فرقداً فرقدا

وتعطفني نحوه حنة

كعطف المهاة تلت فرقدا

سألتك حادي ركب الحجاز

بمن لكم نحوه أوفدا

وكم من ملب حرام مضى

على عقد إحرامه أو فدى

ومن شهد الموقف المرتضى

ومد إلى الله فيه يدا

ليتخذن بإبلاغه

رسائل شوقي عندي يدا

وقال الصرصري فيه أيضا:

لو جاب في عرض الفلاة فطارا

لقضى بوادى المنحني أوطارا

صب شجا رند الحجاز فؤاده

عكف الحمام بفرعه أوطارا

وإذا بدا بدر كأن وميضه

هندية هزت لتدرك ثارا

أذكى تألقه وسرعة خفوه

حرق الغرام بقلبه والنارا

هل ترجعن لي الليالي بالحمى

فتحط عني عودها أوزارا

أيام لا أخشى وقد أنعمتم

بالوصل صد خيالكم أو زارا

يا حادي البكرات غادرها السرى

كقسي نبل لازمت أوتارا

ص: 257

تهوي هويا في الفلاة كأنها

تبغي لشدة حثها أوتارا

حملت رجالا اكرمين أعزة

طلبوا العلى فتجشموا أوعارا

يتجلببون من الثناء أغضه

ويجانبون دنية أو عارا

من كل صادق استجار الله في

طلب البواقي الصالحات فخارا

يطوي الفيافي لا يني في سيره

لينال بالصبر الجميل فخارا

ماضي العزائم مذ توجه قلبه

نحو المآثر والنهى ما حارا

منحته للرشد المبين عناية

منذ استضاء بنورها ما حارا

عدل التعصب والرضى قصد الغنى

والفقر عن سبل الهدى ما جارا

يسعى ليدرك ثروة ومهابة

يمحو بها بؤسا ويمنع جارا

علقت بحبل المكرمات يمينه

فأجاد محكم فتله وأغارا

شهم يغار على الحريم وأن رأى

جيشا يبارز بالضلال أغارا

ص: 258

ابشر فقد أضحت مطيك ترتمي

بإبر من للضيف أوقد نارا

جبلت على بذل النوال أكفهم

وسموا فطابوا محتدى ومنارا

وأجاد الصرصري أيضا:

سقى ربع أرض الحمى وابل

إذا حل في جوها أمرعا

فثم لنا بين اكنافه

حبيب أأهملنا أم رعى

وحيا بساحة وادي العقيق

جنابا خصيب الربا أوسعا

نعمنا به زمنا لم نبل

بمن هم كاد بنا أو سعى

فلله من سربه مودع

كساه الجلالة من أودعا

هناك المآرب مقضية

لمن رامها صامتا أو دعا

فهل لي إلى ربعه عودة

أجوب الفلا أجرعاً أجرعا

فأجرع من مائه جرعة

رواء ومن لي بأن أجرعا

مواطن تجبر كسر القلوب

وترفع ذا خفية أوضعا

فطوبى لمن نص في قصدها ال

ركائب أو نحوها اوضعا

وللأديب حسين بن سالم الفارقي (1) في الجناس، وكلها أي قوافي القصيدة من جناس واحد. وقد أبدع فيها:

بانت فما كحل الكرى

لي بعد وشك البين عينا

فحكت مدامعها الغزا

ر من الغيوم الغر عينا

من كل واضحة الترا

ئب سهلة الخدين عينا

(1) لم نعثر له على ترجمة

ص: 259

عين الحبيب ووجهها

كالشمس حين تراه عينا

أصبحت من حبي لها

عبدا أضام وكنت عينا

لا حركت ركب الركا

ئب إذ بهن سرين عينا

كاد الحسود على الوصا

ل فلا رعى لله عينا

كم مرة قد عاينت

عيناي ما أبداه عينا

ومصاحب ضيعت في

عمل له للغين عينا

لهفي وقد أبصرت في

ميزان ذاك الود عينا

العين الأولى: الحدقة، والثانية: مطر أيام لا ينقطع. والثالثة:

واسعة العين، والرابعة: الشمس، والخامسة: من الأعيان، والسادسة عين الركبة، والسابعة: الجاموس، والثامنة: المعاينة، والتاسعة:

بمعنى العين المهملة، والعاشرة: وجود الشيء، أو المعنى في بطن الشاعر، والله أعلم.

