المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مراثي ومدائح شيخ الإسلاممن نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل - العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم - الكتاب

[ابن عبد الهادي]

فهرس الكتاب

- ‌ ابن الزَّمْلَكاني

- ‌ ابن سيِّد الناس اليَعْمَري

- ‌ شجاعته وجهاده وإقدامه

- ‌[مصنفات الشيخ

- ‌[مناظرة في الحمد والشكر مع ابن المرحِّل]

- ‌بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة رحمه الله وبين ابن المُرَحِّل

- ‌[عودة إلى ترجمة شيخ الإسلام]

- ‌[كتاب الشيخ في حادثة غزو التتار لبلاد الشام]

- ‌فصل

- ‌[مناظرة الشيخ مع الأحمدية]

- ‌[ملخص محنة الشيخ بسبب الحموية وما جرى له في مصر]

- ‌فصَّل محنة الشيخ بسبب «الحموية»]

- ‌[مجالس المناظرة في العقيدة]

- ‌فصل

- ‌[كتاب باستدعاء الشيخ إلى مصر]

- ‌[الأمير ابن مهنا وإخراج الشيخ من الجبّ]

- ‌[كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها]

- ‌[كتاب الشيخ إلى أخيه لأمه بدر الدين]

- ‌[كتاب آخر للشيخ بعثه من مصر إلى دمشق]

- ‌[سجن الشيخ بالإسكندرية]

- ‌[كتاب شرف الدين ابن تيميّة إلى أخيه لأمه بدر الدين]

- ‌[إحضار الشيخ إلى القاهرة ولقاؤه بالملك الناصر]

- ‌[عفو شيخ الإسلام عمن ظلمه]

- ‌[كتاب الشيخ إلى أصحابه وأقاربه بدمشق]

- ‌[قيام جماعة على أذية الشيخ وعفوه عنهم]

- ‌[أذيّة أخرى للشيخ]

- ‌[عودة الشيخ إلى الشام]

- ‌[مسألة الحَلِف بالطلاق، وما جرى للشيخ فيها من فصول]

- ‌[الكلام في مسألة شدّ الرّحال وما وقع للشيخ من فصول]

- ‌[عدّة أجوبة لعلماء بغداد انتصارًا للشيخ]

- ‌من الجنائز العظيمة في الإسلام:

- ‌ قصيدة لرجل جُنديّ من أهل مصر

- ‌مراثي ومدائح شيخ الإسلاممن نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل

الفصل: ‌مراثي ومدائح شيخ الإسلاممن نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل

‌مراثي ومدائح شيخ الإسلام

من نسخ الكتاب مما ليس في نسخة الأصل

ص: 545

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

قال الشيخ الفقيه أمين الدين عبد الوهاب بن سلّار الشافعي

(2)

رضي الله عنه يرثي الشيخ تقي الدين الإمام أحمد ابن تيمية:

كلُّ حيّ له الممات ورودُ

ليس في [ذي] الدُّنا لمرءٍ خلود

كلّ خِلٍّ مفارق لخليل

كلّ وصل إلى انفصالٍ

(3)

يعود

ليس يبقى إلا إلاه البرايا

دائم الملك والبقا، لا يبيد

عينُ سحِّي بمدمعٍ ليس يرقا

وسهادٍ دائمْ والاجفانُ جُودُ

(4)

يالجرح بمهجتي، ليس يبرى

أو يجودوا بطيفهم، أو يعودوا

هل لما بي من مسعدٍ أو معين

عزَّ صبري، وفَرْط حُزْني يزيد

ويْكَ نفسي، تعاملي باصطبارٍ

فالذي قد قضى بهذا مُريد

قد رُزئنا إمامَ عِلْم ودين

عَدِمَ المثل في الزمان فريد

يالحُزْن عليه، عمَّ البرايا

يا لنارٍ لها بقلبي وقود

كان شيخَ الإسلام عقلًا ونقلًا

سَنن البِدْع عنده

(5)

مردود

كان في العلم والشجاعة فذًّا

وهو في الزّهد والعفاف يسود

(1)

البسملة من (ك).

(2)

هو: عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم بن السلام أبو محمد الإمام المقرئ (ت 782). ذكر قصيدته هذه ابن ناصر الدين. انظر «انباء الغمر» : (2/ 29)، و «الرد الوافر» (ص 195).

(3)

(ف): «الفصال» .

(4)

البيت في (ف، ك): «دائمًا وأجفان جود» محرف، ولعله ما أثبت.

(5)

في «الرد الوافر» : «باب ذي البدع

».

ص: 547

كان بالعرف آمرًا، لا لحظٍّ

(1)

وعن النُّكر للعباد يذود

كان لله ذاكرًا كلَّ وقتٍ

وعن اللهو والضلال بعيد

مات لله صابرًا وسط سجن

يوم الاثنين، سِرُّه مشهود

وتولاه الأبرار غسلًا ودفنًا

أبيض الوجه، في الثرى ملحود

حين وافى على الرؤوس مُسَجًّى

والبرايا من كلّ حيّ وُفُود

صِحْتُ من فَرْط ما بدا لي: مهلًا

لك في جنة الخلودِ خلود

يا لها من رَزِيَّةٍ طاش فيها

كلّ لبّ وتقشَعِرّ الجلود

يا ابن تيميّة، عليكَ سلامي

كلّ وقت يمضي، ووقت يعود

يا ابن عبد الحليم، حِلْمك يسمو

يا ابن عبد السلام، سلمك جود

يا إمام العلوم، مَن للفتاوى؟

ولحلّ الإشكال حبر تفيد

(2)

ولفهم الكتاب والنقل بحرٌ

في معانيهما مصيب سديد

يا بشوشًا

(3)

لكلِّ من رام نفعًا

إنَّ من نال من جناك سعيد

كلّ وقتٍ مضى لديك سماعًا

ذاك عند التحقيق عُمْرٌ جديد

ليت شعري، أيامنا باجتماع

بك، هل تَبْدُوَنْ

(4)

لنا أو تعود؟

طبت تربًا، وقُدِّسَتْ منك روحٌ

ومُنِحْت النعيم مهما تريد

والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

(1)

(ك): «للحظ» .

(2)

(ف): «يفيد» . وفي نسخة «خبرًا» كما في هامش (د).

(3)

(ك): «بشوش» .

(4)

(ف، ك): «تبدو» ولعله ما أثبت.

ص: 548

للإمام المحدِّث الفقيه الفاضل تقيّ الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الله بن سالم الجعبري

(1)

مرثاة في شيخ الإسلام تقيّ الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية رحمة الله عليه:

جلَّ رُزئي وقلَّ مني

(2)

اصطباري

يا لقومي من قاصم الأعمار

مَنْ مُعيني على نوائب دهري

ومُلمَّاته، ومَنْ أنصاري؟

قد سقتني الأيامُ جُرعة صبرٍ

عزَّ صبري لها، وبان اصطباري

فدموعي مثل الغمام انسجامًا

ونُواحي في الليل مثل القَماري

يا عَذُولي، أقصِرْ، فإنك خِلْوٌ

من شجوني فلا احترقت بناري

طاب كأسُ المنون صِرفًا أدِرْها

لا كؤوسًا ممزوجة مِن عُقار

لست أبغي الحياةَ بعدُ، ولكن

بُغيتي أن أموت في الأبرار

بعد سبعٍ من المئين وعشريـ

ـن خريفًا من هجرة المختار

مع ثمان للعَقْد عشرون إذ ذاكْ

يوم الاثنين بعد نصف النهار

(3)

مدفن الحَبرِ محرزِ العلم حقًّا

تَرْجُمانِ الكتاب والآثار

أحمدٍ، أحمدِ المناقب والوصـ

ـف ابن تيميّةِ الكريم النِّجار

التقي النقي، ذي المجد والسؤ

دَدِ والمكرُمات، والإيثار

(1)

(ت 745) ترجمته في «أعيان العصر» : (4/ 462)، و «البداية والنهاية»:(18/ 474).

(2)

سقطت من (ف).

(3)

البيت في (ف):

وثامن عشرين قعدة كانت

يوم الاثنين بعد نصف النهارِ

ص: 549

إن يكن جسمه تغيَّب في التُّرْ

ب فمعناه نشرُه كالعَرار

(1)

كان قطبًا، وعالمًا وإمامًا

[كان]

(2)

شيخًا لوحده بالفخار

جابرًا لليتيم، برًّا، رحيمًا

علمه مشرقٌ على الأمصار

لم أجد بعده مُعينًا على الدهـ

ـر معينًا سوى عيون جواري

فنهاري من فَقْده مثل ليلي

بعد ليلٍ بوصله كالنهار

يا ابن تيميّة، ويا أوحدَ العصـ

ـر، ويا سيدًا غريبَ الديار

كنت كالكهف ملجأً لمخيف

من ضلال، وناصرًا

(3)

باقتدار

إن دعوتُ البكاء بعدك والصبـ

ـر أجاب البكا، وولَّى اصطباري

فرجائي إن ينقطع مِن وصال

سوف يبقى حزني مدى الأعمار

كنت حِبًّا للمتقين إمامًا

فَالْقَ ما قد وُعِدْتَ من سَتَّار

غافرِ الذنب قابل التوب ذي الطو

ل، العزيز المهيمن الغفَّار

وعلى نفسك الزكية منِّي

يا منائي ومنتهى أوطاري

كلّ وقت: تحيّة وسَلام

ما أضاءت كواكبُ الأسحار

تمت، والحمد لله وحده.

* * * *

(1)

العرار: نبت طيب الرائحة.

(2)

زيادة لازمة يستقيم بها السياق، وفي النسخ:«وشيخًا» .

(3)

كذا في الأصول «مخيف» ولعلها محرفة عن «مخوف» . و (ف): «وناصر» .

ص: 550

للإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي

(1)

، يجيب صدر الدين ابن الوكيل، في قصيدة هجا بها شيخ الإسلام أحمد ابن تيميّة، وزَعَم أنه لما خرج من دمشق في محنته الأولى مُطِرت السماء:

مَن مبلغٌ عنّي الخبيثَ مقالةً

كالسيف أَقْصَمَ ظهرَه بفرِنْدِه

أزَعَمْت إذ غاب الإمام همى الغما

مُ؟ كذبتَ، بل بكت السماءُ لفقده

أوَ ما ترى شمسَ الضحى في مأتم

والجوّ قد لبس الحداد لبعده

فَلَيَدْخُلَنَّ لأرض مصرٍ آمِنًا

(2)

بسكينةٍ حفَّت به من عنده

ولَيْرجِعَنَّ إلى دمشق مؤيَّدًا

حقًّا، كما عاد الحسامُ لغِمْده

وترى بعينك ما يسؤوك من عُلًا

يفنى الزمانُ، ولا نفادَ لمجده

أظللتَ من حمقٍ به متشبهًا

أين الثعالب في الشَّرَى من أُسْدِه

مَخَضَتْكما أيدي الزمان، فكنت كالز

بد الجفاء، وكان خالص زبده

فاستر معايبَك التي سارت بها الرّ

كبان في غَور الوجود ونجده

فكفاك مقتًا أن تكون محارِبًا

لوليّ ربِّ العالمين وعبده

تمت، وهي عشرة أبيات.

