الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِلْقَفَّالِ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَلِلنَّوَوِيِّ فِي حَالَةِ إرَادَةِ غَيْرِ الْفُرْقَةِ وَقَدْ عُلِمَ ضَعْفُ كَلَامِ الْقَفَّالِ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ
وَكَذَا كَلَامُ الْخُوَارِزْمِيِّ وَقَدْ يُقَالُ بَيَّنَ الْخُوَارِزْمِيُّ أَنَّ مُرَادَ الْقَفَّالِ بِالْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ مَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَهَا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِي الْقَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ فِي أَنْتِ أُخْتِي مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَحْوِ أَنْتِ بِنْتِي بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِلْحَاقَ أَوْ الْمُلَاطَفَةَ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ، وَكَذَا أُخُوَّةُ الدِّينِ فِي أَنْتِ أُخْتِي وَحِينَئِذٍ يَتَّجِهُ كَمَا مَرَّ أَنَّا وَلَوْ قُلْنَا بِهَذَا الْوَجْهِ الصَّائِرِ إلَى الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ لَا يُرَدُّ هَذَا الْوَجْهُ عَلَى مَنْ أَفْتَى فِي السَّابِقَةِ بِالْحِلِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ الَّذِي أَيَّدَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثَهُ السَّابِقَ فَتَأَمَّلْ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَبِهِ يَتَّضِحُ الْحَقُّ وَفَّقَنَا اللَّهُ لِسُلُوكِ سَبِيلِهِ وَحَمَانَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ وَخَلَّصَنَا مِنْ شَوَائِبِ الْبَقَاءِ مَعَ الْحُظُوظِ وَالنُّفُوسِ وَأَزَالَ عَنْ نُفُوسِنَا كُلَّ هَمٍّ وَغَمٍّ وَبُغْضٍ وَبُؤْسٍ إنَّهُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ الْكَرِيمُ الْمَنَّانُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ مُؤَلِّفُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ نُجِزَ فِي دُونِ يَوْمَيْنِ سُلِخَ ذِي الْقَعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّا إذَا مَاتَ الْمُسَاقِي الْعَامِلُ وَكَانَتْ الْمُسَاقَاةُ عَيْنِيَّةً وَقَالُوا انْفَسَخَتْ كَالْإِجَارَةِ الْعَيْنِيَّةِ مَا يَصِيرُ لِلْعَامِلِ وَرُبَّمَا أَثْمَرَ النَّخْلُ وَرُبَّمَا لَمْ يُثْمِرْ مَا الْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) إذَا مَاتَ الْعَامِلُ وَقُلْنَا بِانْفِسَاخِ الْمُسَاقَاةِ وَجَبَ لَهُ مِنْ الثَّمَرِ الَّذِي ظَهَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ عَامَلَ رَجُلًا عَلَى أَرْضٍ لِيَزْرَعَهَا وَيَقُومَ عَلَى شَجَرِهَا بِجُزْءٍ مِنْهَا فَعَطَّلَ أَكْثَرَ الْأَرْضِ وَبَوَّرَهَا فَهَلْ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا عَطَّلَهُ مِنْهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى التَّاجُ الْفَزَارِيّ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَسَلَّمَ الْأَرْضَ مِنْ الْمَالِكِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا عَطَّلَهُ مِنْهَا وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ يَدَ الْعَامِلِ لَيْسَتْ يَدَ ضَمَانٍ حَتَّى يَضْمَنَ بِالتَّفْوِيتِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّا إذَا مَاتَ الْمُسَاقِي الْعَامِلُ وَالْمُسَاقَاةُ عَيْنِيَّةٌ وَقَالُوا انْفَسَخَتْ كَالْإِجَارَةِ الْعَيْنِيَّةِ مَا يَصِيرُ لِلْعَامِلِ مِمَّا أَثْمَرَ النَّخْلُ وَمِمَّا لَمْ يُثْمِرْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ الْوَاقِعِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَلَا تَتَوَزَّعُ الثَّمَرَةُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ جَمِيعِ الْعَمَلِ حَتَّى يَجِبَ لَهُ مِنْهَا حِصَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْعَقْدُ التَّوْزِيعَ عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْت ذَكَرُوا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ مَتَى وَقَعَتْ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ مَلَكَهَا بِالظُّهُورِ فَكَيْفَ لَا تُورَثُ عَنْهُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا قُلْت مِلْكُهُ لَهَا بِالظُّهُورِ لَيْسَ مِلْكًا نَاجِزًا بَلْ هُوَ مِلْكٌ مُرَاعًى فَإِنْ تَمَّ الْعَمَلُ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَهَا بِالظُّهُورِ وَإِلَّا فَلَا.
[بَابُ الْإِجَارَةِ]
(سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ وَقْفًا عَلَى نَفْسِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَثَلًا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا عَلَى أَوْلَادِهَا وَأَوْلَادِ وَلَدِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لَهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا مَثَلًا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِمَنْ عَيَّنَتْهُ مَثَلًا ثُمَّ إنَّهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَى يَدِ حَنَفِيٍّ أَجَّرَتْهُ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى يَدِ شَافِعِيٍّ فَوَقَعَ السُّؤَالُ هَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا فَأَفْتَى الشَّافِعِيُّ بِانْفِسَاخِهَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ فَهَلْ هَذَا الْإِفْتَاءُ صَحِيحٌ أَوْ لَا أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْإِفْتَاءَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ لَكِنْ بِقَيْدِهِ الْآتِي.
وَقَدْ أَفْتَى بِمَا يُوَافِقُهُ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى شَخْصٍ، ثُمَّ أَوْلَادِهِ وَشَرَطَ النَّظَرَ لَهُ عَلَيْهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ لِمَنْ يَنْتَهِي لَهُ الْوَقْفُ مِمَّنْ ذَكَرَ، ثُمَّ أَجَّرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِغَيْرِهِ اهـ.
وَكَذَلِكَ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ شَارِحُ الْإِرْشَادِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ ضَيْعَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الذُّرِّيَّةِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالنَّظَرِ
فِيهِ لِلْأَكْبَرِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ وَلَيْسَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ غَيْرُهُ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَهَلْ يَصِحُّ إيجَارُهُ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ النَّاظِرِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ اهـ.
وَلَمَّا كَانَ فِي إطْلَاقِ الِانْفِسَاخِ فِي هَذَيْنِ الْإِفْتَاءَيْنِ نَظَرٌ خَالَفَ الْأَوَّلَ أَجَلُّ تَلَامِذَتِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَالثَّانِيَ وَلَدُهُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ وَعِبَارَةُ فَتَاوَى الْأَوَّلِ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا وَشَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ أَوْ الْأَصْلَحِ مِنْهُمْ وَآلَ النَّظَرُ وَالِاسْتِحْقَاقُ لِأَحَدِهِمْ بِمَوْتِ إخْوَتِهِ فَأَجَّرَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لِغَيْرِهِ وَكَذَا النَّظَرُ فَلَا نَظَرَ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَالَ نَظَرِهِ وَجَعَلَ اسْتِحْقَاقَهُ حَالَ نَظَرِ غَيْرِهِ بِلَا وِلَايَةٍ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا نِيَابَةٍ إذْ الْبَطْنُ الثَّانِي إنَّمَا يَتَلَقَّى مِنْ الْوَاقِفِ لَا مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُ.
وَلِقَوْلِ الْمَحَلِّيِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَيَتَوَلَّى الْوَقْف إلَّا فِي صُورَةٍ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَجَّرَ إلَخْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّاظِرُ حَاكِمًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا وَالْوَقْفُ وَقْفُ تَشْرِيكٍ أَوْ تَرْتِيبٍ وَبَقِيَ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَفِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْجَمِيعِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَلِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِيهَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ التَّشْرِيكِ وَالتَّرْتِيبِ أَجَابَ إجَارَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِدُخُولِهَا فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ صُورَتَهَا أَنْ يَشْرُطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَتَنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ النَّظَرُ فِيهَا لِلْأَرْشَدِ أَوْ الْأَصْلَحِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ يَتَنَاوَلُ ثُبُوتَ النَّظَرِ لَهُ حَالَةَ اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ الْوَقْفِ وَحَالَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِي بَطْنٍ سَافِلٍ كَالثَّانِي وَالثَّالِثِ مَنْ هُوَ أَرْشَدُ وَأَصْلَحُ مِنْ أَهْلِ بَطْنٍ عَالٍ كَالْأَوَّلِ ثَبَتَ لَهُ النَّظَرُ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ بَطْنٍ أَعْلَى مِنْهُ فَعُلِمَ أَنَّ وِلَايَةَ مَنْ هُوَ مِنْ الْبَطْنِ الْعَالِي لَمْ يُقَيِّدْهَا الْوَاقِفُ بِحَالَةِ اسْتِحْقَاقِهِ إذْ لَوْ تُصُوِّرَ أَنْ يَسْتَحِقَّ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَسْفَلَ مِنْهُ ثَبَتَتْ وِلَايَةُ نَظَرِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ السَّافِلِ بِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مَعَ وُجُودِهِ لَا لِعَدَمِ شُمُولِ وِلَايَتِهِ لَهُمْ فَالتَّرْتِيبُ فِي الْبُطُونِ لِاسْتِحْقَاقِ الرَّيْعِ لَا لِثُبُوتِ النَّظَرِ وَقَدْ عُلِمَ جَوَابُ بَقِيَّةِ السُّؤَالِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إجَارَةَ نَاظِرِ الْوَقْفِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً وَقَدْ يُجَابُ عَنْ عِبَارَةِ شَيْخِنَا زَكَرِيَّا بِأَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ، ثُمَّ لِمَنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْوَقْفُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَيَّدَ نَظَرَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ لِمَنْ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْوَقْفُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَيَكُونُ النَّظَرُ حِينَئِذٍ مُقَيَّدًا بِالِاسْتِحْقَاقِ وَيَلْزَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِهِ الِانْفِسَاخُ بِالْمَوْتِ كَمَا يَأْتِي فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ وَلَا إطْلَاقَ فِي كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ تَعْلِيلُ الِانْفِسَاخِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِغَيْرِهِ فِيهِ نَظَرٌ.
؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَلْحَظُ فِي الِانْفِسَاخِ وَعَدَمِهِ وَإِنَّمَا الْمَلْحَظُ عُمُومُ نَظَرِهِ أَوْ خُصُوصِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي مَبْسُوطًا وَعِبَارَةُ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا مَرَّ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَيَّ بَعْدُ وَقَالَ شَيْخُنَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَجَبْتُ بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى نُقُولٍ نَاصَّةٍ عَلَى عَدَمِ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ مِمَّنْ ذَكَرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا أَجَّرَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ الْوَقْفَ مَثَلًا ثُمَّ مَاتُوا فَإِنْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مُتَوَلِّيًا فِي ذَلِكَ صَحَّتْ إجَارَتُهُمْ وَلَيْسَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي فَسْخُهُ إذَا كَانَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ.
وَفِي حَاوِي الْمَاوَرْدِيُّ وَحِلْيَةِ الرُّويَانِيِّ إنْ كَانَ مُتَوَلِّيًا وَلَهُ حَقٌّ فِي غَلَّتِهِ لِكَوْنِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ فَأَجَّرَهُ، ثُمَّ مَاتَ هَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ مَنْ بَعْدَهُ بِوِلَايَةٍ وَفِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ لِجَلَالِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ النَّاظِرَ انْفَرَدَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ أَجَّرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ تَنْفَسِخْ إجَارَتُهُ وَإِنْ أَجَّرَ بِدُونِهَا انْفَسَخَتْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَابِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ الْغَيْرِ اهـ.
