المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ابن سيد الناس اليعمري - العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم - الكتاب

[ابن عبد الهادي]

فهرس الكتاب

- ‌ ابن الزَّمْلَكاني

- ‌ ابن سيِّد الناس اليَعْمَري

- ‌ شجاعته وجهاده وإقدامه

- ‌[مصنفات الشيخ

- ‌[مناظرة في الحمد والشكر مع ابن المرحِّل]

- ‌بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة رحمه الله وبين ابن المُرَحِّل

- ‌[عودة إلى ترجمة شيخ الإسلام]

- ‌[كتاب الشيخ في حادثة غزو التتار لبلاد الشام]

- ‌فصل

- ‌[مناظرة الشيخ مع الأحمدية]

- ‌[ملخص محنة الشيخ بسبب الحموية وما جرى له في مصر]

- ‌فصَّل محنة الشيخ بسبب «الحموية»]

- ‌[مجالس المناظرة في العقيدة]

- ‌فصل

- ‌[كتاب باستدعاء الشيخ إلى مصر]

- ‌[الأمير ابن مهنا وإخراج الشيخ من الجبّ]

- ‌[كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها]

- ‌[كتاب الشيخ إلى أخيه لأمه بدر الدين]

- ‌[كتاب آخر للشيخ بعثه من مصر إلى دمشق]

- ‌[سجن الشيخ بالإسكندرية]

- ‌[كتاب شرف الدين ابن تيميّة إلى أخيه لأمه بدر الدين]

- ‌[إحضار الشيخ إلى القاهرة ولقاؤه بالملك الناصر]

- ‌[عفو شيخ الإسلام عمن ظلمه]

- ‌[كتاب الشيخ إلى أصحابه وأقاربه بدمشق]

- ‌[قيام جماعة على أذية الشيخ وعفوه عنهم]

- ‌[أذيّة أخرى للشيخ]

- ‌[عودة الشيخ إلى الشام]

- ‌[مسألة الحَلِف بالطلاق، وما جرى للشيخ فيها من فصول]

- ‌[الكلام في مسألة شدّ الرّحال وما وقع للشيخ من فصول]

- ‌[عدّة أجوبة لعلماء بغداد انتصارًا للشيخ]

- ‌من الجنائز العظيمة في الإسلام:

- ‌ قصيدة لرجل جُنديّ من أهل مصر

- ‌مراثي ومدائح شيخ الإسلاممن نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل

الفصل: ‌ ابن سيد الناس اليعمري

وقال

(1)

الحافظ فتح الدّين أبو الفتح

(2)

‌ ابن سيِّد الناس اليَعْمَري

المصري

(3)

ــ بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ جمال الدين أبي الحجَّاج المِزِّي ــ: وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام

(4)

ابن تيميَّة، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلَّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب عِلْمِه وذو روايته

(5)

، أو حاضر بالنِّحَل والمِلَل لم يُرَ

(6)

أوسع من نِحْلَته في ذلك ولا أرفع من درايته. بَرَّز في كلّ فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تر عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينُه مثلَ نفسه. كان يتكلَّم في التفسير فيحضر مجلسَه الجمُّ الغفير، ويَرِدون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبَّ إليه من أهل بلده داءُ الحَسَد، وأكبّ

(7)

أهلُ النظر منهم على ما يُنْتَقد عليه

(8)

من أمور المُعْتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوّقوا لتبديعه

(1)

(ف، ك): «وقال الشيخ

».

(2)

«أبو الفتح» ليست في (ب).

(3)

في كتاب «أجوبة ابن سيد الناس على سؤالات ابن أيبك الدمياطي» : (2/ 221 - 224). وانظر «الجامع» (ص 188 - 190).

(4)

«بن عبد السلام» سقطت من (ب).

(5)

(ف): «رايته» .

(6)

(ب، ف، ك): «تر» .

(7)

(ب): «وألب» .

(8)

بعدها كلمة غير واضحة في (ف) وفي (ك) بياض بمقدار كلمة ثم «حنبليته» .

ص: 16

سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقتهم وفَرَّق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم وقاطعوه.