* * * *

(1)

تقدمت ترجمته (ص 452).

(2)

(ك) غير محررة ورسمها «أمامنا» .

ص: 551

للشيخ شمس الدين الذَّهبي مرثية في الشيخ رحمه الله

(1)

:

يا موتُ خذ من أردت، أو فَدَعِ

محوتَ رسمَ العلوم والورع

أخذت شيخ الإسلام وانفصمت

عُرى التُّقَى، واشتفى أولو البدع

غيَّبْت بحرًا مفسِّرًا، جبلًا

حَبرًا، تقيًّا، مجانب الشبع

فإن يُحَدِّث، فمسلمٌ ثقةٌ

وإن يناظر، فصاحبُ اللّمع

وإن يخُضْ نحوَ سيبويه يفُهْ

بكلّ معنًى في الفنّ مخترع

وصار عالي الإسناد حافِظَهُ

كشعبةٍ، أو سعيدٍ الضبعي

والفقه فيه، فكان مجتهدًا

وذا جهاد، عارٍ من الجَزَع

وجوده الحاتميّ مُشتهر

وزهده القادريّ في الطمع

أسكنه الله في الجنان ولا

زال علينا في أجمل الخِلَع

مَعْ مالك، والإمام أحمد، والنْـ

ـنُعمان، والشافعيّ، والنخعي

(2)

مضى ابن تيميّة، وموعده

مَعْ خَصْمه يوم نفخة الفَزَع

تمت، وعدّتها أحد عشر بيتًا.

* * * *

(1)

وهي بتمامها في «الرد الوافر» (ص 73)، و «التبيان لبديعة البيان ــ ضمن الجامع» (ص 494).

(2)

(ك): «والخلعي» ، وكتب في الهامش:«لعله النخعي» .

ص: 552

وقال بعضهم في شيخ الإسلام تقيّ الدين ــ قدَّس الله روحه ــ:

الحمد لله حمدًا دائمًا أبدَا

مباركًا طيِّبًا يستغرق العددا

ثم الصلاة على الهادي وعِتْرته

وصحبه وذويه الصفوة السُّعَدا

بهم وهم خير مأمول وأكرم مَرْ

جُوٍّ وأعظم مقصود لمن قَصَدا

(1)

قد أنجز الله للأبرار ما وُعدوا

من رَفْع نازلة مَسَّت إمام هدى

وأصلح الله ذاتَ البين وانفرجت

شدائدٌ فكَّكت أهوالُها الزردا

وأغمد الله سيفًا كان مُشتهرًا

وأطفأ الله جمرًا كان قد وَقَدا

وألَّف الله ما بين القلوب على التْـ

ـتَقوى، وعرَّفها طُرْق الهدى وهدى

فأصبح الناس في صفوٍ بلا كدَرٍ

من بعدما كان كلٌّ عَيشُه نَكِدا

وَعْدًا على الله حقًّا نصرُ ناصره

كذا عليه به القرآن قد شهدا

ولم تكن محنة، بل منحة جمعت

لُطْفًا خفيًّا، ولطفًا للعيون بدا

فيها بصائر للمستبصرين بها

يُنْبي لمن غاب عنها مَنْ لها شهدا

فداوِموا شكر نُعْمَى كالحيا وكَفَتْ

على الورى وكَفَت كلّ الأنام ردى

فيا لها نعمة عمّت سلامة من

بالروح يُفدى وقلَّت أن تكون فدا

فهو الإمام الذي ما زال عند ذوي الـ

أحكام في سائر الأحكام مجتهدا

إن قيل من هو؟ فاطرَبْ عند ذاك وقل:

نَجْل ابن تيميَّة فاشدد به عضدا

ص: 553

أو قيل: مِنْ وُلْدِ مَنْ هذا الكريم؟ فقل:

من وُلْدِ مجدٍ علا، أكْرِم به ولدا

مولًى له في جلادٍ أو مجادلة

لواء نصر وتوفيق قد انعقدا

تهاب مجلسَه العالي الملوكُ، ومَن

يُخشى سَطاه، ومن لم يَرْهَبِ الأسدا

من أجل تعظيمه للحقّ لو وقف الْـ

ـلَيثُ الهصور لديه راح مرتعدا

وكونه تَرَك الدنيا وزينتها

زهدًا ولا سَبَدًا أبقى ولا لَبَدا

تصغى المسامِعُ ليتًا

(1)

عند منطقه

كأنما السمع بالألفاظ قد عُقدا

وتُذْكِرُ

(2)

اللهَ ذكراهُ ورؤيتُه

تذكار واجد ما قد كان قد فُقِدا

ترى ازدحامًا على أبوابه أبدًا

إما لكسب علوم، أو لنيل جَدا

لم يَدْعُ يومًا على من خاض في دمه

بغيًا، ولا لام ذا لومٍ ولا حَقَدا

وربما استغفر الله العظيم لمن

عمدًا عليه اعتدى، أو قَتْله اعتمدا

كذا يكون فتى الفتيان، لا رجل

يكون

(3)

كالنّمر الضاري إذا حَرَدا

«هذي المكارم لا قَعبان من لَبَنٍ»

لا يكفيان لبعض الجائعين غدا

له صفات كنَشْر الروض تالدةً

غِبَّ العهاد

(4)

عليك الريح مفتقدا

أو كالنجوم التي تهدي أخا سَفَرٍ

ليلًا، إذا ظل في الظلماء منفردا

(1)

(ف): «لينًا» . وفي هامش (ك) ما نصه: «لعله (ليتًا) بالتاء المثناة. والليت: صفحة العنق، وفي الحديث: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا» ، والله أعلم».

(2)

(ف): «وبذكر» .

(3)

سقطت من (ف).

(4)

النسخ: «العماد» ولعلها مصحفة عن «العهاد» .

ص: 554

عليه ألبابُ أربابِ التّقَى عكفت

ومجتنى الشهد لم يُعْكَف عليه سُدَى

مَن للمسائل، إن أعيت غوامضها

يحلّ مشكلها المستصعب العقدا؟

ومن إذا رُصَّ بالسادات مجلسُه

يكون في صدره صدرًا إذا قعدا

يكاد يسلبُ ألبابَ الرّجال بما

يرويه مما يزيد المهتدين هدى

مِنَ العلوم التي عن ربّه صدرت

ومِن حديثٍ عن المختار قد وردا

وعن صحابته والتابعين، وعن

أئمة ساد مَنْ عنهم روى سندا

أم من يشنّف أسماعَ الأنام بما

يربو على الدرِّ منثورًا ومنتضدا

سوى الإمام تقيِّ الدين أحمد تا

ج العارفين، وقاه الله كلَّ ردى

ومن يحدِّث عن بحر، فلا حرج

عليه، بل هو مأثوم إذا اقتصدا

وكم بمصر وبالشام الشريف فتًى؟

لكن بمجموع هذا الحَبر ما وُجِدا

كفاه آيةَ تأييدٍ سِعايةُ من

سعى، ولم يستطع يؤذي له جسدا

لكنه حين حاز السّبْق من صغر

وفاق كلَّ كبيرٍ فاق

(1)

وانفردا

وحاز علمًا لَدُنيًّا، ومنقبةً

تفتتت منه أكباد العِدَى حسدا

فأجمعوا كيدَهم يبغون فتنته

فما أعان عليه ربُّه أحدا

ولم يطق حاسد

(2)

في الأرض قاطبةً

بأن يَمُدَّ بمكروهٍ إليه يدا

وكان سيفًا على الأضداد مشتهرًا

فحاولوا أن يكون السيفُ منغمدا

(1)

كذا في الأصول، ولعلها «فات». و (ف):«لما حاز» .

(2)

(ف): «حاسدًا» .

ص: 555

ومن يصدُّ سنا شمس إذا طلعت

أو يحجب البدر إن شقّ الدّجى وبدا

ونور ربّك لا يُطفى، وإن

(1)

حرص الـ

خِبُّ اللئيمُ على الإطفاء واجتهدا

وقد درى كلّ ذي خُبْرٍ بأنَّ له

من فيض بحر عطايا ربّه مددا

وقد علمتم به لمّا ادّعاه إلى

مصر الذين علمتم ما بها وُجِدا

فاسترشَدَ اللهَ في الإصدار

(2)

عن بلدٍ

نَبَا بِه، واستخار الله، ثم غدا

فاختار مسراه مولاه ووفّقه

فيه، وهيَّا له من أمره رشدا

وسار والله يكلؤه ويحرسه

وكيف لا وعليه كان معتمِدا

والشمس ما حُجبت بالغيم عن بلد

إلا أنار سناها غيره بلدا

فالدرّ لو لزم الأصداف ما ارتفع الْـ

ـلَبّات، وارتكب التيجانَ واقتعدا

(3)

لم يُبْقِ توديعه يوم الرحيل لذي

صبرٍ وذي جَلَد صبرًا ولا جَلَدا

كأنّ حاديه يومَ استقلّ به

مسيره نحو مصرٍ بالقلوب حدا

فاستعبرتْ أعْيُنٌ كادت لفُرْقته

تَبْيَضُّ حزنًا وأولاها البكا رمدا

(4)

هذا، وكم قد قضى ظامٍ إليه ولم

يُقْضى له قبل وَشْك البين أن يردا

(1)

(ف): «ولو» .

(2)

النسختين: «الاضداد» ، ولعل الصواب ما أثبت.

(3)

البيت في (ف):

فالدر لوازم .......... اللبـ

ـاب، ........... وانعقدا

و«ارتفخ» كذا في النسخ. ولعله محرف عن «ارتفع» أو نحوها ..

(4)

سقط قوله: «حزنًا وأولاها

يقضى له» من (ف) وهو انتقال نظر.