نَعَمْ مَا أَطْلَقَهُ مِنْ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَقَوْلِ وَالِدِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا بِالِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ صُورَتَهُ هِيَ عَيْنُ صُورَةِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُهُ فِيهَا
الْجَارِي عَلَى غَايَةِ التَّحْقِيقِ وَالْإِتْقَانِ فَلْيُعْتَمَدْ إذْ شَرْطُ النَّظَرِ لِلْأَكْبَرِ كَشَرْطِهِ لِلْأَصْلَحِ فَهُوَ شَرْطُ نَظَرٍ عَامٍّ فِيهَا لِتَصَوُّرِ بَقَائِهِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ شَرْطِهِ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي بَسْطُهُ وَعِبَارَةُ أَبِي زُرْعَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُهِمَّاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَأْخَذُ إفْتَاءِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِمَا مَرَّ فَلَعَلَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ فَانْتَقَلَ بَعْضُ الْوَقْفِ لِلْبَطْنِ الثَّانِي وَالْأَرْشَدُ مِنْ الْأَوَّلِ فَأَجَّرَ الْأَرْشَدُ، ثُمَّ مَاتَ فَالْمُتَّجَهُ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلْنَذْكُرْ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقُولُ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ نَاظِرِ الْوَقْفِ سَوَاءٌ أَكَانَ حَاكِمًا أَوْ نَائِبَهُ أَوْ مَشْرُوطًا لَهُ النَّظَرُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نَاظِرٌ لِلْجَمِيعِ وَلَا يَخْتَصُّ تَصَرُّفُهُ بِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَحَكَى جَمْعٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ أَيْضًا وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا انْفَسَخَتْ
وَاسْتَشْكَلَ كَثِيرُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَقَالَتَيْنِ وَتَصْوِيرَ إجَارَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إنْ شَرَطَ لَهُ النَّظَرَ فَهُوَ يَتَوَلَّى الْوَقْفَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَهُ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ إلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَبْعُدُ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ وَأَجَابَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْإِسْنَوِيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ تَبَعًا لِصَاحِبِ الِاسْتِقْصَاءِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٍ وَابْنِ الصَّلَاحِ بِتَصْوِيرِهَا بِمَا إذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِكُلِّ بَطْنٍ عَلَى حِصَّتِهِ خَاصَّةً فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهُ فَحِينَئِذٍ انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ لِعَدَمِ عُمُومِ نَظَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ صَرِيحًا بِمُدَّةِ اسْتِحْقَاقِهِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ جَمْعٍ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْإِمَامُ يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ أَيْ: الَّذِي لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ نَظَرُهُ لِكُلٍّ كَنَظَرِهِ لِلْآخَرِ أَيْ فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَتَقَيَّدَ نَظَرُهُ بِحِصَّتِهِ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ قَوْلُ هَؤُلَاءِ لِيَكُونَ نَظَرُهُ لِكُلٍّ كَنَظَرِهِ لِلْآخَرِ كَمَا لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْعَامِّ كَذَلِكَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعَاقِدَ نَاظِرٌ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا إذَا أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي فَمَوْتُهُ لَا يُؤَثِّرُ فَالضَّمِيرُ فِي مَوْتِهِ رَاجِعٌ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ لَا لِلْمُتَوَلِّي
يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْعَامِّ مَا لَوْ أَجَّرَهُ النَّاظِرُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي فَمَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ لِانْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَيْهِمْ بِجِهَةِ الْوَقْفِ وَالشَّخْصُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَإِذَا اتَّضَحَ لَك أَنَّ شَرْطَ الِانْفِسَاخِ بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَيَّدَ نَظَرُهُ بِحِصَّةٍ خَاصَّةٍ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ فَهَلْ مِنْ التَّقْيِيدِ مَا فِي السُّؤَالِ مِنْ كَوْنِهَا وَقَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهَا وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التَّقْيِيدِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ هُنَا بَقَاءُ النَّظَرِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِأَنْ تُقِرَّ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَطْنِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَسْرِي ذَلِكَ عَلَيْهَا وَتُؤَاخَذُ بِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ نَظَرُهَا فَتُصُوِّرَ بَقَاءُ نَظَرِهَا مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا فَكَانَ نَظَرُهَا عَامًّا لَا خَاصًّا بِخِلَافِ شَرْطِ النَّظَرِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى حِصَّتِهِ فَقَطْ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِاسْتِحْقَاقِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْبُطُونِ بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ وَنَظَرُهُ فَلَمْ يُتَصَوَّرْ بَقَاءُ النَّظَرِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ النَّظَرُ خَاصًّا وَيُوَافِقُ مَا رَجَّحْتُهُ مَا مَرَّ مِنْ كَلَامِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ صَاحِبِ الْعُبَابِ نَعَمْ لَوْ أَجَّرَ الْمُوصِي بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ حَيْثُ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ بَطْنٍ فِي حِصَّتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي فَقَطْ اهـ.
وَوَجْهُ الْمُنَافَاةِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ بِالِانْفِسَاخِ قُلْت لَا يُنَافِيه بَلْ يُوَافِقهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ فِي حِصَّتِهِ فَقَيَّدَهُ بِالْحِصَّةِ حَتَّى إذَا انْتَقَلَ الِاسْتِحْقَاقُ لِغَيْرِهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ بَقَاءُ نَظَرِهِ لَهُ فَلَيْسَ نَظِيرَ مَا فِي السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا لَا يَقْتَضِي سَلْبَ النَّظَرِ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ التَّقْيِيدِ بِالْحِصَّةِ فَافْتَرَقَا رَقَا وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْحِصَّةِ وَبَيَّنَّا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْحَيَاةِ لَيْسَ مِثْلَهَا فَلَا يُلْحَقُ
أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَاتَّجَهَ مَا رَجَّحْته مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ لَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مِنْ جَمَاعَةٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَزَرَعَهَا مَثَلًا ثُمَّ إنَّ شَخْصًا ادَّعَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِلْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ بِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ قَبْلَهُ وَأَظْهَرَ فِي يَدِهِ مَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ مَثَلًا ثُمَّ إنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى زَرْعِهِ إلَى حِينِ حَصَادِهِ وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ يُلْزَمُ بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعِي بِالْقَدْرِ الَّذِي يَدُهُ عَلَى الْأَرْضِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) لِمَنْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَرْضَ فِي إيجَارِهِ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِمِثْلِ أُجْرَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي شَغَلَهَا بِزَرْعِهِ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي بِشَيْءٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ نَعَمْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ نَقْصِ زَرْعِهِ الْمَقْلُوعِ عَلَى الَّذِي أَجَّرَهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ كَانَ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِبِلَادِ الرِّيفِ مِنْ وَقْفِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ تُؤْخَذُ مِنْهُ سَوَاءٌ رُوِيَتْ مِنْهُ أَمْ لَا فَغَرَسَ فِي جَانِبٍ مِنْهَا غَرْسَ نَخْلٍ وَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَ الرَّجُلُ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا ابْنُهُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ وَالِدِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَثَلًا ثُمَّ تُوُفِّيَ الْآخَرُ وَخَلَّفَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَوَضَعَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الذُّكُورِ وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ لِيَزْرَعَهَا وَصَارَ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ ثَمَرَ النَّخِيلِ الْمَذْكُورِ وَيَدْفَعُ أُجْرَةَ الْأَرْضِ إلَى أَرْبَابِهَا وَكَانَ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الْمَكْسَبُ فِي زَرْعِهَا فَطَلَب مِنْهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَنْ يَقْسِمَ الْأَرْضَ بَيْنَهُمْ بِطَرِيقِ أَنَّهَا آلَتْ إلَيْهِمْ مِنْ وَالِدِهِمْ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إذَا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ جَمِيعُ وَرَثَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهَا بَلْ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ إرْثِهِمْ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ الْمُدْرَجَةِ الَّتِي صُورَتُهَا أَجَرْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ مِائَةَ سَنَةٍ بِمِائَةٍ مُحَلَّقٍ كُلَّ سَنَةٍ بِمُحَلَّقٍ عُقُودًا مُخْتَلِفَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِجَارَةُ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمَوْقُوفِ أَمْ فِي الْمَمْلُوكِ فَقَطْ أَمْ لَا يَصِحُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ فَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمَوْقُوفِ وَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِهَذَا الْعَقْدِ هَذِهِ الْمُدَّةَ أَمْ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا يَصِحُّ التَّدْرِيجُ وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْعُقُودِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ أَمْ تَشْرِيكٍ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّتِهَا فِي الْمَوْقُوفِ فَهَلْ تَكُونُ كَالصَّحِيحَةِ تَسْقُطُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى أَمْ تَكُونُ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَبَطَلَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى بَيِّنُوا لَنَا جَوَابَ ذَلِكَ مَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِ الْغَيْرِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ؟
(فَأَجَابَ) إجَارَةُ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ مِائَةَ سَنَةٍ صَحِيحَةٌ، وَكَذَا الْمَوْقُوفَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَخْرَبَ تِلْكَ الْأَرْضُ فَتَحْتَاجُ لِأُجْرَةِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَجْلِ الْعِمَارَةِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعَمَّرُ بِهِ وَأَنْ لَا يُوجَدَ مِنْ يُقْرِضُ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعِمَارَةِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي فَتَاوِيهِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ وَحَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا تُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا أَكْثَرَ مِنْهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَقْفُ وَقْفَ تَرْتِيبٍ أَمْ وَقْفَ تَشْرِيك إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِكُلِّ مُسْتَحِقٍّ عَلَى حِصَّتِهِ مَا دَامَ مُسْتَحِقًّا فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ الْمُسْتَحِقِّ وَحَيْثُ انْفَسَخَتْ بِالْمَوْتِ وَجَبَ حِصَّةُ مَا مَضَى مِنْ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُسَمَّى، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ آخَرَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ رَجُلٍ وَسْقَيْنِ تَمْرًا مَثَلًا وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إلَى صَاحِبِ
التَّمْرِ الْمَذْكُورِ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ أَعْطَى صَاحِبَ التَّمْرِ الدَّرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ وَسْقًا وَاحِدًا وَقَالَ لَهُ التَّمْرُ فِي هَذَا الْوَقْتِ غَالٍ وَصَاحِبُ الدَّرَاهِمِ قَدْ الْتَزَمَ لِلرَّسُولِ إذَا جَاءَ بِالتَّمْرِ أَعْطَاهُ أَشْرَفِيًّا فَإِذَا لَمْ يَأْتِ إلَّا بِوَاحِدٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْجَمِيعِ لِقَوْلِهِ أَعْنِي صَاحِبَ الدَّرَاهِمِ اشْتَرِ لِي بِهَا أَيْ بِالدَّرَاهِمِ وَسْقَيْنِ تَمْرًا وَأُعْطِيك عَلَى حَمْلِهَا أَشْرَفِيًّا أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِقَدْرِ الْحِصَّةِ.
وَإِذَا كَانَ فِي عُرْفِ ذَلِكَ الْحَيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ خُذْ لِي كَذَا وَأُعْطِيك أَشْرَفِيًّا بِغَيْرِ لَفْظِ إجَارَةٍ وَلَا وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا أُجْرَةَ مِثْلِ حَمْلِ الْوَسْقِ الْمَذْكُورِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَشْرَفِيًّا أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَا نَظَرَ لِعُرْفِ أَهْلِ النَّاحِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ لِي كَذَا فَفَعَلَهُ لَهُ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَسْمِيَةُ أُجْرَةٍ وَلَا مَا يُشْعِرُ بِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْفَاعِلُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ شَيْئًا سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِأَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ افْعَلْ لِي كَذَا وَلَك كَذَا أَوْ أَنَا أُرْضِيك وَلَا أُضَيِّعُ تَعَبَك فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مَا سَمَّاهُ لَهُ إنْ كَانَ صَحِيحًا وَإِلَّا كَالصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُخْتَصَرَةِ التَّامَّةِ فِي الْإِجَارَةِ لِلْحَجِّ وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم؟
(فَأَجَابَ) صِيغَةُ الْإِجَارَةِ لِلْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ اسْتَأْجَرْتُك لِتَحُجَّ عَنْ مُورَثِي مَثَلًا وَتَدْعُو لَهُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ أَجَرَ شَخْصًا مَحَلًّا مَعْلُومًا مُدَّةً مُعَيَّنَةً سَنَةً مَثَلًا بِعِشْرِينَ مَثَلًا مَثَلًا ثُمَّ أَجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمُؤَجَّرَ يَوْمَ تَارِيخِهِ فَهَلْ الْإِجَارَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَيَنْفَسِخَانِ بِانْهِدَامِ الدَّارِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ بِالتَّقَابُلِ وَإِذَا انْفَسَخَتَا هَلْ يَرْجِعُ الْمُؤَجِّرُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ الْأُولَى بِنِصْفِ الْمُسَمَّى وَهُوَ عَشَرَةٌ وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ بِنِصْفِ مُسَمَّاهَا وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمَا الْحُكْمُ أَيْضًا إذَا حَصَلَ الِانْفِسَاخُ بِالتَّقَايُلِ (الْجَوَاب) الْإِجَارَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ الْمَحَلَّ الْمُؤَجَّرَ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ بَعْدُ كَالرَّافِعِيِّ عَدَمُ صِحَّتِهَا قَبْلَ التَّسَلُّمِ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاعْتَمَدَ هَذَا الثَّانِيَ جَمَاعَةٌ مُتَأَخِّرُونَ لِقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ فَعَلَيْهِ لَا يَصِحُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ مُؤَجَّرَهُ إلَّا إنْ قَبَضَ ذَلِكَ الْمَحَلَّ الْقَبْضَ الْمُعْتَدَّ بِهِ فِي الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ.
أَيْضًا، ثُمَّ إذَا انْهَدَمَتْ تِلْكَ الدَّارُ بِحَيْثُ صَارَتْ لَا تَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَلَوْ بِهَدْمِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي مِنْهَا دُونَ الْمَاضِي لِاسْتِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَخَيَّرْ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلِلْمُؤَجِّرِ مِنْ الْمُسَمَّى قِسْطُ الْمَاضِي مِنْ الْمُدَّةِ مُوَزَّعًا عَلَى قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَا عَلَى الْمُدَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَرُبَّمَا تَزِيدُ أُجْرَةُ شَهْرٍ عَلَى أُجْرَةِ شَهْرَيْنِ لِكَثْرَةِ الرَّغَبَاتِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ فَإِذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ سَنَةً مَضَى نِصْفُهَا وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ ضِعْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَجَبَ مِنْ الْمُسَمَّى ثُلُثَاهُ.
وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَثُلُثُهُ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَالْعِبْرَةُ بِتَقْوِيمِ الْمَنْفَعَةِ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا بِمَا بَعْدَهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَتَانِ بِالِانْهِدَامِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ وَحِينَئِذٍ فَنُقَوِّمُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ حَالَ الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَنُوجِبُ لِلْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ مَا يَخُصُّ الْمَاضِي بِاعْتِبَارِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُدَّتَيْنِ وَنُقَوِّمُهَا حَالَ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ وَنُوجِبُ لِلْمُؤَجِّرِ الثَّانِي مَا يَخُصُّ الْمَاضِي بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ أَيْضًا فَإِنْ اسْتَوَى النِّصْفَانِ حَالَ عَقْدِ كُلٍّ مِنْ الْإِجَارَتَيْنِ وَجَبَ لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الْمُسَمَّى وَهُوَ عَشَرَةٌ وَلِلثَّانِي نِصْفُ الْمُسَمَّى وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَإِنْ اخْتَلَفَا وَجَبَ لِكُلٍّ الْقِسْطُ بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمَّا لَوْ لَمْ تَنْهَدِمْ كُلُّهَا بِأَنْ انْهَدَمَ بَعْضُهَا فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بَلْ إنْ أَمْكَنَ إصْلَاحُهُ حَالًا وَأُصْلِحَ لَمْ يَتَخَيَّرْ وَإِلَّا تَخَيَّرَ وَإِذَا بَانَ اسْتِحْقَاقُ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ مَثَلًا بَانَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَلَا يُقَالُ انْفَسَخَتْ وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ مَنْ أُثْبِتَتْ لَهُ عَلَى ذِي الْيَدِ وَمَنْ تَرَتَّبَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِهِ بِأُجْرَةِ مَا مَضَى وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ الْمَنَافِعُ تَحْتَ يَدِهِ وَإِذَا
تَقَايَلَا بَعْد مُضِيِّ نِصْفِ الْمُدَّةِ مَثَلًا تَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَا مَضَى بِالِاعْتِبَارِ السَّابِقِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ) فِي رَجُلٍ أَجَرَ زَيْدًا أَنْ يَحْمِلَ لَهُ فِي سَفِينَةٍ لَهُ مَشْهُورَةٍ مِائَةَ حِمْلٍ مَثَلًا مِنْ بَنْدَرِ جَدَّةَ إلَى عَدَنَ مَعَ تَعْيِينِ أُجْرَةِ الْحَمْلِ وَمَعْرِفَتِهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْرًا وَنَوْعًا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ تَطْلِيعِ الْقَدْرِ وَشَحْنِهِ تَغَيَّرَتْ السَّفِينَةُ الْمَذْكُورَةُ بِعَارِضِ رِيحٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ الْأُجْرَةَ أَمْ قِسْطًا أَمْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا وَهَلْ ثَمَّ فَرْقٌ بَيْنَ تَغَيُّرِهَا قَبْلَ السَّفَرِ أَمْ بَعْدَهُ وَلَوْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ بَيِّنُوا وَأَوْضِحُوا أَثَابَكُمْ اللَّهُ سبحانه وتعالى الْجَنَّةَ وَإِذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ نَقْلَ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِالسَّفِينَةِ لَهُ أُجْرَةٌ لَهَا وَقْعٌ يُقَوَّمُ بِهَا الْأَجِيرُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْفَاضِلُ لَهُ مِنْ أُجْرَتِهِ نَحْوَ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ هَلْ تَلْزَمُ ذَلِكَ الْأَجِيرَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا أَمْ تَلْزَمُ ذَا الْمَالِ الَّذِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ؟
(فَأَجَابَ) إذَا تَغَيَّرَتْ السَّفِينَةُ فَتَلِفَتْ الْأَحْمَالُ الْمَذْكُورَةُ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ خَاطَ نِصْفَ الثَّوْبِ فَاحْتَرَقَ أَوْ تَرَكَهُ أَوْ بَنَى بَعْضَ الْحَائِطِ فَانْهَدَمَ أَوْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لِلْمَالِكِ وَلَا ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَعَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا قَوْلُ الْأَنْوَارِ لَوْ دَفَعَ لِلْأَجِيرِ وِقْرًا مِنْ مَتَاعٍ لِيَحْمِلَهُ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَحَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَسَقَطَ وَانْكَسَرَ لَمْ يَضْمَنْ وَسَقَطَتْ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ تِلْكَ الْأَحْمَالُ فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ مَتَاعٍ إلَى مَكَّةَ فَمَاتَتْ الدَّابَّةُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِسْطِ فِي الْإِجَارَةِ وُقُوعُ الْعَمَلِ مُسَلَّمًا وَظُهُورُ أَثَرِهِ عَلَى الْمَحَلِّ وَمِثْلُهَا الْجَعَالَةُ. اهـ.
وَمَحَلُّهُ إنْ سَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ مَعَهُ وَإِلَّا اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْأَنْوَارِ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى بَلَدٍ إيَابًا وَذَهَابًا فَعَرَجَتْ هُنَاكَ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا فَتَرَكَهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ أَمِينٍ وَفَسَخَ أَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ لَمْ يَجِبْ إلَّا نِصْفُ الْأُجْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ. اهـ.
فَانْظُرْ إلَى إيجَابِهِمْ الْقِسْطَ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الْعَمَلِ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَيْهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِوُقُوعِهِ مُسَلَّمًا إلَيْهِ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا؛ لِأَنَّهُ بِحَضْرَتِهِ يَقَعُ مُسَلَّمًا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ لَهُ الْقِسْطَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ وَصُورَةِ شَيْخِنَا وَقَوْلُهُ إنَّ الْعَمَلَ فِيهَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَحُصُولُهُ لَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فَكَفَى بِتَوَفُّرِهَا عَلَى الْمَالِكِ ظُهُورُ أَثَرٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْآنَ أَنْ يُكْرِيَهُ إلَى مَقْصِدِهِ أَكْرَاهُ بِدُونِ أُجْرَتِهِ مِنْ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ غَالِبًا فَلَوْلَا ظُهُورُ أَثَرٍ عَلَيْهِ لَمَا نَقَصَتْ الْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ حُصُولِهِ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُ الْعُمْرَانِيِّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ كِتَابًا إلَى رَجُلٍ وَيَرُدَّ جَوَابَهُ فَأَوْصَلَهُ إلَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ رَدِّ الْجَوَابِ فَلِلْأَجِيرِ مِنْ الْأُجْرَةِ قَدْرُ ذَهَابِهِ. اهـ.
فَافْهَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِظُهُورِ الْأَثَرِ حُصُولُ نَفْعٍ لِلْمُؤَجِّرِ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ بِسَبَبِ الْعَمَلِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ أَيْضًا وَأَطْلَقَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْأَجِيرُ فِي الْبَلَدِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَهُ غَائِبًا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأُجْرَةِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ شَرَعَ الْأَجِيرُ فِي الْإِحْرَامِ أَيْ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ مَاتَ.
قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ الْجَوَابِ اهـ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ إذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الْأُجْرَةِ إلَّا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَدَّ الْجَوَابِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ بِنَاءِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ظُهُورِ الْأَثَرِ بَيْنَ مَا يَعُودُ إلَى النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُوَافِقُ كَلَامَ الْعُمْرَانِيِّ وَالْقَاضِي قَوْلُ الْأَنْوَارِ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ إلَى بَلَدٍ فَيَبْتَاعَ لَهُ فِيهَا فَذَهَبَ وَلَمْ يَجِدْ فَلَهُ أُجْرَةُ الذَّهَابِ فَقَطْ اهـ.
وَهَذَا يُفْهِمُ وُجُوبَ الْقَسْطِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ هُنَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ وَمَعَ ذَلِكَ لَزِمَهُ لَهُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِ الْأَجِيرِ وَإِتْيَانِهِ بِبَعْضِ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ وَفِي كُلٍّ مِنْ تِينَك الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِعَمَلِ الْأَجِيرِ فَلَزِمَهُ لَهُ الْقَسْطُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَفِي الْأَنْوَارِ أَيْضًا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ أَغْنَامًا إلَى بَلَدٍ وَيَبِيعَهَا هُنَاكَ وَقَالَ إنْ قَلَّ
الْعَلَفُ فِي الطَّرِيقِ فَبِعْهَا بِكَذَا فَقَلَّ الْعَلَفُ وَوَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِمَا عَيَّنَ فَلَمْ يَبِعْ وَمَضَى ضَمِنَ الْأَغْنَامَ وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا مَضَى عَلَى أَمْرِهِ دُونَ مَا خَالَفَهُ اهـ.
فَإِيجَابُ الْقَسْطِ هُنَا يُفْهِمُ إيجَابَ الْقَسْطِ فِي مَسْأَلَتِنَا بِالْمُسَاوَاةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّفْعَ الْعَائِدَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَمِمَّا يُصَرِّحُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُهُمْ لَوْ حَمَّلَ الْمُكْتَرِي الدَّابَّةَ مَتَاعَهُ وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُؤَجِّرِ فَعَرَضَ فِي الطَّرِيقِ خَوْفٌ فَلْيَضَعْهُ مَعَ أَمِينٍ هُنَاكَ فَإِنْ رَدَّهُ ضَمِنَهُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَمِينَ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ مِنْ الْمُسَمَّى اهـ.
فَظَهَرَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ وُجُوبِ الْقَسْطِ فِي تِينَك الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأُجْرَةُ نَقْلِ تِلْكَ الْأَحْمَالِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِاطِّرَادِ الْعُرْفِ بِأَنَّهَا عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَمَتَاعِهِ فَلَا يُكَلَّفُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِهَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ لِنَسْخِ مُصْحَفٍ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ اُعْتِيدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وَمَتَى اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْبَيَانُ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ وَيَلْزَمُ الْكَاتِبَ كِتَابَةُ الْغَلَطِ أَوْ أَرْشُهُ لَا خُصُوصَ الْمُقَابَلَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى مَيِّتٍ وَأَطْلَقَ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى قَبْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَلْزَمهُ ذَلِكَ عَلَى مَا نُقِلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ عَلِمَ قَبْرَهُ فِي بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةَ عَيْنٍ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إتْمَامُ الْإِجَارَةِ بِنَفْسِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ إتْمَامُ الْإِجَارَةِ بِنَفْسِهِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا يُمْتَهَنُ بِهِ كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيئَةِ الْغَيْرِ اللَّائِقَةِ بِهِ اشْتَدَّتْ الْكَرَاهَةُ بَلْ قِيلَ بِالْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ شَخْصٍ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَهَلْ يَدْخُلُ مَا لَهَا مِنْ نَخِيلٍ وَشَجَرٍ وَمَا بِالتَّبَعِيَّةِ كَالْبَيْعِ أَوَّلًا يَدْخُلُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ سَوَاءٌ أَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِدُخُولِ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَتُوَزَّعُ الْإِجَارَةُ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّتِنَا أَنَّ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ يَتَنَاوَلُ مَا فِي الْأَرْضِ مَثَلًا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا وَمَا لَا يَنْقُلُهُ كَالرَّهْنِ لَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ وَكَالْبَيْعِ الصَّدَاقُ وَالْخُلْعُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْأَعْوَاضِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَالْهِبَةُ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ وَفِي مَعْنَاهَا الصَّدَقَةُ وَالْوَقْفُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ وَالْوَصِيَّةُ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَكَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ جَمْعٌ وَالْإِقْرَارُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِفْتَاءُ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ كَالْهِبَةِ فِيهِ نَظَرٌ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ كَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ فَلَا تَتَنَاوَلُ نَخْلًا وَلَا شَجَرًا وَلَا غَيْرَهُمَا لِضَعْفِ الرَّهْنِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ فَإِنَّهَا قَوِيَّةٌ تَنْقُلُ الْمِلْكَ فَتُسْتَتْبَعُ نَعَمْ لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَلَا شُرْبُهَا مِنْ قَنَاةٍ أَوْ نَهْرٍ مَمْلُوكَيْنِ إذَا كَانَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْهَا بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ أَرْضًا وَبِنَاءً كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُهَا لِزَرْعٍ أَوْ غِرَاسٍ فَهُوَ يَسْتَلْزِمُ دُخُولَ ذَلِكَ وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَأْجَرَ لَهَا لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ فَاسْتَتْبَعَتْهُ الْإِجَارَةُ مُطْلَقًا لِتَوَقُّفِ مَقْصُودِهَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ وَالْخَارِجُ لَيْسَ كَذَلِكَ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ مَتَى صَلُحَتْ لِزَرْعٍ وَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ اُشْتُرِطَ لِصِحَّةِ الْإِجَارَةِ بَيَانُ مَا يُسْتَأْجَرُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِعِ أَوْ أَنْ يَقُولَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْت أَوْ كَيْفَ شِئْت فَيَفْعَلُ مَا شَاءَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِأَنَّهَا إذَا زُرِعَ فِيهَا شَيْءٌ فِي سَنَةٍ أُرِيحَتْ مِنْهُ فِي أُخْرَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَتَى لَمْ تَصْلُحْ إلَّا لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَفَى الْإِطْلَاقُ كَأَرْضِ بَعْضِ الْبَسَاتِينِ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ فِيهَا الْغِرَاسُ وَإِذَا عَيَّنَ الزِّرَاعَةَ أَوْ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَيَانُ نَوْعِ الْمَزْرُوعِ أَوْ الْمَغْرُوسِ أَوْ الْمَبْنِىِّ لِتَقَارُبٍ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ نَعَمْ إنْ أَجَرَ عَنْ غَيْرِهِ بِنِيَابَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ لَمْ يَكْفِ الْإِطْلَاقُ لِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَا تَقَرَّرَ فِي الشُّرْبِ بِالنِّسْبَةِ
لِلْإِجَارَةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ فَإِنْ اضْطَرَبَ الْعُرْفُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ دُخُولُ الشُّرْبِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ نَعَمْ إنْ وُجِدَ لَهَا شُرْبٌ غَيْرُهُ صَحْوٌ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهَا لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ سَقْيِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَا يُوثَقُ بِهِ مِنْ نَحْوِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ يَغْلِبُ حُصُولُهُ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ مُعْتَادٍ وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَمَا تَقَرَّرَ أَيْضًا مِنْ عَدَمِ تَنَاوُلِ إجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَا فِيهَا مِنْ نَحْوِ الشَّجَرِ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنْ نَصَّا عَلَى دُخُولِ الشَّجَرِ لِلِانْتِفَاعِ بِنَحْوِ رَبْطِ شَيْءٍ فِيهِ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ أَيْضًا وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ تَعَطَّلَ انْتِفَاعُهُ بِهِ لِجَائِحَةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَخَيَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ أَجَازَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْقَسْطُ مِنْ الْمُسَمَّى
وَإِنْ فَسَخَ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمَاضِي وَيَتَخَيَّرُ أَيْضًا بِانْقِطَاعِ مَاءِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَبْذُلْهُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ مَكَان آخَرَ وَوَقْتُ الزِّرَاعَةِ بَاقٍ وَلَمْ يَمْضِ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ حَيْثُ تَخَيَّرَ بِتَلَفِ بَعْضِ الْمُؤَجَّرِ وَأَجَازَ لَزِمَهُ الْقَسْطُ مِنْ الْمُسَمَّى كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَخَ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَرْتَفِعُ وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ أَمِيرِ بَلَدٍ لَهُ إقْطَاعٌ فَأُسْلِمَ لَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ حُبُوبِ غِلَالِهِ مَبْلَغُ فِضَّةٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَاسْتُؤْجِرَ مِنْهُ أَرْضٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ أَمِيرًا بِبَلَدِهِ مُدَّةً مَثَلًا ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَلِيَ بَعْدَهُ أَمِيرٌ وَلَمْ يُمَكَّنْ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْغَلَّةِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ وَزَعَمَ أَنَّ السَّنَةَ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَيِّتُ لَا يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَهَا فَهَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا عَيَّنَ لِلْمُسْلَمِ فِيهِ الْحَالِّ أَوْ الْمُؤَجَّلِ أَرْضًا أَوْ نَاحِيَةً فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً بِأَنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ بِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ النَّاحِيَةِ الْمُعَيَّنَةِ غَالِبًا.
وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا آفَةٌ صَحَّ السَّلَمُ وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالسَّلَمُ فَاسِدٌ وَإِجَارَةُ الْأَمِيرِ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ صَحِيحَةٌ إنْ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَإِلَّا فَفَاسِدَةٌ وَإِذَا صَحَّتْ فَإِنْ قَيَّدَ الْوَاقِفُ نَظَرَهُ بِمُدَّةِ اسْتِحْقَاقِهِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ وَإِلَّا لَمْ تَنْفَسِخْ، ثُمَّ حَيْثُ صَحَّ السَّلَمُ وَجَبَ لِلْمُسْلِمِ فِي تَرِكَةِ الْأَمِيرِ وَمِنْهَا مَا اسْتَحَقَّهُ بِمُبَاشَرَتِهِ الْقَدْرَ الْمُسْلِمَ إلَيْهِ فِيهِ وَحَيْثُ فَسَدَ لَمْ يَجِبْ لِلْمُسْلِمِ فِي تَرِكَةِ الْأَمِيرِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَرْشُ مَالِهِ وَحَيْثُ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ مَا اسْتَحَقَّهُ وَحَيْثُ فَسَدَتْ أَوْ انْفَسَخَتْ رَجَعَ عَلَى تَرِكَةِ الْأَمِيرِ بِكُلِّ الْأُجْرَةِ فِي الْأُولَى وَبِقَسْطِ مَا انْفَسَخَ فِيهِ فِي الثَّانِيَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَعْلُومُ السَّنَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا الْمَيِّتُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا دُيُونُهُ وَلَا حَقَّ فِيهَا لِلْأَمِيرِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا أَوْ عَامِلَ جَعَالَةٍ عَنْ أَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ فِي زِيَارَتِهِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَجُوزُ كَمَا أَفْتَى بِهِ كَثِيرُونَ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ عَلِمَ الْجَاعِلُونَ الْحَالَ وَلَوْ جُوعِلَ فَعَجَزَ عَنْ الزِّيَارَةِ فَجَاعَلَ غَيْرَهُ اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ إذَا لَمْ تُعْرَفْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مَوْضِعٍ لِعَدَمِ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ لِلْمُسَامَحَةِ بِالسُّكْنَى فَبِمَ تُعْرَفُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تُعْرَفُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ أَمَّا فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ وَفِيهِ احْتِمَالٌ أَنَّهَا تُقَدَّرُ بِعُرْفِ قَوْمٍ لَا يُسَامِحُونَ بِذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ اُسْتُؤْجِرَ لِرَعْيِهِ غَنَمًا فَاسْتَنَابَ غَيْرَهُ فَهَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ اسْتَنَابَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْإِجَارَةُ إجَارَةُ ذِمَّةٍ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَإِلَّا ضَمِنَ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ اسْتَأْجَرَ إجَارَةً فَاسِدَةً مَثَلًا ثُمَّ حَرَثَ الْأَرْضَ وَزَادَتْ قِيمَتُهَا بِذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْفَسَادِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِأُجْرَةِ فِعْلِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْقَاعِدَةُ لَا تَشْهَدُ لَهُ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، ثُمَّ رَأَيْت هَذَا الْمُفْتِي نَفْسَهُ أَفْتَى فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً وَصَرَفَ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ مَالًا بِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ مُفْسِدٌ احْتِجَاجَهُ بِالْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَالْأَوْجَهُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ بِئْرًا وَفِيهَا مَاءٌ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ
أَمْ لَا كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ كَمَا أَفْهَمَهُ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَيَقَعُ اسْتِيفَاءُ الْمَاءِ تَبَعًا وَلَا وَجْهَ لِلْإِفْتَاءِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي اسْتِئْجَارِ الْقَنَاةِ بِمَا ذُكِرَ وَبِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَدْ يُسْتَحَقُّ بِهَا عَيْنٌ تَبَعًا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ حَاقَّةٍ تَلْحَقُ تِلْكَ الْعَيْنَ بِالْمَنْفَعَةِ
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُعَلِّمُ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا فَعَلَّمَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ حِزْبًا وَعَلَّمَهُ الْخَطَّ حَتَّى أَحْكَمَهُ إحْكَامًا تَامًّا فَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْخَطَّ يُقَابِلُهُ رُبُعُ الْأُجْرَةِ فَعَلَيْهِ يَجِبُ هُنَا رُبُعُ الْأُجْرَةِ وَثُلُثُهَا وَعُشْرُهَا وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَنَدُ الْمُوجِبِينَ لِرُبُعِ الْأُجْرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَطِّ بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَطِّ حَيْثُ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ فَإِنْ نُصَّ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَتْ الْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةً عَلَى ذَلِكَ وَوَجَبَ مَا يُقَابِلُهُ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ لَوْ قَالَ إنْسَانٌ أَلْزَمْت ذِمَّتَك الْحَجَّ عَنِّي لِتَفْعَلَهُ بِنَفْسِك صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَلْزَمْت ذِمَّتَك خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوْبِ لِتَفْعَلَهُ بِنَفْسِك فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَمَا الْفَرْقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عُسْرٌ وَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَرَّ إلَى تَضْعِيفِ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَإِنْ اسْتَوَوْا كُلُّهُمْ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُحْسِنُ الْحَجَّ بَلْ رُبَّمَا يُقَدَّمُ الْعَارِفُ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ عَلَى الْأَعْرَفِ مِنْهُ لِمَزِيدِ زُهْدٍ أَوْ وَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ سَبَبٌ فِي الْإِجَابَةِ وَالْقَبُولِ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بَعْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّوَاتِ وَالسَّرَائِرِ بِخِلَافِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهَذَا فَرْقٌ وَاضِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) فَسَحَ اللَّهُ سبحانه وتعالى فِي قَبْرِهِ بِمَا صُورَتُهُ فِي الْإِحْيَاءِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا طَبِيبٌ عَلَى دَوَاءٍ يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي التَّلَفُّظِ وَعَمَلُهُ بِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَلَيْسَ مِمَّا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَرَفَ الصَّقِيلُ الْمَاهِرُ إزَالَةَ اعْوِجَاجِ السَّيْفِ وَالْمِرْآةِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ يُتْعَبُ فِي تَعْلِيمِهَا لِتُكْتَسَبَ وَيُخَفِّفُ عَنْ نَفْسِهِ كَثْرَةَ التَّعَبِ اهـ.
فَهَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَمْ الْمُعْتَمَدُ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَا يَصِحُّ وَهَلْ الْفَصْدُ وَنَحْوُهُ كَذَلِكَ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ بِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ لِلْفَصْدِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ عَمَلٌ لَا يُتْعِبُ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَاسْأَلْ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْبَيَّاعِ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ اهـ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ السَّابِقِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِلَّةَ الْبُطْلَانِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِ انْتِقَالِ الْعِلْمِ لِلْغَيْرِ وَعَدَمِ التَّعَبِ فِي تَعَلُّمِهَا لِتُكْتَسَبَ وَيُخَفِّفُ عَنْ النَّفْسِ كَثْرَةُ التَّعَبِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلِمَةِ الْبَيَّاعِ وَكَلِمَةِ الطَّبِيبِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَقُولَ لَهُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عِلْمُهَا وَأَيْضًا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ عِلْمِ الطِّبِّ أَنْ يَتْعَبَ فِي تَحْصِيلِهِ لِيُخَفِّفَ عَنْ النَّفْسِ كَثْرَةَ التَّعَبِ بَلْ لِتَتَحَلَّى النَّفْسُ بِكَمَالِ الْعُلُومِ أَوْ بَعْضِهَا بِخِلَافِ كَلِمَةِ الْمَاهِرِ فَإِنَّ عِلْمَهَا يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ عَرَّفَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَذْكُرُهَا إلَّا لِمَنْ شَارَكَهُ فِي صَنْعَتِهِ لَكِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِهَا وَنَحْوِهَا التَّعَبُ فِي تَحْصِيلِهِ لِلتَّخْفِيفِ الْمَذْكُورِ وَبِتَأَمُّلِ ذَلِكَ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَصْدِ وَكَلِمَةِ الْبَيَّاعِ وَنَحْوِهَا مِنْ الرَّدِّ عَلَى مَنْ غَلِطَ فِيهَا لَا يُقَالُ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ يُتْعَبُ فِي تَحْصِيلِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ مِثْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا يُتْعَبُ فِي تَحْصِيلِهَا أَوْ يُتْعَبُ لَا لِلتَّخْفِيفِ الْمَذْكُورِ بَلْ لِمَا مَرَّ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَهُ لِقَلْعِ سِنِّهِ الْوَجِعَةِ فَبَرِئَتْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ هَلْ هُوَ سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ سِنٌّ أُخْرَى وَجِعَةٌ مِثْلُهَا أَوْ لَا أَوْ خَاصٌّ بِالثَّانِي وَعَلَى الْأَوَّلِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَجَوَازِ إبْدَالِ الرَّضِيعِ بِمِثْلِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ بِأَنَّ الرَّضِيعَ مُشَاهَدٌ يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ فَجَازَ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ السِّنِّ فَإِنَّهُ وَإِنْ فَرَضَ مُسَاوَاتِهَا لِسِنٍّ أُخْرَى لَكِنَّهُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ مِنْهُمَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِمَا الْمَسْتُورِ بِاللِّثَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مُسَاوَاتُهُمَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ الْإِبْدَالُ هُنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ لَوْ قَالَ
فِي أَرْضٍ صَالِحَةٍ لِلزَّرْعِ وَالْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ أَجَرْتُك لِتَزْرَعَ أَوْ تَغْرِسَ لَمْ يَصِحَّ مَا وَجْهُهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ وَجْهُهُ أَنَّ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ فَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِهَا التَّخْيِيرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ لَوْ قَالَ إلَّا شِئْت فَازْرَعْ وَإِنْ شِئْت فَاغْرِسْ صَحَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ مَا شَاءَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمَنْفَعَتَيْنِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرْدِيدِ بِأَنَّ التَّرْدِيدَ فِيهِ إبْهَامٌ مُطْلَقٌ لَا يُرْجَى تَعْيِينُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ فَإِنَّ الْأَمْرَ مُعَلَّقٌ بِمَا يَخْتَارُهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَمَا يَخْتَارُهُ مُعَيَّنٌ فَلَوْ أَطْلَقَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّرْدِيدِ فَتَبْطُلُ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ فَتَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ وَضْعَ أَوْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إلَى التَّرْدِيدِ أَمَيْلُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةَ حَيْثُ لَمْ يَقْوَ ظُهُورُ وَجْهِ الْمُبْطِلِ، ثُمَّ رَأَيْت عَنْ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَيَّهُمَا شَاءَ صَحَّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته وَلَوْ قَالَ لِتَغْرِسَ أَوْ لِتَبْنِيَ وَأَطْلَقَ صَحَّ وَغَرَسَ وَبَنَى مَا شَاءَ لِتَقَارُبِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ نَعَمْ إنْ أَجَرَ عَنْ غَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ نِيَابَةٍ لَمْ يَكْفِ الْإِطْلَاقُ لِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَرَ عَبْدَهُ مُدَّةً مَثَلًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا مَثَلًا ثُمَّ رَأَى الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ عَيْبًا وَفَسَخَ بِهِ فَهَلْ تَرْجِعُ الْمَنَافِعُ لِلْعَبْدِ أَوْ لِسَيِّدِهِ وَهَلْ قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَرَ دَارِهِ، ثُمَّ وَقَفَهَا، ثُمَّ رَأَى الْمُسْتَأْجِرُ بِهَا عَيْبًا وَفَسَخَ بِهِ أَنْ تَرْجِعَ مَنَافِعُهَا لِلْوَاقِفِ أَوْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَنَافِعَ تَرْجِعُ لِلْعَبْدِ لَا لِسَيِّدِهِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِحِصَّةِ مَا يَخُصُّ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ عَلَى الْعَبْدِ لِرُجُوعِ الْمَنَافِعِ لَهُ أَوْ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَجِّرُ الْقَابِضُ لِلْمُسَمَّى كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنَافِعَ تَرْجِعُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا لِلْوَاقِفِ لِخُرُوجِ الدَّارِ بِوَقْفِهِ عَنْ رُجُوعِ مَنَافِعِهَا إلَيْهِ بِوَجْهٍ وَأَنَّ حِصَّةَ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ يَرْجِعُ بِهَا الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْوَاقِفِ دُونَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَجِّرُ الَّذِي قَبَضَ الْمُسَمَّى.