ثم نازعَ طائفةً أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذَكَر لها على ما زعم بوائق، فآضت

(1)

إلى الطائفة الأولى من مُنازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن

(2)

عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأَعْمَل كلٌّ منهم في كُفره فِكْره

(3)

، فكتبوا

(4)

محاضر، وألَّبوا الرُّويبضة للسعي بها بين الأكابر، وَسَعوا في نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية، فنُقِل وأُودِعَ السجن ساعةَ حضوره واعْتُقِل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قومًا من عُمَّار الزوايا

(5)

وسُكَّان المدارس؛ من مُجامل

(6)

في المنازعة مخاتل بالمخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، وربُّك يعلم ما تُكِنّ صدورهم وما يعلنون

(7)

. وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل.

(1)

(ب): «فأفضت» . آض أي: صار.

(2)

(ف، ك): «الظعن» .

(3)

الأصل: «في كفرةً فكفره» تحريف.

(4)

(ب): «فرتبوا» .

(5)

(ف) زيادة في: «سكان الزوايا» .

(6)

الأصل، و (ك):«محامل» .

(7)

اقتباس من الآية 69 سورة القصص.

ص: 17

وقد دَبَّت إليه عقاربُ مكره، فردَّ الله كيد كلٍّ في نحره، فنجَّاه

(1)

على يد من اصطفاه، والله غالب على أمره.

ثم لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلّا إلى محنة، إلى أن فُوِّض أمرُه لبعض القضاة فتقلّد ما تقلَّد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه

(2)

ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله تُرْجَع الأمور، وهو المطَّلع على خائنة الأعين وما تُخْفي الصدور.

وكان يومه مشهودًا؛ ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها

(3)

المسلمون [ق 6] من كلِّ فجٍّ عميق، يتبرّكون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسَّكون بشَرْجَعِه

(4)

حتى كسروا تلك الأعواد، وذلك في ليلة العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق المحروسة.

وكان مولده بحرّان في عاشر شهر

(5)

ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة رحمه الله تعالى

(6)

.

ثم قال: قرأت على الشيخ الإمام، حامل راية العلوم، ومُدْرِك غاية الفهوم، تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن

(1)

(ب، ف، ك): «ونجاه» .

(2)

(ف): «بمجلسه» .

(3)

(ف): «وانتحابه» .

(4)

الشرجع: السرير الذي يُحمل عليه الميت. «لسان العرب» (8/ 179).

(5)

«شهر» ليست في (ب، ف، ك).

(6)

(ف، ك، ب): «رحمه الله وإيانا» .

ص: 18

تيميَّة رحمه الله بالقاهرة ــ قدم علينا ــ قلت له: أخبركم الشيخ الإمام زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، ثم ذكر حديثًا من «جزء ابن عرفة»

(1)

.

وقال الشيخ عَلَم الدين البِرْزالي في «معجم شيوخه»

(2)

:

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله

(3)

ابن أبي القاسم بن محمد ابن تيميَّة الحراني، الشيخ تقي الدين أبو العباس، الإمام المُجْمع على فضله ونُبْله

(4)

ودينه، قرأ القرآن

(5)

وبرع فيه، والعربية والأصول، ومَهَر في عِلْمَي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يُلْحَق غبارُه في كلّ شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين.

وكان إذا ذَكَر

(6)

التفسير أبْهَتَ الناسَ من كثرة محفوظه وحُسْن إيراده،

(1)

من قوله: «ثم قال .... » إلى هنا سقط من (ب).

(2)

نقل هذا النص أيضًا من «معجم شيوخ البرزالي» ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص 218). وهذا المعجم خَرَّجه البرزالي لنفسه وذكر فيه ثلاثة آلاف شيخ: ألفان بالسماع وألف بالإجازة.

وقد أنشد فيه الذهبي:

إن رمتَ تفتيش الخزائن كلها

وظهور أجزاء حوت وعوالي

ونعوت أشياخ الوجود وما رووا

طالع أو اسمع معجم البرزالي

انظر «الدرر الكامنة» : (3/ 237)، و «الرد الوافر» (ص 217).

(3)

«بن عبد الله» سقط من (ب).

(4)

(ك): «ذبله» تحريف.

(5)

(ف، ك): «قرأ الفقه» .

(6)

(ف): «ذاكر» .

