الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[عدّة أجوبة لعلماء بغداد انتصارًا للشيخ]
جوابٌ آخر وصورته
(1)
:
بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يسِّر وأعِن
(2)
يقول العبدُ الفقير إلى الله تعالى:
بعد حَمْدِ الله السابغة نعمُه، الشائعة مِننُه
(3)
، والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
إنه حيثُ قد منَّ الله على عباده، وتفضَّل برحمته على بلاده، بأن وسَّد أمور الأمة المحمديَّة، وأسند أزِمَّة المِلَّة الحنيفية إلى
(4)
من خصَّصه الله تعالى بأفضل الكمالات النفسانية، وخصَّصه بأكمل السعادات الروحانية، محيي سنن العدل، ومُبدي سُنن الفضل، المعتصم بحبل الله، المتوكِّل على الله، المكتفي بنعم الله، القائم بأوامر الله، المستظهر بقوة الله، المستضيء بنور الله، أعزَّ الله سلطانه، وأعلى على سائر الملوك شأنه، ولا زالت رقابُ
(1)
مكانه في (ف، ك): «وقد وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار [ف: الأمصار] له، وكتبوا بموافقته، ورأيت خطوطهم بذلك، وهذا صورة ما كتبوا» .
(2)
ليست في (ب، ف).
(3)
(ف): «السابعة السائغة مننه» ، (ك):«السابغة مننه» .
(4)
(ف، ك): «على» .
الأمم خاضعة لأوامره، وأعناقُ العباد طائعةً لمراسمه
(1)
. ولا زال مُوالي دولته بطاعته محبورًا
(2)
، ومُعادي صولته بخزيه مذمومًا مدحورًا.
فالمرجوُّ من
(3)
الحضرة المقدَّسة ــ زادها الله علوًّا وشرفًا ــ أن يكون للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وصفوة الأصفياء، وعماد الدين، ومدارُ أهل اليقين، حظٌّ من العناية السلطانية وافر، ونصيبٌ من الرَّحمة والشفقة ظاهر
(4)
، فإنَّها مَنْقَبَةٌ لا تعادلها فضيلة، وحسنةٌ لا تُحْبِطها سيئة؛ لأنها حقيقة التعظيم لأمر الله، وخلاصة الشَّفَقة على خلق الله.
ولا ريبَ أنَّ المملوك وقف على ما سُئلَهُ الشيخ الإمام العالم
(5)
العلاّمة، وحيد دهره، وفريد عصره، تقيُّ الدين أبوالعباس ابن تيمية، وما أجاب به= فوجدتُه خلاصة ما قاله العلماء في هذا الباب، حسب ما اقتضاه الحال من نَقْلِه الصحيح، وما أدى إليه البحثُ من الإلزام والالتزام، لا يَدْخُلُه
(6)
تحامل، ولا يعتريه تجاهل، وليس فيه ــ والعياذ بالله ــ ما يقتضي الإزراء أو التنقيص بمنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وكيف يجوزُ للعلماء أن تحملهم العصبية أن يتفوَّهوا بالإزراء
(1)
(ف): «لمراسه» .
(2)
(ك، ط): «مجبورًا» .
(3)
(ب، ف، ك): «من ألطاف» .
(4)
«ونصيب. . ظاهر» سقط من (ف)، و «ظاهر» سقطت من (ك، ط)، و (ب): «نصيب
…
»، والأصل: «أو نصيب
…
».
(5)
ليست في (ف، ك، ط).
(6)
(ف، ك، ط): «يداخله» .
والتنقيص في حقِّ الرسول عليه السلام؟ !
وهل يجوز أن يتصوَّر مُتَصَوِّرٌ أنَّ [ق 125] زيارةَ قبر النبيّ
(1)
صلى الله عليه وسلم تزيدُ في قَدْره! ؟ وهل تَرْكها مما ينقصُ من تعظيمه؟ ! حاشا للرسول من ذلك!
نعم لو ذكر ذلك ذاكرٌ ابتداءً، وكان هناك قرائنُ تدلُّ على الإزراء والتنقيص، أمْكن حَمْلُه على ذلك، مع أنه كان يكون كنايةً
(2)
لا صريحًا، فكيفَ وقد قاله في معرض السؤال، وطريق البحث والجدال
(3)
؟ !
مع أنَّ المفهوم من كلام العلماء وأنظار العقلاء: أنَّ الزيارة ليست عبادةً وطاعةً بمجرّدها
(4)
، حتى لو حلف أنَّه يأتي بعبادةٍ أو طاعةٍ، لم يَبَرَّ بها.
لكن القاضي ابن كَجٍّ
(5)
ــ من متأخري أصحابنا ــ ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قُربة تلزمُ ناذِرَها. وهو منفردٌ به، لا يساعده في ذلك نقلٌ صريح ولا قياسٌ صحيح، والذي يقتضيه مطلقُ الخبر النبويِّ في قوله عليه السلام:«لا تُشَدُّ الرحال. . .» إلى آخره= أنَّه لا يجوز شدُّ الرحال إلى غير
(1)
بقية النسخ: «قبره» .
(2)
(ف): «كتابة» .
(3)
(ك، ط): «الجدل» .
(4)
(ك، ط): «لمجردها» .
(5)
هو: يوسف بن أحمد بن يوسف بن كَجّ أبو القاسم الدينوري الشافعي، من أصحاب الوجوه في المذهب، له تصانيف كثيرة. (ت 405). انظر «طبقات الشافعية»:(4/ 359) للسبكي، و «سير النبلاء»:(17/ 183).
ما ذُكِر. فمن اعتقد جواز الشدّ إلى غير ما ذُكِرَ
(1)
أو وجوبه، أو ندبيَّته= كان مخالفًا لصريح النهي، ومخالفة النهي معصية ــ إما كفر أو غيره ــ على قَدْر المنهيّ عنه، ووجوبه، وتحريمه، وصفةِ النهي. والزيارةُ أخصُّ من وجه؛ فالزيارة بغير شدٍّ غير منهيٍّ عنها، ومع الشدِّ منهيٌّ عنها.
وبالجملة؛ فما ذكره الشيخُ تقيّ الدين على الوجه المذكور الموقوف عليه، لم يستحقّ عليه عقابًا، ولا يوجب عتابًا.
والمراحم السلطانية أحْرَى بالتوسِعَة عليه، والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه، وللآراء الملكيّة علوُّ المزيد.
حرَّره ابنُ الكُتبي الشافعي
(2)
، حامدًا لله على نعمه.
جواب آخر
الله الموفق.
ما أجاب به الشيخُ الأجلُّ الأوحدُ، بقية السلف، وقدوة الخلف، رئيس المحقّقين، وخلاصة المدقّقين، تقيُّ الملَّة والحقّ والدين= مِن الخلاف في هذه المسألة، صحيحٌ منقول في غيرِ ما كتابٍ من كتب أهل العلم، لا اعتراض عليه في ذلك؛ إذ ليس في ذلك ثَلْبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غَضٌّ من قدره صلى الله عليه وسلم.
(1)
«فمن. . . ما ذكر» سقط من (ف، ك، ط).
(2)
لعله: يوسف بن إسماعيل بن إلياس أبو المحاسن الشافعي البغدادي، المعروف بابن الكتبي (ت 755). انظر «الوفيات»:(2/ 170) لابن رافع، و «مشيخة ابن رجب» (ص 113).