ولصاحب الترجمة في المديح: (1)

هنيت في منصب ما فيه من نصب

حييت في رتب تعلو على رتب

وساعد السعد بالإقبال ساعدكم

في ذروة المجد بين العجم والعرب

إن الوزارة عادات لكم أبدا

أصلا وفرعا رعاه الله من نسب

حيث المعالي قد جاءتك خاطبة

والخاطبون لها بالجد والطلب

(1) في مديح محمد امين باشا الجليلي

ص: 260

فالأمر قد جاء محمودا بحكمك يا

أمينه ولك التقريض بالكتب

خفضت كل سفيه كان مرتفعا

والحال ذو العرض منصوبا بلا نصب

أنقذت موصلنا من كل مهلكة

وقال كل سفيه آه وا حربى

رايات نصرك بالإقبال خافقة

وسيف عزمك يفري هامة الريب

قيل يقيل عثار المستجير به

ويحتمي بحمى الإقبال ذو النوب

الواهب الأرب ابن الواهب الأرب ابن ال

واهب الأرب ابن الواهب الأرب

فرد تباهت بنو عبد الجليل به

إذ جامع لكمال العلم والأدب

نجل الوزير حسين الخير من حسنت

به المدائح في الأشعار والخطب

أبو سليمان مولانا محمد من

به الزمان تهنا وانجلت كربي

تاج الوقار ومنهاج الفخار ومع

راج المنار سراج بالكمال حبي

كم كفه وكفت جودا نعم وكفت

عفاتنا وأظلتنا من العطب

ص: 261

ذو العزم والحزم والرأي السديد وذو ال

بطش الشديد وذو الرايات والحسب

كالليث والغيث في يومي ردى وندى

إذا سطا وعطا بالسيف والنشب

هذا وبالبشر يلقى من يؤمله

ومن تواضعه يدنو لمقترب

لا زال في أوج يرج المجد مرتقيا

وآصف الدهر يرعى كل منتسب

وله قصيدة في المديح:

سريت إلى سنجار كالبدر حوله

نجوم غزاة للطغاة تكافح

وجئتهم والكفر قد مد ظله

وعسعس حتى لا تفيد النصائح

فكم مسلم من قبل سبعين حجة

بدا دمه من سيفهم وهو سافح

وقد حاربت آل النبي أصولهم

بقتل حسين الفرد والبغض واضح

ومنها:

ففرت إلى سنجار من قسور الورى

فكانوا طيورا والهزبر الجوارح

فلم يغنهم حصن وغاروا بغارهم

ومذ أخذوا ناحت عليهم نوائح

ص: 262

وحنت رقاق البيض نحو نحورهم

وخضت بحار الحرب والدم طافح

قتلت وآسرت الرجال وأهلهم

وأموالهم في نهبها الشهم رابح

شياطين أصحاب الشمال تمردت

فجاء سليمان فما ثم ناجح

وأضرمت نيران الخطوب عليهم

فهم في سموم للجوانح لافح

ومن شعره في المديح أيضا: (1)

