الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ قُرَّةِ الْعَيْنِ بِبَيَانِ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يُبْطِلُهُ الدَّيْنُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ اللَّهِ الَّذِي غَرِقَتْ فِي بِحَوَرِ سَرْمَدِيَّتِهِ عُقُولُ الْحُكَمَاءِ وَتَرَقَّتْ فِي نُعُوتِ صَمَدِيَّتِهِ عُلُومُ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ إلَّا عَلَى الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ (أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ فَأَقَرَّهُ فِي نِصَابِهِ الْأَسْمَى وَطَهَّرَ نَفْسَهُ مِنْ حَظِّهَا بِوَابِلِ فَضْلِهِ فَحُفِظَ عَنْ أَنْ يَضِلَّ عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ إلَى مَضَايِقِ بُنْيَانِهِ وَشِعَابِهِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْهَلَاكِ وَالظَّمَإِ (وَأَشْكُرُهُ) شُكْرَ مُعْتَرِفٍ بِتَرَادُفِ نِعَمِهِ مُغْتَرِفٍ مِنْ بِحَارِ كَرَمِهِ بِمَا يَحْفَظُهُ عَنْ مُهَاوِي الْحَيْرَةِ وَالْعَمَى (وَأَشْهَدُ) أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً تُدِرُّ عَلَى قَائِلهَا أَخْلَافَ النَّعْمَاءِ وَتَحْفَظُهُ مِنْ إخْلَافِ أَبْلَغِ الْآدَابِ بِصَرِيحٍ أَوْ إيمَاء (وَأَشْهَدُ) أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَنَارَ اللَّهُ بِهِ دَيَاجِيرَ الظَّلْمَاء لِمَا اخْتَصَّهُ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَفْضَالِ وَأَوْضَحِ الْبُرْهَانِ وَأَكْمَلِ الْأَخْلَاقِ وَالسِّيمَات صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِوِرَاثَتِهِ الْعُظْمَى فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالدِّمَاءِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ اصْطِلَامِ الْآرَاءِ فِي الْعَوِيصَاتِ الدَّهْمَاء وَعَلَى تَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ الظَّاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ الْبَاقِينَ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِإِنْقَاذِ أَهْلِهِ مِنْ الضَّلَالِ وَالْعَمَى.
(وَبَعْدُ) فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ زَادَهَا اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا السَّيِّدُ الْجَلِيلُ الشَّرِيفُ الْمُعْتَقَدِ الْمَثِيلِ مُحَمَّدٌ الْعَيْدَرُوس الْحَسَنِيُّ الْعَلَوِيُّ الْحَضْرَمِيُّ ثُمَّ الْعَدَنِيُّ فَتَوَجَّهْنَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَطَلَبِ دُعَائِهِ وَمَدَدِهِ أَنَا وَصَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ وَالْحَبْرُ الْهُمَامُ الْحُجَّةُ الْقُدْوَةُ الْفَهَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الزَّمْزَمِيُّ أَدَامَ اللَّهُ بِهِ النَّفْعَ الْعَامَّ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَتَّعَهُمْ بِعُلُومِهِ وَفَتَاوِيهِ لَا سِيَّمَا أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فَقَرَأَ عَلَيْنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا فِي تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِصَاحِبِنَا الْإِمَامِ الْعَالَمِ الْعَامِلِ وَالْهُمَامِ الْحُجَّةِ الْقُدْوَةِ الْكَامِلِ وَجِيهِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن زِيَادٍ مُفْتِي زَبِيدَ الْمَحْرُوسَةِ بَلْ وَالْيَمَنِ بِأَسْرِهِ أَدَامَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ هَوَاطِلَ جُودِهِ وَبِرِّهِ ثُمَّ سَأَلَنَا أَأَنْتُمْ مُوَافِقُونَ لِهَذَا الْإِفْتَاءِ فَكُلٌّ مِنَّا بَادَرَ إلَى إنْكَارِهِ وَاسْتِبْعَادِهِ أَدَاءً لِلْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى
عَلَى خَوَاصِّ عِبَادِهِ وَهُدَاةِ بِلَادِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ عِدَادِهِمْ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِآثَارِهِمْ فِي إيرَادِهِمْ وَإِصْدَارِهِمْ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَلَّفَ تَأْلِيفًا عَلَى وَفْقِ إفْتَائِهِ لَكِنْ فِيهِ زِيَادَةُ قَيْدٍ كَمَا سَتَعْلَمُهُ وَفِيهِ أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى أَبْلَغِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ بِأَنَّهُ جَامِدٌ مُتَعَسِّفٌ وَبِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ الصَّوَابُ وَمَا عَدَاهُ هُوَ الْخَطَأُ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَيْنَا ذَلِكَ التَّأْلِيفَ مَا ازْدَدْنَا إلَّا إنْكَارًا رَجَاءَ أَنْ نَنْتَظِمَ فِي سِلْكِ الرَّاجِينَ لِلَّهِ وَقَارًا وَهَذَا أَعْنِي عَدَمَ الْمُحَابَاةِ فِي الدِّينِ حَتَّى لِأَكَابِرِ الْمُجْتَهِدِينَ هُوَ دَأْبُ سَادَاتِنَا الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ كَمَا يَعْلَمُهُ مَنْ وَقَفَ عَلَى النِّهَايَةِ وَأَحَاطَ بِقَوْلِهَا.
هَذِهِ زَلَّةٌ مِنْ الشَّيْخِ مَعَ بُلُوغِهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْوِلَايَةِ الْغَايَةَ حَتَّى قِيلَ فِي تَرْجَمَتِهِ لَوْ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي زَمَنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ لَكَانَ هُوَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ أَئِمَّتِنَا إنَّ عَدَمَ مُحَابَاةِ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ أَعْظَمِ مَزَايَا هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَعْظَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ النِّعْمَةَ حَيْثُ حَفِظَهُمْ عَنْ وَصْمَةِ مُحَابَاةِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى تَحْرِيفِ مَا فِيهِمَا وَانْدِرَاسِ تَيْنِكَ الْمِلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتْرُكُوا لِقَائِلٍ قَوْلًا فِيهِ أَدْنَيْ دَخَلٍ إلَّا بَيَّنُوهُ وَلَا لِفَاعِلٍ فِعْلًا فِيهِ تَحْرِيفٌ إلَّا قَوَّمُوهُ حَتَّى اتَّضَحَتْ الْآرَاءُ وَانْعَدَمَتْ الْأَهْوَاءُ وَدَامَتْ الشَّرِيعَةُ الْوَاضِحَةُ الْبَيْضَاءُ عَلَى امْتِلَاءِ الْآفَاقِ بِأَضْوَائِهَا وَشِفَاءِ الْقُلُوبِ بِهَا مِنْ أَدْوَائِهَا مَأْمُونَةً مِنْ كَيَدِ الْحَاسِدِينَ وَسَفَهِ الْمُلْحِدِينَ فَضَرَاعَةً إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْ تُدِيمَ لَهَا ذَلِكَ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ وَأَنْ تُؤَيِّدَ أَهْلهَا بِدَوَامِ الْجَلَالَةِ الْبَاهِرَةِ وَالْحِفْظِ مِنْ الْأَغْيَارِ إنَّك الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قَدْ تَمَهَّدَ هَذَا الْقَدْرُ الْوَاضِحُ لِلتَّفَصِّي عَنْ هَذَا الْحُكْمِ اللَّائِحِ عُلِمَ أَنْ لَا عُذْرَ فِي السُّكُوتِ عَنْ الْكَلَامِ فِيهِ وَبَيَانِ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي قَوَادِمِهِ وَخَوَافِيهِ فَحِينَئِذٍ سَنَحَ لِي أَنْ أَكْتُبَ فِي ذَلِكَ مَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ الصَّوَابُ الْوَاجِبُ بَيَانُهُ وَالْحَقُّ الصُّرَاحُ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ الْوَاضِحُ بُرْهَانُهُ فَشَرَعْت فِي ذَلِكَ مُلَقِّبًا لَهُ (بِقُرَّةِ الْعَيْنِ بِبَيَانِ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يُبْطِلُهُ الدَّيْنُ) بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ سَائِلًا مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ الْوَاسِعِ الْهِدَايَةَ إلَى سَوَاءِ الْحَقِّ وَطَرِيقِهِ لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَلَا مَأْمُولَ إلَّا بِرُّهُ وَخَيْرُهُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَإِلَيْهِ الْفَزَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ.
فَقُلْت اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى كَامِلٍ بِرَدِّ شَاذَّةٍ وَقَعَتْ لَهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَمَالِهِ وَلَا يُؤْذِنُ بِالِاسْتِهْتَارِ بِوَاجِبِ رِعَايَةِ حَقِّهِ وَأَفْضَالِهِ إذْ السَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ وَلَمْ تَكْثُرْ فَرَطَاتُهُ وَزَلَّاتُهُ وَكُلُّنَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلَّا الْمَعْصُومِينَ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ مُؤَدِّيًا لِحِقْدٍ بَلْ لَمْ يَزَالُوا مِنْ ذَلِكَ مُبَرَّئِينَ وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ مِنْ حِكَايَةِ ذَلِكَ الْإِفْتَاءِ لِيُعْلَمَ مَا الْكَلَامُ فِيهِ وَهُوَ مَا قَوْلُكُمْ فِي جَمَاعَةٍ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَسْتَلِفُونَ أَمْوَالَهُمْ فَيُطَالِبُهُمْ أَهْلُ الدُّيُونِ فَيُبَادِرُونَ وَيَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ فَهَلْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُمْ وَعِتْقُهُمْ؟ الْجَوَابُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى» قَالَ شَارِحُهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا تَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ تَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِتْلَافِ عَذَابُ الْآخِرَةِ اهـ.
وَقَدْ ارْتَكَبَ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ مَا لَا يَرْضَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُمْ وَلَا عِتْقُهُمْ وَلَا وَقْفُهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ الْفَتَى وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الطَّنْبَدَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا السُّؤَالِ أَمَّا صُورَةُ السُّؤَالِ فَلَا يُخَالِف فِيهَا أَحَدٌ فَإِنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا أُخِذَتْ الْأَمْوَالُ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا أَوْ أُخِذَتْ بِحَقِّهَا وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى صَارِفِهَا وَآخِذِهَا سَوَاءٌ عَلِمَا أَمْ جَهِلَا فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ وَلَا تَبَرُّعُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَلَا مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَرَثَتِهِ فِي تَرِكَتِهِ
حَتَّى يَقْضِيَ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ لِيَصْرِفَهُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ بَرِيءَ بِقَبْضِ الْإِمَامِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ضَمَانِ الْمُكُوسِ وَالْخَمْرِ وَالْبَغَايَا وَكُلِّ جِهَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَجَمِيعِ مَا يُحْدِثُهُ الظَّلَمَةُ مِنْ الْمَظَالِمِ اهـ.
جَوَابُهُ وَقَدْ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ وَفِيهِ أُمُورٌ أَحَدُهَا مَا أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا مَرَّ وَهُوَ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْ الْجَوَابِ قَيْدًا ذَكَرَهُ فِي التَّأْلِيفِ وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَرْجُو لِدَيْنِهِ وَفَاءً وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُفْتِي الْجَوَابَ عَنْ الْقُيُودِ أَيْ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِخُصُوصِهِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ خَطَأٌ مِنْهُ وَلَك أَنْ تُجِيبَ عَنْ هَذَا أَنَّا نَبْحَثُ أَوَّلًا عَنْ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً لِيَظْهَرَ صِحَّةُ حَذْفِهِ أَوْ عَدَمُهَا وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الِاقْتِرَاضِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ مِنْهَا حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ ثُمَّ رَأَيْت شَرْحَ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فَمَنْ لَهُ ذَلِكَ لَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عَبَّرَ بِالْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمُفْلِسِ مُؤَدَّى عِبَارَتِهِمَا وَاحِدٌ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ مَدْلُولُهُمَا وَاحِدٌ اصْطِلَاحًا وَهَذَا أَعْنِي مَنْ لَا يَرْجُو وَفَاءً الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِمْ بِالْمُفْلِسِ هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ بَيْننَا وَبَيْنَ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فَإِنْ قُلْت لَا أُسَلِّمُ تَرَادُفَهُمَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ إلَّا إنْ انْتَفَى عَنْهُ سَائِرُ وُجُوهِ الرَّجَاءِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ وَهَذَا غَيْرُ الْمُفْلِسِ
لِأَنَّهُ مَنْ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ وَإِنْ رَجَا وَفَاءَهُ عَلَى بُعْدٍ قُلْت يَتَّضِحُ مَا يَلْزَمُك بِالتَّسْلِيمِ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهَا وَعِبَارَتُهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَائِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يُكْرَهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ لَا يُسْتَحَبُّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْأَصْحَابِ الْمُطْلَقُ انْتَهَتْ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ قَيَّدُوا الْجِهَةَ الْمَرْجُوَّ مِنْهَا الْوَفَاءُ بِكَوْنِهَا ظَاهِرَةً وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ تَعْبِيرَ الْمَجْمُوعِ بِغَلَبَةِ ظَنِّ الْحُصُولِ مِنْ جِهَةٍ يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَيَسَّر لَهُ بَدَلُهُ لِعَدَمِ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهُ يَأْتِي إلَيْهِ مِنْهَا ذَلِكَ حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَرْجُو وَفَاءَ الدَّيْنِ لَوْ تَصَدَّقَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِمَنْ لَا يَرْجُو الْوَفَاءَ اتَّضَحَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ السَّابِقِ وَمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِلْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ الَّذِي زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوَفِّي مِنْهَا حَالًا فِي الْحَالِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ حَالًا فِي الْحَالِ كَالْمَنَافِعِ وَالْمَالِ الْغَائِبِ وَالْمَغْصُوبِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَأَقَرُّوهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ لِتُسَلِّمَ لَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ مُعَانِدًا وَقَوْلِي فِي الْمُفْلِسِ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى مَالِهِ قَيْدٌ لِمَنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ لَا لِمَنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ فَإِنَّ هَذَا يَعُمُّ الْمُسَاوِيَ لِأَنَّهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَا جِهَةَ ظَاهِرَةٌ يُفَوِّتُ حَقَّ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ
نَعَمْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ إذَا سَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ أُجِيبُوا وَإِنْ سَاوَى مَالُهُ دَيْنَهُ كَسُوبًا كَانَ أَوْ لَا لَكِنَّ هَذَا الْحَجْرَ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْفَلَسِ وَبَعْدَ أَنْ بَانَ ذَلِكَ وَتَقَرَّرَ فَلْنَرْجِعْ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ حَذْفِ الْمُفْتِي لِهَذَا الْقَيْدِ فَنَقُولُ قَدْ يَدَّعِي وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لَكِنْ يَخْدِشُهُ أَنَّ الْإِفْتَاءَ إنَّمَا هُوَ لِلْعَامَّةِ غَالِبًا وَأَنَّى لَهُمْ بِعِلْمِ هَذَا الْقَيْدِ وَمَا يُقَارِبُهُ وَلَوْ عَكَسَ ذَلِكَ بِأَنْ حَذَفَ مِنْ التَّأْلِيفِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ الْقَيْدَ فَلَا يَحْتَاجُونَ لِذَكَرِهِ وَالْإِفْتَاءُ لِلْعَامَّةِ كَمَا مَرَّ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ فَيُضْطَرُّونَ لِذِكْرِهِ فَإِنْ قُلْت هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ هَذَا الْقَيْدُ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ
الْمُفْتِي إلَى ذِكْرِهِ فِي الْجَوَابِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشُّرَّاحِ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ فِي التَّيَمُّم أَوْ احْتَاجَهُ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَنَّ قَوْلَهُ مُسْتَغْرِقٌ مُسْتَدْرِكٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يُغْنِي عَنْهُ إذْ احْتِيَاجُهُ لِأَجْلِ الدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِغْرَاقَهُ قُلْت يُمْكِنُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ لَوْلَا مَا يُقَالُ مُسَلَّمٌ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ لَا الْعَامَّةِ الَّذِينَ يَذْهَبُ الْجَوَابُ عَنْهُمْ عَرِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ عَلَى أَنَّا رَأَيْنَا بَعْضَ نَحْوِ الْمَسَاكِينِ فَعَلُوا تِلْكَ الْحِيلَةَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ أَمْوَالًا تَزِيدُ عَلَى دُيُونِهِمْ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الظَّلَمَةَ رُبَّمَا يَسْتَوْلُونَ عَلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ الْأُخَرِ وَلَا يُعْطُونَ أَرْبَابَ الدُّيُونِ مِنْهَا شَيْئًا فَيَنْحَصِرُ حَقُّهُمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهمْ فَيُخْرِجُونَهُ تَفْوِيتًا عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ حِيلَةً إلَخْ أَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ وَفَاءً بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته آنِفًا أَنَّ الْمَدِينَ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ دُيُونٌ تَسْتَغْرِقُ مَالَهُ وَلَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ حَالًّا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ الْحُلُولِ فِي الْمُؤَجَّلِ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا كَالْحِجْرِ الْغَرِيبِ وَكَمَنْ غَصَبَ مَالًا وَخَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ لَكِنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْبَدَلَ.