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَرَ دَارًا فِيهَا صِهْرِيجٌ لِمُدَّةِ سَنَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الصِّهْرِيجَ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَهَلْ يَدْخُلُ الصِّهْرِيجُ فِي الدَّارِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِإِفْرَادِ الصِّهْرِيجِ عَنْ الدَّارِ بِالْإِجَارَةِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِلَّا دَخَلَ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يَدْخُلُ الشُّرْبُ فِي اسْتِئْجَارِهِ الْأَرْضَ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِئْجَارِهَا مَعَهُ وَمَا أَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ الْأَصْبَحِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى دَارًا وَفِيهَا مَدَافِنُ لِلْحَبِّ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ فِي بِلَادِ مِصْرَ بِالْمَطَامِيرِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ يُتَعَارَفُ فِيهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الدَّارَ لِلسُّكْنَى تَرَكَ الْحَبَّ فِي الْمَدَافِنِ دَخَلَتْ فِيهِ إذْ هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ الْعُرْفُ إفْرَادُهَا بِالْإِجَارَةِ لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي ذَلِكَ. اهـ. فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ دُخُولُ الْبِئْرِ فِي الدَّارِ مُطْلَقًا قُلْت إنَّمَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا بَلْ الْمُطَّرِدَ أَنَّهَا لَا تُفْرَدُ عَنْ الدَّارِ بِإِجَارَةٍ فَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ وَاعْتِيدَ فِي بَلَدٍ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ فِيهَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ أَنَّ نَحْوَ بَيْعِ الْأَرْضِ وَالسَّاحَةِ وَالْبُقْعَةِ وَنَحْوِهَا يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ وَبِنَاءٍ بِخِلَافِ نَحْوِ رَهْنِهَا وَفَرَّقُوا بِأَنَّ نَحْوَ الْبَيْعِ قَوِيٌّ يَسْتَتْبِعُ الْمِلْكَ بِخِلَافِ نَحْوِ الرَّهْنِ وَأَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُ عَدَمَ دُخُولِهِمَا فِي الْإِجَارَةِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ عَدَمُ دُخُولِ الصِّهْرِيجِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَالصِّهْرِيجِ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الِانْتِفَاعِ بِالدَّارِ يَدْخُلُ حَيْثُ لَمْ تَطَّرِدْ الْعَادَةُ بِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهَا بِخِلَافِهِمَا فَإِنَّهُمَا غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي مُسَمَّى الِانْتِفَاعِ بِهَا فَلَمْ يَدْخُلَا وَهَلْ مَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مِنْ حَجَرِ الرَّحَى الْأَسْفَلِ وَالْأَعْلَى وَالرُّفُوفِ وَالسَّلَالِمِ وَغَيْرِهَا يَدْخُلُ فِي إجَارَتِهَا أَوْ لَا قَضِيَّةٌ أَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَذْكُورُ عَدَمَ الدُّخُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي بَيْعِهَا وَكَانَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ السُّكْنَى وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِفْرَادِهِ عَنْهَا بِإِجَارَةٍ خَاصَّةٍ يَدْخُلُ فِي إجَارَتِهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا قَالَ الْوَاقِفُ فُلَانٌ نَاظِرٌ عَلَى وَقْفِي هَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَالَ نَاظِرٌ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى حِصَّتِهِ إذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا هَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا نَظَرٌ عَامٌّ مُنْسَحِبٌ عَلَى سَائِرِ الْبُطُونِ حَتَّى لَوْ أَجَرَ الْوَقْفَ مُدَّةً بِشَرْطِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ بَعْدَ
مَوْتِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِسَائِرِ النُّظَّارِ مِنْ بَعْدِهِ إذَا قَالَ الْوَاقِفُ: النَّظَرُ لِفُلَانٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِفُلَانٍ إلَخْ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ هَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ نَقْضُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَمْ لَا؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّاظِرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ إجَارَةُ النَّاظِرِ بِمَوْتِهِ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِتَخْصِيصِ نَظَرِهِ بِحِصَّتِهِ، وَأَمَّا فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةَ فَلَا انْفِسَاخَ، سَوَاءٌ قَيَّدَ بِمُدَّةِ الْحَيَاةِ أَمْ لَا. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَشْرُوطِ نَظَرُهُ مِنْ الْبَطْنِ الْأُولَى وَمَا بَعْدَهَا ابْتِدَاءً أَوْ بِشَرْطِ مَوْتِ فُلَانٍ مَثَلًا، وَإِذَا حَكَمَ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ قَاضٍ يَرَاهُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَالنَّاظِرُ الْمُسْتَحِقُّ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْحَاكِمُ الشَّرْعِيُّ سَوَاءٌ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي جَوَابٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ، وَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ الْجَوَابَ مِنْ الْفَتَاوَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ صَيَّرَهُ مُتَكَلِّمًا عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ وَلِيٌّ صَبِيًّا مُدَّةً فَبَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ سَيِّدٌ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، فَإِذَا اقْتَضَى نَظَرُهُ مُدَّةً يُؤْجَرُ لَهَا لَمْ تَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ لِسَرَيَانِ فِعْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِتَعْمِيمِ الْوَاقِفِ لِنَظَرِهِ بِخِلَافِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِتَكَلُّمِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِمَوْتِهِ انْتَقَلَ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ فَانْفَسَخَ فِيهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ دَوَابَّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ إجَارَةَ عَيْنٍ إلَى بَلَدٍ مَعْلُومَةٍ وَشَرَطَ عَلَيْهِ السَّفَرَ صُحْبَةَ الرَّكْبِ الْيَمَانِيِّ مَثَلًا أَوَّلَ شَهْرِ كَذَا فَأَحْضَرَهَا لَهُ الْمُؤَجِّرُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَأَنَاخَهَا بِبَابِهِ مَثَلًا فَحَصَلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ عُذْرٌ كَمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ فِي مَحَلٍّ لَا يُعْرَفُ، فَهَلْ لِمُؤَجِّرِ الْجِمَالِ الْفَسْخُ وَدَفْعُ الْأُجْرَةِ إنْ كَانَ قَبَضَهَا لِوَكِيلِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ؟ وَهَلْ لَهُ إجَارَتُهَا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ لِلْغَيْرِ وَالسَّفَرُ بِهَا إلَى أَيِّ مَحَلٍّ أَرَادَ أَمْ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ؟ فَإِذَا قُلْتُمْ: لَا فَسْخَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَحْيِيرُهُ وَضَرَرُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَدَوَابِّهِ لِمُؤَنِهِ وَمُؤَنِ دَوَابِّهِ الْمَضَرَّةَ الشَّدِيدَةَ.
وَالْحَدِيثُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَلَا سِيَّمَا إنْ طَالَ مَرَضُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ حَبْسُهُ أَوْ غَيْبَتُهُ، وَإِذَا أَنَاخَهَا الْمُؤَجِّرُ بِبَابِ الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ أَوْ سَلَّمَهَا لِوَكِيلِهِ أَوْ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ وَمَضَتْ مُدَّةُ زَمَنِ إمْكَانِ السَّفَرِ إلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالِهَا مُدَّةَ زَمَنِ الْمُضِيِّ إلَى الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَكُونُ كَالْمُتَسَلِّمِ مِفْتَاحَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعٍ بِهَا؟ هَلْ تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي صُلْبِ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ صَحِيحٌ أَمْ تُخِلُّ بِهَا وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا؟ أَوْضِحُوا لَنَا الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: تَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِلَّا فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُكْتَرِي بِتَسَلُّمِهِ الدَّابَّةَ وَمُضِيِّ قَدْرِ نَحْوِ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ الْمُقَدَّرِ بِهِ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَدَمُ الِاسْتِيفَاءِ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُ صُحْبَةَ الرَّكْبِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ فَلَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ فَسْخٌ وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْأُجْرَةِ وَلَيْسَ لَهُ إيجَارُهَا لِشَخْصٍ ثَانٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ اسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ بِمُضِيِّ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ مَا قُدِّرَ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا قُلْنَاهُ تَضَرُّرُ الْمُؤَجِّرِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ عِنْدَ دَابَّتِهِ يُوَكِّلُ مَنْ يَقُومُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَتَعَهُّدِهَا فَإِنْ لَمْ يَرَ وَكِيلًا وَلَا وَثِقَ بِالْمُسْتَأْجِرِ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ كَارَى جَمَّالًا عَلَى أَحْمَالٍ مَعْلُومَةِ الْوَزْنِ فَحَمَلَهَا الْجَمَّالُ أَيَّامًا فَانْقَطَعَتْ جِمَالُهُ مَثَلًا فَوُزِنَتْ الْأَحْمَالُ فَوُجِدَتْ زَائِدَةً زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَهَلْ يَضْمَنُ الْجَمَّالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا حَمَّلَ الْمُكْتَرِي ذَلِكَ الزَّائِدَ وَلَيْسَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مَعَهَا ضَمِنَهَا كُلَّهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ الْحَمْلِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ أَوْ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ سَلَّمَ الْمُكْتَرِي ذَلِكَ لِلْمُكْرِي فَحَمَلَهُ جَاهِلًا بِالزِّيَادَةِ بِأَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فِي قَدْرِهِ ضَمِنَ قَسْطَ الزَّائِدِ إنْ تَلِفَتْ بِالْحَمْلِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَيَضْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةَ مِثْلِ الزِّيَادَةِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) بِمَا لَفْظُهُ لَفْظُهُ اسْتَأْجَرَ زَيْدٌ نَحْوَ أَرْضٍ أَوْ دَابَّةٍ وَسَافَرَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَهَلْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إذَا قَبَضَهَا مِنْهُ الْقَاضِي
لِلْمُسْتَأْجِرِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبْضُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ الْعَرْضُ مِنْ الْمُؤَجِّرِ عَلَى الْقَاضِي كَالْعَرْضِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبْضُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْغَائِبِ ثُمَّ يُؤَجِّرُهَا وَتَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأُجْرَةُ وَلَيْسَ مُجَرَّدُ الْعَرْضِ عَلَيْهِ كَهُوَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ قَالَ لِآخَرَ لِآخَر ازْرَعْ أَرْضِي وَاحْرُثْهَا وَلَك نِصْفُ غَلَّتِهَا فَفَعَلَ ثُمَّ بَاعَهَا الْمَالِكُ مَا حُكْمُ بَيْعِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: بَيْعُهُ صَحِيحٌ إنْ بَاعَهَا لِمَنْ رَآهَا قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَسْتُرْهَا وَلِلْحَارِثِ الزَّارِعِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) حَوْلَ وَقْفٍ فِيهِ عَنَاءٌ لِذِمِّيٍّ وَهُوَ مَا يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا بِسَبَبِ الْحَرْثِ وَالْإِصْلَاحِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى آخَرَ كَيْفَ الصِّيغَةُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: هَذَا بِنَفْسِهِ مُتَعَذَّرُ النَّقْلِ لِلْغَيْرِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْحَرْثِ وَالْإِصْلَاحِ صِفَةٌ تَابِعَةٌ فَإِنْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَمْكَنَ نَقْلُهَا لِلْغَيْرِ بِهِبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةٌ فَالْعَمَلُ وَآثَارُهُ يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ لَا يُقَابَلَانِ بِمَالٍ.