سرى ولثام الليل قد جلل الفجرا

خيال تخطى البيض والأسل والسمرا

ألم ومن دون المحب فراسخ

فأعقب مرات مدى دهره سكرا

لحى الله أرباب الغرام فإنهم

إذا رقدوا صارت حبائبهم فكرا

هم النفر اللائي أباح دماءهم

حسام الهوى العذري فأوسعهم عذرا

وقائلة لم لا تشنف مسمعي

فعهدي بنظم يزدرى الزهر والدرا

فقلت لها لا تعتبي حالة الهوى

فقد قرح الأحشاء من كبد حرى

فقلت وهل بعد الكهولة مطلب

سوى مبتغى الرضوان أو طلب الأخرى

(1) في مديح الحاج حسين باشا الجليلي

ص: 263

فقلت وهل قبل الصبوة مشرب

سوى ماء دمع سال فاستغرق العمرا

موانع صرف الدهر مذ اهرقت دما

دموعي لم تورث فؤادي سوى كسرا

سعينا به نبغي الكفاف لحالنا

فلم نلق إلا معتبا ويدا صفرا

هو الدهر أعطى الحالتين لأهله

فذو الجد محروم وذو راحة أثرى

دجى الليل بلواه فأعقب غمة

إلى أن أرانا فجره الآية الكبرى

أتى بحليف الجود معتذرا به

فيا حبذا جودا ويا حبذا عذرا

أبى لسليم مذ رقي ذروة الندى

تصاغر قطر السحب إذ كفه أجرى

وأن الأيادي بالأيادي تفجرت

وقد ظللت من يطلب الرفد والجبرا

فما الغيث أن أعطى وما الليث أن سطا

وما الحرب ان غازى وما السيف ان برى

وزير له الرايات والرأي شفعها

وكم سيد كانت محامده وترا

تسامى على إذ حاز خير وزارة

فلم تر إلا عدله في الورى مهرا

ص: 264

فآصف هذا العصر حكما وحكمة

لذات بني عثمان شدت به أزرا

مليك ببرج الأنبياء له الولا

ومن نال برج الأنبياء له البشرى

محا وحمى بالسيف والعزم في الورى

فسيف محا الباغي وعزم حمى البرا

فكم من أديب جاء بالشعر قاصدا

ذرى برج جدواه فبلغه الشعرى

يرى العلم والآداب خير بضائع

فقيمتها تغلى فتولي له الشكرا

تعالى بنو عبد الجليل بمجده

وكم معشر بالفرد منهم علوا فخرا

فقالوا شديد بأسه قلت في العدا

وقالوا حليم قلت يستعبد الحرا

أبو العلم الفرد المفدى مراده

ونعم أمين السعد للدولة الغرا

فديتك خذها من مصاغ قريحتي

لرأس العلى تاجا تشيد لك الذكرا

فلا زلت في الدنيا مشيدا لأمة ال

نبي عماد الدين تعلى له قدرا

قوله: فقالوا شديد بأسه البيت، فيه رائحة من قول الأرجاني (1) لكن قول الأرجاني الطف وابلغ وهو:

ومن عجب أن يعبد الدهر معشر

وقد أبصروا المولى الذي استعبد الدهرا

(1) مرت ترجمته في ص 68 ج 1

ص: 265

أظلت بني الدنيا سماء علائه

واطلع من أخلاقه انجما زهرا

وهذه الأبيات من قصيدة حذا صاحب الترجمة حذوها في ذكر الخيال ومطلعها:

خيالك من قبل الكرى طاربى ذكرا

ففيم التزامي للكرى مرة أخرى

غدا شخصكم في العين مني قائما

فمن نمة الواشي بكم أخذ الحذرا

فو الله ما ضمي الجفون لرقدة

ولكن لالقى منه دونكم سترا

ومن لي بكتمان الذي بي من الهوى

ومن تهدم الأعداء أن رمت أن أبرا

وتسهر في سحر المقنع مقلتي

فتطلع لي بالليل من طيفكم بدرا

فما رائعي والليل يقضي ذماءه

من الصبح إلا نفثة تبطل السحرا

ولله من عليا عقيل عقيلة

إذا رحلت كان الفؤاد لها خدرا

حكى ثغرها عقدا فان اخصر الندى

قلائدها صبحا حكى عقدها ثغرا

وفنانة صاغت سلاسل صدغها

قيودا على اجياد عشاقها الأسرى

ص: 266

ولصاحب الترجمة في مدح شقيقي محمد العمري رحمه الله:

في ورد خديك وآس العذار

قد طاب لي يا حب خلع العذار

وكان لي قلب وقد ضاع إذ

ضاع شذا خالك في الجلنار

يا مخجل البان بقد لقد

بان اصطباري فيك والوجد ثار

وقد جرى دمعي مما جرى

علي في حبك والعقل حار

يا مفردا جامع شمل البها

الشعر ليل والمحيا نهار

والجفن مكحول روى أنني

قد قلت فيه فالحذار الحذار

واللحظ والحاجب ثم اللمى

نبل وقوس وشراب عقار

أتى في هذا البيت باللف والنشر بين ثلاثة ونظيره ومثله قول حمدة الأندلسية (1):