ص: 19

وإعطائه كلَّ قولٍ ما يستحقّه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كلِّ علم. كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزّهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى، والتجرّد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى.

وكان يجلس في صبيحة كلِّ جمعة على الناس يُفَسِّر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه، وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصدق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، وأنابَ إلى الله خلقٌ كثير. وجرى على طريقة

(1)

واحدة من اختيار الفقر والتقلُّل

(2)

من الدنيا، وردّ ما يُفْتَح به عليه.

وقال في موضع آخر: كان قد نظم شيئًا يسيرًا في صغره وكتبت عنه إذ ذاك، ثم إنه ترك ذلك وأعرض عنه.

وسُئل عن مسألةِ القَدَر بنظمٍ، فأجاب فيها بنظم

(3)

،

وقد قُرئ عليه وسُمِع منه.

وحلّ لُغز الرّشيد الفارقيّ بأبيات تشتمل على نحو مائة بيت على وزن اللغز، وذلك في حياة والده رحمه الله تعالى، وله نحو العشرين من العمر،

(1)

(ف، ك): «طريق» .

(2)

(ف): «والتقليل» .

(3)

يعني الأبيات التي نُظِمت على لسان ذمّي في إنكار القدر، ومطلعها:

أيا علماء الدين ذِمّي دينكم

تحيَّر دلّوه بأعظم حجة

وهي في «مجموع الفتاوى» : (8/ 245 ــ 255). وقد سأل شيخَ الإسلام عيسى بن إبراهيم الماردي الشاعر سؤالًا منظومًا في القدر في عدة أبيات، فأجاب عنه الشيخ نثرًا. انظر «مجموع الفتاوى»:(8/ 448 ــ 516)، و «الدرر الكامنة»:(3/ 200 ــ 201).

ص: 20

وكان حَلُّه له

(1)

في

(2)

أسرع وقت.

قلت: هذا اللغز الذي أشار إليه الشيخ عَلَم الدين نظمه الشيخ الإمام العلامة رشيدُ الدين أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي

(3)

في اسمٍ أَلْغَزَه، بوصف أَبْرَزه، في لفظٍ أوجزه، لفهمٍ أَعْجَزه، وهي هذه

(4)

:

ما اسمٌ ثلاثيّ الحروف فثُلْثه

مِثلٌ له والثلث ضِعْف جميعه

والثلث الآخر جوهرٌ حلَّت به الـ

أعراض جمعًا فاعجبوا لبديعه

وهو المثلَّث جذرُه مثلٌ له

وإذا يربَّع بان في تربيعه

(1)

«له» سقطعت من (ك).

(2)

من هنا إلى قوله (ص 23): «ابن عبد السلام» ساقط من (ق).

(3)

(ت 689). ترجمته في «تاريخ الإسلام» : (وفيات 689، ص/376 - 381) للذهبي، و «الوافي بالوفيات»:(22/ 129 - 131) للصفدي. وقد ذكر الصفدي هذا اللغز ــ ووصفه بالمشهور ــ بتمامه، وأشار إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد حلَّه في «عِلْم» بنحو مئة بيت وذكر أن أولها قوله:

بغزيرِ علمٍ وامتنانٍ واسعٍ

ألغزتَ (علمًا) في فنون وسيعه

وهذا البيت هو السابع في جواب شيخ الإسلام الذي ذكره المصنف هنا.

وأشار الصفدي إلى اللغز أيضًا باختصار في «أعيان العصر» : (1/ 246).

أقول: وللعلامة ابن الخشّاب النحوي (ت 567) قصيدة تُعرف بـ «القصيدة البديعة الجامعة لأشتات الفضائل» وهي نحو 112 بيتًا فيها مسائل زعموا أن أحدًا من أرباب العلوم لم يستطع الإجابة عنها. قال ناقلها: إن شيخ الإسلام ابن تيمية وقف عليها وقال: يمكن الإجابة عما فيها من المسائل لكن ليس لي فراغ للإجابة عنها. انظر حاشية أستاذنا العلامة عبد الرحمن العثيمين على «المقصد الأرشد» : (2/ 10 ــ 14) فقد أورد نماذج منها، وعنه استفدنا هذه الفائدة.

(4)

«وهي هذه» ليست في (ف، ك)، وفي (ب) بدلًا منها:«فقال» .