ص: 556

وما يَضُرُّ فتًى حالت منيتُه

دون الأماني إذا ما عُدَّ في الشهدا

فحلَّ مصرَ عزيزًا عند مالكها

وفي مهمَّاته أضحى له عَضُدا

لتُشْرق الدولة الغَرّا بِهِ، وإذا

أضلّ جهلُ جَهولٍ بالعلوم هَدى

ويأمر الناسَ بالتقوى ويخبرهم

بسنة المصطفى، فعلًا ومعتقدا

ولا يزال بأعلى فرق منبره

منزَّهًا أحدًا في ملكه صمدا

وفي مجالسه اللاتي يحفّ بها

ملائكُ الذِّكْر تُحصي مَن لها شهدا

يدعو لسيدنا السلطان ناصر ديـ

ـن الله نجل قلاوون الفتى أبدا

بأن يدومَ له في الملك أربعة:

عزّ، ونصر، وتأييد، وكَبْت عِدَى

حتى يُمَلِّكه الله العراق فيمـ

ـحو الشركَ، والرفضَ منها، والذي مردا

وعاد مِنْ مصر نحو الشام في دَعَة

مصالحًا، مصلحًا ما كان قد فسدا

فحين وافى دمشق الشام محترزًا

من حَلِّ عقد ودادٍ للورى عقدا

رَوّى صَدَى مهجٍ قد طالما ظَمِئت

إليه شوقًا، وجلَّى للقلوب صدا

وجاءنا بعد يأس مثل عافية

جاءت عليلًا، فلما لابسته هدى

ولاح شمسٌ على روض وسحَّ ندًى

والشمس عادتها في الروض رفع ندى

واخضرَّ روضُ الأماني ثم فاح شذًا

بانُ الحمى، وتغنَّى وُرْقه، وشدا

وصفّق النهر، والأغصان قد رقصت

مَسَرَّة بفتًى من مصر قد وردا

وسُرّ أهلُ التقى من كلِّ طائفة

أن عادَ أكرمَ مما كان حين بدا

وأنجح الله في الدنيا مقاصدَه

وسوف يؤتيه أجرَ الصابرين غدا

ص: 557

فادعوا له، ولمن

(1)

كان السفير له

حتى ألمَّ بكم مِنْ بعد ما بَعُدا

وحقَّقَ الله ما أمَّلتموه له

وصار كلٌّ بكلٍّ عيشه رغدا

فقل لقوم شقوا: زال الشقاء إلى

أعدائكم، وبقيتم أنتم السُّعَدا

عين أصابت، ولكن عين عائنه

ألا تروه رقاد الموت قد رقدا

والله ما خيَّب الله الدعاة له

من كلِّ عبدٍ له يدعو إذا سجدا

لكن أجابَ وأعطى فوقَ ما طلبوا

فالحمد لله حمدًا دائمًا أبدا

تمت بحمد الله وعونه

(2)

وحسن توفيقه.

* * * *

أنشد هذه القصيدة الشيخ الأجل شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي: قال: أنشدنا لنفسه جميع هذه القصائد: الشيخ الإمام سعد الدين أبو محمد سعد الله بن بُخَيخ

(3)

في مدح شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه، ورحمه وعفا عنه ــ:

أيها الماجدُ الذي فاق فخرًا

وسما رِفْعة على الأقران

يا إمامًا أقامه الله للعا

لَمِ هادٍ باللطف والإحسان

(4)

(1)

(ف): «وإن» .

(2)

من (ف).

(3)

في (ف، ك): «نجيح» تحريف، والتصحيح من (ح). وانظر (ص 359).

(4)

(ك): «للعالمين» وعلق في هامشها: «لعله: للعالم» .

ص: 558

يا غريب المثال، يا موضح الإشـ

ـكال بالبيّنات والبرهان

يا تقيّ الدنيا مع الدين، يا مَن

خُصَّ بالفضل واكتمال المعاني

لا تملّ العُوَّاد إن أكثروا التّرْ

داد أو أقدموا

(1)

بلا استئذان

أنت روح الوجود في عصرك الآ

ن وقلب الورى، وعين الزمان

والبرايا إذا اعتبرت جميعًا

منك أضحوا بمنزل الجثمان

وإذا الداء خامر الروحَ والقلـ

ـب تعدّى الدّا إلى الأبدان

فجديرٌ بسائر الصّحْب إن هم

(2)

أطنبوا في السؤال للرحمن

أن يُدِمْ

(3)

ظلَّك الظليل عليهم

سالمًا من طوارق الحَدَثان

بالنبيّ الهادي محمدٍ المبـ

ـعوث بالمعجزات والقرآن

وبأصحابه مع الآل والأز

واج والتابعين بالإحسان

(4)

صلوات الإلاه تترى عليهم

وعليه ما أشرق النيِّران

تمت و

(5)

عدتها ثلاثة عشر بيتًا.

* * * *

(1)

(ف): «وأقدموا» .

(2)

(ف): «إنهم» .

(3)

أشار في هامش (ك) إلى نسخة بـ «يديم» لكن ينكسر الوزن بها.

(4)

(ف): «لهم بالإحسان» ولا يستقيم البيت بها.

(5)

«تمت و» من (ف).

ص: 559

وله رحمه الله:

يا من له فِطْنة فاقت ذوي الفطن

يا ذا المناقب

(1)

والأفضال والمنن

يا من أواليه في سِرّي وفي عَلَني

لا تَلْحُني في انخزالي عن

(2)

بني الزّمن

ولا اغترابي عن الأهلين والوطن

يا من لدين هواه بتُّ معتقدَا

ومَن بذيل هواه ظَلْت معتضدا

كن لي عذيرًا فلا نلتُ العداة غدا

ولا تلمني إذا أصبحتُ منفردا

عن الوجود بلا خِلّ ولا سكن

كم جهد مثلي أن يُخفي تمَلْمُلَه

(3)

عن الوشاة، وأن يُخفي تحمّله

إن نمَّ دمعي بأسراري يحقّ له

فبي من الوجد ما إنْ لو تحمّله

رَضوى لذاب جوى، أو يَذْبُل لفني

(4)

لكنّ قلبي، وإن ضاقت مسارحه

لما حوته من البلوى جوارحه

به غريمُ غرامٍ لا يبارحه

ولي من الفكر ندمان أطارحه

ما بي، فأفهم ما أشكو

(5)

ويفهمني

شُغِلت فيه به عمّن سواه فما

أُلْوِي على صَرْف دهرٍ جار أو رَحِما

(1)

(ف): «يا ذ لمناقب» وكتب فوقها: كذا.

(2)

(ك): «تلجني» . (ك، ف): «انجذابي من» و (ط): «في انخذالي» ، والمثبت من (د).

(3)

(ف): «تملله» .

(4)

تحرف «رضوى» في (ف): «رضى» . و «رَضْوى، ويَذْبُل» جبلان مشهوران. «معجم البلدان: (3/ 51، 5/ 433).

(5)

(ف): «أشكر» وكتب فوقها: كذا.

ص: 560

ولا أبالي أُذيع السّرُّ أو كُتما

وكيف أصبح بالأغيار ملتئما

(1)

وبعض ما بيَ عن إيَّاي يشغلني

هذا ولو أُضْرِمت في القلب نار غضًى

ما ازددتُ إلا ابتهاجًا بالهوى ورضا

لكنّ جوهر صبري مذ غدا عَرَضًا

أنشدت قولَ الفتى الجِيليّ متَّعِظا

به ومن مثل قول السيد الحسن

(2)

مخاطبًا لجهول بات يؤلمه

عَذْلًا، ويلحاه فيما ليس يعلمه

عَنّي ملامك إني لست أفهمه

وربّ وقت وجودي فيه أسأمه

دع الأجانب بل روحي تزاحمني

تمت.

* * * *

وله فيه أيضًا ــ رحمه الله ورضي عنه ــ:

يا عالمًا جلَّ عن ضدٍّ يضاهيه

وفاق أقرانه فيما يعانيه

يا ذا الفضائل، يا زين الأماثل، يا

مُردي المماثل، يا مُوهي مُناويه

إيضاح فضلك لا يحتاج تكملةً

لكن مفصَّله عن ذاك مجزيه

يا من إذا رُمْتُ أن أحصي مناقبه

نظمًا ونثرًا وأنشيه وأرويه

حصرت لولا سجاياه تهذّبني

لما ظفرت بمعنًى من معانيه

(1)

(ف): «بالاعبار ملتهمًا» . وفي هامش (ك): «منقول عنه: ملتهمًا» . و (د): «ملتهمًا» وفي نسخة كما هو مثبت.

(2)

(ف): «به ومن قول سيد الحسني» .

ص: 561

مُحرّر المجد في مدحيك لخّص

(1)

لي

هدايةً أرْشَدَت إرشاد تنبيه

يا عمدة المُقْتدي حقًّا ومقنعه

فيما يروم، وكافيه ومُغْنيه

ويا نهاية طلّاب الرعاية من

وسيط علم وخيرٍ أنت حاويه

يا غُنية المبتغين الرّشْد مانحهم

فتوحَ غيبٍ أتى من عند باريه

أبديت تعجيز أهل النظم فاعترفوا

بالعجز عن كُنه ما أصْبَحْت تُبديه

(2)

لله كم مَيْتِ علمٍ أنت تنشره

من بعد ما كادت الأيامُ تطويه

وكم حصون ضلال أنت هادمها

قهرًا، وكم قول غاوٍ أنت موهيه

بَيّنتَ إفسادَ ما قد حللوه لهم

تبيينَ تحريمٍ لا تبيينَ تنزيه

من الدياثة

(3)

،

حيث الجُعْل يبذله الـ

ـمسكين من كفِّه، كيما يكافيه

وقمت بالحقّ في ذا العصر مجتهدًا

في نَصْره مُبطلًا دعوى أعاديه

يا حجةَ الله في هذا الزمان على الـ

ـوجود ما بين قاصيه ودانيه

يا من براه إلاه العرش داعية

إلى الهدى بلطيف من تأتِّيه

يا كاشف المشكلات المعضلات لنا

بأبلجٍ مُستنيرٍ من فتاويه

(1)

(ف): «أخص» .

(2)

كتب أمام هذا البيت في (ف) في طرّة الصفحة (178): «تمت، وله أيضًا يذكر ذلّ الخصوم رحمه الله» . وصواب مكانها قبل قوله: «لئن نافقوه

» كما سيأتي.

(3)

(ف، ك): «الديانة» . و (ط) كما هو مثبت ولعله الصواب.

ويشير في هذين البيتين إلى مسألة نكاح المحلل، وصنَّف شيخ الإسلام في بيان المسألة كتاب «بيان الدليل على بطلان التحليل» .