ولما أبى الواشون إلا فراقنا

وما لهم عندي وعندك من ثأر

غزوتهم من مقلتيك وأدمعي

ومن نفسي بالسيف والسيل والنار

ومثله لابن حيوس (2):

ومقرطق يغني النديم بوجهه

عن كأسه الملأى وعن إبريقه

فعل المدام ولونها ومذاقها

في مقلتيه ووجنتيه وريقه

ومثله قول ابن الرومي (3):

آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم

في الحادثات إذا دجون نجوم

فيها معالم للهدى ومصابح

تجلو الدجى والاخريات رجوم

(1) هي حمدة ويقال حمدونة بنت زياد بن تقي العوفي المؤدب وهي خنساء المغرب وشاعرة الاندلس.

قال صاحب الاحاطة ان حمدة واختها زينب كانتا شاعرتين أديبتين، من أهل الجمال والمال والمعرفة والصون توفيت في نحو الستمائة للهجرة.

الاحاطة 1: 497 ونفح الطيب 6: 23 وفوات الوفيات 1: 489 ومعجم الادباء 10: 274 والتكملة 746 والدر المنثور 170 والاعلام 2: 304.

(2)

في الاصول: ابن حبوش وهو خطأ وصوابه ابن حيوس بالياء المثناة المشددة والسين المهملة وهو ابو الفتيان الامير مصطفى الدولة محمد بن سلطان وقد مرت ترجمته في ص. 88 ج 1

(3)

مرت ترجمته في ص. 112 ج 1

ص: 267

ومثله من أربعة قول بعضهم:

ثغر وخد ونهد واحمرار يد

كالطلع والورد والرمان والبلح

ومثله قول ابن العفيف (1):

رأى جسدي والدمع والقلب والحشا

فأضنى وأفنى واستمال وتيما

ومثله قول ابن حجة (2):

من محياه والدلال ومسك ال

خال والثغر يا شيوخ البديع

انظروا في التكميل واللف والنش

ر وحسن الختام والترصيع

وللشيخ شهاب الدين (3) بين خمسة:

ملك يجيء بخمسة من خمسة

لقي الحسود بها فمات لما به

من وجهه ورقاده وجواده

وحسامه بيديه يوم ضرابه

قمر على رضوى تسير به الصبا

والبرق يلمع من خلال سحابه

ولشمس الدين ابن جابر الأندلسي (4) بين ستة:

إن شئت ظبيا أو هلالا أو دما

أو زهر غصن في الكثيب الأملد

فللحظها ولوجهها ولشعرها

ولخدها والقد والردف أقصد

وقد جمع قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم ابن البارزي (5) بين سبعة:

(1) ابن العفيف التلسماني مرت ترجمته في ص. 167 ج 1

(2)

مرت ترجمته في ص. 40 ج 1

(3)

هو الشيخ شهاب الدين محمود مرت ترجمته في ص. 217 ج 1

(4)

هو صاحب البديعية مرت ترجمته في ص. 471 ج 1

(5)

هو ابو محمد عبد الرحيم بن ابراهيم بن هبة الله الجهني الشافعي نجم الدين المعروف بابن البارزي قاضي حماة وابن قاضيها وابو قاضيها، ولد سنة ثمان وستمائة. وتوفي في طريقه الى الحج سنة ثلاث وثمانين وستمائة بتبوك فحمل الى المدينة ودفن في البقيع، درس وافتى وصنف في كثير من العلوم، وخرج الاصحاب في المذهب وكان شافعيا، مشهورا بالصلاح والتواضع، وله شعر جيد.

النجوم الزاهرة 7: 362 وفوات الوفيات 1: 266 وشذرات الذهب 5: 382 والاعلام 4: 118.