ص: 21

جزء من الفلك العليّ وإنما

باقيه خوفٌ أو أمان

(1)

مروعه

حيٌّ جمادٌ ساكن متحرِّك

إن كنتَ ذا نظر إلى تنويعه

وتراه مع خُمْسيه علة كونه

معلوله سرًّا لغير

(2)

مذيعه

وبغير خمسيه بغير النحو مو

جودٌ ومحمول على موضوعه

وبحاله فعل مضى مستقبلًا

حُمِدت صناعته بحمد

(3)

صنيعه

[ق 7] قيدٌ لمطْلَقِه

(4)

خصوص عمومه

زيدٌ لمفرده على مجموعه

شيء مقيم في الرَّحيل وممكن

كالمستحيل بطيئه كسريعه

وأهمّ ما في الشرع والدين اسمه

ومضافه بأصوله وفروعه

ودقيق معناه الجليل مناسبٌ

علم الخليل وليس من تقطيعه

وإذا عروضيٌّ تطلَّب حلَّه

ألفاه في المفروق أو مجموعه

وإذا ترصِّعه بدرِّ

(5)

فريدة

عِقْدًا يَزِين الدّرَّ في ترصيعه

للمنطقيّ وللحكيم نتاجه

وعلاجه بذهابه ورجوعه

وله شِعارٌ أشعريٌّ واعتقا

دٌ حنبليٌّ فاعجبوا لوقوعه

وتمامُه في قول شاعر كندة:

ما حافظ للعهد مثل مُضِيعه

يُرويك في ظمأٍ ندى بوروده

ويريك في ظُلمٍ هُدًى بطلوعه

(1)

تحتمل في (ك): «أبان» .

(2)

(ك): «بغير» .

(3)

(ك): «لحمد» .

(4)

(ف): «لمطلع» .

(5)

ضبطها في الأصل: «بدُرٍّ» ويمكن أن يضبط هذا الشطر «وإذا يرصّعه بدرِّ فريده .. » .

ص: 22

ولقد حللتُ اللغزَ إجمالًا وفي

تفصيله تفصيل روض ربيعه

فاسْتَجْل بكرًا من وليٍّ بالحُلى

تُهدى لكُفء الفضل بين رُبوعه

فأجاب العبد الفقير إلى ربه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة حلًّا لمعضله، وفصلًا لمجمله، وفتحًا لمقفله، وشرحًا لمشكله:

يا عالمًا قد فاق أهلَ زمانه

بفنونه وبيانه وبديعه

وغدا لأعلام العلوم منارَهم

يَهدي الُهداةَ إلى منار ربوعه

وأجاد نظمًا عقد جيد عقيلةٍ

من درِّ بحر العلم في ترصيعه

وجلا

(1)

المعارف في عوارف لفظه

(2)

أخذًا لعَرْف

(3)

العلم من ينبوعه

وأبان عما قد حوى من كلّ فنـ

ـن قد أحاط بأصله وفروعه

ببيانه السِّحرِ الحلال ولفظه الـ

ـعذب الزُّلال ولفظ

(4)

حُسْن صنيعه

ج

بغزير علمٍ وافتنانٍ واسع

ألغزتَ (علمًا) في فنون وسِيعه

حلّيته بدقيق وصفٍ صُنته

بجليل لفظٍ ناءَ عن موضوعه

ووصفته بِحُلى العلوم وأهلها

ونعتَّه بضروبه وضروعه

(5)

وجمعتَ في أوصافه الأضدادَ حَتْـ

ـتَى استيأسَ الطلَّاب من تتبيعه

والعبدُ لمّا أن تأمّل نظمَكم

بنظامه أُلقِيْ له في رُوعه

(1)

الأصل: «وحكى» ، والمثبت من (ب، ق، ك)، و (ف):«وأجلى» .

(2)

(ب، ق): «فضله» .

(3)

(ق): «لغرف» .

(4)

(ب، ق): «ولطف» .

(5)

(ق): «وصروعه» بالمهملة. وضروعه: أي وأشباهه.