(تَنْبِيهٌ آخَرُ) سَبَقَ عَنْ الْمَجْمُوعِ قَرِيبًا إجْمَالٌ يَحْتَاجُ لِتَقْيِيدٍ لَا بَأْسَ بِذَكَرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ فَلَا بَأْسَ بِالصَّدَقَةِ وَقَدْ تُسْتَحَبُّ إلَخْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا حَصَلَ بِذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَقَدْ وَجَبَ قَضَاءُ الدَّيْنِ فَوْرًا بِمُطَالَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِكَوْنِهِ عَصَى بِسَبَبِهِ أَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ الدَّفْعِ فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ إلَى إيفَائِهِ وَتَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ بِمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ أَيْ حَالًّا فِي دَيْنِهِ وَإِنْ رَجَا وَفَاءَهُ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَيْ لَا حَالًّا وَالْمُؤَجَّلُ هُنَا كَالْحَالِّ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيِّ.
وَفَرَّقَ الْأَذْرَعِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَشْتَغِلْ هُنَا بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْمُؤَجَّلِ فَإِنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ إنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِرَغِيفٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَدْفَعهُ إلَى جِهَةِ الدَّيْنِ وَلَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ أَوْ كَرَاهَتِهِ لَانْسَدَّ بَابُ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا تَخْلُو ذِمَّتُهُمْ مِنْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
مُلَخَّصًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّصَدُّقِ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَمُمَوَّنِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِجَوَازِهِ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِدَيْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي ذَلِكَ بِأُحِبُّ كَذَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُحِبُّ وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ وَكَذَا أَكْرَهُ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ وَيَسْتَعْمِلهُ فِي الْوَاجِبِ لَكِنْ إنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ مِنْ كَلَامٍ آخَر أَوْ قَاعِدَةٍ لَهُ لَا مُطْلَقًا فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ أَطْلَقَهُ.
(ثَانِيهِمَا) أَنَّ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِخُصُوصِ النِّزَاعِ بَلْ نَحْنُ وَهُوَ قَائِلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَعِيدِ لِمَنْ أَخَذَ شَيْئًا يُرِيدُ إتْلَافَهُ عَلَى مَالِكِهِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا بِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ أَمْ لَا فَذِكْرُ الْمُفْتِي لَهُ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ زَجْرِ أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ الْقَبِيحِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ (ثَالِثُهَا) قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَيْهِ فِيهِ مُؤَاخَذَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُفْتِي وَهِيَ التَّمْلِيكُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَسَتَأْتِي عِبَارَتُهُ وَقَدْ صَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ فِي حُكْمِ الْمَقِيسِ وَلَوْ بِالْأَوْلَى بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه إلَّا مُقَيَّدًا وَحِينَئِذٍ فَكَانَ صَوَابُ الْعِبَارَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَقِيَاسُهُ أَنَّ التَّمْلِيكَ وَالْعِتْقَ وَالْوَقْفَ وَغَيْرَهَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ كَذَلِكَ (رَابِعُهَا) ابْنُ الرِّفْعَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَإِنَّمَا اقْتِضَاءُ كَلَامُهُ فِي مَطْلَبِهِ وَكِفَايَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَنَّ تَخْرِيجَ مَسْأَلَةٍ عَلَى أُخْرَى فِي خِلَافِهَا يَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا فِي الرَّاجِحِ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ وَمُرَادُنَا بِكَوْنِ الْغَالِبِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ مَعَ كَثْرَةِ مُقَابِلِهِ لَا أَنَّ مُقَابِلَهُ نَادِرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيّ فِي رَفْعِ الْحَاجِبِ رُبَّ فَرْعٍ لِأَصْلٍ ذَلِكَ الْأَصْلُ يَظْهَرُ فِي الْحُكْمِ أَقْوَى مِنْ ظُهُورِهِ فِيهِ لِانْتِهَاضِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا تَرَى الْأَصْحَابَ كَثِيرًا مَا يُصَحِّحُونَ فِي الْمَبْنِيِّ بِخِلَافِ مَا يُصَحِّحُونَهُ
فِي الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ اهـ.
وَقَدْ أَفْرَدَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي صَحَّحُوا فِيهَا خِلَافَ مُقْتَضَى الْبِنَاءِ بِتَأْلِيفٍ دَالٍّ عَلَى مَزِيدِ كَثْرَتِهَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ قَالَ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاتِّحَادُ أَكْثَرُ لَا غَيْرُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَنْقُولِ مَا يَرُدُّهُ وَسَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مَا هُوَ صَرِيحٌ قَاطِعٌ فِي رَدِّهِ وَعِبَارَةُ كِفَايَتِهِ فِي تَصَدُّقِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَهَبَ الشَّخْصُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقِيلَ هَذَا جَازَ فِي تَصَدُّقِهِ بِجَمِيعِ مَالِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا انْتَهَتْ وَسَيَأْتِي فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ مَا يُنَاقِضُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ هَذَا وَإِنَّ ذَاكَ مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا فَرَاجِعْهُ عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ تَخَارِيجِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَا الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ بَيْنهمْ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ عَدَمِ حِكَايَةِ نَظِيرِهِ فِي نَظِيرَتِهَا فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ هَذَا تَحَكُّمٌ فَيَضْطَرُّهُ الِاتِّحَادُ فِي الْمَدْرَكِ عِنْدَهُ إلَى التَّخْرِيجِ فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ مَحَطَّ نَظَرِهِ فِي تَخْرِيجِهِ تَأَتِّي الْخِلَافِ
وَأَنَّ الرَّاجِحَ هُنَا هُوَ الرَّاجِحُ ثُمَّ وَإِنَّمَا مَحَطُّهُ مُجَرَّدُ تَأَتِّي الْخِلَافِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَتَبُّعِ تَخَارِيجِهِ وَمِنْ ثَمَّ أَكْثَرَ مِنْهَا حَتَّى قِيلَ إنَّهُ زَادَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الثُّلُثَ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَوْجُهِ الَّتِي خَرَّجَهَا وَحَتَّى كَادَ أَنْ يُعَدَّ مَعَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ لِانْفِرَادِهِ مِنْ بَيْنِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَرْتَبَةِ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ بَعْدَ انْقِطَاعِهَا بِانْقِطَاعِ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَمِنْ ثَمَّ لُقِّبَ بِالْفَقِيهِ دُون غَيْرِهِ بَلْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَعَدَّهُ مَعَ أَصْحَابِ الْأَوْجُهِ وَأَبَى أَنْ يَعُدَّ الْغَزَالِيَّ وَإِمَامَهُ مِنْهُمْ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ جَوَابًا عَنْ الْأَصْحَابِ لَا أُسَلِّمُ ذَلِكَ التَّخْرِيجَ بَلْ أَمْنَعُهُ وَأُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ لَيْسَ الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى التَّبَرُّعِ وَلَا عَدَمِهِ بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِيهَا أَيْضًا وَإِنْ كَانَ بِأَضْعَافِ الْقِيمَةِ وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى تَفْوِيتِ عَيْنٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهَا الْمُفَوِّتُ لِذَلِكَ الْحَقِّ كَبَيْعِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ الْحَوْلِ عَلَى مَا عَدَا قَوْلَ الشَّرِكَةِ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ وَمَثَّلُوا بِأَمْثِلَةٍ مِنْهَا مَسْأَلَةَ الْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّصَدُّقِ فَلَيْسَ الْمَدَارُ فِيهَا إلَّا عَلَى التَّبَرُّعِ بِدَلِيلِ صِحَّة بَيْعِ الْمَدِينِ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ لِأَعْيَانِ مَالِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهَا إجْمَاعًا فَتَأَمَّلْ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمَلْحَظَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ التَّصَدُّقِ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي فِيهَا وَهُوَ الدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ
إذْ لَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِأَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ حَتَّى يَبْطُلَ تَصَرُّفُهُ فِيهَا إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ بَلْ وَعَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ نَفْسِهِ وَدَعْوَى الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاسِ يُوجِبُ التَّعْلِيقَ بِالْعَيْنِ سَيَتَّضِحُ مِنْ كَلَامِهِمْ رَدُّهَا بَلْ تَزْيِيفُهَا وَإِذَا تَقَرَّرَ تَعْلِيقُهُ بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا لَمْ يَكُنْ لِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِي الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا وَجْهٌ أَصْلًا وَأُمًّا مَلْحَظُ الْحُرْمَةِ الَّتِي صَرَّحُوا بِهَا فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ وَإِنَّمَا هُوَ كَوْنُهُ سَعْيًا فِي ضَرَرِ الْغَيْرِ بِتَفْوِيتِ مَا يُؤَدِّي مِنْهُ مَالَهُ الْمُسْتَقِرَّ فِي الذِّمَّةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْهُ فَرْقًا ظَاهِرًا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ لَك ضَعْفُ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ وَصَوَابُ مَا سَلَكَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَتَصْحِيحِ الْبَطَلَانِ فِيهَا وَعَدَمِ حِكَايَتِهِمْ نَظِيرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّصَدُّقِ فَضْلًا عَنْ التَّصْرِيحِ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ وَشُذُوذِ مَا سَلَكَهُ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ أَخْذًا مِنْ هَذَا التَّخْرِيجِ فَإِنَّ قُلْت إذَا كَانَ مَلْحَظُ الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مَا ذَكَرْت مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ فَأَيُّ وَجْهٍ لِلْخِلَافِ حِينَئِذٍ قُلْت كَوْنُ مَلْحَظِ الْبُطْلَانِ مَا ذَكَرَ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ عِلَّةِ الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي الْقَائِلُ بِالصِّحَّةِ فَوَجْهُ مَا قَالَهُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ فَإِنَّ قُلْت مَا وَجْهُ رَدِّ عِلَّتِهِ مَعَ ظُهُورِهَا وَمَعَ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُعَلِّلُ وَلَا يَقِيسُ إلَّا بِمَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ قُلْت أَمَّا كَوْنُ الْمَشْهُورِ ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَصَحِيحٌ
وَإِلَّا فَقَدْ يُعَلِّلُ وَيَقِيسُ بِمَا يُدَّعَى ظُهُورُهُ وَأَنَّهُ لِذَلِكَ يَلْزَمُ مُقَابِلَهُ الْقَوْلُ
بِهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا وَالِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ قَاضٍ بِذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُطَّرِدٌ فَمَمْنُوعٌ بِدَلِيلِ الِاسْتِقْرَاءِ الْقَطْعِيِّ لِأَنَّا نَجِدُ الضَّعِيفَ كَثِيرًا مَا يُعَلِّلُ وَيَقِيسُ بِمَا يَقُولُ بِهِ هُوَ دُون الْأَصَحِّ وَأَمَّا وَجْهُ رَدِّ عِلَّتِهِ فَهُوَ أَنَّهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا تُنْتِجُ مَا قَالَهُ مِنْ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْمِلْكِ وَلَا انْتِفَاءُ كَوْنِ الْمَنْعِ لَا يَرْجِعُ لِمَعْنًى فِي الْعَقْدِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْمِلْكِ وَانْتِفَاءِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطٍ أُخْرَى كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ شَرْعًا وَحِسًّا عَلَى أَنَّ زَعْمَهُ أَنَّ الْمَنْعَ هُنَا لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى فِي الْعَقْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَنْعِ الرَّاجِعِ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ مَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي ذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ يُوجِبُ عَجْزَ الْعَاقِدِينَ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ وَذَلِكَ الْعَجْزُ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ لِرُجُوعِهِ إلَى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ هُوَ الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِهَا أَوْ تَسَلُّمِهَا وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَسْأَلَةَ الْمَاءِ مِنْ الْمَعْجُوزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَتَسَلُّمِهِ شَرْعًا وَهُوَ كَالْمَعْجُوزِ عَنْهُ حِسًّا وَبَيَّنُوا وَجْهَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا بِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطُّهْرِ بِهِ إذْ الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ فَلَوْ صَحَّحْنَا ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى جَوَازِ إخْرَاجِ فِعْلِهَا بِالْوُضُوءِ عَنْهُ
فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُ ذَلِكَ أَنَّ النَّوَوِيَّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمْ يَجْعَلْ مَنْشَأَ الْبُطْلَانِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا كَوْنَ التَّسْلِيمِ حَرَامًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ الْحَقِّ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ وَعِبَارَتُهُ كَمَا يَأْتِي بِسَوَابِقِهَا وَلَوَاحِقِهَا أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا انْتَهَتْ وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ حُرْمَةَ التَّسْلِيمِ فَالصَّدَقَةُ إذًا حُرِّمَتْ كَذَلِكَ وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَيَبْطُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قُلْت لَا يُعَارِضُهُ بِوَجْهٍ لِمَا قَدَّمْته أَنَّ حُرْمَةَ التَّسْلِيمِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا وَإِلَّا لَمَا تَسَاوَى الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ لِكَوْنِهِ تَفْوِيتًا لِلْحَقِّ الْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ الْمَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهَا شَرْعًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَتَّى تَرْجِعَ الْحُرْمَةُ إلَى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ إذْ لَا تَقْتَضِي الْحُرْمَةُ الْإِبْطَالَ إلَّا إنْ رَجَعَتْ لِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ اتَّضَحَ تَفْرِيعُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعَجْزَ عَلَى الْحُرْمَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَقَةِ فَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ فِيهَا إلَّا لِكَوْنِهَا تَبَرُّعًا وَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ ذَاتِ الْعَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا أَصْلًا وَإِذَا رَجَعَتْ الْحُرْمَةُ فِي الْعَقْدِ إلَى خَارِجٍ عَنْهُ وَعَنْ لَازِمِهِ لَا تَقْتَضِي الْبُطْلَانَ كَمَا قَرَّرُوهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِبُطْلَانِ نَحْوِ الصَّدَقَةِ وَلَا لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرْته وَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِصِحَّةِ نَحْوِ هِبَةِ وَعِتْقِ الْمَدْيُونِ كَمَا يَأْتِي بِمَا فِيهِ وَمِمَّا يُبْطِلُ تَخْرِيجَ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَيْضًا مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ نَفْسُهُ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ
كَمَا فِي الْخَادِمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا خِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ فِي حُرْمَةِ الْبَذْلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ مَعَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي الْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ فَعَلِمْنَا أَنَّ وَجْهَ الْحُرْمَةِ ثَمَّ غَيْرُهُ هُنَا وَإِلَّا لَاتَّحَدَا فِي الْخِلَافِ أَوْ عَدَمِهِ وَأَنَّهَا ثَمَّ أَقْوَى مِنْهَا هُنَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ مَا يَأْتِي عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّصْدِيقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَوَجُّهِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ بَدَلٌ وَوَجْهُ رَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمَاءِ أَقْوَى لِمَا مَرَّ مِنْ تَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْعَيْنِ وَلَوْ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْمَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَأَتَّى الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ التَّصَدُّقِ مَعَ الْخِلَافِ فِي حُرْمَتِهِ وَيُحْكَى الْخِلَافُ فِي هِبَةِ الْمَاءِ مَعَ الْجَزْمِ بِحُرْمَتِهَا هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَالصَّوَابُ خِلَافُ مَا بَحَثَهُ هُوَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فَتَأَمَّلْ وَلَا يَصُدَّنَّك جَلَالَتُهُمَا فَإِنَّك بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ يَتَّضِحُ لَك صِحَّةُ مَا ذَكَرْته.
(رَابِعُهَا) قَوْله وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ هَذَا فِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مُتَأَمِّلٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ ثُمَّ تَطْبِيقِهَا مَعَ صُورَةِ السُّؤَالِ الَّتِي أَجَابَ عَلَيْهَا وَعِبَارَتُهُ لَوْ وَهَبَ الْمَاءَ الصَّالِحَ لِطَهَارَتِهِ فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ أَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ثَمَنِهِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا
أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَالثَّانِي يَصِحَّانِ قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ هَذَا وَقَالَ: الْأَوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ كَمَا لَوْ وَجَبَ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ فَأَعْتَقَهَا لَا عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ وَهَبَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَا تَصْحِيحَهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ يُشْبِهَانِ مَا لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِلْوَالِي شَيْئًا تَطَوُّعًا عَلَى سَبِيلِ الرِّشْوَةِ هَلْ يَمْلِكُهُ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْمِلْكَ لِلْمَعْصِيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ وَقَالَ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ حِكَايَةً عَنْ الشَّاشِيِّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَجِد صُورَتَهُ عَيْن صُورَةِ السُّؤَالِ السَّابِقَةِ الَّتِي هِيَ فَيُطَالِبُهُمْ أَهْلُ الدُّيُونِ فَيُبَادِرُونَ وَيَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ مَعَ هَذَا الِاتِّحَادِ الْوَاضِحِ جِدًّا يُقَالُ إنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَا فِيهِ فِيمَنْ يَرْجُو وَفَاءً وَمَا فِي السُّؤَالِ فِيمَنْ لَا يَرْجُوَا وَفَاءً قُلْنَا هَذَا تَحَكُّمٌ قَبِيحٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْقَيْدِ فَرِعَايَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالسُّؤَالِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ بِالْهِبَةِ فِيهِمَا عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِمَالِهِ وَأَنَّهُ طُولِبَ بِهَا فَبَادَرَ وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِتَبَرُّعٍ كَهِبَةٍ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ كَمَا يَأْتِي.