ص: 562

يا مَن أبى مِقْوَلي إلا مدائحه

ولو مدحت سواه كنت أعنيه

ومن حداني إلى أني أخاطبه

بالمدح، حتى كأني لا أناجيه

إلا مخافة ذي جَهْل

(1)

وذي حسد

يلحى، فيعرب عمّا فيه مِنْ فيه

وإن تعرَّض ذو ضِغْن تلوتُ له

«فذلكنّ الذي لُمتنّني فيه»

تمت

(2)

.

* * * *

وله أيضًا يذكر ذلّ الخصوم رحمه الله:

لئن نافقوه، وهو في السجن، وابتغوا

رضاه، وأبدوا رِقَّةً، وتودّدا

فلا غَرْو أن ذلّ الخصومُ لبأسه

ولا عجبٌ إن هاب سَطْوته العِدا

فمِن شيمة العضب المهنَّد أنه

يُخاف ويُرجى، مغمدًا ومجرَّدا

* * * *

وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى:

أيا مَن مناقبه فاخرهْ

ويا مَن مواهبه غامره

(3)

ويا من سحائب إفضاله

بآمال آمالها ماطره

ويا من له همة لم تزل

بُنْجح مقاصده ظافره

ويا مَن عزائمه لا تَنِي

إلى درجات العُلا سائره

(1)

(ك): «مَحْل» .

(2)

ليست في (ف).

(3)

(ف، ك): «عامرة» ، والمثبت من (ح).

ص: 563

ويا ليث حرب إذا ما سطا

تذلّ له الأُسُدُ الكاسره

ويا طود حِلْم إذا ما جنى

عليه امرؤ ينثني عاذره

وإن نال منه بسوء المقالِ

وقُبْح الفعال غدا غافره

ويا بحر علم تكاد البحارُ

تفيض بأمواجه الزاخره

(1)

ويا مَن أدِلَّته بالنصوص

لأخصامه أبدًا قاهره

ويا مَن براهين أقواله

كشمس الضحى إذْ بدت سافره

ويا مَن عوارف عرفانه

تفوقُ على الأنجم الزاهره

ويا مَن صوارمُ آرائه

لأعناق أعدائه باتره

ويا قدوةً يقتدي العارفون

بنور هدايته الوافره

ومَن قَصْده بهدى الطالبينَ

يؤيّد باطنُه ظاهرَه

ويا داعي الخلق في عصره

إلى الحقّ بالحُجَج الباهره

ويا مَن مكارمُ أخلاقه

زكت بعناصره الطاهره

ويا مَن بدائع أوصافه

تُعين على مدحه شاعره

وماذا عسى يَبْلغ المادحون

من القول بالفِطَن القاصره

(2)

ومجدك قد أعْجَز

(3)

الواصفيـ

ـن وصيَّر آذانهم حائره

ولكنّ ذلك جهد المقِلّ

فكن بالقبول له جابره

(1)

(ف، ك): «الزاهرة» ، و (ط) كما هو مثبت، وهو الصواب.

(2)

(ف): «القاهرة» ، (ك):«الطاهرة» ، وكتب في الهامش:«بدله: القاصرة» .

(3)

(ف) ونسخة في هامش (ك): «أعز» ، و (ك):«أعيى» ، وما أثبته من (ح).

ص: 564

أيا مَن دعائي ويا مَن ولائي

وفائح أثنيتي العاطره

(1)

لعلياء حضرته دائمًا

تردّد واردة صادره

لعمرك إن كان حظِّي غدًا

مِنَ الله في داره الآخره

كما هو عندك في هذه

«فتلك إذًا كرَّة خاسره»

* * * *

وله أيضًا فيه يمدحه رحمه الله تعالى:

اللهَ نشكُر مخلصين، ونحمد

وله نعظِّم دائمًا، ونُوَحِّد

وبفضله

(2)

الضافي نلوذُ ونلتجي

وإليه نسعى مُخبتين ونَحْفِد

وبه نصول ونستعين على العِدى

إذ لا سواه لنا إلاه نَعْبُد

فله الثنا والمجد، إذ هو أهله

وله الجلالة والبقاء السرمد

مولًى حبانا في فتور زماننا

بفتًى يثقِّف ديننا ويسدّد

أعني تقيّ الدين، أكمل سيّد

لدعائم الشرع الشريف يشيّد

العالم الوَرِ ع المحقّق، والذي

من دون رتبته السُّهى والفرقد

من جاد بالنفس

(3)

النفيسة منه في

ذات الإلاه ولم يَرُعْه تهدّد

(1)

(ف): «وفاتح

العاصره».

(2)

(ك، ح): «وبذيله» وكتب في هامش (ك) ما نصه: «ظ: بفضله، كذا في هامش الأصل، ولكن الظاهر عندي في متن الأصل. والله أعلم. أبو إسماعيل يوسف حسين. وفي (ف) كتب في الطرّة مقابل البيتين الأولين رمز (ظ) مرتين.

(3)

(ف): «في النفس» .

ص: 565

مَن لم يخف في الله لومةَ لائم

كلّا، ولم يرجعه عنه مُفَنّد

حَبر حباه الله جل جلاله

بصفات مجدٍ في عُلاه تخلّد

هو بحر علم، طود حلم راسخ

في الحقّ لا وانٍ ولا متردّد

صدرٌ لديه تحبّب وتألّف

للمؤمنين ورأفة وتودّد

وكذاك فيه على المنافق غِلْظة

وتمنّع، وتصَعّب، وتشَدّد

هو قائم لله يهدي خلقَه

أبدًا إلى سُبل النجاة ويرشد

فلذاك أصبح للبريّة قدوةً

في العصر إذ هو فيه قُطْب مفرد

لك يا أبا العباس، أذْعَنَ فرقةٌ

من قبل قد كانت لحقّك تجحَد

ضاقت بهم سَعةُ الفضا مذ عاينوا

لك كلّ يوم رفعة تتجدّد

ورأوك ممتازًا بحسن مناقب

ليست لغيرك في زمانك توجد

فعراهم الحسدُ المضلّ فأصبحوا

ولديهمُ منه المقيم المُقْعِد

إن يحسدوك فغير بِدْعٍ منهمُ

جَمُّ الفضائل لا محالة يُحْسَد

راموا بلوغَ مقامك العالي، وما

علموا بأنّك في المعالي أوحد

فدعا بهم داعي قصورهم: اخْلُدوا

ومع الخوالف ما حييتم فاقعدوا

(1)

لما نأت عَزَماتهم عن شأوك السْـ

سَامي

(2)

، وصُدّوا عن حِماهُ وأُبْعِدوا

همّوا بأمر لم ينالوا منه ما

طلبوا، لقد ضلوا ولمَّا يهتدوا

ورموك بالإفك الفظيع، وأطنبوا

بالقول فيما زوَّروا، وتقلّدوا

(1)

(ف): «فاقعد» .

(2)

(ف): «الشامي» .

ص: 566

وبغوا عليك بما افتروه تعمّدًا

وسجيّةُ الباغين أن يتعمّدوا

لم يتركوا شيئًا به يتوصّلوا

طَمَعًا إلى ما قرَّروه وأكَّدوا

إلا نَحَوه، وبالغوا في جهدهم

لكن سعدتَ وإنهم لن يسعدوا

حتى إذا ما استيأسوا من نيل ما

كانوا جميعًا حاولوا وتقصَّدوا

خافوا سطاك فأجمعوا آراءهم

أن يودعوك السّجن، ثم يخلِّدوا

فابى إلاهك أن ينالوا منك ما

راموا، وهل يزكو لباغٍ مقصد

ما ذاك إلا حال يوسف حُزته

إرثًا حباك به الكريم المرفد

(1)

فبلغتَ فيه من الرياضة فوق ما

تختاره، وَصَفا لديك المورد

ثم انقضت أيامُ خَلْوتك التي

كَمُل العلاءُ بها وتمَّ السّؤدد

وبرزتَ كالإبريز فارق كِيْرَه

فاحتار فيه الجِهْبِذ المستنقد

وظهرتَ كالصبح المنير إذا بدا

في الأفق فانقشع الظلامُ الأسود

وشُهرت كالعَضْب المجرّد مقسمًا

في غير هامِ عِداته لا يغْمَد

فهناك أُعْقِد للجدال مجالس

كانوا أرادوا أنها لا تعْقَد

فرأوا نكولًا عن جدالك خيفة

(2)

وتذبْذَبتْ آراؤهم وتفنَّدوا

حتى إذا أُمِروا بذاك وأيقنوا

أنَّ الخميس، ولا خلاف الموعد

حشدوا عليك جموعَهم وتحزَّبوا

وتواثبوا وتحفَّلوا وتجرّدوا

(1)

(ف): «إربًا حباك» وفوق الأخيرة رمز (ظ).

(2)

(ف): «خفية» .

ص: 567

وحموا عصابتك الحضور وحاولوا

[أن يغلبوك]

(1)

إذا هُمُ لك أفردوا

فنهضتَ معتصمًا بربّك واثقًا

متوكّلًا تثني عليه وتَحْمد

وإليه أخلصتَ التوكّل موقنًا

أن ليس يُخْذَل من به يَسْتنجد

ثم استخرت الله واستفتحته

فيما تروم من الأمور وتقصد

فحباك منه عواطفًا ولواطفًا

يفنى الزمانُ وذكرُها لا يَنْفَد

وأتاك نصر الله والفتح الذي

بهما جميعًا كنتَ منه توعَد

فوثبتَ وثْبَة ثائرٍ لله لم

تحفل بما حشدوا، ولا ما جنَّدوا

أبديتَ من كنز العلوم غوامضًا

مكنونةً لولاك كانت تُفْقَد

أسْمَعْتهم

(2)

منها لِمَا لم يسمعوا

وأتيتهم منها بما لم يَعْهدوا

أسندتها ورَوَيتها نصًّا كما

جاءت معنعنةً، فيالك مُسند

حَصِرت صدورُهم عن استفهامها

وتحيَّروا لسماعها وتبلَّدوا

وبدا لهم ما لم يكونوا يحسبوا

مما يسوؤهمُ ومما يُكمِدُ

فاسعد بها من مِحْنة في طيِّها

مِنَح أقرَّ لها الجَحُود الملحد

نِلْت الفَخار بها وحزتَ مآثرًا

سُرّ الصِّحابُ بها وغُمَّ الحُسَّد

وغدوتَ فيها كابن حنبل تاليًا

تقفو جميلَ جماله وتجدّد

أخمدت نار جهالة، ما خِلتُها

لولا جهادك واجتهادك تُخْمَد

(1)

(ك): «وجادلوا» . والشطر الثاني أوله بياض في النسخ. وكتب في هامش (ك): «كذا في الأصل بياض» أبو إسماعيل يوسف حسين. وفي هامش (د): «لعله: أن يغلبوك» ومنها أثبتناه بين معكوفين.