ص: 23

أن الذي ألْغَزْتُمُ «عِلْم» ولمـ

ـا يجعل المظنون من مقطوعه

لكنه أمسى يُحلّيه بما

حلَّيتمُ

(1)

ويغوص في توقيعه

حتى تجلَّى الحقُّ من ظَلْمائه

(2)

في ليلةٍ من قبل وقت هُجُوعه

فإذا الذي قد عنَّ أول مرةٍ

حقٌّ تبلَّجَ فجره بطلوعه

ورأيتُ فيه الوصف إما باديًا

أو خافيًا معناه في مسموعه

لدقيق مغزاه ولطف إشارة

فيه

(3)

وبُعد حُلاه عن موضوعه

فغدوتُ أكشفُ عنه كشفًا موجزًا

بإشارةٍ تهدي لشَطْر بقيعه

فاسمع لحلِّ حُلاه في تفصيله

واشهد بقلبٍ مقبلٍ بهطوعه

«العلم» لفظ ذو ثلاثة أحرف

وهجاء كلٍّ مثل ما مجموعه

فإذا يكون مركبًا من تسعة

جذرًا لها فانظر إلى تربيعه

ومربعًا ساواه جذر حسابه

ومثلّثًا بحدوده وضلوعه

ويكون أثلاثًا فثلثٌ مثلُه

هو لامه إن خُضْت في توزيعه

والميمُ في الجمل الكبير حسابه

هو أربعون بقول أهل ربيعه

والميم

(4)

في الجمل الصغير حسابه

عشرون هذا الثلث ضعف جميعه

والثلثُ عينٌ عينُ كلٍّ ذاته

هو جوهرٌ والوصفُ في موضوعه

إذ كانت الأعيانُ قائمةً بها الـ

أعراض جمعًا فافطنوا لجموعه

(1)

(ك): «حليته» .

(2)

(ف): «ظلماته» .

(3)

سقطت من (ك).

(4)

جميع الأصول «والعلم» . والمثبت هو الصواب.

ص: 24

حكمٌ يخصُّ العين حرفًا واحدًا

من بين جنس الحرف في تنويعه

[ق 8] هو تسعةٌ في أصله والعالم العُلْـ

ـوي منه تسعة برقيعه

العرش والكرسيّ والسبع السمـ

ـوات الطّباق فالاسم جزء رفيعه

من عالم الملكوت أعني الغيب إذ

عنه كنَى لعلوِّ شأن ضليعه

(1)

لم يبق إلا جنةٌ أو جاحِمٌ

فيه المخافة أو أمان مروعه

بالعلم يُحيي الله قلبًا ميتًا

يسري كنورٍ ضاء حين سُطوعه

فلأنَّه يحيى اسمه حيٌّ

(2)

إذ الـ

أحياءُ فرعُ حياة ربّ صنيعه

ولأنه يسري اسمه متحرّك

لوحًا تنقّله بذهن قريعه

ذا الوصفُ عقليّ وفي حِسّيه

هو جامد هو ساكن بربوعه

إذ كان نوع العلم معنى جنسه

عَرَض يقوم بمستوى موضوعه

والحيُّ والمتحرّك الوصفان يخـ

ـتصَّان شخصًا جوهرًا ببقيعه

إذ كان في المحسوس ليس بقائم

عرضٌ بآخر مثله وتبيعه

أما إذا ما جُرّد المعقول فالـ

ـوصفان في المعنى له بربيعه

ثلثاه حرفا العين والميم هما

في اللفظ من عدم وفي تنويعه

وإذا جمعتَ حسابه في أكبر

(3)

وأضفت خمسيه إلى مجموعه

(1)

كذا بجميع النسخ.

(2)

(ف): «حتى» .

(3)

(ف، ك): «أكثر» ، وكتب فوقها في (ك): لعله، وفي هامشها:«لعله: أكبر» . وهي غير محررة في (ق).