(خَامِسُهَا) قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ إلَخْ قَدْ بَيَّنَ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَنَا وَسَعْيَهُ فِي تَأْلِيفِهِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الشَّاشِيِّ وَكَمَا لَوْ وَهَبَ مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ إلَخْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْرِيرِهِ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْ حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ مَا صَحَّحْنَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَهُوَ يَمْلِكُ عَبْدًا فَوَهَبَهُ أَوْ طُولِبَ بِدَيْنٍ فَوَهَبَ مَا يَمْلِكُهُ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُنَا اهـ.
ثُمَّ رَدَّ كَلَامَ الْإِسْنَوِيُّ بِأُمُورٍ أُخْرَى فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنَّ صَنِيعَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِ الْأَوَّلِ وَتَعْلِيلِهِ وَفِي تَزْيِيفِ الثَّانِي وَتَعْلِيلِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ وَعَدَمِ الْجَوَابِ عَنْهُ وَكَثِيرًا مَا يُمْنَعُ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قِيَاسُ الْآخَرِ وَلَا يُسَلِّمُهُ وَكُتُبُ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَصْحَابِ مَمْلُوءَةٌ بِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَالشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي تَوْشِيحِهِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ تَقْرِيرًا حَسَنًا.
ثَانِيهَا أَنَّهُ اكْتَفَى بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّصَدُّقِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدَيْنِهِ لَا نُطَابِقُ تَعْلِيلَ الْأَوَّلِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ حُرْمَةُ التَّسْلِيمِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَأْخَذُ ابْن الرِّفْعَةِ الْآتِي فِي تَخْرِيجِ مَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا هُنَا وَمِنْ ثَمَّ لَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِمُخَالَفَتِهِ بَلْ بَحَثَ مَعَهُ فِي التَّوَسُّطِ وَغَيْرِهِ الْجَزْمَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَفَرَّقَ بِمَا حَاصِلُهُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَوَجُّهُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ بَدَلٌ وَلِهَذَا يَبْقَى لِلْمُكَفِّرِ خَادِمٌ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ قَالُوا لِأَنَّ لِلْكَفَّارَةِ بَدَلًا وَأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ ثَالِثُهَا أَنَّ النَّشَائِيَّ فِي الْمُنْتَقَى وَالنَّوَوِيَّ فِي التَّحْقِيقِ حَذَفَا مَسْأَلَةَ الْمَدِينِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا الشَّاشِيُّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا يَتَعَرَّضَانِ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَمَدًا عِنْدَ النَّوَوِيِّ لَمَا حَذَفَاهُ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَتَهُمَا وَأَنَّ الْجَوَاهِرَ حَذَفَتْهُ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ فَحَذْفُ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمُتُونِ لَهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنْ النَّوَوِيِّ تَزْيِيفَهَا ثُمَّ قَالَ رَابِعُهَا وَهُوَ الْفَيْصَلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي أَوَائِلِ الْحَجْرِ مَا لَفْظُهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَجْرِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَتَطَهَّرُ بِهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهَكَذَا قِيَاسُ السُّتْرَةِ وَنَحْوِهَا كَاَلَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْمُصْحَفِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنْهُ غَيْرُ الْحَافِظِ. الثَّلَاثُونَ إذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَوْرِ وَكَانَ فِي مِلْكِهِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِهِ فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ امْتِنَاعُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ نَقْلُهُ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو وَفَاءَهُ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَا
مَعَهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ اهـ.
قُلْت وَنَسَبَهُ الْفَتَى إلَى أَنَّهُ نَسِيَ مَا سَبَقَ عَنْهُ فِي التَّيَمُّم وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي صَرَّحَ بِهِ هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ قِيَاس هِبَةِ الْمَاءِ وَاَلَّذِي سَبَقَ مِنْهُ فِي التَّيَمُّمِ صَدَرَ مِنْهُ لِغَرَضِ الْمُنَاقَضَةِ لَا لِلتَّحْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَجْرِ وَجَعَلَهُ الْقِيَاسَ وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا زُرْعَةَ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَجْرِ وَفَرَّقَ فِي التَّيَمُّم بِمَا حَاصِلُهُ تَعَيُّنُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّةٍ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ الدَّائِنُ وَنَظَرَ فِيهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ وَقَالَ إنَّهُ يَنْخَدِشُ بِإِتْلَافِ الْمَاءِ قُلْت وَيَخْدِشُهُ أَنَّ الدَّائِنَ إذَا طَالَبَ بِدَيْنِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَمَعَ الْمَدِينِ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَطَلَبَ الدَّائِنُ بَيْعَهُ لِلدَّيْنِ أَنَّهُ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ وَالدَّائِنُ قَدْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ وَهَذَا يُسَلِّمُهُ الْفَقِيهُ وَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا مُتَعَسِّفًا فَلَيْسَ كَلَامُنَا مَعَهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُصَحِّحِينَ بُطْلَانَ هِبَةِ الْمَاء لَا يُسَلِّمُونَ قِيَاسَ الشَّاشِيِّ فَلِهَذَا أَعْرَضَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْجَوَابِ عَنْهُ لِعَدَمِ تَسْلِيمِهِ لَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ امْتَنَعَ التَّبَرُّعُ بِالْمَاءِ وَالْمَالِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا اعْتَمَدَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ التَّعْلِيلِ لَمْ يُرَتِّبْ فِي صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ التَّبَرُّعِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ بَلْ تَقَدَّمَ عَنْ الْإِيضَاحِ أَيْ لِلنَّاشِرِيِّ بُطْلَانُ الْعِتْقِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَفِيهِ أَنْظَارٌ شَتَّى وَأُقَدِّمُ قَبْلَ الْكَلَامِ فِيهَا الْكَلَامَ فِي مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَدِينِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَلَا وَفَاءَ مَعَهُ حَالًا فِي الْحَالِ وَعِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلهمْ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً كَمَا سَبَقَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِيهِ فَأَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِ تَصَرُّفَاتِهِ نَظَرُهُمْ لِتَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَكَلَامِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي التَّيَمُّم مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ غَيْرَهُمَا وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا بَلْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْأُمِّ لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُنْتَقَى وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْمُتُونِ الصِّغَارِ فِي بَابِ الْعِتْقِ بَلْ وَفِي كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ كَمُغْنِي الْحَنَابِلَةِ الَّذِي أَطَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَدْحِهِ وَاعْتِمَادِ مَا فِيهِ مِنْ النُّقُولِ عَنْ الْمَذَاهِبِ لِحِفْظِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَمِنْ ثَمَّ نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِهِ فِي شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِسَوْقِ عِبَارَاتِهِمْ وَالْكَلَامِ فِيهَا بِبَيَانِ مَا قَدْ يَخْفَى مِنْ مَدْلُولِهَا وَمَا قَدْ يَرِدُ عَلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى سَوْقِ الْعِبَارَاتِ الْمَشْهُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا لِئَلَّا يَطُولَ الْكِتَابُ فَيُمَلَّ فَنَقُولُ الْعِبَارَةُ الْأُولَى عِبَارَةُ الْمُغْنِي الْمَذْكُورِ وَهِيَ مَا فَعَلَهُ الْمُفْلِسُ فِي مَالِهِ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ قَضَاءِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ نَافِذٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالُك وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ لِأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ كَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ فَلَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ انْتَهَتْ بِلَفْظِهَا.
وَقَوْلُهُ نَافِذٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِجَائِزٍ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِ الْحَنَابِلَةِ بِحُرْمَتِهَا وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ لَهُمْ وَتَصَرُّفُهُ أَيْ الْمُفْلِسِ قَبْلَ الْحَجْرِ نَافِذٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ ذَكَرَهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا أَيْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَانْظُرْ حِكَايَةَ الْمُغْنِي النُّفُوذَ مِنْ الْمُفْلِس قَبْلَ الْحَجْرِ عَنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوْلَهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ يَظْهَرُ لَك أَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ أَمْرٌ خَالَفُوا فِيهِ أَئِمَّةَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرَهُمْ وَكَفَى بِهَذَا قَادِحًا فِي رَدِّ مَقَالَتِهِمْ وَتَزْيِيفِهَا وَأَنَّهُ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهَا فَإِنَّ قُلْت قَوْلُ الْفُرُوعِ وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ قَادِحٌ فِي قَوْلِ الْمُغْنِي وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ هَذَا خِلَافٌ فِي مَذْهَبِهِ وَيَبْعُدُ عَلَى حَفَظَةِ الْمَذْهَبِ الْحِفْظُ الَّذِي لَا يُسَاوِي فِيهِ خَفَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا فِي الْعِتْقِ.
وَكَذَا هُوَ شَهِيرٌ فِي مَذْهَبِ مَالِك بَلْ جَزَمَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ بِعَيْنِ مَا أُفْتِي بِهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالَ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ بِالْمَالِ حَتَّى قَبْلَ الْحَجْرِ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ غَيْرُهُ بِمَا إذَا عَلِمَ بِتِلْكَ الْإِحَاطَةِ وَإِلَّا فَتَبَرُّعُهُ صَحِيحُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ نَقْلًا عَنْ ابْن ذُؤَيْبٍ وَاعْتَمَدَهُ بَلْ هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ صِحَّة
تَصَرُّفِهِ وَإِنَّ عَلِمَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا وَفَاءَ مَعَهُ بِمَا تَبَرَّعَ بِهِ وَجَزَمَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ يَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِالْيَسِيرِ وَبَعْدَهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ الْحَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَئِمَّتِهِمْ وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَض إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ وَمِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا جُمْهُورُ مِنْ قَالَ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ فَقَالُوا هُوَ قَبْلَ الْحَجْرِ كَسَائِرِ النَّاسِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الْأَفْعَالِ حَتَّى يَقَعَ الْحَجْرُ وَمَالِكٌ كَأَنَّهُ اعْتَمَدَ الْمَعْنَى نَفْسَهُ وَهُوَ إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ. اهـ. وَاحْتَرَزَ بِالْجُمْهُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْحَجْرِ وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّ عِتْقَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ لَا يُرَدُّ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَمْ لَا بِأَنَّ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ لَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ لَمْ يَبْطُلْ الدَّيْنُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ الْعِتْقُ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مَعَ نُفُوذِهِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِتْقَ كَالصَّدَقَةِ فِي الرَّدِّ بِشَرْطِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْحَاصِلُ أَنَّ تَبَرُّعَاتِهِ الَّتِي بَعْدَ الدَّيْنِ وَقَبْلَ الْحَجْرِ مَرْدُودَةٌ إذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مَا عَدَا الْعِتْقَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إنْ قَامَ الْغُرَمَاءُ بِقُرْبِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ فَانٍ قَامُوا بَعْدَ طُولِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَرْجَح الرَّدُّ. اهـ.
حَاصِلُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّة فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْلِسِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَإِنَّ طَلَبَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي الْحَجْرِ إهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ وَإِلْحَاقَهُ بِالْبَهَائِمِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِ لِأَجْلِ ضَرَرٍ خَاصٍّ وَلَا يَتَصَرَّفُ الْحَاكِمُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا إذَا طَلَبُوا الْحَجْرَ حَجَرَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْبَيْعِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعِ مَالِهِ يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ هَذَا حَاصِلُ مَا فِي مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِمَا شَاءَ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ صَاحِبَيْهِ يَتَصَرَّفُ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ مَذْهَبُنَا وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ فَكَيْفَ يَنْقُلُ الْمُغْنِي عَنْهُمْ الْقَوْلَ بِنُفُوذِ التَّبَرُّعِ قَبْلَ الْحَجْرِ قُلْت أَمَّا الْخِلَافُ الَّذِي لِأَصْحَابِهِمْ وَأَصْحَابِنَا فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ وَلَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ مِنْ حَيْثُ مُخَالَفَتُهُ لِصَرِيحِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا يَقَعُ لِلنَّوَوِيِّ رحمه الله كَثِيرًا أَنَّهُ فِي كُتُبِهِ لَا سِيَّمَا شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَحْكِي الِاتِّفَاقَ مَعَ تَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْخِلَافِ لِشُذُوذِهِ فَيَجْزِمُ بِالْحُكْمِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ مَا مَرَّ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ وَجَعَلَ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ لَا يَقُولُ بِالْحَجْرِ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى صَاحِبِ الْمُغْنِي فِيمَا مَرَّ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الْخِلَافَ إلَّا بِاعْتِبَارِ عِلْمه دُونَ نَفْسِ الْأَمْرِ فَبِفَرْضِ ثُبُوتِهِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي فَتْح الْبَارِي أَنَّهُ فِيهِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى النُّفُوذِ قَبْلَ الْحَجْرِ فَقَدْ وَهِمَ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ هِيَ الَّتِي قَدَّمْتهَا وَهِيَ قَوْلُهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا تُفِيدُ الْإِجْمَاعَ نَعَمْ تُفِيدُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ قَالَ بِالْحَجْرِ قَالُوا هُوَ قَبْلَ الْحَجْرِ كَسَائِرِ النَّاس وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْمُغْنِي نَعَمْ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى النُّفُوذِ قَبْلَ الْحَجْر وَقَعَتْ فِي كَلَامِ غَيْرِ الْمُغْنِي وَهِيَ مَرْدُودَةٌ بِمَا قَرَّرْتُهُ مِنْ الْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ الْمَالِكِي فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ تَصَدَّقَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ. اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَقَوْلُهُ فَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ السَّابِقُ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ شَهِيرٌ مَحْكِيٌّ فِي النُّفُوذِ حَتَّى بَعْدَ الْحَجْرِ وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَهَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى لَا لِقَوْلِهِ رَدٌّ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهِ مَا مَرَّ مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ حَتَّى فِي مَذْهَبِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِعِبَارَةِ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُ الذَّخِيرَةِ لِلْقَرَافِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَقِّقِيهِمْ
مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ حَرُمَتْ هِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ وَرُدَّ إقْرَارُهُ لِمَنْ اتَّهَمَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ
وَكَذَا الْإِنْفَاقُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَيَتَزَوَّجُ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ التَّبَرُّعَاتُ نَافِذَةٌ حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ نَقْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ النُّفُوذَ لِجَمِيعِ تَبَرُّعَاتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ مَعَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ يَزْدَدْ عَجَبُك مِنْ إفْتَاءِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ بِعَدَمِ نُفُوذِهَا أَخْذًا مِنْ تَخْرِيجٍ بِأَنَّ فِيمَا مَضَى ضَعْفَهُ وَانْحِلَالَهُ الْعِبَارَة الثَّالِثَةُ وَهِيَ الْعُمْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهِيَ قَالَ الشَّافِعِيُّ شِرَاءُ الرَّجُلِ وَبَيْعُهُ وَعِتْقُهُ وَإِقْرَارُهُ وَقَضَاؤُهُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُفْلِسٍ وَذَا دَيْنٍ كَانَ أَوْ غَيْرَ ذِي دَيْنٍ فِي إجَازَة عِتْقِهِ وَبَيْعِهِ لَا يَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا مِمَّا فَضَلَ مِنْهُ وَلَا إذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَيِّرُوهُ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي إذَا صَيَّرُوهُ إلَى الْقَاضِي أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى أَنَّهُ أَوْقَفَ مَالَهُ عَنْهُ أَيْ حَجَرَ عَلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ وَلَا يَهَبَ. اهـ. لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ وَقَوْلُهُ جَائِزٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ نَافِذٌ كُلُّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا يَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا يُنَافِي مَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّبَرُّعُ وَإِنْ نَفَذَ وَعِبَارَتُهَا بَعْد ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَيَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي مَالَهُ انْتَهَتْ بِحُرُوفِهَا وَعِبَارَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِوَرَقَاتٍ وَإِذَا حَبَسَ وَأَحْلَفَ وَفَلَّسَ وَخَلَى ثُمَّ أَفَادَ مَالًا جَازَ لَهُ فِيمَا أَفَادَ مَا صَنَعَ مِنْ عِتْقٍ وَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَغَيْره حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ السُّلْطَانُ وَقْفًا آخَرَ لِأَنَّ الْوَقْفَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا لِأَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ إنَّمَا وَقَفَ لِيَمْنَعَهُ مَالَهُ وَيَقْسِمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ فَمَا أَفَادَ آخَرَ فَلَا وَقْفَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ بِحُرُوفِهَا أَيْضًا فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ رضي الله عنه تَجِدْهُ نَصًّا قَاطِعًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً إذْ لَا يَكُونُ مُفْلِسًا إلَّا إنْ كَانَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْته فِي مَعْنَى لَا يَرْجُو وَفَاءً قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْغُرَمَاءِ وَرَفْعِهِمْ لَهُ إلَى الْقَاضِي
وَحِينَئِذٍ يَزْدَاد تَعَجُّبُك مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ إفْتَائِهِمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ وَأَيُّ عُذْرٍ لِمُقَلِّدٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ أَغْلَالُ التَّقْلِيدِ فَأُفْحِمَ حَتَّى لَمْ يَجِدْ حُرًّا لِيُخْرِجَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَضِيقِ إلَى فَضَاءِ دَوْحَةِ رَأْيِهِ أَوْ رَأْيِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ فِي أَنْ يُخَالِفَ مُقَلَّدَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ الصَّرِيحَةِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَامَ عِنْدَهُ وَجَمَدَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ مِمَّا لَا يَصْلُحُ مُتَمَسَّكًا كَمَا بَسَّطْتُهُ فِيمَا مَرَّ وَيَأْتِي وَرُبَّمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ هَوَى إلَى هُوِيَّةِ اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ وَأُعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا كُلَّ مَنْ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَزِيدُ تَقَدُّمٍ وَازْدِيَادٍ.
الْعِبَارَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْعَزِيزِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ الثَّانِيَةِ لَوْ مَلَك الْمُعْتَقُ قِيمَةَ نِصْفِ الشَّرِيكِ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ أَكْثَرُ فَهَلْ يَمْنَعُ الدَّيْنُ التَّقْوِيمَ عَلَيْهِ وَالسِّرَايَةَ فِيهِ قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ وَالْجَامِعُ أَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحَظٍّ لِلْآدَمِيِّ كَالزَّكَاةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ وَقَالَ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوسِرٍ بِمَا يَمْلِكُهُ بَلْ هُوَ فَقِير مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ عَنْ الدَّيْنِ لَمْ يُقَوَّم عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْمُعْسِرِ يُوسِرُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ رحمهم الله وَمِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ نَفَذَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يُضَارِبُ الشَّرِيك بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمُضَارَبَةِ مَعَ الْغُرَمَاءِ مَا بَقِيَ بِقِيمَةِ جَمِيعِ نَصِيبِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى حِصَّتِهِ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إنْ قُلْنَا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ. اهـ.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ أَكْثَرُ وَتَعْلِيلُهُ الضَّعِيفَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُوسِرٍ وَالصَّحِيحُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَاسْتِدْلَالُهُ لِذَلِكَ بِنُفُوذِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ تَجِدُ ذَلِكَ نَصًّا قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ ذَوْقٍ وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ لِذَلِكَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ مُعَانِدٌ يَنْقَطِعُ الْكَلَامُ مَعَهُ.
الْعِبَارَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ أَحَدُهَا
كَوْنُ الْمُعْتِقِ مُوسِرًا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُعَدَّ غَنِيًّا بَلْ إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِك غَيْرَهُ وَيُصْرَفُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ مَلَكَ قِيمَةَ الْبَاقِي لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ نَفَذَ انْتَهَتْ وَقَوْلُهَا بِقَدْرِهِ مُرَادُهَا مَا فِي أَصْلِهَا كَمَا عَلِمْت أَوْ أَكْثَرَ وَمِنْ ثَمَّ جَرَى صَاحِبُ الْمُنْتَقَى وَغَيْرُهُ حَتَّى أَصْحَابُ الْمُتُونِ كَالْحَاوِي وَفُرُوعِهِ عَلَى مَا فِي عِبَارَةِ الْعَزِيزِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الرَّوْضَةِ فِي ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهَا الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مَدْيُونًا وَاسْتَغْرَقَتْ الْقِيمَةُ مَالَهُ. اهـ.
وَهَذَا يَشْمَل مَا إذَا سَاوَتْ الْقِيمَةُ مَالَهُ وَمَا إذَا زَادَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت مِنْ أَيْنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَرُّفِ فِي عِبَارَتِهَا مَا يَشْمَلُ التَّبَرُّعَ قُلْت هَذَا جَلِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِلسُّؤَالِ عَنْهُ لِأَنَّهُ سَبَقَ تَعْلِيلًا لِنُفُوذِ تَبَرُّعِهِ بِالْعِتْقِ مَعَ اسْتِغْرَاقِ دَيْنِهِ فَلَوْلَا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّصَرُّفِ مَا يَشْمَلُ التَّبَرُّعَ لَمْ تَتَطَابَقْ الْعِلَّةُ وَالْمُعَلَّلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.
الْعِبَارَةُ السَّادِسَةُ عِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ أَوْ لَا ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ مُعْتِقُ الْحِصَّةِ يَمْلِكُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ فَيُضَارِبُ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ حَصَلَ لَهُ قِيمَةُ نَصِيبِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى حِصَّتِهِ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ إنْ قُلْنَا بِحُصُولِ السِّرَايَةِ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
فَتَأَمَّلْ مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَمَنْ بَعْدهمَا وَمَنْ قَبْلَهُمَا هُنَا لَا سِيَّمَا قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى إلَخْ تَعْلَمْ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ الْمُخَالِفُونَ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْ صَحِيحِ الْمَذْهَبِ إلَى قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ ضَعِيفِ جِدًّا وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمُقَلَّدٍ سُلُوكُهُ لَكِنْ لَعَلَّ عُذْرَ أُولَئِكَ أَنَّ نُسَخَ الْأُمِّ قَلِيلَةٌ فِي بِلَادِهِمْ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ لَكِنَّهَا فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا فَغَفَلُوا عَنْهَا فَإِذَا بَانَتْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ لِلْحَقِّ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِهِمْ دُونَ التَّمَادِي بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْفَظِيعَةِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ مِنْ تَصْمِيمٍ عَلَى مَا لَا يُرْضَى وَيَسَّرَ لَنَا سُلُوكَ سَبِيلِ الْحَقِّ أَيْنَمَا كَانَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
فَإِنْ قُلْت لَا حُجَّة فِيمَا ذَكَرْت عَنْ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ قَهْرِيَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الشَّارِعِ وَكَلَامُنَا لَيْسَ إلَّا فِيمَا يُفْعَلُ بِالِاخْتِيَارِ قُلْت هَذَا إنَّمَا يُتَوَهَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِعِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيك أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِعِتْقِ نَصِيبِهِ هُوَ فَالْحُجَّةُ فِيهِ وَاضِحَةٌ لِنُفُوذِهِ مَعَ الدَّيْن الْمُسْتَغْرِقِ وَكَذَا هِيَ وَاضِحَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَصِيبِ الشَّرِيكِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا مِمَّا فُعِلَ بِالِاخْتِيَارِ وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوهُ إتْلَافًا وَتَفْوِيتًا وَمَنَعُوا السِّرَايَةَ فِيمَا لَوْ مَلَكَ بَعْضَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِإِرْثٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ حِينَئِذٍ صَنِيعٌ وَلَا تَفْوِيت بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعِتْقُ بِاخْتِيَارِهِ لَا سِيَّمَا إنْ عَلِمَ بِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفُذُ عَلَيْهِ وَيُصْرَفُ إلَيْهِ مَا فِي يَدِهِ وَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ دَيْنُهُ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى بِمَا فِي يَده الَّذِي اسْتَغْرَقَهُ دَيْنُهُ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ ثَانِيهِمَا أَنَّ تَعْلِيلَهُمَا السَّابِقَ وَقَوْلَهُمَا وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى إلَخْ صَرِيحَانِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَيُفْرَضُ مَا ذُكِرَ فِي السِّرَايَة وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا الْحُجَّةَ الصَّرِيحَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ مُهِمٌّ فَإِنَّ قُلْت سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ فَرْعٌ يُشْكِلُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ أُولَئِكَ الْمُخَالِفُونَ وَهُوَ وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ وَلَا يُعْتَق بَلْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. اهـ.
فَمَنَعَ الدَّيْنَ لِعِتْقِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّهُ قَهْرِيٌّ عَلَيْهِ كَالسِّرَايَةِ مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِيهَا وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ قُلْت هَذَا تَحْرِيفٌ أَوْ إجْمَالٌ يَحْتَاجُ لِتَقْيِيدٍ بِإِرْجَاعِ ضَمِيرِ اشْتَرَى إلَى الْمَرِيضِ وَحَمْلِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُسْتَغْرِقِ لِأَنَّ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ نِزَاعًا أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ عَتَقَ قَهْرًا عَلَيْهِ عَقِبَ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَكُنْ
مَرِيضًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَالِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَإِلَّا فَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثَهُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِالسِّرَايَةِ فِيمَنْ اشْتَرَى بَعْضَ قَرِيبِهِ مَعَ تَقْرِيرِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي السِّرَايَة بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ لَا وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَدِينَ الَّذِي دَيْنُهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهِ لَوْ اشْتَرَى بَعْضَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُتَعَقَّلُ صِحَّةُ هَذَا الْإِجْمَالِ الَّذِي أُوقِعَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ بِتَقْدِيرِ أَنَّ النُّسَّاخَ لَمْ يُحَرِّفُوا شَيْئًا لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي رَأَيْت فِيهَا ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا السَّقَمُ وَالتَّحْرِيفُ.
الْعِبَارَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ وَمُقْتَضَى هَذَا الْقَيْد وَهُوَ اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ الدُّيُونِ عَلَى مَالِ الْمُفْلِسِ حَتَّى يُحْجَرَ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ وُجُودِ مَالٍ لِلْمَدْيُونِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَيَكْفِي مُجَرَّدُ الدَّيْنِ لِجَوَازِ الْحَجْرِ مَنْعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا عَسَاهُ يَتَجَدَّدُ بِاصْطِيَادٍ أَوْ اتِّهَابٍ أَوْ الظَّفْرِ بِرِكَازٍ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلِيُفَسَّرْ الْمُفْلِسُ بِاَلَّذِي لَيْسَ لَهُ مَالٌ يَفِيَ بِدُيُونِهِ لِيَعُمَّ مَنْ لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا انْتَهَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ وَيَكْفِي مُجَرَّدُ الدَّيْنِ لِجَوَازِ الْحَجْرِ مَنْعًا لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا عَسَاهُ يَحْدُثُ إلَخْ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ مَعَ كَوْنِهِ مَدِينًا وَلَا مَالَ لَهُ أَصْلًا يَرْجُو الْوَفَاءَ مِنْهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ الشَّامِلُ لِتَبَرُّعِهِ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمَنْعِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِي تَصَرُّفِهِ بِغَيْرِهِ وَقَدْ أَقَرَّهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قَوْلِهِ مَنْعًا لَهُ إلَخْ وَإِنَّمَا خَالَفُوا تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ فِي امْتِنَاعِ الْحَجْرِ حَيْثُ لَا مَالَ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ حِينَئِذٍ وَذَلِكَ التَّعَسِّي الَّذِي ذَكَرَهُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ بِصَدَدِ مُرَاقَبَتِهِ وَرَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ إنْ حَدَثَ لَهُ مَالٌ فَلَا مَحْذُورَ فِي عَدَمِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْحُدُوثِ فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسَلَّمٌ وَهُوَ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا حَدَثَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَتنَا لِأَنَّهُ مَدِينٌ لَا يَرْجُو وَفَاءً لِدَيْنِهِ وَقَدْ صَحَّ تَبَرُّعُهُ بِمَا فِي يَدِهِ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ التَّعَجُّبُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَبَرُّعِهِ وَالْآخَرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَهُوَ الْحَجْرُ قَبْلَ الْحُدُوثِ لِمَا مَرَّ مِنْ انْتِفَاءِ سَبَبِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَجْرِ هُنَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْقِيَاسِ إذْ مَا حَدَثَ إنَّمَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ وَمَا جَازَ تَبَعًا لَا يَجُوزُ قَصْدًا.
الْعِبَارَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ مَنْ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدُيُونِهِ وَسَأَلَ الْغُرَمَاءُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجْرَ عَلَيْهِ وُجُوبًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِي بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دَيْنَهُ فَيَتَضَرَّر الْبَاقُونَ وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ فَيُضَيِّعُ حَقَّ الْجَمِيعِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ مَرْهُونًا امْتَنَعَ الْحَجْرُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ رَقِيقٌ وَقُلْنَا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ لَهُ أَيْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ هَذَا مَا ظَهَرَ تَفَقُّهًا وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا. اهـ.
فَقَوْلُهُمْ قَدْ يَتَصَرَّفُ إلَخْ وَاسْتِثْنَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْهُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ صَرِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْته عَنْ الرَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ الَّذِي لَا يَرْجُو وَفَاءً وَكَذَلِكَ اسْتِثْنَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ الْعِلَّةِ مَا ذَكَرَهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَالَ الْمَدِينِ الْمُفْلِس قَبْلَ الْحَجْرِ غَيْرُ مَرْهُونٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَلِذَا صَحَّ تَبَرُّعُهُ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ عَلَّلَهُ الشَّيْخَانِ بِقَوْلِهِمَا كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذٌ تَصَرُّفُهُ فِيهِ زَادَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعُوهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ قَدْرَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا مَرَّ.
وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَارْتَضَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَظْهَرُ لَك صِحَّةُ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِتَخْرِيجِهِ السَّابِقِ إلَّا مُجَرَّدَ إجْرَاءِ الْخِلَافِ دُونَ التَّرْجِيحِ وَإِلَّا تَنَاقَضَ كَلَامُهُ هَذَا مَعَ ذَاكَ لِأَنَّ هَذَا الْمَذْكُور هُنَا صَرِيح فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً وَالْمَذْكُورُ ثَمَّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ صِحَّتِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بِالْحَمْلِ الَّذِي ذَكَرْته وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّخْرِيجِ إلَّا إجْرَاءَ الْخِلَافِ لَا غَيْرُ وَبِفَرْضِ أَنَّ ظَاهِرَ تَخْرِيجِهِ التَّرْجِيحُ أَيْضًا لَا يَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِلْمَذْهَبِ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِهِ نَفْسِهِ هُنَا وَإِذَا اخْتَلَفَ كَلَامُ إمَامٍ وَجَبَ الْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ مِنْهُ دُونَ الظَّاهِرِ كَيْفَ وَالصَّرِيحُ الَّذِي هُنَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ مِنْ أَحَاطَ بِتِلْكَ النُّقُولِ الَّتِي قَدَّمْتهَا فَإِنْ قُلْت مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي التَّفْلِيسِ مَرْدُودٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ قُلْت
الْمَرْدُودُ مِنْهُ بَحْثُ مَنْعِ الْحَجْرِ فِي الْمَرْهُونِ بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَفِيمَا عَسَاهُ يَحْدُثُ بِنَحْوِ اصْطِيَادٍ وَهَذَا الْبَحْثُ وَإِنْ سَلِمَ رَدُّهُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا كَوْنُهُ مَرْدُودًا.
الْعِبَارَةُ التَّاسِعَةُ مَا فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ.
وَصُورَتُهُ رَجُلٌ وَقَفَ أَرْضَهُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فَهَلْ يَصِحُّ الْوَقْفُ الْجَوَابُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي صِحَّتِهِ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا هُوَ الْمَنْقُولُ السَّابِقُ أَنَّ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ لِدَيْنِهِ وَفَاءً.
الْعِبَارَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّ وَإِنْ حَلَّ وَاسْتَغْرَقَ مَالَهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ.
وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِجِهَةِ الدَّيْنِ ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ نَذْرَ التَّصَدُّقِ بِعَيْنِ النِّصَابِ النَّقْدِ أَوْ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ قَالَ جَعَلْته صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَوْ ضَحِيَّةً فَتَمَّ الْحَوْلُ قَبْلَ صَرْفِهِ لِجِهَةِ النَّذْرِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالنَّذْرِ أَوْ الْجَعْلِ هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاعْتِرَاضُ الْبُلْقِينِيُّ لَهُ أَشَارَ الْجَلَالُ إلَى رَدِّهِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُمْ إنَّ مَالَهُ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى جِهَةِ الدَّيْنِ أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ الْمُوجِبِ لِلْأَدَاءِ فَوْرًا لِأَنَّ لَهُ الْأَدَاءَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِاقْتِرَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ تَجِدُهُ صَرِيحًا فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَالْمَالُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَان مَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَأَيُّ مُبْطِلٍ لِتَبَرُّعِهِ وَتَأَمَّلْ أَيْضًا مَا فَرَّعُوهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ صِحَّةِ النَّذْرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْمَدِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا لَهُ وَزَائِدٌ عَلَيْهِ تَجِدْهُ صَرِيحًا ظَاهِرًا لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَحِينَئِذٍ يَزْدَادُ تَعَجُّبُك مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ مَعَ وُضُوحِ صَرَائِحِ الْمَذْهَبِ فِيهِ.
وَلَقَدْ رَأَيْت لِكَثِيرٍ مِنْ عُلَمَاءِ حَضْرَمَوْت فِي بَيْعِ الْعُهْدَةِ مَا يُشَابِهُ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ بَلْ هُوَ أَقْبَحُ بِكَثِيرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَذْهَبِ الْمُخَالَفَةَ الصَّرِيحَةَ بِإِبْدَاءِ آرَاءَ يَجْزِمُونَ بِهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَقَوَاعِدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ عُذْرًا فِي ذَلِكَ بَلْ أَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ الْمُعْتَرِفِينَ بِهِ وَالْمُذْعِنِينَ لَهُ أَنَّهُمْ شَافِعِيَّةٌ وَمُفْتُونَ وَمُؤَلِّفُونَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَلَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ قَطْعًا بِأَيِّ مَرْتَبَةٍ فَرَضْتَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ فَمَعَ ذَلِكَ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُمْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَنْ يَذْكُرُوا آرَاءً لَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِوَجْهٍ بَلْ مُجْتَهِدُو الْمَذْهَبِ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ وَغَيْرُهُمْ لَمْ يُبْدُوا شَيْئًا مِنْ وُجُوهِهِمْ وَآرَائِهِمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَوْ قَاعِدَتِهِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ.
وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُ كَمُفْرَدَاتِ الْمُزَنِيِّ وَآرَاءِ أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لَا تُعَدُّ آرَاؤُهُ وُجُوهًا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا مِنْهُ بَلْ هُوَ كَبَقِيَّةِ آرَاءِ الْمُخَالِفِينَ لِلْمَذْهَبِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أُولَئِكَ الْحَضَارِمَةِ أَنَّهُمْ جَرَوْا فِي ذَلِكَ عَلَى آرَاءَ مِنْ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ فَبَعِيدٌ لِأَنَّهُمْ إذَا سَلَكُوا ذَلِكَ كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا تِلْكَ الْآرَاءَ بِنِسْبَتِهَا إلَى قَائِلِهَا أَوْ بِكَوْنِهِمْ أَخَذُوهَا مِنْ قِيَاسِ قَوْلِ الْمُخَالِفِينَ أَوْ قَوَاعِدِهِمْ وَأَمَّا إطْلَاقُهَا عَرِيَّةً عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ إيهَامٌ بَلْ صَرِيحٌ أَنَّهَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ ثَمَّ رَأَيْت أَكْثَرَ مُشْتَغِلِي الْحَضَارِمَةِ يُتَوَهَّمُونَ ذَلِكَ فَاتَّضَحَتْ حُرْمَةُ هَذَا الْفِعْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالتَّجَاسُرِ عَلَى مَرَاتِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ لِطَاعَتِهِ أَجْمَعِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(تَنْبِيهٌ) اخْتَلَفُوا فِي الْمَدِينِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَا فِي يَدِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَعَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ يُسِنُّ لَهُ إخْرَاجُهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعِبْرَةُ فِي الْفَضْلِ عَمَّا ذَكَرَهُ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ فَوُجُودُهُ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُهَا اتِّفَاقًا لَكِنْ يُنْدَبُ إخْرَاجُهَا. اهـ.
فَإِذَا نُدِبَ إخْرَاجُهَا هُنَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فَأَوْلَى أَنْ يُنْدَبَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ وَبِفَرْضِ تَسْلِيمِ عَدَمِ النَّدْبِ.
فَجَوَازُ الْإِخْرَاجِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ نَدَبَ إخْرَاجَهَا أَوْ جَوَازَهُ فَفِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ لِجَوَازِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا حَيْثُ لَمْ يَجِبْ يَكُونُ تَبَرُّعًا وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِالنَّدْبِ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْضًا فِي خَبَرِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ فَأَطْعَمَهُ قُوتَهُ وَقُوتَ صِبْيَانِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَدَقَةٍ بَلْ ضِيَافَةٌ وَهِيَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْفَضْلُ
عَنْ عِيَالِهِ وَنَفْسِهِ لِتَأَكُّدِهَا وَكَثْرَةِ الْحَثِّ عَلَيْهَا حَتَّى إنَّ جَمْعًا أَوْجَبُوهَا. اهـ.
فَكَذَا الْإِخْرَاجُ هُنَا مُتَأَكِّدٌ لِلْخِلَافِ الشَّهِيرِ فِي وُجُوبِهِ فَلَيْسَ لِلْمَدِينِ وَيُؤَيِّدُ جَوَازَ الْإِخْرَاجِ مَا بُحِثَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ مِنْ دَيْنٍ لَا يَرْجُو وَفَاءً رِعَايَةً لِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا تَجِبُ حَتَّى عَلَى الْمُعْسِرِ كَمَا أَنَّ الضِّيَافَةَ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْمَدِينِ. اهـ.
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّمَا تُسَنُّ لِلْقَادِرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ فِي يَدِهِ مَا يَفِي بِهَا وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لَهُ وَعَلَيْهِ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا وَالضِّيَافَة وَالْأُضْحِيَّةَ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا وَلَوْ مِنْ مَدِينٍ لَا يَرْجُو وَفَاءً فَيُفِيدُ ذَلِكَ صِحَّةَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ وَلَا يُنَافِي الْجَوَازَ هُنَا الْحُرْمَةُ فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّهُ لَا دَاعِي لَهَا وَلَا عُذْرَ فِي إخْرَاجِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ سُنَّةٌ بِشَرْطِهِ فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرْته عَنْ الْمَجْمُوعِ فِي الضِّيَافَةِ خَالَفَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَانْتَصَرْت لَهُ فِي كِتَابِك الْمُسَمَّى بِإِتْحَافِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالْأَنَاقَةِ بِمَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ وَالضِّيَافَةِ قُلْت مَا فِي الْمَجْمُوعِ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ فَصَحَّ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ لِمَا مَرَّ.
الْعِبَارَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُمْ فِي التَّيَمُّم لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ يَلْزَمْهُ صَرْفُ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ إلَى مَاءِ طَهَارَتِهِ فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ إلَى الْمَاءِ جَازَ أَيْ صَحَّ لِأَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ مُرَادُ الْإِسْنَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي بَعْض الصُّورِ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ صِحَّةُ صَرْفِهِ فِي ذَلِكَ كَانَ صَرِيحًا فِي صِحَّةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ دَيْنَهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِشِرَاءِ الْمَاءِ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فَلْتَصِحَّ سَائِرُ تَبَرُّعَاتِهِ.
الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ الْمَانِعَ مِنْ التَّصَرُّف مُفْتَقِرٌ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا انْتَهَتْ وَهِيَ صَرِيحَةٌ لَا تَقْبَلُ تَأْوِيلًا فِي صِحَّة تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَأَنَّهُ لَا يُمْنَعُهُ مِنْهُ إلَّا الْحَجْرُ الْحِسِّيُّ أَوْ الشَّرْعِيُّ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِمَّنْ قَالَ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ فَأَيُّ تَنْصِيصٍ عَلَى خِلَافِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ عِبَارَتُهَا الْمُوَافِقُ لِعِبَارَتِهَا أَيْضًا فِي الْعِتْقِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ كَانَ ذَلِكَ أَعْجَبَ إذْ كَيْفَ تُتْرَكُ صَرَائِحَ النُّقُولِ لِتَخْرِيجٍ مُتَأَخِّرٍ بِمُحْتَمَلٍ بَلْ مَرْدُودٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ مُوَضَّحًا.
الْعِبَارَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّ الْغَيْرِ بَعْدَ وُجُوبِهِ حُرِّمَتْ فَهَذَا مِنْهُمْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا مَعَ حُرْمَتِهَا وَإِبْطَالِهَا لِحَقِّ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ الْمُتَصَرَّفِ فِيهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمُشْتَمِلَةُ تِلْكَ الْحِيلَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ فَوَّتَ ذَلِكَ الْحَقَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حُرْمَةَ تَفْوِيت ذَلِكَ الْحَقِّ لَا يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ لَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فَأَوْلَى تَبَرُّعُ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ لِأَنَّ الْحَقَّ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ وَبِفَرْضِ صِحَّةِ تَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بَلْ إنَّمَا يُبْطِلُهُ التَّعَلُّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا أَوْ الْأَمْرِ اللَّازِمِ لَهَا فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ اضْطَرَّنَا إلَيْهِ مَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْحِيَلِ وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ رَدُّ مَا لِلْبَنْدَنِيجِيِّ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ
الْعِبَارَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْ فِي الْوَاهِبِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فَإِنَّهُ مَتَى انْتَفَى الْحَجْرُ وُجِدَتْ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ فَفِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ وَإِنْ انْتَفَى الْحَجْرُ فَلَا تَصِحُّ تَبَرُّعَاتِهِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ التَّبَرُّعُ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ كُلَّ تَبَرُّعٍ فَوَّتَ حَقَّ الدَّائِنِ يَكُونُ حَرَامًا قُلْت هَذَا غَفْلَة عَمَّا مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّ مَلْحَظ الْحُرْمَةِ غَيْرُ مَلْحَظِ الصِّحَّةِ إذْ مَدَارُ الْحُرْمَةِ عَلَى إلْحَاق الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمَا يُفَوِّتُ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِأَنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَقَدْ أَضَرَّ بِالدَّائِنِ فَأَثِمَ لِذَلِكَ وَمَدَارُ الصِّحَّةِ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِ حَقٍّ بِالْعَيْنِ وَمَتَى لَمْ يُحْجَرْ عَلَى الْمَدِينِ فَالدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَكُنْ لِإِبْطَالِ تَصَرُّفِهِ وَجْهٌ وَإِنْ حَرُمَ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَصْلًا كَمَا مَرَّ مَبْسُوطًا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَيَقْطَعُ النِّزَاعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاءُ الدَّيْنِ بِالطَّلَبِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ حِينَئِذٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ
صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه كَمَا مَرَّ بِنُفُوذِ التَّصَرُّفِ الشَّامِلِ لِلتَّبَرُّعِ فَعَلِمْنَا أَنَّ حُرْمَةَ التَّبَرُّعِ لَا تُنَافِي صِحَّتَهُ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَاشْدُدْ بِهِ يَدَيْك تَسْلَمْ مِنْ اللَّجَاجِ وَالْعِنَادِ اللَّذَيْنِ لَا يَلِيقَانِ بِفَاضِلٍ فَضْلًا عَنْ كَامِلٍ حَمَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَنْ ذَلِكَ وَوَفَّقَنَا لِسُلُوكِ أَقْوَمِ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
الْعِبَارَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ أَفْقَهِ تَلَامِذَةِ الْفَتَى وَأَجَلِّ مَشَايِخِ شَيْخِ الْمُفْتِي اللَّذَيْنِ احْتَجَّ بِكَلَامِهِمَا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ الشِّهَابَ الْمُزَجَّدَ صَاحِبَ الْعُبَابِ فِي فَتَاوِيهِ بِصِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَعِبَارَةُ السُّؤَالِ هَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ الْمَدْيُونِ لِمَا يَحْتَاجُهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَذَلِكَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الْجَوَابِ نَعَمْ يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ الْمَدْيُونِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ إذَا كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَإِلَّا فَلَا إذْ التَّصْدِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَكْرُوهٌ وَالنَّذْرُ لَا يَصِحُّ بِالْمَكْرُوهِ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ بَلْ وَالْمُحَرَّمُ لِغَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَحِينَئِذٍ فَهَذَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ سَائِرِ تَبَرُّعَاتِ الْمَدِينِ إذْ النَّذْرُ مِنْ أَفْرَادِ التَّبَرُّعِ.
وَعَجِيبٌ اعْتِمَادُ الْمُفْتِي لِفَتْوَى شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الطَّنْبَدَاوِيِّ وَتَبَاهِيهِ بِهَا إعْرَاضًا عَنْ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ اعْرِفْ الرِّجَالَ بِالْحَقِّ وَلَا تَعْرِفْ الْحَقَّ بِالرِّجَالِ وَإِعْرَاضُهُ عَنْ فَتْوَى شَيْخِ الطَّنْبَدَاوِيِّ مَعَ أَنَّهُ أَجَلُّ مِنْهُ فِقْهًا وَتَحْقِيقًا بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فَالْفَارِق بَيْن النَّاسِ إنَّمَا هُوَ آثَارُهُمْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى صَرْفِ مَالِهِ فِي الدَّيْنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ لِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً. اهـ.
فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ ذَلِكَ بِحَالَتَيْهِ دَاخِلًا فِي كَلَامِهِمْ وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ إنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ كَانَتْ مَنْقُولَةً لَهُمْ تَعْلَم أَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْمُزَجَّدُ هُوَ الْمَنْقُولُ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ فِيهِ لَمْ يُصِبْ
الْعِبَارَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْل شَيْخِ شَيْخِهِ الْمَذْكُورِ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا فِيمَنْ عَلَيْهِ صَدَاقٌ حَالٌّ لِزَوْجَتِهِ فَمَلَّكَ مَالَهُ لَآخَرَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَقَبِلَ وَقَبَضَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ فَهَلْ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ لَا نَعَمْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ وَإِقْبَاضُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ هَذَا مِنْ هَذَا الْفَقِيهِ الْغَيْرِ الْخَفِي عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِيهِ شَيْخُهُ الْفَتَى مِنْ وَرْطَةِ عَدَمِ صِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ تَجِدْهُ أَعْرَضَ عَمَّا شَذَّ بِهِ شَيْخُهُ الْمَذْكُورُ وَأُفْتَى بِالْمَذْهَبِ وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى إفْتَاءِ شَيْخِهِ بِذِكْرٍ وَلَا رَدٍّ اكْتِفَاءً بِأَنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِالْفِقْهِ يَعْلَمُ شُذُوذَهُ فِيمَا أَفْتَى بِهِ وَأَنَّ مَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَلَّدَهُ مِنْ غَيْرِ إمْعَانٍ وَتَفْتِيشٍ لِكُتُبِ الْمَذْهَبِ بَلْ مَرَّ أَنَّ مَا يُعْلَمُ بِهِ الرَّدُّ الْوَاضِحُ عَلَى الْفَتَى فِي الْمُخْتَصَرَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمُطَوَّلَاتِ فَتَيَقَّظْ لِذَلِكَ كُلِّهِ لِتَسْلَمَ وَتَغْنَمَ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ
وَإِذَا اتَّضَحَ كُلَّ الِاتِّضَاحِ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ حَتَّى صَارَ كَنَارٍ عَلَى عِلْمٍ فَلْنَرْجِعْ إلَى بَعْضِ مُؤَاخَذَاتٍ عَلَى عِبَارَةِ الْمُفْتِي السَّابِقَةِ الَّتِي سُقْت حَاصِلَهَا فِي قَوْلِي خَامِسُهَا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ مَا فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ مَنْظُورٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ مَنْظُورٌ فِيهِ هُوَ الْمَنْظُورُ فِيهِ إذْ لَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِمَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَعَنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْعِتْقِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ زَادَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّشَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ نَفَذَ تَبَرُّعُهُ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ شَرْحِ الْمُهَذَّب عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ. اهـ. وَعَلَيْهِ فَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ بِأَنَّ الْحَقَّ ثَمَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَاءِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ بِغِبْطَةٍ وَهُنَا الدَّيْنُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ دُونَ أَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِمْ وَرَفْعِهِمْ لِلْقَاضِي حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْنَوِيِّ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا ذَكَرَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ بِكَلَامِ الشَّاشِيِّ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِوَجْهٍ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَ الشَّاشِيِّ هَذَا مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَالنَّظَرُ فِيهِ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ مَشْهُورًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَمْ يَحْتَجْ النَّوَوِيُّ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ بَلْ سَكَتَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْأَلَةُ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَرَّرَ
وَمَعْنَى قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ
شَرْحَ الْمُهَذَّبِ جَزَمَ بِمَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ أَنَّهُ حَكَى جَزْمَ الشَّاشِيِّ وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ وَمِنْ عَادَتِهِ فِي هَذَا الشَّرْحِ أَنَّهُ مُتَتَبِّعٌ فِيهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ فَحِكَايَتُهُ عَنْهُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَسُكُوتُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الضَّعِيفَ إنَّمَا يَقِيسُ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ وَقَدْ يَقِيسُ عَلَى مَا ظَهَرَ دَلِيلُهُ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَخْذُ بِالْغَالِبِ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخَذَ بِهِ الْمُخَالِفُونَ فِي تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ السَّابِقِ بَسَطَ مَا فِيهِ فَقَالُوا إنَّهُ يُفْهِمُ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ الصَّدَقَةِ نَظِير مَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمُخَرَّجِ عَلَيْهَا فَأَخْذُهُمْ بِقَضِيَّةِ الْغَالِبِ مِنْ التَّخْرِيجِ وَهُوَ الِاتِّحَادُ فِي الْحُكْمِ أَيْضًا وَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي اعْتِمَادِهِمْ كَلَامَ الشَّاشِيِّ وَنِسْبَتِهِمْ إلَى النَّوَوِيِّ اعْتِمَادَهُ نَظَرًا لِلْغَالِبِ السَّابِقِ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فَاتَّضَحَ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَبَطَل الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ صَنِيعَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي تَزْيِيفِ هَذَا الْقِيَاسِ مِنْ الْعَجِيبِ فَأَيُّ صَنِيعٍ اقْتَضَى فِي الْقِيَاسِ مَا ذَكَرَ وَأَنَّمَا الصَّنِيعُ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَاعْتِمَادَهُ نَظَرًا لِلْغَالِبِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَخَذَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ نَفْسُهُ فِي ذَلِكَ التَّخْرِيجِ كَمَا تَقَرَّرَ وَقَوْلُهُ وَكَثِيرًا إلَخْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ خِلَافُهُ وَالْأَخْذُ بِالْغَالِبِ مُتَعَيِّنٌ هَذَا كُلُّهُ بِفَرْضِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّاشِيِّ وَأَمَّا إذَا بَانَ مُوَافَقَته لَهُ فَلَا نَظَرَ إلَى كَثِيرٍ وَلَا إلَى غَالِبٍ وَقَوْلُهُ إنَّهُ اكْتَفَى بِمَا سَيَذْكُرُهُ إلَخْ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْبُطْلَانُ إلَّا إذَا رَجَعَتْ إلَى مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَازِمِهِ
وَأَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ لَا مَسْأَلَةَ الصَّدَقَةِ وَنَحْوِهَا وَأَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى تَعْلِيلِ الْأَوَّلِ بِحُرْمَةِ التَّسْلِيمِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِيهِ لِمَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ وَتَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِأَمْتَنِ دَلِيلٍ وَأَوْضَحِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَأْخَذُ ابْنِ الرِّفْعَةِ إلَخْ مُسَلَّمٌ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ إيضَاحُ أَنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا الْمَأْخَذِ إذْ مَأْخَذُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ بِدَلِيلِ بُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَوْ بِغِبْطَةٍ وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ كَوْنُهَا تَبَرُّعًا يُضِرُّ بِالدَّائِنِ لَا تَعَلُّقُ دَيْنِهِ بِعَيْنِ الْمَالِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ إلَّا بِالْحَجْرِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ كَمَا مَرَّ بَسْطُ ذَلِكَ وَإِيضَاحُهُ وَقَوْلُهُ بَلْ بَحَثَ مَعَهُ فِي التَّوَسُّطِ إلَخْ هَذَا الْبَحْث فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمَا قَرَّرْته مِنْ الْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ وَسَبَقَ رَدُّهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ التَّصَرُّف فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يُقَالُ يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحُرْمَةِ وَمَعَ حِكَايَتِهِمْ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةَ الْمَاء مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُرْمَةِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وَفَرْقُهُ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ يَرُدُّهُ مَا سَبَقَ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الدَّائِنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ مَالِ الْمَدِينِ إلَّا بِالْحَجْرِ وَلَمْ يُوجَدْ وَلَا نَظَرَ إلَى الطَّلَبِ