(2)

(ك): «أسمعته» .

ص: 568

أرْضَيتَ ربّك إذ أضفتَ كلامَه

حقًّا إليه، وليس فيه تردُّد

وكذاك أثبتَّ العلوَّ والاستوا

من غير تكييفٍ وحصرٍ يوجد

ونزول خالقنا إلى أدنى سما

(1)

ليلًا، كما صحّ الحديثُ المُسْنَد

وذكرتَ أسماء الإلاه، ولم تَزِغ

ميلًا إلى ما حرَّفوه وألحدوا

ورويتَ أخبار الصفات وآيها

مَرًّا، كما نقل الثقاتُ وجوَّدوا

ونصرتَ ملّة أحمد الهادي، وقد

أيّدت سنته، فأنت مؤيّد

وأقمت مذهب أحمد الثبت الصبو

ر على الأذى، فلك الهنا يا أحمد

أوضحتَ منهجه السويّ

(2)

وأنه

مُذ كان فهو المستقيم الأرْشَد

وأثرتَ محنته وقمت مقامه

في العصر تُرْغم شانئيك وتُكْمِد

فاحمد إلاهك، إنّه لك ناصر

وابشر فعاضدك النبيّ محمّد

المصطفى الطَّهِر الزكيّ المجتبى

الهاشميّ الأبطحيّ السيّد

خير الورى وأجلّ مَن وطئ الثرى

وأبرّ مبعوثٍ به يُسْترشد

صلى عليه الله ما سَجَعت ضحًى

وُرْقٌ على أعلا الغصون تغرِّد

وعلى صحابته الكرام وآله

والتابعين لهديه وبه هُدوا

والحمدُ لله العميم نواله

والحمدُ [أفضل]

(3)

ما يقال وأوكد

تمت، والحمد لله وحده.

(1)

(ف، د): «هذي السما» . وأشار في هامش (د) إلى نسخة بما هو مثبت.

(2)

(ف): «النبي» ، (ح):«النبوي» .

(3)

بياض في الأصول، وتركه بياضًا في (ك) وأشار في الهامش أنه كذلك في الأصل. وقدر البياض في (ط):«أفضل» . وفي هامش (د): «لعله: أحق ما يقال. وكتب تحتها: أفضل» .

ص: 569

وله أيضًا يمدحه

(1)

ــ رحمه الله ورضى عنه ــ:

الحقُّ حصحص لا عذرٌ لمعتذرِ

وقد تحقَّقه من كان ذا بَصَر

وفاح عَرْفُ شذاه في الوجود فظلْـ

ـلَ الكون في أَرَجٍ من نشره العَطِر

ولاح لألاؤه في الأفق، فانقشعت

غياهبُ الإفك من خوفٍ ومن حَذَر

وفَرَّ يُدْبِرُ يمشي القهقرى، واهتكوه

له تبع تسعون في الأثر

(2)

مذبذبين لضعف العزم تحسبهم

سفرًا [أعَاقَهُمُ]

(3)

جبنٌ عن السفر

ضاقت بهم سَعَةُ الأقطار حين سما

سموّ قَدْر تقيِّ الدين في البشر

وفاق أنداده في العصر قاطبةً

بالعلم والحلم، والتفسير، والنظر

وامتاز بالدرجات العاليات على

شيوخ أشياخهم في سالف الدَّهَر

كانوا يظنون أنّ العلم منحصرٌ

فيهم إلى أن أتاهم أحمد الأثر

ركن الشريعة محيي العدل ناصر ديـ

ـن الحق، مستنصر بالآي والخبر

ففلَّ بالنصِّ والإجماع جَمْعهم

فأصبحوا بعد ذاك

(4)

الحصر في حَصَر

(1)

(ف): «يمدحه بها» .

(2)

كذا البيت في النسختين، وفي هامش (ك):«كذا في الأصل» . وأصلح البيت في (ط) وعنها في (د) إلى:

...................... هنا

له توابع تسعى منه في الأثر

ويمكن إصلاحه هكذا:

........... القهقرى (وَهَنًا)

(وكم) له تبع يسعون في الأثر

(3)

في (ف، ك): «قد أضافهم» ولا يستقيم. و (ح): «قد اعناقهم» . وهي الأقرب إلى ما أثبت، وفي هامش (ك):«كذا في الأصل، أبو إسماعيل يوسف حسين عُفي عنه. وأصلحها في (ط): «أصابهم» .

(4)

سقطت من (ف).

ص: 570

لا يهتدون إلى رشدٍ، وإنهمُ

لفي ضلال، وفي غَيٍّ، وفي سُعُر

قد حُمِّلوا حسدًا من عند أنفسهم

له فهم منه، في همٍّ

(1)

، وفي فِكَر

تبًّا لهم، ما الذي نالوا بسعيهم؟

وما عسى بَلَغوا في ذاك من وطر؟

أيستطيعون أن يمحون ما كَتَبتْ

يدُ المهيمن بعد الذِّكر في الزُّبُر؟

أم يقدرون على تبديل ما نفذت

به نوافذ أمر الله من قدر؟

بل كلما أوقدوا للحرب نار غَضًى

بالكيد منهم طفاها مُنْزِل السّور

وردّ كيدهمُ فيهم وأرجعهم

(2)

بالتَّعس والنَّكْس والخذلان والدّبر

واختاره للورى داعٍ إلى سبل الـ

خيرات، والنفع نَهَّاءً عن الضَّرر

واختصَّه منه بالزُّلفى وثَبّته

بالحزم، والعزم، والتأييد، والظَّفَر

وكم مناقب مجدٍ قد حباه بها

وزاده بسطةً في العلم والعمر

وكم له في ذُرى العَلْياء مرتبةٌ

منيفة نالها من بارئ الصور

وكم له من أيادٍ في العطاء غدت

تُربي على العارضِ الهطّال بالمطر

وهمة في المعالي غير وانية

تُزري إذا ابتدئت بالصارم الذّكَر

وكم له من كرامات مبينة

سنَاؤها كضياء الشمس والقمر

وحسبنا عود أهل العُودِ معجزةً

ما مثلها عبرة تبقى لمعتبر

رؤوس كلّ ضلالات ومحدثة

وبدعة نشأت في البدو والحضر

(1)

سقطت من (ف).

(2)

في هامش (ك) ما نصه: «نسخة: «فيه» وهو الصواب، كذا في هامش الأصل. والصواب عندي أن كليهما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر» أبو إسماعيل يوسف حسين. و (ف):«وراجعهم» .

ص: 571

لما استقرَّ لديهم عُلْوُ هِمّته

وأن سيرته من أكمل السير

وأنّ دعوته للناس كلهم

إلى الهدى باجتهاد غير محتصر

وأنّه قائم لله منتصبٌ

في نُصرة الدين لا يخشى من الخطر

خافوا سَطاه، فمذ حلّوا بساحته

وشاهدوا مَخْبرًا يوفي على الخبر

وعاينوا وجهَه الهادي، وقابلهم

منصور عزم بربّ العرش مقتدر

وجاءهم بأسانيد مُعنعنةٍ

عن الهُداة الثقات القادة الغُرَر

وقام بالحجج المقبول شاهِدُها

مميزًا بين عُرْف القول والنُّكُر

مبرهنًا بدلالات منوّرة

يُهْدَى لعرفانها من كان ذا نظر

فأذعنوا عَنوةً للأمر حين رأوا

نورَ الحقيقة بادٍ غير مستتر

ولم يسعهم مُماراةٌ، ولا جدل

لكنهم سلَّموا تسليمَ مُنْقهر

وهذه شيمةٌ بين الورى عُرفت

فيمن يخالفه من سائر البشر

إذ قلَّما فاء منهم للهدى أحدٌ

حتى يُرى فيه أنواعٌ من العِبَر

فالحمد لله كالِيْه وناصِره

ومجتبيه وواقيه مِن الغِيَر

وأكمل الصلوات الزاكيات على

رسوله

(1)

المصطفى المختار من مضر

محمد السيد الهادي وعترته

وصحبه الأكرمين الأنجم الزُّهُر

صلى الإلاه عليهم كلما سجعت

حمائمُ الدَّوح بالألحان في السَّحَر

تمت والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

(2)

.

(1)

سقطت من (ف).

(2)

«وحده» من (ك)، و «صحبه» من (ف).

ص: 572

وله أيضًا في تبيين عدم قيام الأصحاب مع الشيخ، حين يَعْظُم الخَطْب، ويقع الحرب:

سبرتُ خلالَ الأصفياء تدبّرًا

وميّزتُ أحوالَ الصِّحاب تأمّلا

فشاهدتهم في السلم مَن تَلْقَ منهمُ

تجده محبًّا يدّعي صحّة الوَلا

وعند نزول الخَطْب حاولتُ أن أرى

أخا ثقةٍ إن أدبر الحظُّ

(1)

أقبلا

فلم ألق إلا لائمًا مُتبرِّمًا

ولم أر إلا شاتمًا متعقِّلًا

فلما تحقَّقْتُ التخلّفَ منهمُ

شطبتُ عليهم شَطْبة الضب: «لا إلى»

(2)

تمت.

* * * *

وله أيضًا فيمن أبدى عذلًا في حبّه ومتابعته جهلًا:

سيّان إن عَذَل الواشون أو عذروا

لا خُبْر عندهمُ منه ولا خَبَر

لاموا على حبّه جهلًا، وما عقلوا

وعنَّفوا فيه عدوانًا، وما شعروا

ولو رأوا حُسْنَه الزاهي بأعينهم

كما أراه أقلّوا اللومَ واقتصروا

ولو تجلَّت معانيه الحِسانُ لهم

وشاهدوها كما شاهدتها بُهِروا

لكنه مُذْ بدا لألاؤه غَشِيت

أبصارُهم، فانثنوا منه وما نظروا

تمت، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله.

(1)

غيرها في (ط): «الحرب» .

(2)

في (ف، ك): «الصب» . يشير إلى اصطلاح المحدثين في الضرب على الكلمة أو الكلمات بوضع «لا» في أول الكلمة و «إلى» في آخره.