(وَسُئِلَ) عَنْ مُسْتَأْجَرٍ لِرَعْيِ إبِلٍ فَنَدَّتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ تَوَجَّهَتْ ثُمَّ بَانَ تَلَفُهَا مَا الْحُكْمُ؟ ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ نَدَّتْ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِلَّا ضَمِنَهَا. وَذَكَرُوا مِنْ أَمْثِلَةِ التَّقْصِيرِ الْمُضَمِّنَةِ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَرْعَى الْبَهَائِمَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ لِرَعْيِهَا فِي مَسْبَعَةٍ أَوْ مَكَان مَخُوفٍ أَوْ يَتْرُكَ بَعْضَهَا فِي الْمَرْعَى وَيَذْهَبَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ نِسْيَانِهِ لَهُ أَوْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي حُفْرَةٍ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا، وَقَدْ هَلَكَتْ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ سَلَّمَ بَقَرَةً لِصَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ لِيَرْعَاهَا وَلَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً فَتَلِفَ بَعْضُهَا مَا الْحُكْمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا لَمْ يُسَمِّ أُجْرَةً وَلَا ذَكَرَ مَا يُشْعِرُ بِالْأُجْرَةِ كَأُرْضِيك مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ الْأَجِيرُ لَا أُرِيدُهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجِيرُ أُجْرَةً؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ لَا فِي مُقَابِلٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَحِلَّهُ فِي الرَّشِيدِ وَأَنَّ غَيْرَهُ تَجِبُ أُجْرَتُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ بِمَنَافِعِهِ، وَأَمَّا التَّلَفُ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ بِتَقْصِيرٍ ضَمِنَهُ الرَّشِيدُ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ إتْلَافِهِ فَإِنَّهُ يُضَمَّنُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَشِيدٍ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا لَهُ لِيَرْعَاهَا لَيْسَ فِيهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْبَيْعِ لَهُ فَإِنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ بِهِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَجَّرَ أَرْضًا مُدَّةً مُعَيَّنَةً مَعْلُومَةً ثُمَّ مَضَتْ وَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ أَثَرُ الْعِمَارَةِ بِحَيْثُ تَزِيدُ قِيمَةُ الْأَرْضِ بِهَا هَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَتُهُ بِأَثَرٍ نَحْوُ حَرْثٍ أَوْ إصْلَاحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا فَعَلَهُ لِيَعُودَ عَلَيْهِ نَفْعُهُ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُوَطِّنٌ نَفْسَهُ عَلَى بَقَاءِ تِلْكَ الْآثَارِ لِلْمُؤَجِّرِ، وَأَيْضًا فَهِيَ صِفَاتٌ تَابِعَةٌ لَا تُقَابَلُ وَحْدَهَا بِمَالٍ إذْ لَا تَقْبَلُ انْتِقَالًا لِلْغَيْرِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ اسْتَأْجَرَ دَارًا مَوْقُوفَةً ذَاتَ مَسَاكِنَ وَمَنَافِعَ مُدَّةً طَوِيلَةً بِشُرُوطِهَا ثُمَّ هَدَمَ مِنْهَا الْبَعْضَ وَبَنَى بِأَنْقَاضِهَا وَزَادَ فِيهَا أَنْقَاضًا مِنْ مَالِهِ كَخَشَبٍ وَأَحْجَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَحْدَثَ فِيهَا مَسَاكِنَ وَمَنَافِعَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ الْوَقْفِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُ الْأَنْقَاضِ الْحَادِثَةِ مِنْ الْقَدِيمَةِ فَصَارَ لَا يُعْرَفُ أَنْقَاضُ الْمِلْكِ مِنْ الْوَقْفِ مَثَلًا فَلَمَّا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَفْعَ يَدِهِ عَنْ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ الْوُصُولُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ الْوَقْفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ هَيْئَتِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ مِنْ الْحَادِثَةِ؟ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى هَدْمِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَعَلَى عَوْدِ الْوَقْفِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا كَانَ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْأَنْقَاضِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ مَالِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهَا عَنْ بَعْضِهَا بَعْضًا أَمْ يَدْفَعُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْمُسْتَحِقِّ قِيمَةَ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ بِشَيْءٍ وَالتَّقْوِيمِ لِذَلِكَ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ وَيَمْلِكُهُ الْمُسْتَأْجِرُ أَمْ لَا؟ فَإِذَا قُلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَيْفَ الْوُصُولُ إلَى حَقِّهِ وَهُوَ وَقْفٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ بَيْعٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا قِسْمَةٌ وَلَا إجَارَةٌ لِجَهَالَةِ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَلَا صُلْحٌ أَيْضًا؟
وَإِذَا اجْتَهَدَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَمَيَّزَهَا عَنْ بَعْضِهَا بَعْضًا هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ؟ وَمَا الْحُكْمُ أَيْضًا إذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الْوَقْفِ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ الْمِلْكِ وَغُمَّ عَلَيْنَا ذَلِكَ بِمُقْتَضَى تَغَيُّرِ الْهَيْئَةِ
الْأُولَى بِالْبِنَاءِ الْحَادِثِ؟ وَكَيْفَ وُصُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وُضُوحًا شَافِيًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ غَيَّرَ هَيْئَةَ الْوَقْفِ وَأَنَّ ذَلِكَ هَلْ يَقْتَضِي هَدْمَ بِنَائِهِ؟ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّغْيِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ عَنْ هَيْئَتِهِ فَلَا يَجْعَلُ الدَّارَ بُسْتَانًا وَلَا حَمَّامًا وَلَا بِالْعَكْسِ إلَّا إذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ إلَى النَّاظِرِ مَا يَرَى فِيهِ مَصْلَحَةَ الْوَقْفِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ حَانُوتُ الْقَصَّارِينَ لِلْخَبَّازِينَ قَالَ الشَّيْخَانِ: وَكَأَنَّهُ احْتَمَلَ تَغَيُّرَ النَّوْعِ دُونَ الْجِنْسِ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا جَوَازُ التَّغْيِيرِ حَيْثُ بَقِيَ الِاسْمُ وَالْجِنْسُ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَسَوَاءٌ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِيهِ إذْهَابُ شَيْءٍ مِنْ عَيْنِ الْوَقْفِ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُمَا كَالْأَصْحَابِ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ خَرْقٌ عَظِيمٌ وَمَفَاسِدُ لَا تَخْفَى؛ وَمِنْ ثَمَّ اشْتَرَطَ السُّبْكِيّ مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَادِمِ وَالضَّابِطُ فِي الْمَنْعِ تَبَدُّلُ الِاسْمِ أَيْ: مَعَ الْجِنْسِ لِمَا تَقَرَّرَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي عِلَّةِ مَنْعِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ أَنَّهُ يُنْقِصُ الْوَقْفَ وَيُخَالِفُ غَرَضَ الْوَاقِفِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا يُفْهِمُ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا يُنْظَرْ إلَيْهَا اهـ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا عِمَادُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ تَغْيِيرَ بَعْضِ بِنَاءِ الْوَقْفِ فِي صُورَتِهِ لِزِيَادَةِ رَيْعِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ بِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ لَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ. وَقُلْت لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتِهِ تَقِيِّ الدِّينِ الْقَشِيرِي أَيْ: ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ رحمه الله سبحانه وتعالى عَنْ فِعْلِ الْقُضَاةِ مِنْ تَغْيِيرِ بَابٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَذَكَرَ عَنْهُ كَلَامًا أَشْعَرَ بِرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبَيَّنَ فِي الْخَادِمِ ذَلِكَ الْكَلَامَ فَقَالَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ: وَقَدْ قَضَى بِذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ وَوَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ فِي تَغْيِيرِ بَابٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى. وَقُلْت ذَلِكَ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيد فَقَالَ: كَانَ وَالِدِي يَعْنِي الشَّيْخَ مَجْدَ الدِّينِ يَقُولُ: كَانَ شَيْخِي الْمَقْدِسِيُّ يَقُولُ بِذَلِكَ وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَأَشْعَرَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ بِرِضَاهُ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ: قَالَ السُّبْكِيّ: وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ قُدْوَةَ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَلِذَلِكَ اغَتَبَطَ بِمَا اسْتَشْعَرَهُ مِنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَكَانَ بِحَيْثُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِدُونِ ذَلِكَ قَالَا أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ فِي التَّوَسُّطِ وَالزَّرْكَشِيَّ فِي الْخَادِمِ قَالَ السُّبْكِيّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْجَوَازَ بِشَرْطَيْنِ هَذِهِ عِبَارَةُ التَّوَسُّطِ.
وَعِبَارَةُ الْخَادِمِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيِّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْتَقِلُ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ فَإِنْ اقْتَضَى زَوَالَ شَيْءٍ مِنْ الْعَيْنِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي نَصَّ الْوَاقِفُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْخَادِمِ الشَّارِعُ وَهُوَ تَحْرِيفٌ عَلَى جِنْسِهِ تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ زَادَ فِي التَّوَسُّطِ وَهُوَ الْعَيْنُ وَالرَّقَبَةُ وَهِيَ مَادَّةُ الْوَقْفِ وَصُورَتُهُ الْمُسَمَّاةُ مِنْ دَارٍ أَوْ حَمَامٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَيَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى إبْقَاءِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وَإِنْ وَقَعَ التَّسَمُّحُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، وَاسْتَنَدَ إلَى مَا سَبَقَ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ فِي حَانُوتِ الْحَدَّاد اهـ. زَادَ فِي الْخَادِمِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ وَعَلَى هَذَا فَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ؛ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ وَكَذَلِكَ فَتْحُ أَبْوَابِ سَطْحِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ لَا حَاجَةَ لِلْحَرَمِ بِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِيهَا فَلِهَذَا لَا تَجُوزُ. قَالَ: وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ لَمَّا زُيِّنَتْ الْقَاهِرَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ زِينَةً عَظِيمَةً أَفْتَى بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا قَالَ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تُعْمَلُ لِلنَّظَرِ إلَيْهَا فَهُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِبَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا فَفِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهَا حَمْلٌ عَلَى تَرْكِهَا فَكَذَا هُنَا، وَحَيْثُ امْتَنَعَ الْفَتْحُ امْتَنَعَ الِاسْتِطْرَاقُ، نَعَمْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّغْيِيرِ إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْبُيُوتِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَرَمِ فَيُحْتَمَلُ جَوَازُ دُخُولِهِ مِنْهُ وَيَقْوَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ وَيُخَافُ مِنْ دَرَجِ الْحَرَمِ اهـ.
وَمَا قَالَهُ فِي مَنْعِ فَتْحِ بَابٍ مِنْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ إلَى الْآخَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ
الْوَجْهُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْقَدْرِ وَغَيْرِهَا عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ.» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَدِّ الْأَبْوَابِ الزَّائِدَةِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى مَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِهِ إشْكَالٌ عَلَى الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْوَابَ إنْ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ الَّتِي وُضِعَ الْمَسْجِدُ عَلَيْهَا لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الْهَيْئَةِ الَّتِي وُضِعَ عَلَيْهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ فَتْحُ بَابٍ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ وَغَيْرُهُ مِمَّا تَقْتَضِيه مَصْلَحَتُهُ حَتَّى يَجُوزَ وَفِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْخَادِمِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: الْآتِي وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَفْتَحَ فِي دَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ بَابًا إلَى الْمَسْجِدِ فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَفَ الْمَسْجِدَ، لَكِنَّ الْوَقْفَ يَزُول عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى فَالْأَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْخَبَرِ الْجَوَازُ مُطْلَقًا عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْحَاجَةِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ ذَلِكَ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ رِبَاطٌ مَوْقُوفٌ اقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ أَهْلِهِ فَتْحَ بَابٍ مُضَافٍ إلَى بَابِهِ الْقَدِيمِ.
