المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عبد الله الأصم الاربلي - الروض النضر في ترجمة أدباء العصر - جـ ٢

[عصام الدين العمري]

الفصل: ‌عبد الله الأصم الاربلي

في محاسن أدباء وعلماء نواحي الموصل من أربيل وماوران وعلماء وصلحاء كردستان. منهم:

‌عبد الله الأصم الاربلي

أصم عن الأدب والمعارف، وقناص لشوارد المهاة من ظباء الكمالات والعوارف، باب حصن القريض الواسع الفناء، ومفتاح مقفلات صناديق النشيد الجامع الضياء. بطل النظم وواحده ورجل الأدب وقائده.

بطل إذا لمعت شباة سنانه

في ساحة الآداب أضحى عنترا

سجدت له أرض القريض بأرضهم

فلذا السوى بالشعر طرا منكرا

تفرد في حرفة نظام فرائد البيان، وتوحد في تشحيذ التقاط زوائد الألباب والأذهان، حتى طلع في أعلى برج من حصون الكمال، واشرق كما تشرق الأقمار في ظلام الليال. فلم نقف بعد الوزير الطغرائي صاحب لأمية العجم على بدر بدر من ذلك المطلع، ولم يكن من حين اندرج ذلك الفاضل إلى مثل هذا الفاضل ظهور يتوقع. أحيا دارس أطلال تلك المدينة، وأعاد إليها ما خلعته من أردية الوقار والسكينة. فجملها بأدبه كمال الإجمال، وزين نحرها العاطل بفرائد الجواهر واللآل. عمر

ص: 433

ربعها بخيام معارفه وحلاها، وأنبت عقيم ريض انسه بلطائفها وجلاها. فكل ناد من تلك المدينة بأدبه معمور، وكل روض من تلك الناحية بسيب أدبه مغمور.

سيب الفصاحة والنباهة والتقى

وغمامة الأفضال والآداب

بحر البراعة شمس كل براعة

غيث النوادر مزنة الألباب

له من النظم ما لو أبصره الدهر لاتخذه لنحره عقودا، أو نظره البدر لجعله لصدور أقماره نهودا. وقد أثبت منه ما هو لنحور الغيد الحسان، قلائد الياقوت والمرجان. فمن ذلك قوله في وقعة الخارجي (1) وهي:

ألخلة سكن الابارق عيرهم

أرقى وفي طي القلوب مسيرهم

أم فوح ناسمة تهب عليهم

فسرى ألي شذاهم وعبيرهم

أو برق هامعة أضاء بلعلع

فطلولهم منها بدت ودؤورهم

دمن عفت من بعد ما انسوا بها

دخلت عليهم شهرهم ودهورهم

فغدوت أسأل عن معاهد أهلها

صما خوالد كيف كان أمورهم

رحلوا وقد عهدوا تلافي حبهم

وأنا على تلك العهود أسيرهم

فأجابني قفر المنازل والربي

لا يلقينك في الضلالة زورهم

هيهات ان صبابتي لسجية

لم يمحها لعهودهم تغييرهم

حاشاي أن أسلو فإني أكتفي

من وصلهم بالطيف حين أزورهم

(1) يريد بالخارجي نادر شاه الذي حاصر الموصل سنة 1156 هـ. والقصيدة في مدح الحاج حسين باشا الجليلي الذي دافع عن الموصل في ذلك الحصار.