وقد نصَّ الشيخ أبومحمد الجويني في كتبه على تحريم السَّفَر لزيارة القبور، وهو
(1)
اختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في «إكماله»
(2)
. وهو أفضل
(3)
المتأخرين من أصحابنا.
ومن «المدوَّنة»
(4)
فلم يجعل نَذْر زيارة قبره طاعةً يجب الوفاء بها، إذ من أصلنا: أنَّ من نَذَر طاعةً لزمه الوفاءُ بها، كان من جنسها ما هو واجبٌ بالشرع ــ كما هو مذهب أبي حنيفة ــ أو لم يكن.
قال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق عقيب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما، ولو كان نَذَر زيارةَ طاعةٍ لما
(5)
لزمه ذلك.
وقد ذكر ذلك القيرواني في «تقريبه» ، والشيخ ابن بشير
(6)
في
(1)
(ف، ك، ط): «وهذا» .
(2)
(4/ 449).
(3)
(ف، ك، ط): «من أفضل» . وعلق ناسخ (ك) بنقل كلام القسطلاني في شرح البخاري في مسألة شدّ الرحل
…
(4)
(2/ 18).
(5)
(ب): «نذر زيارته» ، و «لما» سقطت من باقي النسخ.
(6)
«وقد ذكر ذلك» سقطت من (ب)، و «ابن بشير» تحرفت في (ف، ك، ط) إلى: «ابن سيرين» . وهو: إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير، أبو الطاهر التنوخي، كان إمامًا في مذهب مالك، صاحب اجتهاد واختيار. (ت بعد 526). انظر «الديباج المذهب» (ص 87).
«تنبيهه» .
وفي «المبسوط» : قال مالك: ومن نذر المشي إلى مسجدٍ من المساجد ليصلي فيه، قال: فإني أكره ذلك له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلَاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا» .
وروى محمد بن المَوَّاز في «المَوَّازيَّة» عنه
(1)
: إلا أن يكون قريبًا، فيلزمه الوفاءُ؛ لأنَّه ليس بشدِّ رَحْل.
وقد قال الشيخ أبوعُمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد»
(2)
: يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
وحيث تقرَّر هذا؛ فلا يجوز [ق 126] أن يُنسب من أجاب في هذه المسألة بأنَّه سَفَرٌ منهيٌّ عنه إلى الكفر، فمن كفَّره بذلك من غير موجب، فإن كان مستبيحًا ذلك، فهو كافر وإلاّ فهو فاسق.
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازَرِي في كتاب «المعلم»
(3)
: «من كفَّر أحدًا من أهل القبلة، فإن كان مستبيحًا لذلك
(4)
فقد كفر، وإلَاّ
(1)
ليست في (ف، ك، ط).
(2)
(1/ 168).
(3)
(/). وتحرفت في (ب) إلى «العلم» .
(4)
(ف، ك، ط): «ذلك» .
فهو فاسق، يجب على الحاكم إذا رُفِعَ أمرُه إليه أن يؤدِّبه ويُعزِّره بما يكون رادعًا لأمثاله، فإن ترك ذلك
(1)
مع القدرة عليه فهو آثم». والله تعالى أعلم.
كتبه محمد بن عبد الرحمن البغدادي الخادم للطائفة
(2)
المالكية بالمدرسة الشريفة المُسْتنصرية، رحمة الله تعالى على مُنْشِئها.
وكتب تحته الإمام صفيُّ الدين [ق 124] ابن عبد الحقّ الحنبلي
(3)
:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلواته على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين. ما ذكره مولانا الإمام، العالم العامل، جامع الفضائل
(4)
، بحر العلوم، ومنشأ الفضل، جمال الدين، الكاتب
(5)
خطّه أمام خطّي هذا، جَمَّل الله به الإسلام، وأسبل عليه سوابغ الإنعام، أتى فيه بالحقِّ الجليِّ الواضح، وأعرضَ فيه عن إغْضاء المشايخ؛ إذ السؤال والجواب اللذين
(6)
تقدماه، لا يخفى على ذي فطنةٍ وعقل، أنه أتى في الجواب المطابق
(7)
(1)
ليست في (ف، ك).
(2)
(ب): «لطائفة» . يعرف بابن عسكر. ترجمته في «الديباج المذهب» (ص 333) لابن فرحون.
(3)
هذه العبارة ليست في (ف، ك) وبدلًا منها: «أجاب غيره فقال» . وترجمته في «أعيان العصر» : (3/ 181)، و «الذيل على طبقات الحنابلة»:(5/ 77 ــ 84). وهو صاحب كتاب «مراصد الاطلاع» .
(4)
(ف، ك): زيادة: «والفوائد» .
(5)
(ف، ك): «كاتب» .
(6)
كذا، والوجه «اللذان» .
(7)
(ب، ك): «بالمطابق» .
للسؤال، بحكاية أقوال العلماء الذين تقدَّموه، ولم يبق عليه في ذلك إلاّ أن يعترضه معترض في نقله فيبرزه له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم.
والمعترض له بالتشنيع، إما جاهل لا يعلم ما يقول، أو مُتجاهل يحمله حسدُه وحميّته
(1)
الجاهلية على ردِّ ما هو عند العلماء مقبول، أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد، وعَصَمنا من مخايل النكد، بمحمد وآله الطاهرين
(2)
.
كتبه العبد الفقير
(3)
إلى عفو ربه ورضوانه: عبد المؤمن بن عبد الحق الخطيب. غفر الله له ولجميع المسلمين آمين، والحمد لله، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وسلامه
(4)
.
***
وجوابٌ آخر لبعض علماء أهل الشام المالكية
(5)
الحمد لله، وهو حسبي.
السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع. وأما من سافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليُصلي فيه ويُسَلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحِبَيه ــ رضي الله عنهما ــ فمشروعٌ كما ذُكر
(6)
باتفاق العلماء.
(1)
(ف، ك): «وحمية» .
(2)
العبارة في (ف، ك): «. . . وآله الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين» . ويُنبَّه إلى أن السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم لايجوز.
(3)
«العبد» ليست في (ك)، و «الفقير» ليست في (ب).
(4)
(ب): «. . له ولوالديه. .» ، و (ف، ك): «غفر الله له وللمسلمين أجمعين» فقط.
(5)
هذا الجواب متأخر في (ف، ك) بعد جواب ابن البتي الحنبلي.
(6)
(ب): «ذكرنا» .
وأمّا لو قَصَد إعمال المطيّ لزيارته صلى الله عليه وسلم ولم يقصد الصلاة؛ فهذا السَّفر إذا ذكر رجلٌ فيه خلافًا للعلماء، وأن منهم من قال: إنه منهيٌّ عنه، ومنهم من قال: إنه مباح، وأنه على القولين
(1)
ليس بطاعة ولا قُرْبة ــ فمن جعلَه طاعةً وقربةً
(2)
على مقتضى هذين القولين كان حرامًا بالإجماع ــ وذكَرَ حُجَّةَ كلِّ قول منهما، أو رجَّح أحدَ القولين= لم يلزمه ما يلزم
(3)
مَنْ تَنَقَّص؛ إذ لا تنقُّص في ذلك، ولا إزراء بالنبي صلى الله عليه وسلم .