ص: 573

مرثاة أخرى لغيره:

فقدَ الأنامُ فوائدًا وفضائلًا

فقدوا من العلم الشريف جلائلا

في موت بحر العلم والحَبر الذي

سلك العلوم مذاهبًا ودلائلا

أعني تقيَّ الدين أوحدَ عصره

قد كان حقًّا بالفضائل عاملا

قد أُوْدِع القبرُ الشريفُ علومَه

عجبًا لوسع القبر بحرًا سائلا

قد كان لا يحتاج طالب علمه

كثر

(1)

السؤال، وليس يلقى سائلا

قد كان ركنًا في المواعظ جملة

بحرًا عميقًا إن أردت مُسائلا

وإذا رآك يكون حقًّا بادئًا

لك بالسلام مُوادِدًا ومُسائلا

يا ربّ، فارحمه وبُلَّ ثراه بالـ

ـغيث الكريم، معاودًا ومواصلا

يا ربّ وافعل ذا بكلِّ موادِدٍ

ومجاورٍ قبرَ الإمام مؤمّلًا

يا رب وارحمنا، وكلّ مشيِّع

صلى عليه، أو أتاه مُقَبِّلا

من كان مسرورًا به وبعلمه

من بعده، فالحزن أضحى عاجلا

زكّى الإلاه ثراه، فضلًا منه في

كلّ الزمان، وزاد غيثًا هاطلا

بعد السلام على النبيِّ المصطفى

أعلى البرية في المعاد منازلا

وعلى الصحابة والقرابة كلّهم

والتابعين أواخرًا وأوائلا

تمت.

* * * *

(1)

(في): «كثير» .

ص: 574

وقال بعضهم في شيخ الإسلام ــ رحمه الله ورضي عنه وجعل الجنة مأواه ــ:

دموعي على صحن الخدود تسيلُ

وصبري قصير والغرام طويل

على فَقْد مَنْ قد كان للدين ناصحًا

وكافح أهلَ الشرك وهو فضيل

لفقد تقيّ الدين ضاقت مذاهبي

وفي كبدي نار الفِراق تجول

إمامٌ كريم، كان لله عابدًا

وفي زهده شرحٌ هناك يطول

وقد كان للإسلام كهفًا ومسعدًا

إذا ما أصاب المسلمين نزول

وكان على حكم المهيمن صابرًا

وفي كلّ ما يُلْقى إليه حَمُول

بشرع رسول الله قد كان قائمًا

وعن سنة الرحمن ليس يحول

وجاهد في الرحمن حقَّ جهاده

وكان له صبر عليه جميل

لقد بكت الدنيا حقيقًا لفقده

ويبكيه علمٌ نافعٌ وأصول

وفي أرض مصر يالها من عجائب

لديه جرت، وهو الصبور الحمول

ألا يوم الاثنين الذي كان قبضُه

ففيه عزاء المسلمين جزيل

وفي سجنه يتلو ثمانين خَتمةً

قراءةَ ترتيل وقصد سبيل

وفي موته دقّت بشائر رحمةٍ

أتاه من المولى رضًى وقبول

وسار إلى ربٍّ قديم مهيمن

عظيم كريم ليس ذاك قليل

عليه سلام الله ما لاح بارقٌ

وما سار غيث بالسماء هطول

* * * *

ص: 575

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا نظمه العبد الفقير إلى رحمة ربه ومغفرته بدر الدين حسن بن محمد النحوي المارداني

(1)

، في الشيخ الإمام العالم العلامة

(2)

الأوحد، شيخ الإسلام، وقدوة الأنام تقي الدين أحمد ابن تيمية ــ تغمده الله برحمته ورضي عنه ــ:

ألا أيها القلب الذي عدم الصبرا

أفِقْ طالما جرعت من لوعة صبرا

ويا عبرات الجفن أظهرتِ بالأسى

لنا عبرًا بالدّمع أسطرها تُقرا

(3)

أيأمن مِنْ خَطْب الليالي مُخَاطبٌ

وشيمتها في الناس أن تظْهِر الغدرا

(4)

وهل خالد في الدَّهر عمرو وخالد

لعمرك لا يبقى، ولو أمَّل العمرا

قضى ماجدٌ، ما مثله اليوم واحد

وأبقى جميل الفعل من بعده ذكرا

دمًا لو بكته دِمْنَةُ الربع والدُّمى

وأمطرت الشِّعرى العبور لها العبرا

أو اغبرَّ وجهُ الروض

(5)

يوم مُصابه

لقلّ، وجلَّ الخَطْب من فقده قدرا

فتًى ألِفَ المعروف والجود عادة

تعوَّدها طفلًا، وكان بها أحرى

كأن لم يقل يومًا مقالًا، فتنثني

إلى قوله الأسماع طائفة قهرا

ولا ظهرَتْ بين الأنام علومُه

ولا طَرَّزت شامًا ولا جَمَّلت مصرا

(1)

لم أقف على ترجمته.

(2)

من (ف)، و (ح):«العامل» .

(3)

(ك): «سطرًا» ، وفي هامشها نسخة بما هو مثبت.

(4)

(ف): «العذرا» ، خطأ.

(5)

غيرها في (ط): «الأرض» .

ص: 576

دعاني ظلال الصبر في صبر فقده

فأرسل رُسْل الدمع من مقلتي تترا

سننتَ تقيّ الدين أحمد سُنةً

وأوسعت في كَسْب العلا بالندى صدرا

أيا شافعيَّ الوقت في ضبط نقله

نثرتَ على الأيام من لفظك الدرّا

قنعتَ وفي الدنيا زهدت ديانةً

وفارقتها واخترت ضَرَّتها الأخرى

أفضتَ على الايام بحرَ مكارمٍ

وعلم، فأربحت المتاجرَ والأجرا

عجبتُ لقبرٍ ضمّ جسمك تُربُه

أيحوي الثرى في تربه الشمس والبحرا!

نُقِلت من الدنيا إلى ظلِّ روضة

وحُزت الذي أمَّلت بالمقلة السَّهْرا

وشاهدت في حُسْن الزيادة نَضْرة

وألْبِسْت وشيًا عند نظرتها نظرا

تدرَّعتَ أثوابَ المحامد والتقى

كعرضك بيضًا وابتدلت بها خَضْرا

(1)

لئن نقلَ الأعداءُ عنك ضلالةً

رواية نقلٍ ما أحاطت بها خُبْرا

وإن أودعوك السجن منهم جهالةً

فقد زدت قدرًا عندما نقصوا قدرا

فما يختفي إلا الجواهرُ في الورى

ومن ظُلَم الأصداف يستخرج الدرّا

أيا سائلي، عن علمه وصفاته

هو البحر فاعجب فيه

(2)

من يصف البحرا

هو الغيث يثني

(3)

عنه كلّ لطيمة

من الروض بل تزكو لأوصافه نَشْرا

سما حاتمًا جودًا، وفاخر عاصمًا

ففاق لمن يقري الضيوف ومن يقرا

(1)

(ف): «بعرضك

حضرا».

(2)

سقطت من (ف).

(3)

(ف، ح): «ينثني» .

ص: 577

أيا بطَلٌ، يوم الجدال مجدِّلٌ

(1)

فوارسَ علم من فواضله قهرا

إذا قال في علياك أمعنُ قائلٍ

فما حاط من معشار ما نلته العُشْرا

وماذا يقول المادحون بوصفه

وقدرك فوق الشِّعْر جلّ عن الشِّعرى

تفرّدت في عِلْم وزهد وفطنة

فضلت بها في الفضل بين الورى ذكرا

أعدت نهار الجهل ليلًا مسوَّدًا

وكافر ليل الكفر صيّرته فجرا

نظمت على جيد الزمان قلائدًا

بفضلك نظمًا من علومك أو نثرا

لقد كنت في يوم الفَخَار وفي الوغى

شجاعًا يردّ الليث عن سبله قهرا

سيوفك بيض مثل عِرْضك في الورى

إذا اسودّ ليل النقع، صيَّرتها حُمرا

كأنك قد أُفْرِغْتَ في فرد قالب

تلاشى فلم يصبر على قلبة أخرى

فجئت على الأيام فردًا ومن رأى

مثالك

(2)

من كنز المكارم قد أثرى

فأقسم بالقرآن في العصر صادقًا

بأنك قد شرّفْتَ من دهرك العصرا

سقاك حيًا من وابل الغيث ثَجَّةٌ

(3)

وحيّا ندًى قد ضمّ مِن كفِّك البحرا

ونوّر نوّارُ الربيع ربوعَه

وأطلع في أرجائه الزّهر والزهرا

تمت بحمد الله وحسن توفيقه.

* * * *

(1)

(د): «مجندل» ، وفي هامش (ف) كتب:«لعله: مجندل» .

(2)

(ف، د): «مثلك» .

(3)

(ف): «شجره» ، (ك):«سحرة» ، والمثبت من (د). والثج: الصب الكثير. انظر «اللسان» (ثجج).

ص: 578

وله أيضًا فيه ــ رحمه الله ورضي عنه ــ آمين:

أبى اليومَ سرُّ الكون أن يتكتَّما

وصبغ مشيب

(1)

الدّمع أن يتكلَّما

وكلُّ مصون من شجون ولوعة

به تمَّ فَرْط الحزن والدمع قد نما

قضى ومضى مولى سما كلَّ ماجد

فأوحش رَبْع المكرمات وأظلما

غمامة جود أقلعت بعد صوبها

وبدرُ سُعودٍ غاب لمَّا تتمّما

وبحرُ علوم غاض زاخرُ يمِّه

وركن معالٍ قد وهى وتهدّما

عيوني مصاب الخطب لما تحققت

بها الدمع

(2)

من جفني تَعَنْدَم عندما

أيا فاضل العصر الذي في صفاته

تأخّر من في الفضل عنه تقدَّما

قضيت جميلَ الفعل أوحد ملّة

حمى الدين والإسلام عزمًا وسلّما

ليهْنِكَ كم جدّلت يومًا مجادلًا

وكلمته باللفظ منه تكلّما

نثرت على فرق الزمان جواهرًا

ودُرًّا على جيد الليالي تنظّما

بفضل صلاة مع صلاتك في الدُّجى

وجودك والإحسان أربحت مَغْنما

سبقت إلى الغايات في الفضل للورى

على قدم، مقدامها قد تقدَّما

مضى عَلَم في الناس حَبْر معلّم

فأوحش من رَبْع المدارس مَعْلما

فأصبح درس الفضل والعلم دارسًا

يودّ بأن يشكو الجَوَى ويُكلَّما

فتًى لو قُلامات الأنامل قلّما

لكان شبيه مثله اليوم قلّما

(3)

(1)

كذا في النسخ ولعله: «وصُنْع مُسِيل الدمع

».