ص: 25

فمربعًا يُضحي ويُضحي

(1)

جذره

مع أربع عشرًا لدى

(2)

تربيعه

فالجذر عِلّته ومعلول له

من حيث ما هو علة لوقوعه

فالجذر معلول لجذرٍ كائن

معلوله فافهم مدار رجيعه

فلكونه معلولَ معلولٍ

(3)

له

قد صار معلولًا له برجوعه

ويقول إن العلم

(4)

منه النحو هـ

ـذا إن تُرِد حملًا على موضوعه

فإذًا يكون الضمّ علة كون هـ

ـذا الجمع علةَ نفسه وجميعه

وبغير خُمْسيه يعود لأصله

علمًا وعلم النحو بعضُ فروعه

وإذا اعتبرتَ حروفه ألفيته

فعلًا مضى لغةً وفي موضوعه

(5)

حكمٌ على المستقبلات وغيرها

لعمومه متعلّقًا وذيوعه

إذ من خصائصه تعلُّقه بكُلْ

ـلِ محقق معَ سَبْقه لوقوعه

أكْرِم به أمرًا عظيمًا نفعُه

حُمِدت صناعته بحمد صنيعه

والفعل فيه مصدرٌ وزمانه

وضعًا وملزومٌ لربّ صنيعه

(6)

فلذاك كان مقيدًا ومخصّصًا

لعموم جنس العلم في تنويعه

هو مفردٌ

(7)

نوعٌ حوى أشخاصه

فإذا تركَّبَ خُصّ في تجميعه

(1)

(ق): «يصحي» .

(2)

ما عدا الأصل: «لذي» .

(3)

(ف): «معلولًا» ، (ق):«معلولٌ» .

(4)

(ب، ق): «ونقول

»، (ك): «ويقول

»، (ف): «ويقولو أهل

».

(5)

الأبيات الثلاثة سقطت من (ف).

(6)

البيت ساقط من (ف).

(7)

(ب، ق، ف): «مفردًا» .

ص: 26

فيصحُّ حينئذٍ مقالة قائل

قد زاد مُفرده على مجموعه

هو ثابتٌ في كلّ حال ممكن

ذو عِزّة صعب على مُسْطيعه

حتى يُنال فيَحْمَد القومُ السُّرى

وإذًا يقال: بطيئه كسريعه

فالبُطْءُ والإسراع ليس بنفسه

بل في الطريق وفي اقتناص منيعه

والعلمُ بالرحمن أول واجبٍ

(1)

وأهمُّ فرض الله في مشروعه

وأخو الديانة طالبٌ لمزيده

أبدًا ولمّا ينهه بقطوعه

والمرء فاقته إليه أشدّ من

فقر الغذاء لعِلْم حُكم صنيعه

في كلِّ وقتٍ، والطعام فإنما

يحتاجه في وقت شِدَّةِ جوعه

وهو السبيل إلى المحاسن كلِّها

والصالحات فسوأة لمضيعه

وإليه يُسْنَد كلُّ فنٍّ نافع

بل فارع بأصوله وفروعه

لجلالة المعلوم واللطف

(2)

الذي

للعلم كان مناسبًا لبديعه

فالعلم ميزانُ الحقائق والعرو

ض كذاك

(3)

ميزان لدى تقطيعه

والاسم بالتحريك

(4)

من مفروقه

والفعل بالتسكين من مجموعه

[ق 9] هو واسطٌ

(5)

عِقْد الفضائل كلّها

وبه يُزان الحَلْي في ترصيعه

(1)

(ف، ك): «صاحب» .

(2)

(ف): «واللفظ» .

(3)

(ك): «وكذاك» .

(4)

كذا في الأصول. وبهامش الأصل: «صوابه: بالتسكين» . أقول: وكذلك في الشطر الثاني «والعقل بالتحريك» . ولعل مراد المؤلف أن اسم «عِلْمَ» (وتد مفروق)، أي متحرك بينهما ساكن. والفعل عَلِمَ (وتد مجموع) متحركان ثم ساكن أو متحرك.

(5)

(ف): «واسطة» .

ص: 27

وعلاجه بالجدِّ في تحصيله

بمقدمات نتاجه وينوعه

ولكلّ قومٍ منه حظٌّ وافر

وحقائق التوحيد

(1)

في مشروعه

بشعائر لمشاعر وقواعدٍ

لعقائد المعقول في مسموعه

وجميعُه متفرِّق في قوله:

ما حافظ للعهد مثل مُضِيعه

فلِعَينه وللامه ولميمه

من ذا الكلام الحظ في تبضيعه

(2)

يُرْوي بماء حياته في وِرْده

ظمآن تحقيق إلى ينبوعه

ويُري بنور هداه في تبيينه

حَيران تدقيق طلوع سطيعه

كطلوعه لمّا أبان بنوره

قصدَ السبيل لحلّ عقد بديعه

جلّى المُجلّى بَعْد بُعْد بُدُوِّه

مع فتح مُقْفله وقرب شَسوعه

(3)