وَلَا إلَى تَوَجُّهِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ لِلتَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ فِيهَا كَمَا مَرَّ نَقْلُهُ وَبَسْطُهُ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ ذَلِكَ حَقَّ آدَمِيٍّ وَهَذَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْسُنُ النَّظَرُ لِذَلِكَ لَوْ اتَّحَدَتْ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ اخْتِلَافُهَا فَبَطَلَ مَا فَرَّقَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ وَقَوْلُهُ إنَّ النَّشَائِيَّ إلَخْ مِنْ الْعَجِيبِ أَيْضًا وَكَمْ حَذَفَ هَؤُلَاءِ مَسَائِلَ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَأَيُّ قَاعِدَةٍ أَوْ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا حَذَفُوا مِنْهُ حُكْمًا دَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ وَأَيُّ إشْعَارٍ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا عَنْ النَّوَوِيِّ تَزْيِيفَهَا وَالتَّشَبُّثَ بِمَا لَا يَصْلُحُ تَشَبُّثًا يَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَنَسَبَهُ الْفَتَى إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ مَتَى وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ حَرُمَ تَأْخِيرُ أَدَائِهِ وَلَوْ بِالتَّصَدُّقِ وَإِنْ رَجَا الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ فِي كَلَامِ الْإِسْنَوِيّ الْحُرْمَةُ إنْ أَرَادَ بِالتَّصَرُّفِ التَّبَرُّع لَا الْبُطْلَانَ إلَّا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ الرِّفْعَةِ
السَّابِقِ رَدُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا سَبَقَ فِي التَّيَمُّم، وَالسَّابِق فِيهِ شَيْئَانِ الْحُرْمَةُ وَبُطْلَانُ التَّصَرُّفِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا أَوْ الْأَوَّلَ فَقَطْ وَعَلَى كُلٍّ فَجَزْمُ الْمُعْتَرِضِ بِأَنَّهُ أَرَادَ قِيَاسَ مَا سَبَقَ فِي التَّيَمُّم فِي هِبَةِ الْمَاءِ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْبَطَلَانِ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْجَزْمِ
بَلْ الْحَقُّ أَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ بَعْدَهُ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ نَظَرٌ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالِامْتِنَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَرَةِ إلَّا الْحُرْمَةَ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْكَفَّارَةِ وَمَسْأَلَةَ الصَّدَقَةِ وَاحِدٌ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ قَائِلٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَةِ بِبُطْلَانِ التَّصَرُّفِ وَمُتَرَدِّدٌ فِي الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ إذْ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ صَنِيعِ الْمُؤَلِّفِينَ قَاضٍ بِأَنَّهُمْ إذَا قَالُوا فِي صِحَّةِ كَذَا أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ نَظَرٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ نَقْلًا وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْفَتَى إنَّهُ نَسِيَ مَا قَدَّمَهُ فِي التَّيَمُّم عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قَائِلٌ بِبُطْلَانِ تَبَرُّع الْمَدِينِ الَّذِي قَالَ بِهِ الْمُفْتِي وَمَنْ تَبِعَهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَصِلْ إلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ اتِّبَاعُهُ وَاعْتِمَادُهُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ خَطَأُ تَعْبِيرِ الْمُعْتَرِضِ بِقَوْلِهِ فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَجْرِ وَجَعَلَهُ الْقِيَاسَ وَلَقَدْ وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ مَعَ جَلَالَتِهِ مَا لَا يُقَارِبُ هَذِهِ الْعِبَارَة الشَّنِيعَةَ وَمَعَ ذَلِكَ اعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَوِّبَ مَا خَالَفَ فِيهِ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ بَلْ وَقَعَ لِلْإِمَامِ مَعَ عِظَمِ جَلَالَته أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ فِي النَّذْرِ عَدَمُ انْعِقَاده عِنْدِي خَطَأٌ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ أَنْ لَا يُعَبِّرَ بِالْخَطَإِ كَيْفَ وَعَدَمُ الِانْعِقَادِ هُوَ مَنْصُوصُ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ قَالُوا وَكَائِنُ عُذْرِهِ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُوَلَّدَةٌ لَا مَنْصُوصَةٌ مَنْقُولَةٌ. اهـ.
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا هُوَ عُذْرُ ذَلِكَ الْمُفْتِي وَقَوْلُهُ وَفَرَّقَ فِي التَّيَمُّم هَذَا الْفَرْق هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ وَإِيضَاحُهُ وَقَوْلُهُ وَنَظَرَ فِيهِ إلَخْ لَا وَجْهَ لِهَذَا النَّظَرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ الدَّائِن إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فِي الدَّيْنِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ فَلَا يُرَدُّ دَيْنُ الْإِتْلَافِ وَقَوْلُهُ وَيَخْدِشُهُ أَيْضًا إلَخْ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ مُسَلَّمٌ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِهِمْ فِي التَّيَمُّم لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَيَّدُوا تَعَلُّقَ الْحَقُّ بِعَيْنِ الْمَاءِ بِمَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ الْمُمَلِّكُ إلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَهَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِيَّاتِهِ الَّتِي يُسَلِّمُهَا الْفَقِيهُ وَلَا يُنْكِرُهَا إلَّا الْجَامِدُ الْمُتَعَسِّفُ احْتَاجَ فِيهِ الْمِلْكُ إلَى ثَمَنِ الْمَاءِ فَمَعَ التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ بِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَطَلَبُ الدَّائِنِ بَيْعَهُ قَيْدٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ بَلْ وُجُودُ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ مَانِعٌ تَعَلَّقَ حَقُّ الطَّهَارَةِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الدَّائِنُ بَيْعَهُ بَلْ وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَعَيَّنَ لِلطَّهَارَةِ إلَخْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ وَلَا غَيْرُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي قَالُوهُ إنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ بِالْمُمَلِّكِ إلَى ثَمَنِهِ وَلَا بِالْمُتَمَلِّكِ إلَى عَيْنِهِ لِلْعَطَشِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ الدَّيْنُ الْمُحَرِّمُ لَهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ إذْ لَا حَجْر بَلْ بِالذِّمَّةِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَقْتَضِ بُطْلَان التَّبَرُّعِ هَذَا حَاصِلُ مَا فَرَّقَ بِهِ أَبُو زُرْعَةَ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَخْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَقَوْلُهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُصَحِّحِينَ إلَخْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ الْمَعْلُومُ عِنْدَهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّاشِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ لَا غَيْرُ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ إلَّا بِالْحَجْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَقَوْلُهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِنْ الْعَجِيبِ كَيْفَ وَاَلَّذِي اتَّضَحَ الْقَطْعُ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ صِحَّةُ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ وَفَاءً وَقَوْلُهُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ امْتَنَعَ التَّبَرُّعُ بِالْمَاءِ أَعْجَبُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْمَاءِ لَمْ يَمْنَعْ التَّبَرُّعَ بِهِ فَحَسْبُ بَلْ مَنَعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَتَّى بِالْبَيْعِ وَلَوْ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ فَعَلِمْنَا بِطَرِيقِ الْقَطْعِ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي امْتَنَعَ بِهِ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ بِالْمَالِ فَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَهُمَا وَاسْتِنْتَاجُهُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ.
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُرَتِّبْ فِي صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ إلَخْ كُلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَلْحَظَيْنِ وَأَنَّهُ قَاضٍ بِصِحَّةِ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ أَنَّ بُطْلَانَ تَبَرُّعِ
الْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ رَأْيٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّمَسُّكُ بِهِ وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي إفْتَاءٍ وَلَا تَأْلِيفٍ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا سِوَاهُ وَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي بَعْضِ تَأْلِيفِهِ الْمَذْكُورِ فَلْنَرْجِعْ إلَى بَقِيَّةِ الْكَلَامِ عَلَى جَوَابِهِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ثُمَّ إلَى مَا بَقِيَ فِي تَأْلِيفِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ لِلرَّدِّ سَادِسُهَا قَوْلُهُ أَمَّا صُورَةُ السُّؤَالِ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا أَحَدٌ فَإِنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ لَهُمْ بِالدَّيْنِ. اهـ.
وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ أَيْضًا إذْ كَيْفَ يَنْفِي الْخِلَافَ فِيهَا مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ فِي الْأُمِّ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهَا وَعِبَارَتُهَا كَمَا مَرَّ وَيَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي مَالَهُ أَيْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ انْتَهَتْ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي نُفُوذِ تَبَرُّعِهِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلَبِ وَالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ مَا لَمْ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَمَعَ مَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فَجَزَمَ الشَّاشِيُّ بِالصِّحَّةِ بَعْدَ الطَّلَبِ فِيهِ أَبْلَغ الرَّدِّ لِقَوْلِهِ لَا يُخَالِفُ فِيهَا أَحَدٌ وَحِينَئِذٍ فَالتَّجَاسُرُ عَلَى الْمَذْهَبِ بِأَنَّ بُطْلَانَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ بَعْدَ الطَّلَبِ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ لَا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنْ جَاهِلٍ فَضْلًا عَنْ فَاضِلٍ سَابِعُهَا قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ سَوْقُهُ لِعِبَارَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا عَلَى مُدَّعَاهُ بَلْ فِيهَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ إلَخْ فِيهِ تَقْيِيدُ عَدَمِ نُفُوذِ الْعِتْقِ وَالتَّبَرُّعِ بِمَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ لَا نِزَاعَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ لِكَوْنِهِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ فَإِذَا لَمْ يَفْضُلْ عَنْهَا شَيْءٌ بَطَلَتْ جَمِيعُ تَبَرُّعَاتِهِ كَمَا مَرَّ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْهُ يُفْهِمُ نُفُوذَ تَبَرُّعَاتِهِ الَّتِي قَبْلَ مَرَضِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِالْمَرَضِ كَبِيرُ جَدْوَى.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا الْحُكْمُ إلَخْ يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِوُقُوعِ تَبَرُّعِ الْمُكَاتَبِينَ وَنَحْوِهِمْ فِي الْمَرَضِ وَأَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ وَفَاءِ مَا عَلَيْهِمْ وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ لَهُ أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ فِي جَوَابِهِ هَذَا عَلَى مَا فِي السُّؤَالِ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَحْصُلَ لِأَهْلِ الدُّيُونِ شَيْءٌ هَلْ ذَلِكَ قَيْدٌ فِيمَا يَقُولُهُ أَوْ غَيْرُ قَيْدٍ فَإِنْ قَالَ إنَّهُ قَيْدٌ قِيلَ لَهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ هَذَا الْقَيْدُ كَيْفَ وَهُوَ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ إضْرَارُ الدَّائِنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّبَرُّعِ قُصِدَ بِهِ الْحِيلَةُ أَوَّلًا وَإِنْ قَالَ لَيْسَ بِقَيْدٍ قِيلَ لَهُ إنَّك مُصَرِّحٌ بِاتِّبَاعِك فِي هَذَا الْإِفْتَاءِ لِلْفَتَى وَهُوَ يَشْتَرِطُ قَصْدَ الْإِضْرَارِ كَمَا يَأْتِي فِي جَوَابِهِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي الزَّكَاةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحِيلَةَ الْمُسْقِطَةَ لَهَا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ وَإِنْ قُلْنَا بِحُرْمَةِ الْحِيلَةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بِقَصْدِ الْفِرَارِ وَحْدَهُ مَكْرُوهَةٌ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهَا حَرَامٌ وَأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ الضَّارِّ وَوَافَقَهُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ مِثْلَ طَلَاقِ الْمَرِيضِ فِرَارًا وَالْإِقْرَارُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِقَصْدِ حِرْمَانِ الْبَاقِينَ قَالَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَنْفُذُ ظَاهِرًا اهـ.
وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ فِي الْآخِرِ فَقَطْ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي مَحَلٍّ وَقِيلَ مُحَرَّمٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَفِيهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنَّ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ كَجَمْعِ مُتَقَدِّمِينَ بِالْحُرْمَةِ غَلَطٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْحَوْلَ يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ وَإِنْ نَوَى بِهِ الْفِرَارَ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِقَصْدِهِ لَا بِفِعْلِهِ فَإِنْ قُلْت سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْعَقْدِ الْمُفَوِّتِ هُنَا وَفِي مَسْأَلَتنَا فَلِمَ قُلْتُمْ بِالْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَتنَا وَلَمْ تَقُولُوا بِهَا هُنَا مَعَ أَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الْحَجْرُ فِي مَسْأَلَتنَا لَمْ يُوجَدْ كَمَا أَنَّ السَّبَبَ هُنَا وَهُوَ الْمَالُ مَعَ الْحَوْلِ أَوْ بِشَرْطِهِ لَمْ يُوجَدْ قُلْت لِأَنَّ الْحَقَّ هُنَا لِمُعَيَّنٍ فَاحْتِيطَ لَهُ وَلِبِنَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَهَذَا هُوَ مَلْحَظُ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْمَرَضِ تَرِثُ وَلَا يَنْفُذُ طَلَاقُهَا وَوَجْهُهُ أَيْضًا أَنَّهُ بِالْمَرَضِ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِلْوَرَثَةِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَ حَقِّهَا وَلَمْ يَنْظُرْ الْأَصَحّ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا إلَى الْآنَ لَمْ يَثْبُت لَهَا حَقٌّ وَالْإِرْثُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ الْمَوْتِ لَا الْمَرَضِ فَنَفَذَ طَلَاقُهَا وَلَمْ تَرِثْ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ حِرْمَانَهَا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِجَوَابِ السُّؤَالِ وَبَعْضِ مَا فِي
السُّؤَالِ وَبَعْضِ مَا فِي التَّأْلِيفِ وَبَقِيَ فِيهِ مَا قَدْ يَحْتَاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ وَقَدْ أَفْتَيْت مِرَارًا بِبُطْلَانِ التَّبَرُّعِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ لَا يَرْجُوَا الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ يُقَالُ عَلَيْهِ الْإِفْتَاءُ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا الْقَيْدُ وَقَوْلُهُ وَلَا لِلْبَائِعِ إلَى ثَمَنِهِ بِتَأَمُّلِ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَوْهَمَ أَنَّهُ أَبَدَاهَا وَأَنَّ الْفَقِيهَ يُسَلِّمُهَا وَأَنَّهُ لَا يُنْكِرُهَا إلَّا جَامِدٌ أَوْ مُتَعَسِّفٌ يُعْلَمُ أَنَّهَا عَيْنُ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا لِلْبَائِعِ إلَى ثَمَنِهِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى النِّسْيَانِ
لَكِنَّهُ قَيْدٌ مَا قَالَهُ بِقَيْدٍ مَرَّ أَنَّ كَلَامَهُمْ هَذَا يَرُدُّهُ وَقَوْلُهُ فَرْعٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَهُ مَال فَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ قَالَ فِي الْخَادِمِ الظَّاهِرُ نَعَمْ كَمَا فِي مَسْأَلَة هِبَةِ الْمَالِ أَوْ التَّصَدُّقِ بِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ اهـ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَا الْفَرْعِ إلَّا فِي قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْمَالِ إلَخْ أَيْ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِ مَا أَفْهَمَهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَقَدْ بَانَ وَاتَّضَحَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيمَا مَضَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يُعْتَمَدُ وَإِنْ اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْقُولَاتِ الْمَذْهَبِ وَمُعْتَمَدَاتِهِ وَأَمَّا مَا رَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ فَلَا يَتَّجِهُ أَدْنَى اتِّجَاهٍ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا إنْ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَعَيَّنَ صَرْفُ مَا بِيَدِهِ إلَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمَاءِ فِي تَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ وَلَوْ بِغَيْرِ التَّبَرُّعِ كَالْبَيْعِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ قِيَاسِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَاءِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَجُّ مُوَسَّعًا فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ فَلْيَصِحَّ التَّصَدُّقُ بِهِ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَإِنْ قُلْتَ وَقْتُ الصَّلَاةِ مُوَسَّعٌ وَقَدْ قَالُوا بِالْبُطْلَانِ مَعَ ذَلِكَ قُلْتُ أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ عَنْهُمْ فِي ثَالِثِ الِاعْتِرَاضَاتِ بِأَنَّ سَبَبَ التَّعَلُّقِ كَوْنُ الصَّلَاةِ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ ثَمَّ وَلَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ هَذَا عَدَمَ صِحَّةِ قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَاءِ وَتُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مُوَسَّعٌ غَيْرٌ مَحْدُودِ الطَّرْفَيْنِ وَتَضْيِيقُهُ عَارِضٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِالْعَيْنِ فَأُبْطِلَ التَّصَرُّفُ بِخِلَافِ الْحَجِّ
وَأَمَّا قِيَاسُ الزَّرْكَشِيّ عَلَى مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْمَدِينِ بِنَاءً عَلَى بُطْلَانِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ هَذَا حَقُّ آدَمِيٍّ فَلْيُشَدَّدْ فِيهِ أَكْثَر بِخِلَافِ الْحَجِّ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ نَظَرَ فِي فُرْقَةٍ بَيْنَ هِبَةِ الْمَاءِ وَهِبَةِ الْمَدِينِ الْمَالَ إلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى مَا فِي شَرْحِي الْكَبِيرِ لِلْإِرْشَادِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِمَادِهِ مِنْ عَدَمِ مِلْكِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّاشِيِّ مِنْ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَدِينِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَيْفَ يُقَالُ بِتَخْرِيجِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْهِبَةِ ثُمَّ يُتَخَيَّلُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرْته إنَّمَا هُوَ بَيْنَ هِبَةِ الْمَدِينِ وَصَدَقَتِهِ وَالتَّخْرِيجُ لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الْهِبَةِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِشَرْطِهِ كَمَا مَرَّ بَسْطُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا لَكِنَّ مَحَبَّةَ الِاعْتِرَاضِ قَدْ تُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطِ الْمَقَامَاتِ وَعَدَمِ إمْعَانِ النَّظَرِ فِي الْعِبَارَاتِ وَقَوْلُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا ذَكَرْته فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْهِبَةِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً هَذَا هُوَ عِلَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي الَّذِي ضَعَّفَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ عَلَى وِزَانِ مَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ هِبَةُ الْمَاءِ بِهِبَةِ الْمَدِينِ وَكَلَامِي إنَّمَا هُوَ فِي هِبَةِ الْمَدِينِ وَكَلَامُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي تَعْلِيلِ الْوَجْهِ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ فِي هِبَةِ الْمَاءِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي هَذِهِ ذَاتِيَّةٌ فَاقْتَضَتْ إبْطَالَهَا بَلْ إبْطَالَ الْبَيْعِ وَفِي تِلْكَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ إضْرَارُ الدَّائِنِ فَلَمْ تَقْتَضِ الْإِبْطَالَ وَقَوْلُهُ اعْتِرَاضًا عَلَى قَوْلِي ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ فَرَّقَ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَذْرَعِيُّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّصَدُّقِ وَالْهِبَةِ وَإِنَّمَا بَحَثَ الْحُرْمَةَ مَعَ ابْنِ الرِّفْعَةِ اهـ.