(2)

(ف): «للدمع» .

(3)

(ف): «قلامات الأمامل» ، و (ط):«قلامات الأظافر» والمثبت من (ك). و (ف، ح، د): «شبيه مثلها» .

ص: 579

فلو أنصفته الباكياتُ لفقده

بكته دمًا من فيض أجفانها الدَّمّا

(1)

فتًى صيَّر المعراج للخلد في الدّجى

بأوراده، لما تسلَّم سلما

فكم جادلَتْ أقوالُه من معاند

تقاصر عنه، حين أقدم أحجما

وكم ردعت أراؤه من مخالفٍ

عن الدين بحثًا، حين سلّم أسْلَما

لبست تقيَّ الدين ثوبَ نقاوة

من الفضل عن مولى سواك تحرما

تخيرت ما يبقى على كلِّ هالك

فأرْبَحت من تلك التجارة مَغْنما

لقيت الذي قدَّمته من صنائع

من الخير أو ما جُدْتَ منك تكرُّما

وفي الحشر تلقى كلُّ نفس نفائسًا

ويُجْزَى الذي في الناس أجرم أجرما

تأخَّرت عن نيل المناصب رفعةً

ومثلك في أيامنا ما

(2)

تقدَّما

بنيتَ على الإسلام ركنًا ومَعْصَمًا

يقبّل منه المجد كفًّا ومِعْصَما

أقمتَ قناةَ الدين منك بعزمةٍ

وأطفأتَ نار الشرك منك فأظلما

صبرت على حمل الأذى منك راضيًا

وأعرضت عن فعل الأعادي تكرُّما

شهرت على أهل البدائع في الورى

صوارم شِرْكُ الكفرِ منها تصرّما

وقفتَ على يوم الجلاد شجاعة

بعزمٍ يردّ المشرفيّ مُثَلَّما

إذا بكت الأبطال خوف قبيلةٍ

ضحكت بثغرٍ في الوغى قد تبسَّما

ولما تبدّى نورُ نعشك لامعًا

تمنَّت بنات النعش أن تتحطَّما

وودّت بأن تدنو الثريّا إلى الثرى

نثارًا عليه، رِفْعة وتعظّما

(1)

(ف، د): «دما» .

(2)

(ك): «قد» وفي هامشها إشارة بما هو مثبت في نسخة.

ص: 580

نزلتَ على أهل المقابر رحمة

وأنقذتهم من ظلمة الظلم والظّما

(1)

سقى قبرك الوسمي في كلّ سَحْرة

سحائبُ رضوان به الروض وسّما

(2)

ورفّ عليه الأقحوان مفلّجا

وأطلع فيه الروض نجمًا وأنجما

تمت، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * * *

بسم الله الرحمن الرحيم، مرثاة في شيخ الإسلام العالم الرباني أحمد ابن تيمية الحرَّاني، للشيخ شمس الدين الحنبلي، من أهل الصالحية، ومولده قريبًا من سنة إحدى وسبعمائة بسفح قاسيون:

خَطْب جسيم [عَرانا] هائل جَلَل

قد عزَّ منه العزا، وابيضّت المقل

والوقت قبض، فلا صبر ولا جَلَد

أتى وصَرْف الليالي سابق عَجِل

والأمر يَعْظُم

(3)

، والأفكار حائرة

وقد أحاطت بنا الأهوال والوجل

كأنما الشمس في جوِّ السما كسفت

وضوؤها بائن عنها ومنفصل

والجوّ في مأتم، كالليل منظره

كأنَّ جنح الدّجى في الليل مُنْسَبل

(4)

فدمعتي بدمي يا سعد قد مُزِجت

كأنما في فؤادي النار تشتعل

أُمسي وأصبح والأحزان تكمدني

وحسرتي بدوام الدّهر تتصل

(5)

(1)

هذا من المبالغات غير المحمودة.

(2)

«في» سقطت من (ف)، و (د): «الوسمي كل سحيرة

... بها الروض قد سما».

(3)

النسخ: «معظم» وما أثبت يستقيم به الوزن.

(4)

(ف): «منبسل» خطأ.

(5)

في هامش (ك): «لعله: متصل» .

ص: 581

قد زادني أسفي، واشتدّ بي جزعي

وأيقنتُ أنْ حياتي حثَّها الأجل

وارَحْمتا لقلوب فُطّرت أسفًا

لقد عراها مصابٌ حادثٌ جَلَل

وساءها فَقْدُ من كان الأنيس لها

وخاب عند رجاها القصدُ والأمل

يا باكيًا طول [هذا]

(1)

الليل منتحبًا

لا يعتريه على طول البكا ملل

زد في البكاء بدمعٍ هاطل هَمِل

عسى بدمعك حرّ الوجه ينغسل

واعلم بأنّ السما والأرض باكية

على ابن تيميّة، والسهل والجبل

هذا الإمام التقيّ السيد الألمعي

(2)

البارع، اللوذعيّ الجامع الوجل

حَبرٌ، إمامٌ، تقيٌّ، زاهدٌ، ورع

ليث، همام، حصور، أوحد، بطل

العلم، والحلم، والآداب: شيمتُه

واللطف، والجود، والإحسان مكتمل

ماذا يقول فصيحٌ في مناقبه

والزهد منهجه، والعلم والعملُ

لقد حبا الله أيّام الزمان به

علومه أبحر، والخلقُ تنتهل

قد كان كالشمس للدنيا إذا طلعت

واليوم، لا عِوَض عنه، ولا بَدَل

نال الهداية في مبدا هدايته

وفي نهايته الإرشاد والجمل

قد كان معتصمًا بالله منتصرًا

وواثقًا، مكتفٍ بالله، مُتَّكل

لله درّ أبي العباس مِنْ رجل

ما إن يُرى في البرايا مثله رجل

تالله لا عاذل بالعذل يعدلني

(3)

عنه، وحاشاي أنْ يُلْهِيني العذل

(1)

(ف): «بطول» . والزيادة يستقيم بها الوزن.

(2)

في هامش (ك): «كذا في الأصل، ولعله: اللمعي» .

(3)

(ف): «بعذلني» خطأ.

ص: 582

يا سيَّد العصر كم خلَّفت من كبدٍ

حرَّى عليك، وعينٍ دمعها هَطِلُ

ليبكينَّ عليك العلمُ مِن أسفٍ

ليبكينّ عليك الفقهُ والجَدَل

ليبكينَّك أقوامٌ إذا وفدوا

من البلاد بعلم أمره شَكِل

لتبكينّك دارٌ كنت تسكنها

وتشتكي فقدَك الأسحارُ والأُصُل

فازوا بعلمك أقوام، وقد سُعِدوا

إذ عن جناب حماك الرّحْب ما عدلوا

وشاع ذكرُك في الدنيا بأجمعها

فأنت في الناس مضروبٌ بك المثل

دانت لعلمك أهلُ الأرض قاطبةً

فأنت مفتي الورى في كلِّ ما جهلوا

شبَّهت علمك بالبحر المحيط كما الـ

ـبحر المحيط بكلِّ الأرض مشتمل

وإن تكن في مجال الدرس كنت به

ليثًا تصول، ومن ألفاظك الأسَل

تروي الخلاف وتأتي بالأصول وعن

أهل الحديث بما قالوا وما نقلوا

وذكر

(1)

علمك في الآفاق منتشر

على ممرّ الليالي، ليس ينفصل

كم قد أتتك فتاوى لا عِداد لها

أجبتَ أربابَها عن كلّ ما سألوا

وكم أجبت النصارى عن مسائلهم

بمُخْرِقات

(2)

علوم عنك تنتقل

وكم قمعت ـ فدتك النفسُ ـ من بدع

وكنت فيها بأمر الله تستطل

وكم تواضعت عن علمٍ ومعرفة

تقًى، وقدرك بالجوزاء منتعل

(3)

لقد رويت من الآثار أوضحها

كما روَتْها الثقاتُ السادة الأُوَل

من ذا يضاهيك فيما قد خُصِصْت به

وبحر علمك منه العارض الهَطِل

(1)

(ف، د): «فذكر» .

(2)

«مُخرِقات» من «أخرق» أي: مُدْهشات.

(3)

(ف، د): «متصل» .

ص: 583

قد كنت أعجوبةً في الدّهر مدهشة

وكان درسك فيه العقل ينذهل

وكان يومك يومًا أمره عجبٌ

(1)

والناس للنعش بالهامات قد حَمَلوا

والخلق لا يهتدوا من عُظْم ما ازدحموا

فكم دموع تراها وهي تنهمل

يا رحمةً نزلت في الأرض وانتشرت

على جميع الذي في تُرْبه نزلوا

سَقتْ ثراك الغوادي طِيْبَ وابلها

كما ضريحك من تحت الرضا

(2)

خَضِل

كما حُبيت بدار الخلد منزلةً

حللتها، وعليك الحَلْي والحُلَل

وتاجك النور والنعلان من ذهب

وهكذا عن فتى شيبان

(3)

قد نقلوا

قل للذي سَرَّه موتُ الإمام: لقد

يكفيك جهلك يا مَن غرَّه الأمل

أما علمت بأنَّ الموتَ ما سَلِمت

منه ملوك بني الدنيا ولا الرسل

أين الملوكُ وأبناءُ الملوك، لقد

صالت عليهم صروفُ الدّهر فارتحلوا

وعن قليل ترى الدنيا وقد رَحَلت

فليس يغني ولاياتٌ ولا دُوَل

وليس يغني المُسِيْ يوم اللقا نَدَم

إذ أثقلَتْ ظهرَه الأوزارُ والزلل

وإنما المتقي تُرْجى النجاةُ له

لأنه خائف من ربِّه وَجِل

ولم يزل في قيام الدين مجتهدًا

وإن خلا في الدياجي فهو مبتهل

قل للذي كتبوا

(4)

علياه واجتهدوا

إنّ الذي علموا بعض الذي جهلوا

(1)

(ك): «آمنًا عجبًا» .

(2)

غيرها في (ط): «الثرى» .

(3)

يعني: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.

(4)

(ف): «كتموا» . و (ط): «للأولى كتبوا» .

ص: 584

والله، لستُ بمُحْصٍ مدحه أبدًا

ولو أتيتُ بما ضاقت به السبل

عليه منّي سلام الله ما صدحت

وُرْقٌ

(1)

على فَنَن، في نَوحِها زجل

تمت، وهي سبعة وخمسون بيتًا.