وأبان مجملَه وفصَّل عِقْدَه

ولروضِه الأُنف ارتعى برتوعه

وجَلَى

(4)

جمال البكر في حَلْي الحلى

فافتضَّها كُفء ثَوَت بربوعه

فخُذ الجوابَ مخلَّصًا فيه اللبا

بُ مُلخّصًا في نظمه لسميعه

مع أنّ نظم الشعر غير مُحصِّل

لكمال مغزاه

(5)

وشرح جميعه

من خاطرٍ مستعجل مستوفزٍ

لم يُنْعِم

(6)

التفكير في مرجوعه

(1)

بقية النسخ: «التحقيق» .

(2)

البيت ليس في الأصل.

(3)

الأصل: «شيوعه» ، (ف):«هسوعه» ، (ك): «مع قرب

مسوعه». ولعله ما أثبت أي: بعيده.

(4)

(ك): «وحلى» بالمهملة.

(5)

(ك): «معزاه» .

(6)

(ب، ق، ك): «يمعن» .

ص: 28

لم يجعل التحليل من مقصوده

(1)

كلَّا ولا الفضلات من مصنوعه

إذ كان مخلوقًا لأكبر غايةٍ

دار القرار جميله وقطيعه

وعليه من أمر الإله ونهيه

ما يلفت المعقول عن تضييعه

لكنه لا بدّ للمصدور من

نفثٍ يُريح فؤادَه بنخوعه

مع أنه مُزْجى البضاعة نظمُه

غِرّ بحكم اللفظ في تسجيعه

(2)

عبدٌ ذليل عاجز مُتضعِّف

في حال مبداه وحال رجوعه

لكنه لما استعان بربِّه

ثم استكان له بذلِّ خضوعه

فأعانه يُسْر الجواب فإن يكن

حقًّا بوفق

(3)

الوصف في توقيعه

فالحمد والفضل العظيم لربنا

شكرًا على محمود حُسْن صنيعه

إذْ ما بِنا من نعمة فَبِمنِّه

والخير منه جميعه بهموعه

أو إن يكن خطأً فمني حيث إن

لم أستطع متناولًا لرفيعه

فالنقصُ للإنسان وصفٌ لازم

إنْ كان يعرفُ نفسَه بنخوعه

والحمد لله الرحيم بخلقه الـ

ـبرّ الودود بعبده ومُطيعه

ومُيسّر الخَطْب العسير بلطفه

من بعد منعته وبعد منيعه

ثم الصلاةُ على النبيّ وآله

والمُصْطَفَين من الأنام جميعه

وعليهم التسليم منّا دائمًا

ما اهتزَّ وجه الأرض بعد خُشُوعه

(1)

(ك): «مصنوعه» .

(2)

(ق، ب): «تشجيعه» .

(3)

(ك): «برفق» .

ص: 29

فلما وقفَ الشيخ رشيد الدين

(1)

على هذا الجواب كتب إلى منُشئه الشيخ تقي الدين

(2)

:

أحْسَنَ في حلّ المسمَّى وما

سمّى ولكن جاء بالمِثْل

(3)

وجاوز الجوزاء بالنطق والشْـ

ـشِعْرَى بشعرٍ رائقٍ جَزْل

جَلَّت معانيه فشكري

(4)

له

مُصَحّف والحلّ كالحلّ

أحمدُ وزنُ الفعل فيه وفي التْـ

ـتَقيِّ وزنُ القول والفعل

كأنما أحرفه مُثِّلت

(5)

تُمْلي عليه وهو يستملي

ج

وحُقّ بالفخر فتًى

(6)

جدُّه الـ

مجد وقد بورك في النَّسْل

فسهَّل الله لمن في اسمه الـ

ـعدل مكافاة

(7)

على الفضل

فنظر والد الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة بعد ذلك في اللُّغز

(8)

، وحلَّه في لفظة أخرى، ونَظَم في ذلك قصيدة، فكتب إليه الشيخ رشيد الدين جوابًا لها:

[ق 10] ماثَلَ

(9)

لُغزي ولم يُسم به

مَنْ لم يماثَل في الفَضْل والأدب

(1)

(ك): «رشيد» .