وَهَذَا عَلَى وِزَانِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الِالْتِبَاسِ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَذْرَعِيَّ اعْتَرَضَ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي إجْرَائِهِ خِلَافَ الْمَاءِ فِي تَصَدُّقِ الْمَدِينِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَنَظَرْت فِي ذَلِكَ لِمَا مَرَّ بَسْطُهُ أَنَّ الْمُدْرَكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ وَأَنَّهُ قَاضٍ بِصِحَّةِ الصَّدَقَةِ فَضْلًا عَنْ الْجَزْمِ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا فَرَاجِعْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَقَوْلُهُ عَنْ إيضَاحِ النَّاشِرِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا أَفْهَمهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ
تَبَرُّعِ الْمَدِينِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا نَظَرَ إلَى النَّاشِرِيِّ وَلَا إلَى غَيْرِهِ مَعَ مَا مَرَّ بَيَانُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَوْلُهُ وَلَيْتَ الشَّارِحَ الْمَذْكُورَ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا التَّمَنِّي مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الِالْتِبَاسِ السَّابِقِ بَيَانُهُ فَأَمَّا عِنْدَ تَأَمُّلِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي مَحَلِّهَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ.
وَقَوْلُهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صَحَّحَ هِبَةَ الْمَدِينِ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَحَّحَهُ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مَبْسُوطًا أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ الشَّاشِيِّ وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَنَّ مَوْضُوعَ شَرْحِهِ لِلْمُهَذَّبِ الَّذِي هُوَ مُتَتَبِّعٌ فِيهِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ سُكُوتَهُ عَلَى الْحُكْمِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِارْتِضَائِهِ لَهُ وَأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الضَّعِيفَ إنَّمَا يَقِيسُ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْأَصَحُّ فَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ صَحَّحَهُ أَوْ جَزَمَ بِهِ السَّابِقُ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَزَعَمَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ تَزْيِيفٌ لِكَلَامِ الشَّاشِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُفَرِّقِينَ فِي التَّيَمُّم أَقَرُّوا ابْنَ الرِّفْعَةِ عَلَى تَخْرِيجِهِ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّخْرِيجَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ وَبِفَرْضِ اسْتِلْزَامِهِ لَهُ أَوْ النَّظَرِ لِلْغَالِبِ فِيهِ يُجَابُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا قَرَّرُوهُ وَفَرَّقُوا بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلْمُؤَلِّفِينَ فَلَا بِدَعَ فِيهِ وَقَوْلُهُ.
وَإِذَا بَرِئَ شَرْحُ الْمُهَذَّبِ عَمَّا نَسَبَهُ الْإِسْنَوِيُّ إلَيْهِ وَالْحَقُّ بَرَاءَتُهُ بِعَيْنِ التَّخْرِيجِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوْ الْقَطْعِ الَّذِي بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مُوَضَّحًا أَنَّ التَّخْرِيجَ لَيْسَ عَلَى هِبَةِ الْمَدِينِ الَّتِي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّب عَنْ الشَّاشِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى هِبَة الْمَاءِ وَهَذَا لَا ارْتِبَاط لَهُ بِمَسْأَلَةِ الشَّاشِيِّ بَلْ التَّخْرِيجُ عَلَى حَالِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِاعْتِمَادِ مَا قَالَهُ الشَّاشِيُّ أَمْ لَا إنْ أُرِيدَ التَّخْرِيجُ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ التَّخْرِيجُ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ بُطْلَانُ هِبَةِ الْمَدِين وَالشَّاشِيُّ جَازِمٌ بِصِحَّتِهَا فَيَقَعُ حِينَئِذٍ التَّعَارُضُ بَيْنهمَا فِي ذَلِكَ وَمَرَّ أَنَّ كَلَامَ الشَّاشِيِّ هُوَ مَنْقُولُ الْمَذْهَبِ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَأَنَّ كَلَامَ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرٌ فِي اعْتِمَادِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ أَيْضًا فَهُوَ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ تَخْرِيجُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا قَطْعُ الْأَذْرَعِيِّ وَمَنْ نَظَرَ لِمَا قَدَّمْتُهُ مُتَكَرِّرًا فِي رَدِّ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ وَذَلِكَ الْقَطْع اتَّضَحَ لَهُ أَنَّهُ لَا تَعْوِيلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ الْمَذْهَبِ وَمَنْقُولِهِ وَقَوْلُهُ بَلْ أَقُولُ صَدْعًا بِالْحَقِّ يَجُوزُ نِسْبَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إلَى بُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدْيُونِ حَيْثُ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ التَّصْدِيقَ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ التَّيَمُّم وَمِنْ تَحْرِيمِ التَّصَدُّقِ فِي بَابِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَمِنْ نِسْبَةِ الْوَجْهَيْنِ بِالْهِبَةِ لِلْوَالِي عَلَى سَبِيل الرِّشْوَةِ وَتَعْلِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْمَعْصِيَةِ وَهِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّوَوِيُّ. اهـ.
يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا الصَّدْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى صَدْعٍ فِي فَهْمِ مَدْرَكِ هِبَةِ الْمَاءِ وَمُدْرَكِ صَدَقَةِ الْمَدِين وَقَدْ مَرَّ مُتَكَرِّرًا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ كَوْنُ الْحُرْمَةِ ذَاتِيَّةً فَاقْتَضَتْ الْبُطْلَانَ حَتَّى فِي الْبَيْعِ بِأَضْعَافِ الثَّمَنِ وَالثَّانِي هُوَ كَوْنُهَا خَارِجَةً عَنْ الذَّاتِ وَلَازِمِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِمَعْنًى فِي الْمُتَصَدَّقِ بِهِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الدَّائِنِ بِهِ بَلْ فِي الدَّائِنِ الْخَارِجِ عَنْ ذَلِكَ بِإِضْرَارِهِ بِتَفْوِيتِ دَيْنِهِ وَالْخَارِجَةُ كَذَلِكَ لَا تَقْتَضِي إبْطَالًا وَمَسْأَلَةُ الرِّشْوَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأُولَى فَحُرْمَتُهَا ذَاتِيَّةٌ لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ يَدِهِ إنَّمَا هُوَ كَرْهٌ عَلَيْهِ فَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْصِ الْمُعْطِي لِإِرْشَائِهِ عَلَى وُصُولِ حَقِّهِ فَاعْتِمَادُ النَّوَوِيِّ لِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَعْصِيَةَ مَحْمُولٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الذَّاتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ وَإِبْطَال التَّصَرُّفِ الْمُحَرَّمِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُعْتَرِضُ وَبَنَى عَلَيْهِ صَدْعَهُ بِالْحَقِّ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لِشَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ هِبَةِ الْمَدِينِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهَا مُحَرَّمَةً لِمَا مَرَّ مِنْ الطَّرِيقِ الْمُسَوِّغَةِ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ إنَّ التَّحْقِيقَ فِي قَوْلِهِ عَصَى وَلَمْ يَصِحَّا لَازِمٌ بَيْنَ الْعِصْيَانِ وَالْإِبْطَالِ يُقَالُ عَلَيْهِ أَيُّ وَجْهٍ يَفْهَم بِهِ مِنْ عِبَارَتِهِ هَذَا التَّلَازُمُ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِطْفِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِقْلَالِ كُلِّ جُمْلَةٍ بِحُكْمِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ لَوْ عَطَفَ بِالْفَاءِ فَقَالَ عَصَى فَلَمْ يَصِحَّا فَهَذَا يَقْتَضِي نَوْعَ ارْتِبَاطٍ أَوْ تَلَازُمٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِهَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ
عَصَى إنَّمَا هُوَ فِي بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ وَالْمَعْصِيَةُ هُنَا ذَاتِيَّةٌ كَمَا تَقَرَّرَ فَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ فَلَمْ يَصِحَّا لِمَا بَيْنَ الْحُرْمَةِ الذَّاتِيَّةِ وَالْإِبْطَالِ مِنْ التَّلَازُمِ وَقَوْلُهُ فَالْحَاصِلُ الَّذِي تَلَخَّصَ لَنَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ حَرَّمَ تَبَرُّعَ الْمَدِينِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَنُلَازِمُ مَا بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ هُنَا وَإِنْ لَمْ نَلْتَزِمْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِفَارِقٍ. اهـ.
يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا إنَّمَا يَصْدُرُ مِثْلُهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤَسِّسُ لَهُ قَوَاعِدَ تُخَالِفُ قَوَاعِدَ غَيْرِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُهُ الَّتِي يَسْتَنْبِطُهَا وَأَنَّى لِأَحَدٍ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنْ يَتَحَلَّى بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذَا الْحَاصِلِ خَالَفَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَدِينِ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَرَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ مَعَ حُرْمَةِ هَذَا التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ فَوْرًا بِالطَّلَبِ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْحَاصِلِ لِنَصِّ إمَامِ الْمَذْهَب عُلِمَ أَنَّهُ حَاصِلٌ مُبْتَدَعٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ رَدًّا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِفَارِقٍ يُقَالُ عَلَيْهِ كَانَ يَنْبَغِي لَك إبْدَاءُ هَذَا الْفَارِقِ لِيَصِحَّ أَوْ يَبْطُلَ مَا اخْتَرَعْته مِمَّا لَمْ تُسْبَقْ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ وَلَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ تَقْتَضِي الْإِبْطَال وَلَوْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ نَعَمْ هَذَا الْحَاصِلُ يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ لَكِنَّهُ يُعَمِّمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حُرْمَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا الْمَحَلِّ فِي التَّلَازُمِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يُوَافِقُ قَوَاعِدَ أَحْمَدَ وَلَا قَوَاعِدَنَا بَلْ وَلَا قَوَاعِدَ بَقِيَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَحْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأُصُولِ.
وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكَ وَالتَّهْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْجُمُودَ عَلَيْهِ فَتَقَعَ فِي تَخْطِئَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ الْمُعْتَمَدِينَ يُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّا لَمْ نَعْتَمِدْ فِي التَّهْوِيلِ إلَّا كَلَامَ إمَامِ الْمَذْهَبِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَتَخْطِئَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لِأَجْلِ هَذَا مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِوَجْهٍ كَمَا هُوَ الظَّنُّ بِالْمُقَلِّدِينَ وَإِنَّمَا ظَنُّوا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا غَيْرُ فَجَرُّوا عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ الْمُدْرَك وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ ظُهُورَ مُدْرِكِهِمْ فِيهَا وَأَنَّ صِحَّةَ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى لَكِنَّ الْمَذَاهِبَ نَقْلٌ يَجِبُ أَنْ يُتَطَوَّقَ بِهِ أَعْنَاقُ الْمُقَلِّدِينَ حَتَّى لَا يَخْرُجُوا عَنْهُ وَإِنْ اتَّضَحَتْ مَدَارِكُ الْمُخَالِفِينَ وَقَوْلُهُ إنَّ السَّمْهُودِيَّ حَاوَلَ تَعَدِّي الصِّحَّةِ إلَى النَّذْرِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِمَا مَرَّ رَدُّهُ مَبْسُوطًا يُقَالُ عَلَيْهِ هَذَا غَفْلَةٌ عَنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الزَّكَاةِ.
فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِصِحَّةِ نَذْرِ الْمَدِينِ وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا كَمَا مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ إنَّ نَذْرَهُ بَاطِلٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ وَلِمَا ظَهَرَ لِأَعْظَمِ تَلَامِذَةِ الْفَتَى وَهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْمُزَجَّدُ أَنَّ الْمَنْقُولَ صِحَّتُهُ جَزَمَ بِهَا كَمَا مَرَّ وَلَمْ يُبَالِ بِمُخَالَفَةِ شَيْخِهِ وَلَا غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ إفْتَاءٍ لِحَمْزَةَ النَّاشِرِيِّ فِيهِ اعْتِمَادُ الْبُطْلَانِ وَنَقْلُهُ عَنْ جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ إفْتَاءٌ جَيِّدٌ وَفِيهِ إيمَاءٌ أَوْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ يُقَالُ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ وَلَا إيمَاءٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ الْخَيَّاطِ الَّذِي نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ إنَّمَا قَاسَ عَلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ.
وَقَدْ عَلِمْت بُطْلَانَ الْقِيَاسِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَيُّ مَنْقُولٍ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ نَعَمْ قَوْلُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ مُحْتَمِلٌ لِلْإِيمَاءِ إلَيَّ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى يُبْطِلُهَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَنْقُولَ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةُ وَبِذَلِكَ بَانَ انْدِفَاعُ قَوْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ وَأَيُّ حَقٍّ يَتَعَقَّلهُ مُقَلِّدٌ مَعَ مُخَالَفَةِ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا أُولَئِكَ الْجَمْعَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اغْتَرَّ بِكَلَامِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْيَمَنِيِّينَ كَالْعَلَّامَةِ التَّقِيِّ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَتَى فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّا لَفْظه رَجُل لَهُ وَرَثَةٌ وَلَهُ مَال وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَمَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرَادَ إضْرَارَ الْغُرَمَاءِ فَبَاعَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ أَوْ أَقَرَّ لَهُمْ أَوْ نَذَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ الْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ تِلْكَ الْأَمْوَالَ إضْرَارًا بِالْغُرَمَاءِ فَحَصَلَ مِنْهَا تَفْوِيتُ تَرِكَتِهِ كُلِّهَا ثُمَّ مَاتَ هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ بِمَا لَفْظُهُ أَمَّا النَّذْرُ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْقُرْبَة وَأَمَّا الِالْتِزَامُ بِلَفْظِهِ فَلَا يَصِحُّ وَأَمَّا الْإِقْرَارُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ وَلَا يَصِحُّ بَاطِنًا وَمَنْ عَلِمَ مُرَادَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الشَّهَادَةُ هَذَا وَأَمَّا الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَصْدِ فَحَرَامٌ بِلَا شَكٍّ وَأَمَّا صِحَّتُهُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي وَيَتَّجِهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا الْمُضَارَّةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ
مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ
وَهِيَ سَدُّ بَابِ اسْتِيفَاءِ الدُّيُونِ وَالْأَحْكَامِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا فَيَتَعَطَّلُ عَلَى
الْحُكَّامِ الْحُكْمُ وَالْحَبْسُ بِالدُّيُونِ وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ فَمَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِشَيْءٍ إلَّا وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا نَهْيَ عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ وَهِيَ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَأَمَّا النَّقْلُ فَإِنَّ الْفَقِيهَ نَجْمَ الدَّيْنِ بْنَ الرِّفْعَةِ بَنَاهُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ فِي الْوَقْتِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ.