ص: 434

لا بل أرقت تحننا لشكيتي

عن ظلم قوم كان فيه سعيرهم

بشوارع الحدباء كنت مسائلا

من في الأنام لدفع ذاك جديرهم

فأجابني الدهر الخبير بأنه

المولى الحسين كريمهم وظهيرهم

وضع العدالة في موازن حكمه

فلديه قد حاذى الصغير كبيرهم

عمت موائد جوده كالجود إذ

منه استمد سريهم وفقيرهم

يلوي إليه فواضل وأفاضل

ويحوم حول جنابه نحريرهم

أيخاف قوم قد أقاموا موصلا

ريب المنون وأنت فيه مجيرهم

أم تعتري قطع الظلام بأهله

وضياء وجهك بالدجنة نورهم

تتنور الحدباء حين سموتها

فهي السماء لهم وأنت بدورهم

واذا بنو الغبراء حط رحالهم

بصعيدها فندى يديك يميرهم

كم من فروخ صغائر في وكرها

تركت أراملها، وأنت تطيرهم

وإذا حواك مع النجوم سماؤها

فالشمس مثلك والنجوم نظيرهم

لله دره إذ أتته كتيبة

شرقية للشر كان نفيرهم

من أهل هند والبلوج فحتفهم

قد عد من أعدادها وثبورهم

فيقودها ملك الاران ونادر السل

طان شدد أسرهم تسخيرهم

قدموا إلى الحدباء نارا لم يكن

يجديهم نفعا بها توفيرهم

ولأخذها بذلوا الجهود فما بقي

من حيلة ومكيدة تقصيرهم

هجموا وقد طرحوا على أرجائها

جزر السباع يشنهم ونسورهم

نكصوا على أعقابهم من بعد ما

جنحوا لسلم والبواتر بورهم

ولأهل حدباكم أقول مؤرخا

هل خاب جندو الحسين أميرهم

1156 هـ

ص: 435

وله في إطلاق عذار وتهنئة بولاية:

صبيحة كم بالصد هذا الفتى تجفو

فقولوا لها مهلا فقد رفع السجف

أما ترحمين الصب صب دموعه

جفون دوام عن دوام لها وكف

أريتني حسنا مرة ففتنتنى (كذا)

أمالك بالمفتون في حسنك اللطف

فحيرني ذا الحسن فيها كأنها

جلية عمياء على ربعها وقف

صباحا أرى فيها تستر بالدجى

اذا ما سجى جثمانها الشعر الوحف

فلو رجلته بالنقا فوق لعلع

لأملأ كل الكون من طيبها العرف

فيرقص مثل الراقصات تشوقا

جبال إذا ما اهتز فخرا لها العطف

تصدت بجيد غير عطل كأنها

جداية بر البرير لها قطف

وأكسبني سقما سقام عيونها

فأي بلاء فيه أوقعني الطرف

وعيني منها إذ جنت نظره جنت

على نفسها عقبى جنايتها الحتف

ولكنه ما ضاع ثأري علي إذ

أمين الأنام ابن الحسين لي الكهف

له همة تسمو السماك فترتقى

لها بيت مجد للعلى ما له سقف

ومنذ بساط العز قد نشروا له

بسائط عز الغير قاطبة لفوا

فصيح إذا ما جادر القرن لم يزل

يغار على حرف بألسنه حرف

وفي يده لما رأيت أياديا

تيقنت أن البحر يحصره الظرف

ولم نر قبل ابن الحسين سحائبا

إذا ما هرقنا الماء تخجلها الكف

هذا البيت مأخوذ من قول المتنبي لفظا ومعنى، وهو:

فلم نر قبل ابن الحسين أصابعا

إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف

ص: 436

ولا ساعيا في قلة المجد مدركا

بأفعاله ما ليس يدركه الوصف

ولم نر شيئا يحمل العبء حمله

ويستصغر الدنيا ويحمله طرف

وقريب منهما قول ابن هاني الأندلسي (1). وهو:

فلو أنني شبهته البحر زاخرا

خشيت يكون المدح في مثله قذفا

وما تعدل الأنواء صغرى بناته

وكيف بشيء يعدل الزند والكفا

فتى تسحب الدنيا به خيلاءها

وقد طمحت طرفا وقد شمخت أنفا

عطف إلى القصيدة المترجمة:

ضبارم لو أبدى نزاله في الوغى

ليبدى بلا يسم نواجذه الرغف (2)

أتتني غداة الكر هربا عنانه

مقارعة الأبطال والفيلق الرجف

مجيب الندى شاكي السلاح إذا التقى

نباتهم كالوبل في نحره الطرف

حليف الظبا لم يغترب حيث حله

فما حل إلا والحسام له حلف

بقائمة لو لم تبل يمينه

لحن إليه كيف وهو له ألف

أخو ثقة من يعتلى فوقه به

تضجر لكن الزهوق له أف

أتوحش حدباء وأنت لأهلها

أنيس وإذ فارقتها كم لها لهف

رأوا بك نارت ثم طابت فأرخوا

محياك بدر حدقه العنبر العرف

***

(1) مرت ترجمته في ص 436 ج 1.

(2)

الضبارم: كعلابط الاسد والرجل الحريء على الاعداء. والرغف: جمع رغيف.

ص: 437