وقد قال مالك ــ رحمه الله ورضي عنه ــ لسائلٍ سأله أنه نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصلِّ فيه، وإن كان أراد القبر، فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء:«لا تُعْمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» ، والله أعلم
(4)
.
كتبه أبو عَمْرو بن أبي
(5)
الوليد المالكي
(6)
.
نقلتُ هذه الأجوبة كلّها من خطِّ المفتين بها.
***
(1)
(ب): «قولين» .
(2)
«فمن جعله طاعةً وقربة» من الأصل و (ب).
(3)
«ما يلزم» ليست في (ب).
(4)
«للحديث. . . أعلم» ليست في (ب).
(5)
«أبي» ليست في (ب).
(6)
ترجمته في «البداية والنهاية» : (18/ 476) و «الدرر الكامنة» : (1/ 247). قال ابن كثير: «وتأسف الناس عليه وعلى صلاحه وفتاويه النافعة الكثيرة» (ت 745).
وقد وصل ما أجاب به الشيخُ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار له، وكتبوا بموافقته، ورأيتُ خطوطَهم بذلك، وهذه صورة ما كتبوا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1)
بعد حَمْد الله الذي هو فاتحة كلِّ كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام.
يقول أفقر عباد الله
(2)
، وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخُ الإمام، البارع الهُمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل في هذا الجواب، من أقوال العلماء، والأئمة النبلاء ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ بَيِّنٌ لا يُدْفَع، ومكشوفٌ لا يتَقَنَّع، بل أوضح من النيِّرَين، وأظهر من فَرَق الصبح لذي عين
(3)
. والعُمْدة في هذه المسألة: الحديثُ المتفق على صِحَّته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي
(4)
صيغته.
(1)
هذا التصدير سبق ذكره في (ف، ك)(ص 414) وبدله هنا فيهما: «وأجاب غيره فقال» .
(2)
(ف): «عباده» .
(3)
بقية النسخ: «لذي عينين» .
(4)
(ب): «احتمال» .
وذلك أنَّ صيغة قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ
…
»
(1)
ذاتُ وجهين: نفي ونهي، لاحتمالها لهما، فإنْ لُحِظَ معنى النفي، فمعناه
(2)
نفي فضيلة واستحباب شدِّ الرَّحل، وإعمال المَطيِّ إلى غير المساجد الثلاثة
(3)
. إذ لو فُرض وقوعهما لامتنع رفعهما. فتعيَّن توجُّه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد أن إعمال المطي وشدّ الرِّحال إليه قُربة وفضيلة؛ من المساجد، وزيارة قبور الصالحين، وما جرى هذا المجرى، بل أعمّ من ذلك. وإثبات ذلك النفي
(4)
لإعمال المطي إلى المساجد الثلاثة وما خرج من ذلك العموم
(5)
، بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفيّ المقدَّر في صدر الجملة لما بعد «إلاّ» ، وإلاّ لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها، وهو مفترق. وحينئذٍ
(6)
لا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة.
فهذا وجهُ متمسَّك من قال بإباحة هذا السفر، بالنظر إلى أنَّ هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر.
وإن كان النهي ملحوظًا، فالمعنى حينئذٍ نهيه عن إعمال [ق 123] المَطيّ
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
(ك): «فمقتضاه» ، وفي هامشها:«فمعناه» ، كذا في الأصل على هامشه» اهـ أبوإسماعيل يوسف حسين.
(3)
(ف، ك): «شد الرحال» . وعبارة: «المطي. . . الثلاثة» سقطت من (ف).
(4)
الأصل: «المنفي» والمثبت من (ب).
(5)
«المنفي. . . العموم» سقط من (ف، ك).
(6)
(ف، ك، ط): «حينئذ» .
وشدّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة؛ إذ المقرَّر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاضٍ بتحريمه أو كراهته، على حسب مقتضى الأدلة. فهذا وجه متمسَّك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر؛ لكونه منهيًّا عنه
(1)
.
وممَّن
(2)
قال بحرمته: الشيخ الإمام أبومحمد الجُوَيني من الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض ــ من المالكية ــ إلى اختياره.
وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور؛ فمحمول
(3)
على ما لم يكن فيه شدُّ رَحْلٍ وإعمالُ مَطِيٍّ، جمعًا بينهما.
ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون غير حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» معارضًا، لعدم مساواته إيّاه في الدَّرَجة؛ لكونه من أعلى أقسام الصحيح. والله تعالى أعلم.
وقد بلغ
(4)
أنه زُري وضُيِّق على المجيب، وهذا أمر يَحارُ فيه اللبيب، ويتعجَّب منه الأريب، ويقعُ به في شكٍّ مريب! فإنَّ جوابه في هذه المسألة قاضٍ بذكر خلاف العلماء، وليس حاكمًا بالغضِّ من الصالحين والأنبياء. فإنَّ الأخذ بمقتضى كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في الحديث المتفق
(1)
«في هذا. . . عنه» سقط من (ب).
(2)
الأصل: «ومن» .
(3)
(ف): «فمحمولة» .
(4)
كذا في الأصول عدا (ف): «بلغني» .
على رَفْعِه
(1)
إليه: هو الغايةُ القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مِرْيَة فيه.
وإذا كان كذلك؛ فأيُّ حرجٍ على من سُئل عن مسألة، فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال
(2)
العلماء؟ ! فإنَّ الأمر لم يزل كذلك على مرِّ العصور، وتعاقب الدُّهور.
وهل ذلك محمول من القادح إلّا على امتطاء نضو
(3)
الهوى، المفضي بصاحبه إلى التَّوى، فإنَّ من يُقْتَبس من فوائده، ويُلْتَقط من فرائده، لحقيق بالتعظيم، وخليقٌ بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذِّهن المستقيم. وهل حكمُ المُظَاهِرِ عليه في الظاهر، إلَاّ كما قيل في المثل السائر، وقول الشاعر:«الشعير يُؤكل ويُذَمّ»
(4)
.
جزى بنوه أبا الغيلان عن كِبَرٍ
…
وحُسْن فعلٍ كما يُجْزى سِنمَّار
(5)
[وغيره]
(6)
:
(1)
(ف): «صحته رفعه» ، (ك):«صحة رفعه» .
(2)
«الفقهاء. . . أقوال» سقط من (ب).
(3)
الأصل: «نصر» ، (ف):«تصولد. وفي الهامش إشارة إلى نسخة: لصهوه» ، والمثبت من (ك). والنضو: المهزول.
(4)
«الشعير. . .» ليست في (ب).
(5)
الأصل: «سمنار» . والبيت لسليط بن سعد. انظر «الأغاني» : (2/ 138)، و «خزانة الأدب»:(1/ 275).
(6)
من (ف). والبيتان لمالك بن أسماء، انظر «البيان والتبيُّن»:(1/ 147)، و «الأغاني»:(17/ 238).
وحديث ألذّه، هو ممّا
…
يَنْعَتُ النَّاعِتون يُوزَنُ وزنا
منطقٌ رائع
(1)
وتلحَنُ أحيا
…
نًا، وخيرُ الحديث ما كان لحنا
قال الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]. وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
ولولا خشية الملالة لما نكَبْتُ عن الإطالة. نسأل الله الكريم أن يسلك بنا وبكم سُبُل
(2)
الهداية، وأن يجنّبنا وإيّاكم مسلك الغواية، إنه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعم المولى
(3)
ونعم النصير.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلوات الله وسلامه على سيّد المرسلين. محمد النبي وآله الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين
(4)
.