ص: 268

يقطع بالسكين بطيخة ضحى

على طبق في مجلس لأصاحبه

كبدر ببرق قد شمسا أهلة

لدى هالة في الأفق بين كواكبه

وجمع الشيخ علاء الدين الحموي (1) بين ثمانية وثمانية:

خدود وأصداغ وقد ومقلة

وثغر وأرياق ولحن ومعرب

كورد وسوسان وبان ونرجس

وكأس وجريال وجنك ومطرب

ومثله لي بين تسعة وتسعة:

شعر وثغر شفاه أعين حدق

ريق وخد عذار ثم أجفان

زهر رحيق عقيق نرجس وسن

شهد وورد وقل آس وريحان

وجمع بعضهم بين عشرة بقوله:

شعر جبين محيا معطف كفل

صدغ فم وجنات ناظر ثغر

ليل صباح هلال بانة ونقا

آس أقاح شقيق نرجس درر

عطف على الأبيات المترجمة:

والخال فوق الخد قد عمه

حسن إذا شاهده البدر غار

وعاذلي العواء لما رأى

بدري المفدى زاد بالاعتذار

فأي بال غير بال به

واللحظ فتاك حكى ذا الفقار

أفديه ذا جيد وذا لفتة

قد صير الغزلان تأوي القفار

قلت حبيبي كف كف النوى

عني فما لي في هواك اصطبار

فقال قاسي القلب قاس الهوى

ولم يكن لكسر قلبي انجبار

ولم أجد لي من ملاذ سوى

محمد بهجة أوج الفخار

الماجد المنجد سامي القرى

حامي الورى ممن لجا واستجار

(1) هو الشيخ علاء الدين علي بن مقاتل بن عبد الخالق الحموي. تاجر زجال من اهل حماة ولد بحماة سنة اربع وسبعين وستمائة. كان شاعرا وغلب عليه الزجل فاشتهر به وانتهى اليه فنة في زمانه. توفي سنة احدى وستين وسبعمائة. وجمعت ازجاله في ديوان بلغ مجلدين الدرر الكامنة 3: 133 والاعلام 5: 175.

ص: 269

إن جاد ما الغيث وان جال ما ال

ليث وأن حل يحل الوقار

مولاي كنز العلم كشافه

حاوي الفتوحات سني المنار

لا عيب فيه غير بذل الندى

فيا أخا الفقر إليه البدار

في الجود ما معن وما حاتم

والبأس ما عنتر ما ذو الخمار

تكاملت أوصاف أخلاقه

فذكره فاح وفاق العرار

من آل فاروق سما محتدا

فطيب الأصل يسود افتخار

لا زال ممدود الأيادي وفي ال

يمين يمن واليسار اليسار

وله في مليح استدار عذاره فحلقه:

بأبي قد ابن عشر ألف

وبما تهوى الورى قد ألفوا

حرم الحسن وفي كعبته

كان لاه وأنا المعتكف

فأتوا فيه إلى ذي أدب

في حماه فحماه المصحف

احسن الله له رزقا وفي

قسمة الفضل يبان الشرف

حسن الاسم وينسر إذا

صرفوه وهو لا ينصرف

ثم في إحدى وعشر جد في

عرم ما اعترفوا واغترفوا

بدر تم بالدجى متزر

كادت الأبصار منه تخطف

تذكرت بهذين البيتين قول بعض الأدباء في مليح يسبح في الماء:

قد شق قلبي حين شق سباحة

في اليم بدر جل عن تشبيه

فكأنما البحر العجاج سماؤه

وكأنه الشمس المنيرة فيه

ومن محاسن الشواء (1) في مليح يعوم في الماء وحوله مماليك صغار:

قد راح يسبح وهو عاري

بين المماليك الصغار

فكأنه بدر السماء

وحوله زهر الدراري

(1) هو يوسف بن اسماعيل الشواء الحلبي المتوفي سنة 635 هـ وقد مرت ترجمته في ص. 167 ج 1

ص: 270

وفيه للسراج الوراق (1):

ورأيته في الماء يسبح مرة

والشعر قد رفت عليه ظلاله

فظننت أن البدر قابل وجهه

وجه الغدير فلاح فيه خياله

وفيه لابن الغرس (2):