(2)

بعده في (ف، ك): «ابن تيمية رضي الله عنه» .

(3)

(ف): «

في المسمى .. ولكن جاد

».

(4)

(ف، ك): «فشكرًا» .

(5)

(ب، ف): «مثلث» .

(6)

(ف): «وحق بفتى» .

(7)

(ك): «مكافآت» .

(8)

الأصل: «اللفظ» ، والمثبت من النسخ، وفي (ف):«ذلك اللغز» .

(9)

(ف، ك): «ما مثل» .

ص: 30

بخاطرٍ حاضرٍ

(1)

يضيء ولا

يُنكر ضوءٌ لواحدِ

(2)

الشُّهُب

شيخُ شيوخ الإسلام قاطبةً

مفتي الفريقين حُجّة العَرَب

شنَّف سمعي بالدُّرّ من كلِمٍ

تُرْوَى فتُرْوي

(3)

بالدّر من سحب

حلًّا كحلٍّ فنشوتي نشأت

من ضرب مثلٍ أحلى من الضَّرَب

وكان لغزي من فضّةٍ فعلا

سِعرًا

(4)

وشعرًا وصار من ذهب

فالفخر للمجد بالشّهاب وللشـ

ـهاب بالمجد ذروة النسب

ذروةٌ والعنان

(5)

يحسبها

ذُرّية للشروق في الحَسَب

(6)

وإن تعفَّت رسومُ بلدته

وهي خيار البلاد والتُّرَب

فبلدة الأفق حلّها عوضًا

عنها بفضل يسمو على الرُّتَب

(7)

وإن قلبي أضحى له وطنًا

وفيه أُنْسٌ لكلِّ مغترب

(8)

هذا ثنائي مع الخمول وإن

نُبِّهَ حظّى

(9)

أربى على الأرب

وعِشْ طويلًا مكمّلًا أدبًا

بسيط فضلٍ ناءٍ ومقترب

(1)

سقطت من (ف).

(2)

(ب، ق): «لواجد» .

(3)

الأصل: «فتردى» ، (ف):«ترى» ، (ك):«فترى» .

(4)

(ف، ك): «فعلى شعرًا» .

(5)

(ق، ب): «ذرية والعيان» .

(6)

(ف، ك): «السحب» .

(7)

(ك): «الترب» .

(8)

(ق، ب): «مقترب» .

(9)

الأصل: «نية» ، و (ق، ب، ك): «نبه خطي» .

ص: 31

وقال الشيخ علمُ الدين: رأيت في إجازة لابن الشَّهْرزوري

(1)

الموصلي خطَّ الشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة، وقد كتب تحته

(2)

الشيخُ شمسُ الدين الذهبي: هذا خطّ شيخنا الإمام العلّامة

(3)

، شيخ الإسلام، فَرْد الزّمان، بحر

(4)

العلوم، تقي الدين. مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقرأ القرآن والفقه، وناظر واستدلّ وهو دون البلوغ، وبرع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة

(5)

.

وصنَّف التصانيف، وصار من كبار

(6)

العلماء في حياة شيوخه، وله من

(7)

المُصنَّفات الكبار التي سارت بها الرُّكبان، ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرَّاس وأكثر

(8)

.

وفسَّر كتابَ الله تعالى مُدَّة سنين من صدره أيام الجُمَع، وكان يتوقَّد ذكاءً،

(1)

(ف): «الشهروي» تحريف. وهو: محمد بن عبد القاهر بن عبد الرحمن محيي الدين الشيباني الشهرزوري الموصلي الشافعي (ت 778). ترجمته في «الوافي» : (3/ 225 - 227)، و «الدرر الكامنة»:(4/ 21)، و «إنباء الغمر»:(1/ 220). وقد نقل هذا الثناء أيضًا ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص 69).

(2)

سقطت من (ف).

(3)

من الأصل فقط.

(4)

(ف): «محيي» .

(5)

«سنة» ليست في (ب، ق).

(6)

(ب، ق، والرد): «أكابر» .

(7)

«من» ليست في (ب، ق، والرد).

(8)

«وأكثر» ليست في (ب، ق).

ص: 32