(1)
(ف، ك): «أربع» خطأ. والرواية: «صائب» .
(2)
(ف، ك، ط): «سبيل» .
(3)
«نعم المولى» ليست في (ف، ك، ط). وفي (ب): «وهو حسبنا» .
(4)
(ف، ك، ط): «المنتخبين» .
هذا جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتّي الحنبلي
(1)
رحمه الله
(2)
. ومن خطه نقلتُ
(3)
.
(1)
توفي في شوال سنة (726 هـ). ترجمته في «الذيل على طبقات الحنابلة» : (4/ 463).
(2)
بعده في (ف، ك، ط): «قال المؤلف. . .» .
(3)
بعده في (ف، ك، ط) جواب أحد علماء الشام من المالكية، وهو في الأصل و (ب) مقدّم قبل جواب ابن البتي الحنبلي.
ووقفتُ على كتاب وَرَدَ مع أجوبة أهل بغداد، وصورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومُعِزِّ الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المالكية
(1)
الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العزّ المقرون بالدوام، وحلَّاها بحِلْية النَّصْر المستمرِّ بمرور الليالي والأيّام. والصلاة والسلام على النبيّ المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البَرَرة الكرام.
اللهم إنَّ بابك لم يزل مفتوحًا للسائلين، ورِفْدكَ ما بَرِحَ مبذولًا للوافدين، مَنْ عوَّدته مسألتك وحدَك، لم يسأل أحدًا سواك. ومن منَحْتَه منائح رِفْدك، لم يَفِدْ على غيرك، ولم يَحْتَمِ إلَّا بِحِماك. أنت الربُّ العظيم الكريم الأكرم. قَصْدُ بابِ غيرك على عبادك محرَّم، أنت الذي لا إله غيرك، ولا معبود سِواك، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، وتقدَّست أسماؤك، وعَظُم بلاؤك، ولا إله غيرك.
لم
(2)
تزل سُنَّتُك في خَلْقِك جاريةً [ق 127] بامتحان أوليائك وأحبابك
(3)
، تفضُّلًا منك عليهم، وإحسانًا من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذِكرًا، ولأنْعُمِك في جميع التقلُّبات شكرًا. ولكنَّ أكثر الناس
(1)
(ب): «الملكية» .
(2)
(ف، ك): «ولم» .
(3)
(ف): «وأحبائك» .
لا يعلمون. {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43].
اللهم وأنت العالم الذي لا يُعَلَّم، وأنت الكريم الذي لا يُبَخَّل
(1)
، قد علمت يا عالم السِّرِّ والعلانية، أنَّ قلوبنا لم تزل ترفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسنتنا في حالتي السرِّ والعلانية ناطقة= أن تسعفنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلاء والرفعة والتمكين، وأن تحَقِّق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي
(2)
ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع
(3)
مكايد الملحدين؛ لأنَّها الدولة التي بَرِئت من غشيان الجَنَفِ والحيْفِ، وسَلِمت من طغيان القلم والسَّيفِ.
والذي تنطوي عليه ضمائر المسلمين، وتشتمل عليه سرائر المؤمنين: أنَّ السلطان الملك الناصر للدين، ممن قال فيه ربُّ العالمين، وإله السماوات والأرضين ــ الذي بتمكينه في أرضه
(4)
حصل التمكينُ لملوك الأرض، وعظماء السلاطين ــ في كتابه العزيز الذي يُتْلَى، فمن شاء فليتدبَّر:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41]. وهو ممن مكَّنه الله في الأرض تمكينًا، يقينًا لا ظنًّا.
(1)
(ب): «اللهم أنت الله» . (ف، ك): «تعلم. . . تبخل» .
(2)
(ف، ك، ط): «في» .
(3)
(ب): «ورفع» .
(4)
«في أرضه» ليس في (ب).
وهو ممَّن يُعْنَى بقوله
(1)
والذي عَهِدَه
(2)
المسلمون، وتعوَّده المؤمنون، من المراحم الكريمة، والعواطف الرحيمة: إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين.
والذي حَمَل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة ــ وإن كانت لم تزل مرفوعةً إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة ــ قولُه صلى الله عليه وسلم : «الدينُ النَّصيحة» ، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم»
(3)
. وقوله صلى الله عليه وسلم : «الأعمال بالنيات»
(4)
. وهذان الحديثان مشهوران بالصحة، مُستفاضان
(5)
في الأمة.
ثم إن هذا الشيخ المعظَّم الجليل، والإمام المكرَّم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعَلَم الدولة السلطانية، لو أقْسَم مُقْسم بالله القدير: إنَّ هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا
(1)
«تمكينا. . . بقوله» ليس في (ب). والآية في الأصل و (ب) إلى قوله: {أَمْنًا} .
(2)
(ك): «عهد» .
(3)
أخرجه مسلم رقم (55) من حديث تميم الداري رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) من حديث عمر رضي الله عنه.
(5)
(ف، ك، ط): «ومستفيضان» .
نظير= لكانت يمينُه بَرَّةً غنيةً
(1)
عن التكفير. وقد خلت من وجود مثله السبعُ الأقاليم، إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كلُّ منصف جُبِلَ على الطبع السليم. ولست بالثناء عليه أُطريه، بل لو أطنب مُطْنِبٌ في مدحه والثناء عليه، لما أتى على بعض الفضائل التي هي فيه. أحمد ابن تيمية، دُرَّة يتيمة
(2)
يُتنافس فيها، تُشْتَرى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك دُرَّة تماثلها وتؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع.
لقد أصَمَّ الأسماع، وأوهى المتبوعين والأتباع= سماعُ رفع أبي العباس ــ أحمد ابن تيمية ــ إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمرٌ [ق 128] يُنْقَم منه عليه، إلَاّ أن يكون أمرًا قد لُبِّسَ
(3)
عليه، ونُسِبَ إلى ما لا يُنْسَب مثلُه إليه. والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطبٌ فهو القطبُ على التحقيق.
قد نَصَبَ الله السلطان ــ أعلى الله شأنه ــ في هذا الزمان منصب يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه، لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حين أَمحَلَتِ البلاد
(4)
، واحتاجَ أهلُها إلى القوت
(5)
المُدَّخَر لديه. والحاجةُ بالناس الآن إلى قوت الأرواح الرُّوحانية أعظم من حاجتهم في
(1)
«مقسم» و «غنية» سقطت من (ب).
(2)
(ب): «يتمية» .
(3)
(ب): «أمرًا لبس» ، (ف):«إلا أنه» .
(4)
«حين أمحلت البلاد» سقط من (ب).
(5)
(ك): «الفوات» وفي هامشها: لعله القوت.
ذلك الزمان إلى طعم الجثث الجثمانية. وأقوات الأرواح
(1)
المشار إليها
(2)
، لا خفاء أنها العلوم
(3)
الشريفة، والمعاني اللطيفة.