أَجَابَ إنْ اسْتَلْزَمَ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِثْلُ أَنْ يَفْتَحَ إلَى أَرْضٍ وُقِفَتْ بُسْتَانًا مَثَلًا فَيَسْتَلْزِمُ تَغْيِيرُ مَحِلِّ الِاسْتِطْرَاقِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ طَرِيقًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَرْضَ غَرْسٍ وَزِرَاعَةٍ فَهَذَا وَشِبْهُهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدَ فَتْحِ بَابٍ جَدِيدٍ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْوِيغِهِ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«لَوْلَا حَدَثَانِ عَهْدِ قَوْمك بِالْكُفْرِ لَجَعَلْت لِلْكَعْبَةِ بَابَيْنِ» قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: وَهَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْوَذِيِّ فِي النَّهْيِ عَنْ إيطَانِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي أَنْ يُتَّخَذَ وَطَنًا يَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا يَتَّخِذُ مِنْهُ مَوْضِعًا فَقَدْ بَنَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا مِنْ طِينٍ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَهَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْعِلْمِ مِنْ سُنَنِهِ وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِحَدِيثِ الْكَعْبَةِ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَيْنِ كَانَا فِي زَمَنِ إبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَفَتْحُ الثَّانِي لِرَدِّ مَا كَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ ذَلِكَ عَنْ هَدْمِ شَيْءٍ لِأَجْلِ الْفَتْحِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَكَانِ الْمَوْقُوفِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْوَقْفِ فِيهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَتْحُ بِانْتِزَاعِ حِجَارَةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي طَرَفِ الْحِجْرِ مِنْ الْمَكَانِ فَلَا بَأْسَ اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَتْحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَابٍ جَدِيدٍ فِي الْحَرَمِ إذَا ضَاقَتْ أَبْوَابُهُ مِنْ ازْدِحَامِ النَّاسِ وَنَحْوِهِمْ فَفُتِحَ فِيهِ بَابٌ آخَرَ لِيَتَّسِعُوا هـ. كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ. وَسُقْته مَعَ طُولِهِ لِأُبَيِّنَ مَا فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَقِبَ كَلَامِ السُّبْكِيّ مِنْ مَنْعِ فَتْحِ بَابٍ مِنْ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الْمُتَلَاصِقَةِ إلَى الْآخَرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ إلَخْ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ جَعْلِهِمْ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ كَالْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ فِي الْقُدْوَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَشْهَدُ لَهُ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ وَنَحْوَهُ أَحْكَامٌ لَا يَعُودُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَلَى تِلْكَ الْمَسَاجِدِ بِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْفَتْحُ فِي جُدْرَانِهَا فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا أَيَّ ضَرَرٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمُسَوِّغٍ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا إلَى الْفَتْحِ فَاتُّجِهَ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ لَا الزَّرْكَشِيُّ وَأَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ لَا يَشْهَدُ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ عَقِبَ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ دَلِيلٌ إلَخْ هُوَ كَمَا قَالَهُ وَقَوْلُهُ وَيَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى مَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِهِ إشْكَالٌ إلَخْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّا وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ لَا يَلْزَمُ عَلَى سَدِّهَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْمَحْذُورَ لَيْسَ هُوَ كُلَّ تَغْيِيرٍ، بَلْ تَغْيِيرٌ يُؤَدِّي إلَى زَوَالِ الِاسْمِ وَالْجِنْسِ كَمَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وَمِنْ الْجَلِيِّ أَنَّ سَدَّ الْأَبْوَابِ لِحَاجَةٍ اقْتَضَتْهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ التَّغْيِيرِ الْمُمْتَنِعِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ إلَخْ يُقَالُ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً حَالَ قَوْلِيَّةٍ وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِيهَا يَقْتَضِي عُمُومَهَا إلَّا أَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّهُ
يُسْتَنْبَطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ فِي صَحْنِهَا إذْ يَبْعُدُ كُلَّ الْبَعْدِ فَتْحُهَا فِي حَيَاتِهِ مَعَ عَدَمِ إذْنِهِ وَبِفَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فَتَقْرِيرُهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِسَدِّهَا دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى
لَكِنَّا عَمِلْنَا بِالْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَقَيَّدْنَاهُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ احْتِرَامَ الْوَقْفِ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ حُرٌّ يَمْلِك فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فَلَا يَكْتَفِي بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَاتَّضَحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ بِالْمَسْجِدِ أَوْ الْعَامَّةِ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَحَقَّقُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَلَمْ نُجَوِّزْهُ إلَّا بِهَا، وَقَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ إلَخْ هَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ، وَقَوْلُهُ: فَالْأَقْرَبُ إلَخْ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته أَوَّلًا وَفِي رَدِّ قَوْلِهِ: لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ فَتْحِ بَابٍ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ إلَخْ، وَقَوْله: وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ إلَخْ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَاعْتِرَاضُ الزَّرْكَشِيّ اسْتِدْلَالَهُ بِحَدِيثِ: لَوْلَا قَوْمُك إلَخْ. يُرَدُّ بِأَنَّ رَدَّهَا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَظَرِهِ اقْتَضَتْ جَوَازَ الْفَتْحِ فِي جِدَارِهَا فَأُخِذَ مِنْهُ جَوَازُ الْفَتْحِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إلَخْ هُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ، لَكِنْ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَلِلْأَذْرَعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَقْفِ اخْتِيَارٌ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ تَوَسُّطِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَكَرِهِ لِيُسْتَفَادَ قَالَ الْقَاضِي: لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَغْرِسُوا فِي أَرْضِ الْوَقْفِ هَلْ لَهُمْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ
لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ شَرْطِ الْوَاقِفِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ إلَّا أَنْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا بِجَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ تَحْكِيرِ الْأَرْضِ لِيَبْنِيَ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا مَا كَانَ بُسْتَانًا لَا يُجْعَلُ حِكْرًا وَمَا كَانَ حِكْرًا لَا يُجْعَلُ بُسْتَانًا وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ مَعَ إطْلَاقِ الْوَاقِفِ وَعَدَمِ مَنْعِهِ مِنْهُ، وَلَا كَانَ هُنَاكَ اسْمٌ تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَقَفَ بُسْتَانًا فَانْقَلَعَ شَجَرُهُ لَمْ يَجُزْ إيجَارُهُ لِلْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ الِاسْمِ الَّذِي وَرَدَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ كَمَا لَا تُجْعَلُ الدَّارُ حَوَانِيتَ وَلَا حَمَّامًا فَإِنَّا نُحَافِظُ عَلَى أَنَّ مَعَالِمَ الْوَقْفِ لَا تُغَيَّرُ اهـ.
وَيَطْرُقُ هَذَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَقْوَى الْجَوَازُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ التَّغْيِيرَ مَا لَمْ يَصُدَّ عَنْهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ إذْ غَرَضُ الْوَاقِفِ الِاسْتِعْمَالُ وَتَكْثِيرُ الرَّيْعِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ لَا مُسَمَّى الْبُسْتَانِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ قَالَ الْقَفَّالُ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَقَاصِدِ الْوَاقِفِينَ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَجْزِمُ بِأَنَّ غَرَضَهُ تَوْفِيرُ الرَّيْعِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، وَقَدْ يَحْدُثُ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ مَصَالِحُ لَمْ تَظْهَرْ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَتَظْهَرُ الْغِبْطَةُ فِي شَيْءٍ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ أُطْلِعَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ فَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ فِعْلُهُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَظُمَتْ الْأُجْرَةُ وَتَضَاعَفَتْ الْفَائِدَةُ، وَالتَّسْمِيَةُ بِالدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ غَالِبًا التَّعْرِيفُ لِإِبْقَاءِ الِاسْم مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ الظَّاهِرَةِ فِي غَيْرِهِ ظُهُورًا عَظِيمًا، كَدَارٍ ظَهْرُهَا مُجَاوِرٌ لِسُوقٍ أُخِذَتْ أُجْرَتُهَا فِي الشَّهْر عَشَرَةً مَثَلًا، وَلَوْ عُمِلَتْ حَوَانِيتَ فَبَلَغَتْ مِائَةً أَوْ مِائَتَيْنِ مَعَ خِفَّةِ عِمَارَتِهَا وَمَرَمَّتِهَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنًى لِلْجُمُودِ عَلَى بَقَاءِ اسْمِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ مِنْ الْوَاقِفِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الشُّرُوطِيِّ وَقْفُ جَمِيعِ الدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ لِلتَّعْرِيفِ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ وَجْهَيْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْأَوَّلُ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْغَرْسِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِبِلَادِ الشَّامِ فِي قُرَى الِاسْتِغْلَالِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ سبحانه وتعالى وَتَوْفِيقِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنِّي، وَأَكْثَرُ الْوَاقِفِينَ يَقُولُ فِي شَرْطِهِ وَعَلَى النَّاظِرِ فِعْلُ مَا فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَزِيدُ لِغَلَّاتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ.
كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَهُوَ مُصَرَّحٌ فِيهِ كَمَا تَرَى بِأَنَّ اخْتِيَارَهُ هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ إذْ الْمَذْهَبُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ مَتَى أَدَّى التَّغْيِيرُ إلَى تَغْيِيرِ الِاسْمِ مَعَ الْجِنْسِ كَأَنْ يَجْعَلَ الدَّارَ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا امْتَنَعَ، بِخِلَافِ جَعْلِ حَانُوتِ الْحَدَّادِ حَانُوتَ قَصَّارٍ لِبَقَاءِ الِاسْم، وَإِنَّمَا الْمُتَغَيِّرُ النَّوْعُ دُونَ الْجِنْسِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْجَحَ مِنْ وَجْهَيْ الْقَاضِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا تَرْجِيحُ السُّبْكِيّ
وَالْأَذْرَعِيِّ كَمَا عَلِمْت، الثَّانِي: أَنَّ نَصَّ الْوَاقِفِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلسُّكْنَى أَوْ الزَّرْعِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَرْجِيحُ السُّبْكِيّ وَالْأَوَّلُ إنْ أَطْلَقَ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهَا بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا بِجَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَرْجِيحُ الْأَذْرَعِيِّ وَفِي الْخَادِمِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي: لَا يَجُوزُ جَعْلُ الْأَرْضِ الْقَرَاحِ دَارًا وَلَا بُسْتَانًا، فَإِنْ فَعَلَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَا كَانَ قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَعَدَّى ذَلِكَ إلَى مَا لَوْ خَرِبَ وَعَمَّرَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْضَ الْمُحْكَرَةَ إذَا خَرِبَ بِنَاؤُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِي عَلَيْهَا إلَّا نَظِيرَ مَا كَانَ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ عُلِمَ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ مِنْ زِيَادَةِ مَرَافِقَ وَمَسَاكِنَ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مُمْتَنِعٌ فَلَا مَحْذُورَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَحْذُورٌ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. الثَّانِي: مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ مِنْ هَدْمِ الْمُسْتَأْجِرِ وَبِنَائِهِ وَأَنَّهُ هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ أَوْ النَّاظِرِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ فَيَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ وَأَرْشُ مَا هَدَمَهُ بِأَنْ يَقُومَ قَائِمًا مَبْنِيًّا ثُمَّ مُنْهَدِمًا وَيَنْظُرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِيُصْرَفَ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ، الثَّالِثُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا عَمَّرَ فِي الْوَقْفِ هَلْ يَرْجِعُ بِأَنْقَاضِهِ أَوْ بَدَلِهَا أَوْ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا؟ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ
وَإِنْ انْهَدَمَ مَا عَمَّرَهُ وَتَمَيَّزَتْ أَنْقَاضُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِمَّا صَرَفَهُ بِغَيْرِ إذْنِ النَّاظِرِ وَالْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَمَّرَ لِامْتِنَاعِ النَّاظِرِ مِنْ الْعِمَارَةِ، نَعَمْ إنْ عُدِمَا أَعْنِي النَّاظِرُ وَالْحَاكِمُ أَوْ غَابَا وَاضْطُرَّ إلَى الْعِمَارَةِ فَعَمَّرَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، رَجَعَ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي هَرَبِ الْجَمَّالِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مَا صَرَفَهُ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا السَّائِغُ فَيَرْجِعُ بِهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا صَرَفَهُ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَعْيَانُ مَا لَهُ مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ انْهَدَمَتْ وَتَمَيَّزَتْ عَنْ الْوَقْفِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ أَوْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الْوَقْفِ مُخْتَلِطَةً بِأَنْقَاضِهِ؟ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَصَارِيفِ كَأَجْرِ الْبَنَّائِينَ وَنَحْوِهِمْ أَنَّ تِلْكَ الْأُجَرَ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ آذِنًا لَهُمْ فِي إتْلَافِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْإِذْنِ وَلَا عَلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَبَرِّعِ بِهَا، وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ لَا تَخْرُج عَنْ مِلْكِهِ إلَّا بِلَفْظٍ وَلَمْ يُوجَدْ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَا قُلْته أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ الثَّانِي قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّهُمَا ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْفَارِقِيّ إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي مَوَاتٍ صَارَ مَسْجِدًا بِالْبِنَاءِ وَالنِّيَّةِ، وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوْضِعِهَا وَهِيَ قَبْلَهُ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَتَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَوْ بَنِي بَعْضَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إتْمَامِهِ وَلَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ أَمْ لَا.
قَالَ الْقَمُولِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَفِي قَوْلِهِ تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي تَوَقُّفُهُ عَلَى قَبُولِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَقَبْضُهُ اهـ. وَلَمْ يُنَازِعَاهُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْقَبُولِ مَعَ قَبُولِهِ لِلْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا إقْرَارٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ أَوْ كِنَايَةِ هِبَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كِنَايَةُ هِبَةٍ وَأَنَّهُ نَوَاهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْبُقْعَةَ تَقْدِيرًا وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ لِلسَّبِيلِ وَمَا يَحْيَى بِقَصْدِ تَسْبِيلِهِ مَقْبَرَةً، وَنَحْوُ ذَلِكَ قُلْته تَخْرِيجًا اهـ. وَوَجْه السُّبْكِيّ خُرُوجُ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا الْمُتَوَقَّفِ وُجُودِ الْوَقْفِ فِيهَا عَلَى اللَّفْظِ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ النِّيَّةُ بِأَنَّ الْمَوَاتَ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ مَنْ أَحْيَاهُ مَسْجِدًا، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى اللَّفْظِ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ عَنْهُ وَصَارَ لِلْبِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ تَبَعًا اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ بَنِي فِي الْمَوَاتِ وَنِيَّتُهُ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ كَانَتْ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ وَالنِّيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَالْبُلْقِينِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ مِنْ إجْرَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبَطِ وَالْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ لِلسَّبِيلِ وَالْمَقْبَرَةِ الْمُحْيَاةِ فِي الْمَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ
الرَّافِعِيِّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت مِنْهُ أَنَّهُمْ مُطْبَقُونَ عَلَى أَنَّ آلَاتِ الْعِمَارَةِ لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ بَانِيهَا مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ نَائِبًا فِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ إلَّا بِاللَّفْظِ وَلَا تُغْنِي عَنْهُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ
وَهُمْ لَمْ يُسْتَثْنَوْا مِنْ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ فِي الْوَقْفِ إلَّا هَذِهِ الصُّورَةَ، وَحِينَئِذٍ فَالْآلَاتُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ بَانِيهَا الْمُتَعَدِّي بِبِنَائِهَا فَلْتَكُنْ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِهِ وَإِنْ نَوَى بِوَضْعِهَا الْوَقْفَ أَوْ التَّبَرُّعَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يُكْتَفَى بِهَا وَحْدَهَا إلَّا فِي صُورَةِ الْمَوَاتِ، وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ أَيْضًا فِيمَا قُلْته مِنْ بَقَاءِ الْآلَةِ عَلَى مِلْكِهِ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ: إذَا عَمَّرَ إنْسَانٌ الْمَسْجِدَ الْخَرَابَ وَلَمْ يَقِفْ الْآلَةَ كَانَتْ عَارِيَّةً يَرْجِعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ أَيْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَرْجِعُ فِي آلَتِهِ مَتَى شَاءَ، لَكِنْ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى رُجُوعِهِ هَدْمٌ لِلْمَوْقُوفِ غَرِمَ أَرْشَهُ لِيُعَادَ بِهِ كَمَا كَانَ فَإِنْ قُلْت نَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي كَلَامِ الرُّويَانِيِّ حَيْثُ قَالَ عَقِبَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ اضْرِبْ اللَّبِنَ مِنْ أَرْضِي لِلْمَسْجِدِ فَضَرَّبَهُ وَبَنَى الْمَسْجِدَ صَارَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهِ.