* * * *

[مرثيّة أخرى]

(2)

:

يا قوم توبوا إلى الرحمن وابتهلوا

فقد قضى رجل ما مثله رجل

يا قوم [و] استغفروا الرحمن خالقنا

قد غار بحر علوم موجه العمل

روى أحاديث الصحيح وعنه

(3)

سائر أخبار رُسْل الله تنتقل

الحلم والعلم والزهد المكين ومن

ما في مقالاته ريب ولا زلل

كم بدعة قد محاها ثم أبطلها

وكم أزاح لنا مِنْ منكر عملوا

كم قام في أمر دين الله مجتهدًا

ولم يكن عنده في أمره ملل

كم نار شرٍّ طفاها وهو مبتسم

.........

(4)

ولا خوف ولا وجل؟

كم أظهر الحقَّ لما قلَّ ناصره

وكم أبان لهم أمرًا له جهلوا

كم طوَّقَ الناسَ في أعناقهم مِننًا

ما ليس يحمله سَهْل ولا جبل

قد كان ذا موردٍ عَذْبٍ لقاصده

والناس تصدر منه ثمّ ترتحل

(1)

(ف): «ورقًا» خطأ.

(2)

في هامش (ك): «كذا وجدت في الأصل لم يعز هذه القصيدة» . ونحوه في (ح).

(3)

كذا في الأصلين! وفي هامش (ك): «لا يستقيم وزن البيت، والله أعلم» .

(4)

بياض في النسخ بمقدار كلمتين، وأكمله في (ط):«لم يَعْر أينٌ» .

ص: 585

من قبله جا إلى غازان مبتسمًا

على الجواد وكلّ الخلق قد نزلوا

حتى إذا جاءه والخلق تنظره

قامَ الجميعُ ولم يأخذهم كسلُ

فقال جهرًا له والخلق تسمعه:

هل أنت محمودُ بالإسلام متصل؟

فقال له: الشام يا محمودُ دارُ تقًى

ومعقل الأنبياء عنه

(1)

فارتحلوا

يكفيكم ما رأيتم مِنْ جنازته

ونعشه فوق رؤوس الخلق يَنتقل

إن كان فوق رؤوس حملوه فقد

أولاهمُ نعمًا ما ليس تنحمل

(2)

قد كنت أرجوه لي ذخرًا وآمله

وأرتجيه إذا ضاقت بي الحِيَل

قد كان ذا رجل للناس كلّهم

يا أيها الناس كفّوا قد قضى الأجل

(3)

تمت وهي ثمانية عشر بيتًا.

* * * *

رثاء

(4)

في الشيخ تقيّ الدين أبي العباس، أحمد ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ:

لما نُعي الشيخ الإمام المتّقي

نجل رئيس فاضل حَبر تقي

فاضت محاجر مقلتي، يا حسرتي

لفراقه فرقًا، وزاد تقلّقي

(1)

كذا في النسخ: «فقال له» . وفي هامش (ك): «لا يستقيم البيت، والله أعلم» أبو إسماعيل يوسف حسين عُفي عنه. وفي (ط): «وقال» . ولعله: «وقال الشآم

» وفي النسخ: «عنها» .

(2)

(ف): «ينخمل» .

(3)

(ف): «يا أيها كفوا

الرجل».

(4)

(ف، د): «مديح» ، (ط):«مرثية» .

ص: 586

زفرات أشواقي أكاد لحرّها

تنقض مني مهجتي

(1)

بتحرُّقي

وتركت من بعد التقيّ بلَوعَةٍ

ومدامعي مِنْ بعده لا ترتقي

متهتّك الأستار وَلْهَان الحشا

أبكي الدماءَ عليه حتّى نلتقي

حَزَني عليه مدى الزمان تأسّفًا

يا مقلتي سُحّي دمًا وترقرقي

يا قلب ذُبْ أسفًا عليه وحسرًة

فقليل ما لاقيت شَيَّب مَفْرقي

يا مهجتي ذوبي عليه صبابةً

وتقطَّعي لفراقه وتمزَّقي

يا مقلتي سُحّي بدمعٍ هاطل

متحدّر سحّ السحاب المطبق

يا ليتني يوم الفراق حضرته

حتى أجدّد ما مضى من موثقي

وأودِّع الوجه المليح بنظرةٍ

يحيا بها قلب الكئيب المُشْفق

ما كان أهنا عيشَنا بحياته

يا ليت يوم فراقه لم نُخْلَق

لو كان يُفْدى ما بخلت بمهجتي

في حقِّه، ولكنتُ أوَّل من يقي

يا أهله، لا تجزعوا لفراقه

ولأجل كأسٍ من حمام قد سُقي

فله جنان الخلد يسكنها غدًا

وعلى مناصبها العليَّة يرتقي

هو شيخنا، ورئيسنا، وإمامنا

لله درّ الطاهر الحبر التقي

إن قلتُ: طود العلم فهو حقيقة

فاسمع بهذا القول فيه وحقِّق

يفتي بجمع مذاهب عن أربع

لكنه في الفضل آخر من بقي

هو في القراءة أوحدٌ في عصره

هو في الأصول مفيدنا والمنطقي

(1)

سقطت من (ف).

ص: 587

شيخ الطريقة والحقيقة عارف

ورث الإمامة والعلوم، فحَقِّق

متصدّق، متفضّل، متطوِّل

لله ما أجزاه من متصدِّق

قد كان فينا وابلًا نحيا به

وثناؤه فينا كمسكٍ معبق

قد كان فينا جنّة أنهارها

تجري لنا من علمه المتدفِّق

قد كان فينا سيّدًا مِنْ سيد

فاقطع بهذا القول فيه وصدِّق

يا قبره يهنيك ما قد حُزْتَه

من زاهد برٍّ زكيّ متَّقي

قد صرت جنّةَ روضة بحلوله

فلَكَ الفَخَار بسيّدٍ وموفّق

فالله يرحمه ويجبر كسره

ويغيثنا من فضله المغدودق

واجبر بعفوك ناظمًا لقريضها

حسنًا أعنه تفضّلًا وتصدَّق

ثمّ الصلاة على النبيّ محمد

خير الأنام ومن لعرشك يرتقي

والحِقْ به الآل الكرام وصحبه

بكرامة فلأنت أكرم مُلْحِق

تمت، والحمد لله ربّ العالمين.

* * * *

وقال الشيخ الصالح العابد محمد أبو طاهر البعلي الحنبلي

(1)

، يمدح شيخ الإسلام والمسلمين الإمام أحمد ابن تيمية ــ رحمه الله ورضي عنه ــ:

يا ابن تيميّة يا أفصح العلما

يا مَن لأسرار دين الله قد فهما

(1)

ذكره الذهبي في «المعجم المختص» (ص 9)، لكن سماه: أحمد بن عبد الله شهاب الدين أبو طاهر البعلي الحنبلي (ت 735).

ص: 588

يا آيةً ظهرت في الكون باهرةً

لا زلت في سِلْك دين الله منتظما

وكنت واسطة في عقده أبدًا

تزيل منه الأذى والفُحْشَ والسَّقَما

جمعتَ منه الذي قد كان فَرَّقه

قومٌ رأوه هدًى منه، وكان عمى

وكنت أحرص خلقِ الله كلّهم

على التآلف، تعطي الفضلَ والنِّعَما

ولست خِبًّا لئيمًا باخلًا شَرِهًا

لكن تقيًّا، نقيًّا، سيد الكُرَما

تعفو عن الجاهل الجاني فترحمه

وتكثر العدل والإنصاف للخُصَما

ما زلت تغضبُ في ذات الإلاه ولم

تكن لنفسك يا ذا الحِلْم منتقما

فأنت حَبر هدًى أحيا الإلاه به

من دينه سننًا أماته الغُشَما

في رأس سبع مئين كنت قد وجبت

لك الإمامةُ يا خلاصة العلما

(1)

وكلّ شيء به جُلّ الورى هلكوا

فشيخنا ذو التقى

(2)

مِنْ شرِّه سَلِما

وكلّ وصفِ كمالٍ في نظائره

له خصائصه لا تقتضي العَدَما

كان المبرِّز في كلّ العلوم، وقد

أضْحَت له في ذرى أسنامها عَلَما

وكان حاوي صفات الخير أجمعها

قد حلَّ في كلّ حالات التقى قَدَما

لما أراد عِداه دَحْضه دُحِضوا

وزاده الله عزًّا دائمًا، وسما

أضحت عوائده تبدي فوائده

على موائده في حضرة الحُكَما

فهو التقيّ به أهلُ التقى ألفوا

وأبعد الله عنه المجرمَ الزّنما

(1)

في النسخ: «يا مربي خلاصة» . وفي هامش (ك): «كذا في الأصل، ولا يستقيم الوزن» أبو إسماعيل يوسف حسين. أقول: وبحذف «مربي» يستقيم الوزن.

(2)

(ك): «السخا» وعلق في الهامش: «بدله: التقى» .

ص: 589

وهو المحكّ الذي بان العبادُ به

إما كرامًا وإما خُيّبًا لُؤما

فإن أردتَ معايير العباد به

عَرّض بذكراه مدحًا وانظر السيما

(1)

ترى الغويّ حزينًا ثم منقبضًا

وتنظر المتقي قد سُرّ مبتسمًا

فحبّه نعمة فاز السعيدُ بها

وبغضه نقمة بها الشقيْ وُسِما

فالحمد لله، أهل الحمد، خالقنا

كم قد أفاض علينا في الورى نِعَما

عافى القلوبَ من الأسقام أجمعها

وعمَّ بالجود مَن وفّى ومَن ظَلَما

كم أفرجت كربة عنَّا بمِنّته

وكم أعان وكم عفا

(2)

وكم رحما

لا ترتجى غيره في رفع نازلةٍ

يبقى الهدى عنك والإحسان منصرمًا

ولا تكن بسواه عنه مشتغلًا

لكي تنال التُّقى والفوزَ والكرما

وكن محبًّا له ساعٍ بطاعته

فالسعي في غير هذا يورِثُ النَّدَما

تمت بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا

(3)

.

(1)

(ف): «الشيما» أو «الشهما» .

(2)

(ف): «عافا» .

(3)

العبارة في (ف): «تمت بحمد الله وحسن توفيقه، بمنه وكرمه. والحمد لله رب العالمين، وصلى .... وصحبه أجمعين» . وبه انتهت نسخة (ف، د). وبعده في (ك) قصيدة لأبي حفص عمر بن الوردي في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مطلعها:

قلبٌ كواه البين حتى أنضجا

ما زال في بحر الغرام ملجلجا

ولا علاقة لها بالكتاب.

وبعدها قال ناسخها: «وقع الفراغ التام من نسخة الكتاب المستطاب

».

ص: 590