وقد كانت في بلاد المملكة السلطانية ــ حرسها الله تعالى ــ تُكال إلينا جُزافًا بغير أثمان، مِنْحَةً عظيمة من الله للسلطان، ونعمةً جسيمةً، إذ خصَّ بلاد مملكته، وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار
(4)
؛ فوجدوا صاحبَ صُواع الملك قد رُفع إلى القلاع، ومثل هذه المِيرة لا توجد في غير تلك البلاد لتُشتَرى أو تُباع، فصادف ذلك جَدْب الأرض ونواحيها، جَدْبًا أعطب أهاليها، حتَّى صاروا من شدَّة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات.
والذي عرَّض للملك بالتضييق على صاحب صُواعه مع شدَّة الحاجة إلى غذاء الأرواح، لعله لم يتحقّق عنده أنَّ هذا الإمام من أكابر الأولياء، وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغةٌ من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].
وأمّا إزراء بعض العلماء عليه في فتواه، وجوابه عن مسألة شدِّ الرِّحال
(1)
«الروحانية. . . الأرواح» سقطت من (ف، ك، ط).
(2)
(ف، ك، ط): «المشار في ذلك الزمان إليها» .
(3)
(ك، ط): «للعلوم» .
(4)
(ب): «وقد كان الوافدون» . (ف، ك، ط): «وكان قد وفد. . إلى تلك الديار فوجدوا
…
».
إلى القبور
(1)
؛ فقد حُمِلَ جوابُ علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء، وقُرَنائهم من الفضلاء، وكلُّهم أفتى أنَّ الصواب في الذي به أجاب.
والظاهر بين الأنام أنَّ إكرام هذا الإمام، ومعاملته بالتبجيل والاحترام؛ فيه من
(2)
قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملَّة
(3)
، واسْتِجْلاب الدعاء، وكَبْتِ الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغُمَّة، ووفور الأجر، وعُلُوِّ الذِّكْر، ورفع البأس، ونفع الناس
(4)
. ولسانُ حال المسلمين تالي قول الكبير المتعال: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88].
والبضاعة المزجاةُ: هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والمِيرة المطلوبة: هي الإفراج عن شيخ الإسلام. والذي حَمَل على هذا الإقدام قولُه عليه السلام
(5)
: «الدينُ النصيحة» والسلام.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين
(6)
، وسلَّم تسليمًا. هذا آخر هذا الكتاب.
***
(1)
بقية النسخ: «زيارة القبور» .
(2)
(ف، ك، ط): «فيه قوام» .
(3)
«وإعزاز الملة» ليست في (ب).
(4)
«ورفع البأس» ليست في (ب)، «ونفع الناس» ليست في (ف).
(5)
«قوله عليه السلام» ليست في (ب). وتقدم تخريج الحديث.
(6)
«ف، ك» : «الكرام» .
(1)
ووقفتُ على كتابٍ آخر، صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلامُ على سيّد المرسلين، محمّد النبيّ وآله وصحبه أجمعين.
اللهم فكما أيَّدت ملوكَ الإسلام، وولاة الأمور بالقوَّة والأيْدِ، وشَيَّدْت [ق 129] لهم ذِكْرًا، وجعلتَهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذُخْرًا، وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جَبْرا، فاشْدُد الّلهم منهم بحسن معونتك لهم أزرًا، وأعْلِ لهم مجدًا وارفع قدرًا، وزدهم عزًّا، وزوِّدهم على أعدائهم
(2)
نصرًا، وامْنحهم توفيقًا مسدَّدًا، وتمكينًا مستمرًّا.
وبعد؛ فإنه لما قرع أسماعَ أهلِ البلاد المشرقيَّة، والنواحي العراقية التضييقُ على شيخ الإسلام، أبي العباس تقيِّ الدين أحمد ابن تيمية ــ سلمه الله ــ عَظُمَ ذلك على المسلمين، وشقَّ على ذوي الدين
(3)
، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهلِ الأهواء والمبتدعين.
ولما رأى علماءُ أهلِ هذه الناحية عُظْمَ هذه النازلة؛ من شماتة أصحاب أهل البدع
(4)
وأهل الأهواء، بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء= أنْهَوا
(1)
قبله في (ف، ك، ط): «قال المؤلف. . .» . وهذا الكتاب سقط برمته من (ب).
(2)
(ف، ك، ط): «أعدائك» .
(3)
(ف، ك، ط): «وشق عليهم» .
(4)
(ف): «شماتة أصحاب البدع» ، (ك، ط): «شماتة أهل. .» .
حالَ هذا الأمر الفظيع والقول
(1)
الشنيع، إلى الحضرة الشريفة السلطانية ــ زادها الله شرفًا ــ وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ ــ سلَّمه الله ــ في فتاويه
(2)
، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك إلى بين يدي مولانا ملك الأمراء ــ أعزَّ الله أنصاره وضاعف اقتداره ــ غيرةً منهم على هذا الدين، ونصيحةً للإسلام وأمراء المسلمين
(3)
.
والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم؛ لأنَّها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم.
وأفضل الصلاة وأشرف
(4)
التسليم على النبي الأمي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلَّم تسليمًا
(5)
.
***
(1)
(ف، ك، ط): «والأمر» .
(2)
(ك، ط): «فتواه» .
(3)
(ف، ك، ط): «المؤمنين» .
(4)
«أشرف» ليست في (ف).
(5)
قال مرعي الكرمي في «الكواكب الدريّة» (ص 171 ــ 172) بعد ما ساق هذه الكتب: «والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها، أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة، ولم أقف على ذلك. وهذه الأجوبة والكتب وصلت كلها إلى دمشق» اهـ.
ويضاف أيضًا ما قاله الذهبي في «الدرة اليتيمية ــ تكملة الجامع» (ص 45) لما تكلم على علاقة الشيخ بالملك الناصر ــ الذي أخرجه من السجن لما تولى عام 709، ثم هو الذي يأمر بسجنه سنة 726 وقبلها ــ قال: «ولم يكن الشيخ من رجال الدولة، ولا سلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به
…
».
ثم إن الشيخ رحمه الله بقي مقيمًا بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا
(1)
، ثم توفي إلى رحمة الله ورضوانه. وما برح في هذه المدة مُكِبًّا على العبادة والتلاوة، وتصنيف الكتب، والردِّ على المخالفين.
وكَتَب على تفسير القرآن العظيم جملةً كثيرة، تشتمل على نفائس
(2)
جليلة، ونكتٍ دقيقة، ومعانٍ لطيفة، وبيَّن في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلقٍ من علماء أهل التفسير
(3)
.
وكتب في المسألة التي حُبِسَ بسببها عِدَّة مجلَّدات.
منها: كتاب في الردِّ على
(4)
الإخنائي، قاضي المالكية بمصر، تُعرف بـ «الإخنائية»
(5)
.
ومنها: كتابٌ كبير حافل في الردِّ على بعض قضاة الشافعية
(6)
. وأشياء كثيرة في هذا المعنى أيضًا.
***
(1)
«وأيامًا» ليست في (ب).
(2)
(ب): «نفائس على» .
(3)
انظر ما سبق (ص 40).
(4)
بقية النسخ: «على ابن» .
(5)
طبعت الإخنائية عدة مرات، منها بتصحيح الشيخ المعلمي، وآخرها بتحقيق أحمد العنزي ــ دار الخرّاز.
والإخنائي هو: محمد بن أبي بكر بن عيسى السعدي المصري المالكي، قاضي المالكية بالديار المصرية (ت 750). انظر «أعيان العصر»:(4/ 362 ــ 363) و «الدرر الكامنة» : (3/ 407 ــ 408).