يا حسن عوام كغصن النقا

يبخل بالوصل لمن هاما

ويقنع العشاق منه بأن

يريهم الأرداف أنعاما

وقال ابن سناء الملك (3) في مليح ينظر في نهر:

يا ناظرا في النهر وهـ

وبشطه يتنزه

النهر كم ازرق

وخيال وجهك طرزه

وبالمناسبة فيحسن ذكر قول ابن الوردي (4) في مليح دخل الحمام وذر علي بدنه سدر:

وكأنه غرقان في حمامه

والسدر يزهو فوق ابيض أحمر

صنم من الكافور قلد لؤلؤا

رطبا والبس ثوب لاذ أخضر (5)

وما ألطف قوله أيضا:

خشيت على حبيب القلب لما

أتى حمامه ونضا الثيابا

نهار وجهه والجسم زبد

إذا طلعت عليه الشمس ذابا

(1) هو سراج الدين عمر بن محمد الوراق توفي بالقاهرة سنة 695 هـ وقد مرت ترجمته في ص. 125 ج 1

(2)

في الاصل: لابن غرس. وهو محمد بن محمد بن خليل، ابو اليسر، بدر الدين ابن الغرس.

والغرس لقب جده خليل ولد بالقاهرة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. وكان من فقهاء الحنفية. وله شعر حسن. حج وجاور غير مرة، وأقرأ الطلبة بمكة. وكان غاية في الذكاء. كان مولعا بلعب الشطرنج.

وكان من رءوس الاتحادية التابعين للحلاج وابن عربي وابن الفارض. توفي سنة اربع وتسعين وثمانمائة له كتب منها «الفواكه البدرية في الأقضية الحكمية وتعرف برسالة ابن الغرس في القضاء وغيرها. الضوء اللامع 9: 117 والاعلام 7: 280.

(3)

هو القاضي هبة الله بن جعفر المتوفي بالقاهرة سنة 608 هـ وقد مرت ترجمته في ص. 212 ج 1

(4)

هو عمر ابن الوردي مرت ترجمته في ص. 137 ج 1

(5)

اللاذو واحدته لاذة: ثوب أحمر من حرير صيني.

ص: 271

وفيه لبعضهم:

أبصرت في الحمام من لم يكن

يدركه وصفي وأشعاري

رأيته والماء يجري على

جامد ماء ليس بالجاري

وظل طرفي منه في جنة

وظل قلبي منه في نار

عابه بعض الأدباء فقال:

أقول شبه لنا جسم الرشا فرقا

يا مدعي الشعر في وصف وأنباء

فراح يفكر فيما قلته زمنا

وشبه الماء بعد الجهد بالماء

وما احسن قول ابن عربي (1) في هذا الباب:

عاينت في الحمام بدرا مشرقا

يرنو بمقلة شادن مذعور

يرخى ذوائبه على أعطافه

فيريك ظلا لاح فوق غدير

ومن محاسن الشواء (2) في ملاح دخلوا الحمام وشدوا في أوساطهم فوط مآزر:

شدوا المآزر فوق كثبان النقا

بانامل حلوا بها عقد التقى

فتجردوا فرأيت غصنا عاريا

نشروا ذوائبهم عليه فأورقا

وقال فيهم ابن نباتة (3) مضمنا:

تأملت في الحمام تحت مآزر

روادف غيد ما سناها بغائب

كأني من هذا وهاتيك ناظر

«بياض العطايا في سواد المطالب»

أخذه الصفدي (4) فقال:

تبدي حبيبي في السواد فراقني

وما راعني لما أتى بالعجائب

وشبهت ذاك الجيد في طوق برده

«بياض العطايا في سواد المطالب»

(1) ابن عربي مرت ترجمته في ص. 229 ج 2

(2)

الشواء مرت ترجمته في ص. 167 ج 1

(3)

هو ابن نباته المصري مرت ترجمته في ص. 374 ج 1

(4)

مرت ترجمته في ص. 105 ج 1

ص: 272

تتمة القصيدة المترجمة:

ثم في اثنين وعشر سره

صنعة الرمي وقلب يلهف

قلت ما يغنيك سهم اللحظ وال

حاجب القوس وقلبي الهدف

ثم في ثالث عشر ركب ال

خيل ذات العرف مما تعرف

قال أن الخيل عز وكذا

ظهرها حرز كذاك المرهف

ثم عمر البدر لكن حججا

ثم حاشا يعتريه كلف

وتولى مهجتي ثم انثنى

وتولى وعيوني تذرف

فرماه الله في قيد الهوى

والفتى يجزي بما يتصف

فتعاطى الشعر حتى أنه

فهو در وسواه الصدف

ثم في خمس وعشر بلغ ال

حلم اذ تم الحجى والشرف

زارني مع بدره في ليلة

لا تسل أني أنا المنتصف

ثم في ست وعشر عارض ال

عارض الخد ألا فاعترفوا

حيث زان الطور موسى أرخوا

حول ورد الخد آس يقطف

وللأديب أبي بكر التلمساني (1) في هذا النمط:

رشأ في الخد منه روضة

ما جناها دانيا للمهتصر

طلع الآس مع الورد بها

فهوى يعزب صبر المصطبر

جال ماء الحسن فيها والصبا

فالتقى الماء على أمر قدر

مر بالموسى على عارضه

فكأن الآس بالماء غمر

مجمع البحرين أمسى خده

إذ تلاقى فيه موسى والخضر

وأجاد من قال مقتبسا في تزيين الرأس:

تجرد للحمام عن قشر لؤلؤ

وصار له ثوب الملاحة ملبوسا

وقد جرد الموسى لتزيين رأسه

فقلت لقد أوتيت سؤلك يا موسى

(1) مرت ترجمته في ص 167 ج 1

ص: 273

وقد أحسن الوزير المغربي (1) بقوله:

حلقوا رأسه ليكسوه قبحا

غيرة منهم عليه وشحا

كان صبحا عليه ليل بهيم

فمحوا ليله وأبقوه صبحا

وفيه لبعضهم:

وبمهجتي ريان من ماء الصبا

روض الشقيق بوجنتيه ينبت

قطعت ذوائب شعره فجماله

باق وشمل الصبر عنه مشتت

محيت غياهبه وأسفر صبحه

والله يمحو ما يشاء ويثبت

وكأنه أخذ صاحب الترجمة طريقة ابن خفاجة الأندلسي (2) ومشى عليها حيث قال في صغير في المكتب. وهي:

لله أي قمير حسن شاقني

ومدارس التعليم من هالاته

عثرت بخدي عبرتي في عتبه

فتعثرت أقلامه بدواته

وسألته بحياته تقبيلة

فأبى علي وقال لا وحياته

ودرى بمرتع حبه من صبه

فخطا يبين الكبر في خطواته

وتناول المرآة ينظر وجهه

فلثمت موضع فيه من مرآته

فرمى بمصحفه هناك ولوحه

وغدا ليشكوني إلى داياته

فنفثن في عطفيه تعويذا له

ولقطن رطب الدر من عبراته

ورقينه في العشر من سنواته

بالله أو بالعشر من كلماته

ومن مقاطيع صاحب الترجمة قوله:

في روضة الروح والريحان در راحي

صاح وغن على أقداح أفراحي

(1) مرت ترجمته في ص 246 ج 1

(2)

ابن خفاجة الاندلسي. ابراهيم بن عبد الله وقد مرت ترجمته في ص. 438 ج 1

ص: 274

صبا حزين نوى نجد وهيج لل

حجاز عشاق من قد خالفوا اللاحي (1)

وهو قريب من قول ابن جابر الأندلسي (2):

يا أيها الحادي اسقني كأس السرى

نحو الحبيب ومهجتي للساقي

حي العراق على النوى واحمل إلى

أهل الحجاز رسائل العشاق

وقريب منه قول الذهبي (3):

وبمهجتي المتحملون عشية

والركب بين تلازم وعناق

وحداتهم أخذت حجازا بعد ما

غنت وراء الركب في العشاق

ولصاحب الترجمة:

زهر الربيع وخد من

أنا في هواه رقيقه

لا فرق بينهما أرى

فشقيق ذاك شقيقه

وقال أيضا:

قل للحبيب محب

في الحب نال مناه

قد كان مضني ولكن

لثم الشفاه شفاه

معنى هذين البيتين الأخيرين ينظر إلى قول ابن حجر العسقلاني (4):

سألوا عن عاشق في

قمر باد سناه

أسقمته مقلتاه

قلت لا بل شفتاه

(1) الصبا والنوى والحجاز والعشاق والمخالف اسماء مقامات (اصوات) في الغناء معروفة في العراق.