وَيَكُونُ الصَّحِيحُ الْمَنْعَ وَبَحَثَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالْمَنْعِ مُعَلِّلًا بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَقَّ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْطِقُ كُلَّ عَالَمٍ بِمَا يَلِيقُ بِأَهْلِ زَمَانِهِ نَعَمْ أَطْلَقَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّةَ تَمْلِيكِ الْمَدْيُونِ مَالَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَتَعْطِيلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ الْفَتْوَى بِخِلَافِهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَيَتَأَيَّدُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ. اهـ. جَوَابُهُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَجَائِبَ مِنْهَا قَوْلُهُ أَمَّا النَّذْرُ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْقُرْبَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الَّذِي مَرَّ عَنْ الْأَصْحَابِ صِحَّتُهُ فَإِنْ قُلْت تَبَرُّعُ الْمَدِينِ حَرَامٌ فَكَيْفَ صَحَّ نَذْرُهُ مَعَ ذَلِكَ وَالنَّذْرُ شَرْطُهُ الْقُرْبَةُ قُلْت الَّذِي حَقَّقْتُهُ فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ الْحُرْمَةَ إنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَمْ تُنَافِ انْعِقَادَهُ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ.
وَيَأْتِي فَمِنْ ذَلِكَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ صِحَّةِ نَذْرِ عِتْقِ الْمَرْهُونِ مِنْ الْمُوسِرِ وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ كَثِيرُونَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِتْقِهِ مَعْصِيَةٌ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ إزَالَةُ وَثِيقَةِ الْغَيْرِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ بَدَلُهَا مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ جَمْعٍ مُتَقَدِّمِينَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عَلَى مَا فِيهِ يَصِحُّ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ وَيُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَوْلَا أَنَّ الْمُقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحُرْمَةَ الْخَارِجِيَّةَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ النَّذْرِ لَمَا قَالُوا بِذَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ فَمَا وَجْهُ ضَعْفِهِ حِينَئِذٍ قُلْتُ كَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْمَعْصِيَةِ فِي نَذْرِهِ كَانَ ذَلِكَ مُلْحَقًا بِالذَّاتِيِّ بَلْ أَبْلَغَ بِخِلَافِ عِتْقِ الْمَرْهُونِ وَنَذْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِلْمَعْصِيَةِ فِي النَّذْرِ فَنَظَرَ فِيهَا إلَى كَوْنِهَا خَارِجَةً عَنْهُ فَصَحَّ مِنْهُ.
وَجَرَى جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ عَلَى صِحَّةِ نَذْرِ الْجُنُبِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلِلِاعْتِكَافِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْمَغْصُوبِ بِمَا فِيهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْحَابَ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُ الْمَكْرُوهِ قَالُوا بِصِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ وَجْهُهُ إلَّا مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِ غَيْرُ ذَاتِيَّةٍ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ هُوَ كَوْنُهُ عِيدًا أَوْ الضَّعْفِ عَنْ وَظَائِفِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعَارِضْ أَصْلَ مَطْلُوبِيَّةِ الصَّوْمِ وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى جَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ نَازَعُوا فِي صِحَّةِ نَذْرِ صَوْمِهِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَكَذَا وَقَعَ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى انْعِقَادِ نَذْرِهِ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ النَّذْرَ تَقَرُّبٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَيُرَدُّ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ نَذْرِهَا اقْتِرَانُ كَرَاهَةٍ أَوْ حُرْمَة بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهَا مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَعْصِيَةِ فِي نَذْرِهِ لِمُنَافَاةِ الْمَعْصِيَةِ حِينَئِذٍ النَّذْرَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ يُمْكِنْ انْعِقَادُهُ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ ذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرْته فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ مُهِمٌّ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا ظَاهِرٌ حَيْثُ لَمْ يَقْصِد بِهِ إضْرَارَ الْغُرَمَاءِ.
أَمَّا عِنْدَ قَصْدِهِ ذَلِكَ فَالصِّحَّةُ مُشْكِلَةٌ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَصْدَهُ الْإِضْرَارَ لَا يُصَيِّرُ الْحُرْمَةَ فِيهِ ذَاتِيَّةً وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتِيَّةً انْعَقَدَ كَمَا تَقَرَّرَ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِيهِ عَلَى الصِّيغَةِ فَإِذَا وَقَعَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا صَحَّتْ وَإِنْ صَحِبَهَا قَصْدٌ مُحَرَّمٌ خَارِجٌ عَنْهَا وَعَنْ الْمَنْذُورِ بِهِ كَمَا هُنَا فَإِنَّ مَنْ نَذَرَ لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ قَاصِدًا إضْرَارَ غُرَمَائِهِ يُصَدَّقُ عَلَى نَذْرِهِ هَذِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ أَنَّهُ نَذْرُ قُرْبَةٍ وَأَمَّا قَصْدُ الْإِضْرَارِ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَمْ يُحْدِثْ إلَّا قُوَّةَ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَأَصْلِهَا مَوْجُودٌ وَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ الْقَصْدُ لِمَا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ.
وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِصِحَّةِ النَّذْرِ وَإِذَا لَمْ يُحْدِثْ الْقَصْدُ حُرْمَةً لَمْ يَكُنْ أَصْلِهَا مَوْجُودًا فَلَا وَجْهَ لِاقْتِضَائِهِ الْبُطْلَانَ وَمِنْهَا قَوْلُهُ وَأَمَّا صِحَّتُهُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي إلَخْ وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ كُلَّ مَا أَبْطَلَ شَرْطُهُ الْعَقْدَ لَا يَضُرُّ إضْمَارُ نِيَّتِهِ فِيهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِضْمَارِ هَلْ يَحِلُّ بَاطِنًا وَجْهَانِ قَالَ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدِي يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَامَلَ خَيْبَرَ. اهـ.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُبْطِلَةَ لِلْعَقْدِ لَا تُؤَثِّرُ
فِي صِحَّتِهِ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا قَصَدَهَا عِنْدَهُ أَوْ قَصَدَهُ لِأَجْلِهَا فَأَوْلَى قَصْدُ الْإِضْرَارِ هُنَا بَلْ لَوْ قِيلَ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا إضْرَارًا بِغُرَمَائِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ لَمْ يَبْعُدْ مِنْ كَلَامِهِمْ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَيْعَ لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ صَحِيحٌ فَقَوْلُهُ إضْرَارًا بِغُرَمَائِي تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَقَعْ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ حَتَّى يَبْطُلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَضُرَّ غُرَمَائِي أَوْ عَلَى أَنْ يَضُرَّهُمْ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ وَمِنْهَا قَوْلُهُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ إلَخْ.
وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا أَمَّا أَوَّلًا فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْبَيْعَ بِمُحَابَاةٍ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخُصَّ الْبُطْلَانَ بِقَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْمُضَارَّةِ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمُضَارَّةِ فَجَعْلُ الْفَتَى قَصْدَ الْمُضَارَّةِ مُقْتَضِيًا لِلْبُطْلَانِ غَيْرُ مُتَعَقَّلٍ لِأَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا مُضَارَّةَ أَوْ بِدُونِهِ فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ عَلَى طَرِيقَةِ أُولَئِكَ الْبَيْعُ فِيهِ بَاطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُضَارَّةَ فَإِنْ قُلْتَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ مِنْ ظَالِمٍ لَا يُعْطِي الْغُرَمَاءَ شَيْئًا وَإِنْ اشْتَرَى بِثَمَنِ الْمِثْلِ قُلْتَ هَذَا بَعِيدُ الْوُقُوعِ وَخِلَافُ فَرْضِ السُّؤَالِ أَنَّ الْبَيْعَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَكِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ يَحْصُلُ مِنْهَا تَفْوِيتُ التَّرِكَةِ كُلِّهَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبَحْث عَنْ الْمَصَالِحِ أَوْ الْمَفَاسِدِ إنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الْمَحْضُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ وَيُخَالِفَ كَلَامَ أَئِمَّتِهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُصَادَرِ وَإِنْ انْحَصَرَتْ جِهَةُ خَلَاصِهِ فِي بَيْعِ مَالِهِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يُتَدَارَكُ خَرْقُهَا بَلْ الْمَفَاسِدُ هُنَا أَقْبَحُ مِنْهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَدِينِ لِأَنَّ الْمَالَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَفُتْ عَلَى الدَّائِنِ مَالُهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُصَادَرِ فَإِنَّ مَالَهُ فَاتَ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ صِحَّةُ بَيْعِهِ فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمَصَالِحِ وَلَا فِي الْمَفَاسِدِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي كَلَامِ إمَامِهِ وَأَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي سَلَّمَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبَ ثُمَّ قَالَ أَوْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الْفَتْوَى بِخِلَافِهِ إلَخْ وَهَذَا تَجَاسُرٌ مِنْهُ قَبِيحٌ جِدًّا لِأَنَّا إذَا رَأَيْنَا كَلَامَ الْأَصْحَابِ أَوْ بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ اقْتَضَتْ الْإِفْتَاءَ بِخِلَافِهِ كَيْفَ يَسُوغُ لَنَا ذَلِكَ الْإِفْتَاءُ هَذَا مِمَّا لَا يُمَكِّنُ مُقَلِّدًا الْقَوْلَ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدَ فَتْوَى لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ وَظِيفَتِهِ وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهُ التَّرْجِيحُ وَالتَّخْرِيجُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْآرَاءِ وَأَمَّا مُخَالَفَةُ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ قَامَتْ فِي الذِّهْنِ فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ وَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّقَوُّلِ فِي الدَّيْنِ وَسَلَكَ سُنَنَ الْمَارِقِينَ حَفِظَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ إنَّ قَاعِدَةَ تَقْدِيمِ الْمَصَالِحِ أَوْ الْأَصْلَحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْ الْأَفْسَدِ إنَّمَا هِيَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ بَلْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَفْسُهُ اسْتَشْكَلَ الْقَاعِدَةَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ بِبَلَدٍ وَخَافَ نَاسُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِ لَهُمْ إلَّا لَمْ يُعْطُوهُ فُلَانًا أَوْ مَالَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَفْسَدَةَ الْوَاحِدِ دُونَ مَفْسَدَةِ الْجَمِيعِ بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَشْفِي ثُمَّ تَرَتُّبُ تِلْكَ الْمُفْسِدَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَلَى الْبَيْعِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ آنِفًا فِي الْبَيْعِ مِنْ ظَالِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ.
وَوُقُوعُ هَذَا مِنْ الْمَدْيُونِينَ نَادِرٌ جِدًّا أَوْ فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ لَكِنْ بِمُحَابَاةٍ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ نُدُورٌ وَإِنَّمَا الْغَالِبُ تَبَرُّعُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ بَلْ لَا يَسْلَم مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْفَذُّ النَّادِرُ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْ دَيْنِ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُوا لِذَلِكَ وَفَاءً فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ الْفَتَى فِي التَّبَرُّعِ فَقَطْ أَوْجَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ هُوَ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ ضَعِيفًا بَلْ شَاذًّا وَقَوْلُهُ بَنَاهُ عَلَى بَيْعِ الْمَاءِ وَهِبَتِهِ ذِكْرُهُ الْبَيْعَ سَهْوٌ فَإِنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يُخَرِّجْ إلَّا عَلَى هِبَةِ الْمَاءِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَا يَحْتَاجُهُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى قِيَاسُهُ عَلَى الْهِبَةِ لَا الْبَيْعِ كَمَا هُوَ جَلِيُّ.
وَقَوْلُهُ وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَاهُ فَلْيَكُنْ هُوَ الْحَقَّ هَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا وَكَيْفَ يَكُونُ الْحَقَّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ الَّذِي مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّهُ أَعْنِي الْفَتَى لَمْ يَجْرِ عَلَى مَا قَالَاهُ لِأَنَّهُمَا قَائِلَانِ بِبُطْلَانِ تَبَرُّعِ الْمَدِينِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ مُضَارَّةٍ لِلْغُرَمَاءِ وَالْفَتَى يُقَيِّدُ
بِاشْتِرَاطِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فِي السُّؤَالِ وَفِي كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا الْبَيْعُ بِهَذَا الْقَصْد فَاقْتَضَى أَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى ذَلِكَ الْقَصْدُ صَحَّ مِنْهُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ وَهَذَا تَفْصِيلٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ نَقْلٌ وَلَا قَاعِدَةٌ بَلْ الْمَنْقُولُ وَالْقَاعِدَةُ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ فَلِيَكُنْ رَدًّا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ وَقَدْ وَرَدَ إلَخْ هُوَ مُطَالَبٌ بِبَيَانِ وُرُودِ ذَلِكَ عَمَّنْ وَمِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مُعْتَدٍّ بِهَا عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ قَاضٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَالِمِ فِي هَذَا الَّذِي زَعَمَ وُرُودَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَق وَهُوَ قَدْ انْقَطَعَ مِنْ مُنْذُ نَحْوِ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنَّمَا يَعْمَلُونَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَوُجُوهُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا وَكُلُّ عَالِمٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يَنْطِقُ إلَّا بِمَا يَلِيقُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ لَاقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَمْ لَا وَمِنْهَا قَوْله وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَصْدَ الْمُضَارَّةِ لَا يَقْتَضِي إبْطَالًا مُطْلَقًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُمْ الَّذِي قَدَّمْته آنِفًا وَبِمَا قَرَّرْتُ بِهِ كَلَامَهُ وَبَيَّنْتُ مَا فِيهِ يُعْلَمُ صِدْقُ مَنْ قَالَ اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ إنَّ إفْتَاءَ هَذَا إفْتَاءٌ بِالرَّأْيِ وَبُطْلَانُ اعْتِرَاضِ هَذَا بِأَنَّهُ تَعَصُّبٌ عَلَيْهِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْته أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْبُطْلَان قَصْدُ الْمُضَارَّةِ وَهَذَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَنْ قَلَّدَهُمَا فِيمَا زَعَمَهُ أَعْنِي ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ وَلَا غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا مَنْقُولُ الْمَذْهَب صِحَّة تَبَرُّع الْمَدِينِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَمَا مَرَّ أَوَائِل الْكِتَاب عِنْد تَحْرِيرِي لِلْمَدِينِ الَّذِي وَقَعَ النِّزَاع فِي صِحَّة تَبَرُّعِهِ وَبَحَثَ ذَيْنك وَمَنْ تَبِعَهُمَا بُطْلَانَهُ مُطْلَقًا فَتَفْصِيلُ الْفَتَى بَيْنَ قَصْدِ الْمُضَارَّةِ وَعَدَمِهَا رَأْيٌ مُخْتَرَعٌ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ مُحَقِّقًا وَلَهُ تَآلِيفُ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْحَقُّ بِالرِّجَالِ خِلَافًا لِمَنْ اسْتَعْظَمَ تَخْطِئَتَهُ مَعَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالْحَقِّ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ إنَّ فَتْوَاهُ هَذِهِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ كَيْفَ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْفَاسِدَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَبِأَنَّهُ قَلَّدَ فِيمَا قَالَهُ ابْنَ الرِّفْعَةِ وَالْأَذْرَعِيَّ عَلَى أَنَّهُ خَالَفَهُمَا بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ بَيْنَ قَصْدِ الْإِضْرَارِ وَعَدَمِهِ فَأَيُّ مَنْقُولٍ اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَزْعُمَ مَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ أَنَّ فَتْوَاهُ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ هُوَ الْمَنْقُولُ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ مَعَاصِرِي الْفَتَى اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ فَقَدْ بَرَّ فِي ذَلِكَ وَصَدَقَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ هَذَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي مَوَاضِعَ وَأَنَّ الْأَصْحَابَ وَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا جَرَوْا عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَمَنْ اعْتَرَضَ عِبَارَتَهُ هَذِهِ فَهُوَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَسَّفَ فِي اعْتِرَاضِهِ وَأَتَى فِيهِ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الثَّانِيَةِ عَشَرَ إنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ ثُمَّ بَسَطَ الرَّدَّ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُؤَلِّفِ السَّابِقِ ذَكَرَهُ لَمَّا حَكَى عَنْ فَتْحِ الْبَارِي لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْحَافِظِ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ قَالَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. اهـ.
أَيْ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ مَا فَعَلَهُ الْمَدِينُ رَدٌّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَكِنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إلَخْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِغَيْرِهِ وَأَحْسَبُ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ السَّابِقَ وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. الْمَقْصُودُ وَأَنْتَ فِيهِ مِنْ وَرَاءِ التَّأَمُّلِ غَنِيٌّ عَنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رَدِّهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ إشَارَةٍ مَا إلَى مَا فِيهِ إذْ هَذَا الْحَافِظُ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا يُنْكَرُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْنِدَ ذَلِكَ الْحَمْلَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّامِلَ لِلْمُجْتَهِدِينَ ذَوِي الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ وَغَيْرِهَا بِمُجَرَّدِ عِبَارَةٍ يَجِدُهَا فِي الرَّوْضَةِ وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَجَاسَرُ عَلَى كَلَامِهِ بِرَدِّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِهِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا مِمَّنْ سَاوَاهُ فِي الْحِفْظِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَمَّا مَنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَة مِنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُحِطْ بِنُصُوصِ مَذْهَبِهِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْحَافِظُ وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ أَبْحَاثًا