(6)
لعله يعني «الزملكانية» وسيأتي ذكر الشيخ لها قريبًا (ص 440).
[وفاة الشيخ عبد الله ابن تيمية
(1)
أخي الشيخ]
وفي هذه المدة التي كان الشيخ فيها بالقلعة توفي أخوه الشيخ الإمام
(2)
العلامة البارع، الحافظ الزاهد
(3)
الورع، جمال الإسلام، شرف الدين أبومحمد عبد الله. توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الأولى من سنة سبعٍ وعشرين وسبعمائة. وصُلِّيَ عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى باب القلعة، فصُلِّيَ عليه مرَّة أخرى، وصلَّى عليه أخوه
(4)
، وخَلْق من داخل القلعة، وكان الصوتُ بالتكبير يبلغهم
(5)
، وكثر البكاء في تلك الساعة، وكان وقتًا مشهودًا. ثم صُلِّي عليه مرَّةً ثالثة ورابعةً، وحُمِلَ على الرؤوس والأصابع إلى مقبرة الصوفية، فدُفِنَ بها. وحضر جنازتَه جمعٌ كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناءُ والتأسُّف [ق 130] عليه.
وكان ــ رحمه الله ــ صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير، شريف النفس، شجاعًا مِقْدامًا مجاهدًا، بارعًا في الفقه، إمامًا في النحو، مستحضرًا لتراجم السلف ووفياتهم، له في ذلك يدٌ طولى، عالمًا بالتواريخ المتقدمة والمتأخرة. وكان ــ رحمه الله ــ شديد الخوف والشَّفقة على أخيه شيخ الإسلام.
(1)
توفي سنة (727). ترجمته في «أعيان العصر» : (2/ 692)، و «الذيل على طبقات الحنابلة»:(4/ 477)، و «الدرر الكامنة»:(2/ 266).
(2)
«الشيخ» ليست في (ب)، و (ف، ك، ط): زيادة «العالم» .
(3)
بعده في (ب): «العابد» .
(4)
بقية النسخ: «أخواه» .
(5)
(ف، ك، ط): «يبلغهما» .
وكان يخرجُ من بيته ليلًا، ويرجع إليه ليلًا، ولا يجلس في مكان معيَّن، بحيث يُقْصد فيه، ولكنه
(1)
يأوي إلى المساجد المهجورة، والأماكن التي ليست بمشهورة.
وكان كثير العبادة والتألُّه، والمراقبة والخوف من الله. ولم يزل على ذلك إلى حين مرضه ووفاته.
ومولده في اليوم الحادي عشر من المحرم سنة ستٍّ وستين وستمائة بحرَّان.
وسمع من [ابن] أبي
(2)
اليُسر، والجمال عبد الرحمن البغدادي، وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين، وابن البخاري، وخلق كثير.
وحدَّث وسمع الكتب الكبار.
وقد سُئل عنه الشيخ كمال الدين ابن الزّملكاني، فقال: هو بارعٌ في فنون عديدة؛ من الفقه، والنحو، والأصول، ملازمٌ لأنواع الخير وتعليم العلم، حسن العبادة
(3)
، قويٌّ في دينه، جيِّد التفقُّه، مُسْتحضرٌ
(4)
لمذهبه استحضارًا جيِّدًا، مليحُ البحث
(5)
، صحيحُ الذِّهن، قويُّ الفهم.
***
(1)
(ف): «ولكنه كان» .
(2)
الأصل: «من أبي اليُسر» ، (ب):«من ابن اليسر» . والإصلاح من بقية النسخ، وقد سبق على الصواب في أول الكتاب.
(3)
تحتمل في الأصل: «العبارة» .
(4)
(ف، ك): «مستحضرًا» .
(5)
«جيد. . . البحث» سقط من (ب).
قلتُ: وما زال الشيخُ تقيُّ الدين ــ رحمه الله ــ في هذه المدَّة معظَّمًا مكرَّمًا، يُكرمه نقيبُ القلعة ونائبها إكرامًا كثيرًا، ويستعرضان
(1)
حوائجه ويُبالغان في قضائها.
وكان ما صنَّفه في هذه المدة قد خرج بعضُه من عنده، وكتبه بعض أصحابه، وظهر واشتهر
(2)
، فلما كان قبل وفاته بأشهُر وَرَد مرسومٌ
(3)
بإخراج ما عنده كلِّه، ولم يبق عنده كتابٌ ولا ورقة، ولا دَوَاةٌ ولا قلم. وكان بعد ذلك إذا كتب ورقةً إلى بعض أصحابه، كتبها
(4)
بفحم. وقد رأيتُ أوراقًا عِدَّة بعثها إلى أصحابه، وبعضُها مكتوبٌ بفحم. منها ورقةٌ يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(5)
. نحن ولله الحمد والشكر في نعم متزايدة متوفِّرة، وجميعُ ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام. و {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28]. فإنَّ الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله، الذي بعث به رُسُلَه، وأنزل به
(6)
كُتُبَه.
(1)
الأصل و (ب): «ويستعرضا» .
(2)
«وظهر» ليست في (ب)، (ك):«واشتهر وظهر» .
(3)
(ك، ط): «مرسوم السلطان» .
(4)
(ف، ك): «يكتبها» .
(5)
(ب): «أوراقًا عدة وبعضها. . . يقول فيها: سلام الله عليكم ورحمته. . .» .
(6)
«به» ليست في (ك، ط).
ومن سنة الله: أنَّه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يُعارضه
(1)
، فيُحِقُّ الحقَّ بكلماته، ويقذِفُ بالحقِّ على الباطل فيدمَغُه فإذا هو زاهق.
والذي سعى فيه حزبُ الشيطان لم يكن مخالفةً لشرع محمد صلى الله عليه وسلم وحدَه، بل مخالفة لدين جميع المرسلين، إبراهيم وموسى والمسيح، ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين.
وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطابٌ ولا كتاب، وجزعوا من إظهار
(2)
«الإخنائية» ، فاستعملهم الله تعالى حتى أظهروا أضعافَ ذلك وأعظم، وألزمهم بتفتيشه [ق 131] ومطالعته، ومقصودُهم إظهار عيوبه وما يحتجون به، فلم يجدوا فيه إلا ما هو حُجَّةٌ عليهم، وظهر لهم جهلُهم وكذبُهم وعجزُهم، وشاع
(3)
هذا في الأرض، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يمكنهم أن يُظهروا علينا فيه عيبًا في الشرع والدين، غايةُ
(4)
ما عندهم: أنه خُوْلِف مرسومُ بعضِ المخلوقين، والمخلوقُ ــ كائنًا من كان ــ إذا خالفَ أمرَ الله ورسوله، لم يُجَب، بل
(5)
ولا يجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين.
وقول القائل: «إنه يُظْهِر البدع» ، كلامٌ يَظهرُ فسادُه لكلِّ مستبصر، ويعلم أنَّ الأمر بالعكس، فإنَّ الذي يُظهر البدعة، إما أن يكون لعدم علمه
(1)
(ب): «يفارقه» .
(2)
(ف، ك، ط): «ظهور» .
(3)
(ب): «وكذبهم شاع» .
(4)
بقية النسخ: «بل غاية» .
(5)
ليست في (ب).