(2)

في الاصل جابر الاندلسي وصوابه ابن جابر وهو محمد بن أحمد وقد مرت ترجمته في ص. 471 ج 1

(3)

هو يوسف بن لؤلؤ الذهبي بدر الدين وقد مرت ترجمته في ص. 224 ج 1

(4)

هو احمد بن علي العسقلاني وقد مرت ترجمته في ص. 152 ج 1

ص: 275

والأول إلى قول ابن نباتة (1):

يا حبذا خد الحبيب

وقد أضاء شريقه

أن لم يكن في الحسن نف

س الروض فهو شقيقه

ولصاحب الترجمة:

تدال على العشاق لا عند والد

فما تعرف الأصداف ما قيمة الدر

وصهباء ما بين الندامى عزيزة

ولم تدر أيك الكرم ما قيمة الخمر

وقال أيضا:

أبي حبيبي أن يزرني ضحى

فضلا ولكن خاف كيد الرقيب

فقلت زرني في الدجى منيتي

فإنما الليل نهار الأريب

وقال معربا من الفارسية، ومثله في العربية كثير:

لا تحقرن فتى أخلاقه خلقت

واستجل عنوان خافية من الكلم

وجرد السيف لا تعبأ بحليته

بجوهر الحد تغلو القضب بالقيم

وقال أيضا:

قالوا تركت الشعر من حسنه

قلت نعم لو كان كالدر

شعيرنا ينوب عن شعرنا

وبرنا يلهي عن البر

وله أيضا:

قلت لما بدت حبيبة قلبي

وهي تبدى بنظمها بالفنون

باعني قومك بابخس بيع

انما انت ابنة الباعوني

(1) هو ابن نباتة المصري محمد بن محمد وقد مرت ترجمته في ص 374 ج 1

ص: 276

وله مخمسا:

كان صبري والشوق ميتا وحيا

حيث سهدي وافى جفوني وحيا

أن تسل عن صبابتي يا أخيا

أهل ودي نأوا مكانا قصيا

صرت للحزن وارثا ووصيا

اظهر الحب في ما كان مخفي

وبدا في الأنام حالي ووصفي

هام قلبي وجدا على رغم انفي

كلما قلت للمدامع كفى

فتقول الجفون للدمع هيا

سلبوني أحبتي وسلوني

حيث قد أثبتوا الجفا ونفوني

آه من لي كأس الصدود سقوني

يا جفوني فابكوا على من جفوني

تركوا بالغرام قلبي شقيا

ودعوني وباللقا أو عدوني

طالما بالوصال قد عودوني

كلموني من بعد ما كلموني

ونسوني من بعد ما آنسوني

ليتني قبل نسيهم منسيا

أيها الحاسدون بالغيظ قيلوا

لا يهم المحب قال وقيل

أن هم قصروا بنا أو يطيلوا

كذب الحاسدون فيما يقولو

ن بظلم فسوف يلقون غيا

كيف أسلو الهوى وقد جد وجدي

بعد بعد ولن أفوه بدعد

أنتم السؤل أنتم جل قصدي

فاسألوا العاشقين عن حفظ ودي

لم أكن للغرام قط نسيا

ذكركم بالجنان والنطق يملي

وامتداحي لكم حديثي وشغلي

أيروم السلو من كان مثلي

لا وحق الهوى وساعة وصل

وليالي مضين يطوين طيا

ص: 277

كل من في الورى ارى لم يزنكم

وأنا الواثق الذي لم أخنكم

قسما بالذي رأيناه منكم

ما نقضت العهود لا ملت عنكم

أهل ودي ولا أكون بغيا

***

ص: 278