بسنة الرسول، أو لكونه له غرضٌ وهوًى يخالف ذلك، وهو أولى بالجهل بسنة الرسول، واتباع هواهم بغير هدًى من الله {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]، ممَّن هو
(1)
أعلمُ بسنَّة الرسول منهم، وأبعدُ عن الهوى والغرض في مخالفتها {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18 ــ 19].
وهذه قضيَّة كبيرة لها شأن عظيم، وليعلمنَّ نبأه بعد حين.
ثم ذكر الشيخُ في الورقة كلامًا، لا يمكن قراءة جميعه، لانطماسه. وقال بعده:
وكانوا يطلبون تمام «الإخنائية» ، فعندهم ما يُطِمُّهم أضعافها، وأقوى فقهًا منها، وأشدَّ مخالفة لأغراضهم. فإنَّ «الزملكانية»
(2)
قد بُيِّنَ فيها من نحو خمسين وجهًا أنّ ما حُكِمَ به ورُسِم به مخالفٌ لإجماع المسلمين، وما فعلوه ــ لو كان ممن يعرف ما جاء به الرسول، يتعمَّد
(3)
مخالفته ــ لكان كُفْرًا وردَّةً عن الإسلام؛ لكنهم جُهَّال دخلوا في شيءٍ ما كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أنَّ السلطنة تخالف مرادهم، والأمرُ أعظم
(1)
(ب): «هم» .
(2)
لعل ما في «مجموع الفتاوى» : (27/ 290 ــ 313) مختصر منها، ففي أولها: «فصل في الجواب عما كتب على نسخة جواب الفتيا
…
قد بُسطت في غير هذا الموضع، وهي خمسون وجهًا
…
».
(3)
(ب): «ويتعمد» .
مما ظهر لكم، ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله.
ثم ذكر كلامًا وقال: بل جهادُنا في هذا مثل
(1)
جهادنا يوم قزان والجبلية، والجهمية والاتحادية
(2)
، وأمثال ذلك. وذلك من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.
***
ومنها ورقة قال فيها:
ونحن ولله الحمد والشكر في نِعَم عظيمة تتزايدُ كلَّ يوم، ويُجَدِّد الله تعالى من نعمه نعمًا أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النِّعم، فإنِّي كنت حريصًا على خروج شيءٍ منها، ليقفوا
(3)
عليه، وهم كرهوا خروج «الإخنائية» ، فاستعملهم الله في إخراج الجميع، وإلزام المنازعين بالوقوف عليه، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رُسلَه
(4)
من الهدى ودين الحق.
فإنَّ هذه المسائل كانت
(5)
خفيَّة على أكثر الناس، فإذا ظهرت لمن كان قصده الحقّ هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حُجّةُ الله، واستحقَّ
(6)
أن يُذِلَّه الله ويُخزِيه.
(1)
الأصل و (ب): «ثم» .
(2)
(ك، ط): «قازان» . و (ب): «والاتحادية والجهمية» .
(3)
(ف، ك، ط): «لتقفوا» .
(4)
(ف، ك): «رسوله» .
(5)
ليست في (ب).
(6)
(ف، ك، ط): «أو استحق» .
وما كتبتُ شيئًا من هذا ليُكْتَم عن أحد
(1)
ولو كان مُبْغِضًا. والأوراق التي فيها جواباتكم غُسِلت. وأنا طيِّبٌ، وعيناي طيبتان أطيب مما كانت
(2)
، ونحنُ في نعمة عظيمة لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ، والحمد لله
(3)
حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
ثم ذكر كلامًا. . . وقال:
وكلُّ ما يقضيه الله فيه الخير والرحمة
(4)
{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100]. ولا يدخلُ على أحدٍ ضررٌ إلا من ذنوبه {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]. فالعبد عليه أن يحمد الله تعالى ويشكره
(5)
دائمًا على كلِّ حال، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجبُ المزيدَ من النِّعم، والاستغفار يَدْفَعُ النِّقم، ولا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له «إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صَبرَ، فكان خيرًا له»
(6)
.
***
(1)
(ف): «إليكم عن واحد» .
(2)
(ف، ك، ط): «أطيب ما» ، (ب):«مما كنت» .
(3)
(ف، ك، ط): «في نعم» ، (ب):«فلله الحمد» .
(4)
(ف، ك) زيادة: «والحكمة» .
(5)
(ف، ك، ط): «يشكر الله ويحمده» .
(6)
«إن أصابته. . . خيرًا له» ليست في (ب).
وهذه الورقة كتبها الشيخ وأرسلها
(1)
بعد خروج الكُتُب من عنده بأكثر من ثلاثة أشهر، في شهر شوال، قبل وفاته بنحو شهرٍ ونصف.
ولمَّا أُخرِج ما عندَه من الكتب والأوراق، حُمِلَ إلى القاضي علاء الدين القونوي، وجُعل تحت يده في المدرسة العادلية
(2)
.
وأقبل الشيخُ بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والذِّكْر والتهجُّد حتى أتاه اليقين.
وختم القرآن مدَّة إقامته بالقلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة. انتهى في آخر ختمةٍ إلى آخر (اقتربت)
(3)
: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54 ــ 55]. ثم كُملت عليه بعد وفاته وهو مُسجًّى
(4)
.
كان كلَّ يوم يقرأ ثلاثةَ أجزاء، يختم
(5)
في عشرة أيام. هكذا أخبرني أخوه زينُ الدين.
وكانت مُدَّة مرضه بضعةً وعشرين يومًا، وأكثرُ الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ الخلقَ إلا نعيُه
(6)
، فاشتدَّ التأسُّفُ عليه، وكَثُر البكاءُ والحزن،
(1)
ليست في (ب).
(2)
انظر ما سبق في تفصيل ما آلت إليه الكتب (ص 41).
(3)
(ف، ك، ط): «اقتربت الساعة» .
(4)
الذي في «اختيارات شيخ الإسلام» (ص 146) أن القراءة على الميت بدعة، ولا ينتفع بها بعد موته، بخلاف القراءة على المحتضر.
(5)
(ف): «ويختم» .
(6)
الأصل: «بغتة» . والمثبت من المصادر، وانظر «الدرة اليتيمية ــ تكملة الجامع» (ص 49).
ودخل إليه أقاربه وأصحابه، وازدحم الخلقُ على باب القلعة والطرقات، وامتلأ جامعُ دمشق، وصلَّوا عليه، وحُمِلَ على الرؤوس ــ رحمه الله ورضي عنه ــ.
قال الشيخ عَلَم الدين
(1)
: وفي ليلة الاثنين العشرين
(2)
من ذي القَعْدة من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، توفّي الشيخ الإمامُ، العلاّمة الفقيه، الحافظ الزاهد، القدوة، شيخ الإسلام، تقيُّ الدين أبو
(3)
العباس أحمد ابن شيخنا الإمام المفتي، شهاب الدين، أبي المحاسن عبد الحليم، ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات، عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني، ثم الدمشقي، بقلعة دمشق، في القاعة
(4)
التي كان محبوسًا فيها.
وحضرَ جمعٌ كثير
(5)
إلى القلعة، فأُذِنَ لهم في الدخول، وجلس جماعةٌ عنده
(6)
قبل الغَسْل، وقرأوا القرآن، وتبرَّكوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا
(7)
.
(1)
في تاريخه «المقتفي لتاريخ أبي شامة» لكن القسم المطبوع منه إلى سنة (721). وقد نقل كلامه أيضًا ابن كثير في «البداية والنهاية» : (18/ 295 ــ 299) وغيره.
(2)
(ك): «لعشرين» ، وسقطت من (ب).
(3)
الأصل: «أبي» .
(4)
«في القاعة» ليست في (ف، ك، ط).
(5)
«كثير» ليست في (ف، ك، ط).
(6)
ليست في (ك، ط).
(7)
«وحضر. . . انصرفوا» ليست في (ف).
واقْتُصِر على من يُغَسِّله ويُعِيْن في غسله، فلما فرغ من ذلك أُخرج وقد اجتمع الناسُ بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامع وصحنه، والكلاسة، وبابُ البريد، وبابُ الساعات إلى اللبادين والفوَّارة
(1)
.
وحضرت الجنازةُ في الساعة الرابعة من النهار أو نحو [ق 133] ذلك، ووُضِعَت في الجامع، والجُنْد يحفظونها من الناس من شدَّة الزحام، وصُلِّيَ عليه ــ أولًا ــ بالقلعة. تقدَّم في الصلاة عليه الشيخُ محمد بن تمّام
(2)
. ثم صُلِّي عليه بجامع دمشق، عقيب صلاة الظهر، وحُمِلَ من باب البريد، واشتدَّ الزحام، وألقى الناسُ على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرُّك
(3)
. وصارَ النعشُ على الرؤوس، تارةً يتقدَّم وتارةً يتأخَّر. وخرج الناسُ من الجامع من أبوابه كلِّها من شدَّة الزحام. وكلُّ بابٍ أعظم زحمةً من الآخر!
ثم خرج الناسُ من أبواب البلد جميعها من شدَّة الزحام، لكن كان المُعْظَم من الأبواب الأربعة: باب الفَرَج ــ الذي خَرَجت
(4)
منه الجنازة ــ ومن باب الفراديس، ومن باب النصر، وباب الجابية. وعَظُمَ الأمر بسوق الخيل
(5)
، وتقدَّم في الصلاة عليه هناك أخوه زينُ الدين عبد الرحمن،
(1)
(ب): «وإلى الغوّارة» .
(2)
تقدمت ترجمته (ص).
(3)
هذا من التبرك الممنوع الذي كان الشيخ رحمه الله ينهي عنه.
وكذلك ما سيأتي ذكره من مبالغات العامة عند غسل جنازته وتشييعها.
(4)
(ف، ك): «أخرجت» .
(5)
«وعظم. . . الخيل» سقط من (ب).
وحُمِلَ إلى مقبرة الصوفية، فدُفِنَ إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله
(1)
ــ رحمهما الله ــ. وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير.
وغلّق الناسُ حوانيتهم، ولم يتخلَّف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو مَنْ عَجَز للزّحام
(2)
.
وحضرها نساءٌ كثير
(3)
بحيث حُزِرُوا بخمسة عشر ألفًا. وأمّا الرجال فحُزِروا بستين ألفًا وأكثر إلى مائتي ألف. وشَرِبَ جماعةٌ الماء
(4)
الذي فضل من غسله. واقتسم جماعةٌ بقيَّة السِّدْر الذي غُسِّل به.
وقيل: إنَّ الطاقية التي كانت على رأسه دُفِعَ فيها خمسمائة درهم. وقيل: إنَّ الخيط الذي فيه الزئبق، الذي كان في عنقه بسبب القمل، دُفِعَ فيه مائة وخمسون درهمًا. وحصل في الجنازة ضجيجٌ وبكاء وتضرُّع. وخُتِمَت له ختمٌ كثيرة بالصالحية والبلد، وتردَّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة
(5)
ليلًا ونهارًا، ورُئيت له مناماتٌ كثيرة صالحة، ورثاه جماعةٌ بقصائد جمَّة.
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، بحرَّان، سنة إحدى وستين وستمائة.
(1)
وقد توفي سنة (727)، انظر ما سبق (ص 438).
(2)
ليست في (ب).
(3)
(ف، ك): «كثيرون» .
(4)
(ب): «من الماء» .
(5)
«أيامًا كثيرة» ليست في (ب).
وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديثَ من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، وابنِ عَبْدٍ، والشيخ شمس الدين الحنبلي، والقاضي شمس الدين بن عطاءٍ الحنفي، والشيخ جمال الدين ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنَّجِيب المِقْداد، [و] ابن أبي الخير، وابن علَاّن، وأبي بكر الهروي
(1)
، والكمال عبد الرحيم، والفخر عليّ، وابن شيبان، والشرف ابن القوَّاس، وزينب بنت مكِّيّ، وخلقٍ كثير.
وقرأ بنفسه الكثير، وطلبَ الحديث، وكتب الطِّباق والأثبات، ولازمَ السماعَ بنفسه مُدَّة سنين، واشتغل بالعلوم.
وكان ذكيًّا، كثير المحفوظ. فصار إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به، عارفًا بالفقه، واختلاف العلماء، والأصلين
(2)
، والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلّم معه فاضل في فنٍّ
(3)
إلا وظنَّ ذلك
(4)
الفنَّ فنَّه، ورآه عارفًا به متقنًا له.
وأمّا الحديث؛ فكان حافظًا له
(5)
، مميزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، [متضلِّعًا من ذلك]
(6)
.
(1)
(ب): «القروي» . وفي بعض نسخ «البداية والنهاية» : «ابن أبي بكر
…
».
(2)
الأصل: «والأصوليين» .
(3)
عند ابن كثير: «في فنّ من الفنون العلمية» .
(4)
(ب، ف، ك): «إلا ظن أن ذلك» .
(5)
عند ابن كثير: «متنًا وإسنادًا» .
(6)
من باقي النسخ وابن كثير.
وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة في الفروع والأصول. كَمَّل
(1)
منها جملةً، وبُيِّضت وكُتِبَت عنه، وجُملة كبيرة
(2)
لم يكملها، وجملة [ق 134] كمَّلها ولكن لم تُبَيَّض.
وأثنى عليه وعلى فضائله جماعةٌ من علماء عصره، مثل القاضي الخُوييّ
(3)
، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، وابن الزَّمْلكاني، وغيرهم.
ووجدتُ بخطِّ الشيخ كمال
(4)
الدين ابن الزَّمْلكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. وأنّ له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف
(5)
، وجَودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين. وكَتَب على تصنيفٍ له هذه الأبيات الثلاثة من نظمه، وهي:
ماذا يقول الواصفون له
…
وصفاتُه جلَّت عن الحَصْر
هو حُجَّةٌ لله قاهرةٌ
…
هو بيننا أعجوبةُ الدّهر
هو آيةٌ في الخلق
(6)
ظاهرة
…
أنوارُها أرْبَتْ على الفَجْر
وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة.
(1)
ليست في (ب).
(2)
(ف، ك): «كثيرة» .
(3)
(ك): «الخوي» .
(4)
تحرف في الأصل، و (ب، ك، ط) إلى «جمال» ، والمثبت من (ف) ومصادر الترجمة، وقد تقدمت ترجمة ابن الزملكاني (ص 13 ــ 14) وأبياته هذه.
(5)
«على. . . التصنيف» ليست في (ب).
(6)
(ك، ط): «آية للخلق» .