قَالَ: وَلَوْ أَعَارَ الطِّينَ وَالْخَشَبَ لِقَيِّمِ الْمَسْجِدِ لِيَبْنِيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ إذْ مُقْتَضَى الْإِعَارَةِ الِاسْتِرْدَادُ، وَالشَّيْءُ إذَا صَارَ مَسْجِدًا لَا يَجُوزُ اسْتِرْدَادُهُ بِخِلَافِ إعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ فَإِنَّ لَهُ غَايَةً اهـ. قُلْت: ذَلِكَ الْبَعْضُ اسْتَنَدَ فِي نَظَرِهِ إلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُهُ وَأَنْتَ إذَا حَقَّقْت النَّظَرَ فِي قَوْلِ الْبَغَوِيِّ كَالصَّدَقَةِ إلَخْ وَفِي فَرْضِهِ الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ لِلْقَيِّمِ مَا ذُكِرَ وَأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْهِبَةَ نَظِيرَ مَا مَرَّ آنِفًا عَقِبَ كَلَامِ الْقَمُولِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَجَدْته غَيْرَ مُخَالِفٍ لِكَلَامِ الرُّويَانِيِّ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ فِيمَا إذَا بَنَى الْمَسْجِدَ بِآلَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَالْآلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الْمَوَاتِ السَّابِقَةِ إلَّا بِلَفْظِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَأَمَّا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا قَالَ لِلْقَيِّمِ مَا ذُكِرَ، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّمْلِيكِ لِلْمَسْجِدِ وَهُوَ حُرٌّ يَمْلِكُ فَإِذَا قَبَضَهُ نَاظِرُهُ بِأَنْ بَنِي بِهِ فِيهِ مَلَكَهُ الْمَسْجِدُ كَالصَّدَقَةِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ فَعُلِمَ وُضُوحُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ قَدْ يُخَالِفُ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ مُخَالِفٌ لَهُ صَرِيحًا
لَكِنْ لِمُدْرَكٍ يَخُصُّهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَمَسْأَلَةُ السُّؤَالِ إنَّمَا تُشْبِهُ فَرْضَ مَسْأَلَةِ الرُّويَانِيِّ لَا فَرْضَ مَسْأَلَةِ الْبَغَوِيِّ، فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ إيضَاحُ مَا ذَكَرْته أَنَّ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ صَرِيحُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ لَا يُخَالِفُهُ وَلَا يُخَالِفُ مَسْأَلَتَنَا أَيْضًا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا وَلَا عَلَى الرُّويَانِيِّ، وَمِمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته أَيْضًا قَوْلُهُمْ يَصِحُّ وَقْفُ الْمُسْتَأْجِرِ لِمَا بَنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ وَلَوْ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً تَعَيَّنَ الْإِبْقَاءُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَحِلِّهِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّمَا صَارَ الْمَبْنِيُّ فِي عِمَارَةِ الْمَوْقُوفِ وَتَرْمِيمِهِ وَقْفًا بِالْبِنَاءِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِإِنْشَاءِ وَقْفِهِ بِخِلَافِ بَدَلِ الْمَوْقُوفِ إذَا قُتِلَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ، وَالْمَبْنِيُّ بِهِ كَالْوَصْفِ التَّابِعِ بِخِلَافِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّهُ فَاتَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِذَا تَأَمَّلْت كَلَامَهُمْ هَذَا مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ عَلِمْت أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا بَنَى فِي الْمَوْقُوفِ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالنَّاظِرِ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ مَأْذُونِ أَحَدِهِمَا فَبِمُجَرَّدِ بِنَاءِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ يَصِيرُ الْمَبْنِيُّ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ لِوُقُوعِهِ تَابِعًا لِلْمَوْقُوفِ الْمَوْجُودِ مِمَّنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَعَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ فِي بِنَاءِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ فَلَا يَصِيرُ بِنَاؤُهُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ بِنَائِهِ لِمَا عَلِمْت مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لَهُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا بَنَى مُتَعَدِّيًا فِي الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لَا يَخْرُجُ بِنَاؤُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ بِنَائِهِ بَلْ وَلَا بِنِيَّةِ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ قُلْت: صَرَّحُوا فِي غَرْسِ الشَّجَرَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ الْغَارِسِ وَقَالُوا فِيمَا إذَا غَرَسَهَا مُسَبَّلَةً لِلْأَكْلِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ثَمَرِهَا بِلَا عِوَضٍ، وَكَذَا إنْ جُهِلَتْ نِيَّتُهُ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهَا تُغْرَسُ مُسَبَّلَةً لِلْأَكْلِ، فَمَا بَالُ النِّيَّةِ أَثَّرَتْ هُنَا وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي مَسْأَلَتِنَا قُلْت: مَا ذَكَرُوهُ هُنَا مِنْ تَأْثِيرِ النِّيَّةِ وَحْدَهَا مُشْكِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِإِشْكَالِهِ
الْإِسْنَوِيُّ فَقَالَ: كَيْف يَخْرُجُ الْمَغْرُوسُ عَنْ مِلْكِ الْغَارِسِ بِلَا لَفْظٍ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ بَنَى مَسْجِدًا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْقَصْدِ أَيْ: فِي غَيْرِ الْمَوَاتِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَا لَا يَشْفِي فَقَالَ: الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ قَدْ يَكْتَفِي بِهَا هُنَا، وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْتَارُ جَوَازَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَاطَاةٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ هُنَا إذَا جَوَّزْنَا الْغَرْسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إلَّا التَّبَرُّعَ لِلْمَسْجِدِ وَالْمُسْلِمِينَ الْمُصَلِّينَ بِالِاسْتِظْلَالِ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ مَنْ وَضَعَ خَابِيَةً عَلَى الطَّرِيقِ وَكِيزَانًا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّسْبِيلَ لِلْمَاءِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الِاكْتِفَاءُ بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْأَكْلِ مَعَ جَهْلِ نِيَّةِ الْغَارِسِ وَلَا كَلَامَ لَنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي أَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ غَرَسَهَا بِنِيَّةِ التَّسْبِيلِ لِلْأَكْلِ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَجَازَ الْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا بِلَا عِوَضٍ وَبِهَذَا يَظْهَرُ انْدِفَاعُ قَوْلِهِ: وَالنَّوَوِيُّ يَخْتَارُ إلَخْ وَأَيُّ جَامِعٍ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ الْمُعَاطَاةِ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا فِي الْمُعَاطَاةِ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَتَنَا بِوَجْهٍ. وَإِنَّ قُلْنَا: إنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ مَعَ السُّكُوتِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَحْكِيمًا لِلْقَرِينَةِ فَفِيهِ نَوْعُ شَبَهٍ بِمَسْأَلَتِنَا، لَكِنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ الْمُعَاطَاةِ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ فِي الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ اللَّفْظِ.
وَقَوْلُهُ وَلَا خَفَاءَ إلَخْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِلشُّرْبِ، وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ نَظِيرُ مَا سَبَقَ آنِفًا مِنْ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ اكْتِفَائِهِمْ بِالنِّيَّةِ فِي نَحْوِ الْغَرْسِ لِلتَّسْبِيلِ أَنَّهُمْ سَامَحُوا فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ الْمُسَامَحَةِ مِنْ النَّاسِ فِي جِنْسِهَا بِمَا لَمْ يُسَامِحُوا بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِ الْمُشَاحَّةِ فِيهَا فَاكْتَفَوْا فِي خُرُوجِ الْأُولَى عَنْ الْمِلْكِ بِالنِّيَّةِ وَاشْتَرَطُوا لِخُرُوجِ الثَّانِيَةِ عَنْ مِلْكِ اللَّفْظِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا بَنَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْأَنْقَاضِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَطَلَبِهِ فَالظَّاهِرُ كَمَا يَأْتِي أَنَّا نُمَكِّنُهُ مِنْ أَخْذِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَغْرَمَ أَرْشَ مَا هَدَمَهُ مِنْ بِنَاءِ الْوَقْفِ لِيُعَادَ الْوَقْفُ بِذَلِكَ الْأَرْشِ كَمَا كَانَ، فَإِنْ كَانَ مَا يُرِيدُ هَدْمَهُ هُوَ الَّذِي عَمَّرَهُ كُلَّهُ مِنْ مَالِهِ مُتَعَدِّيًا فَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِلْهَدْمِ. الرَّابِعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى هَدْمِ الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَادِثَةِ وَعَلَى عَوْدِ الْوَقْفِ عَلَى هَيْئَتِهِ إلَخْ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْهَدْمِ إلَّا إذَا طَلَبَ أَنْقَاضَهُ فَحِينَئِذٍ يُمَكَّنُ مِنْهُ بِشَرْطِ غُرْمِهِ لِلْأَرْشِ هَذَا إنْ لَمْ يُغَيِّرْ هَيْئَةَ الْوَقْفِ الْمُمْتَنِعِ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى هَدْمِ جَمِيعِ مَا حَصَلَ بِهِ بِذَلِكَ التَّغَيُّرِ وَأَخَذَ مِنْهُ أَرْشَهُ وَيَلْزَمُ النَّاظِرَ رَدُّهُ بِهِ إلَى مَا كَانَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَقَدَّمْته عَنْهُمَا فِي أَوَاخِرِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. الْخَامِسُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَنَى مُتَعَدِّيًا وَاخْتَلَطَتْ أَنْقَاضُهُ بِأَنْقَاضِ الْوَقْف وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ وَطَلَبَ أَخْذَ أَنْقَاضِهِ فَهَلْ يُجَابُ إلَى الْهَدْمِ ثُمَّ يَجْتَهِدُ وَيَأْخُذُ أَنْقَاضَهُ وَيَغْرَمُ أَرْشَ الْهَدْمِ أَوْ لَا؟ يُجَابُ إلَيْهِ وَيُجْبَرُ عَلَى تَعْيِينِ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلِ أَنْقَاضِهِ وَيَأْخُذُهَا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ صِيَانَةً لِلْوَقْفِ عَنْ الْهَدْمِ أَوْ يَمْلِكُ الْكُلَّ وَيَلْزَمُهُ الْبَدَلُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ ثُمَّ رَأَيْتنِي سَبَقَ مِنِّي فِي جَوَابِ سُؤَالٍ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ أَنِّي قُلْت:
وَإِذَا تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِر بِخَلْطِ أَنْقَاضِهِ بِأَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُمَلَّكُ أَنْقَاضَ الْوَقْفِ وَيَلْزَمُهُ بَدَلُهَا مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ فَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِلَا تَعَدٍّ صَارَتْ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا اهـ. وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ مِنْ وَاحِدٍ وَكَذَا مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْمَعْرُوفُ عِنْد الشَّافِعِيَّةِ وَأَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْهَالِكِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِمَالِهِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ كَانَ كَالْهَالِكِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَبَدًا أَشْبَهَ التَّالِفَ؛ وَلِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ مُشْتَرَكًا احْتَجْنَا لِلْبَيْعِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَا يَصِلُ الْمَالِكُ لِعَيْنِ حَقِّهِ وَلَا لِمِثْلِهِ.
وَالْمِثْلُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الثَّمَنِ فَانْتَقَلَ إلَى ذِمَّتِهِ وَمِلْكُ الْمَغْصُوبِ الَّذِي خَلَطَهُ بِمِلْكِهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْمَغْصُوبِ إلَّا بَعْدَ إعْطَاءِ مَالِكِهِ مِثْلَ الْمَغْصُوبِ وَبِقَوْلِنَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ فَارَقَ هَذَا مَا مَرَّ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَوْ غَصَبَ مَالَ اثْنَيْنِ وَخَلَطَهُ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ خَلْطِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ وَلَهُ دَفْعُ الْبَدَلِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ وَكَذَا مِنْهُ إنْ
كَانَ كَالْمَغْصُوبِ أَوْ أَجْوَدَ لَا دُونَهُ إلَّا بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ. وَقَوْلُهُمْ: لَوْ انْصَبَّ زَيْتُ رَجُلٍ عَلَى زَيْتِ غَيْرِهِ أَوْ خَلَطَاهُ اشْتَرَكَا فِيهِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي فَإِنْ تَمَاثَلَا اقْتَسَمَاهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ فَأَعْطَى صَاحِبُ الْأَجْوَدِ شَرِيكَهُ قَدْرَ مِلْكِهِ مِنْ الْمَخْلُوطِ وَجَبَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ عَيْنُ حَقِّهِ.
وَبَعْضَهُ خَيْرٌ مِنْهُ وَلِصَاحِبِ الْأَجْوَدِ قَبُولُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى بِيعَ الْكُلُّ وَتَقَاسَمَا الثَّمَنَ بِنِسْبَةِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ الْمَخْلُوطِ بِنِسْبَتِهَا لِلتَّفَاضُلِ فِي الْكَيْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ مَنْ انْصَبَّ عَلَى مَالِهِ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ أَوْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَغْصُوبُ وَقْفًا وَأَنْ يَكُونَ مِلْكًا. وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُهُمْ الْمِلْكَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَبَدًا أَشْبَهَ التَّالِفَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ إذَا خَلَطَ آلَاتِهِ بِأَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَبَنَى بِالْجَمِيعِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ كَانَ الْكُلُّ مِلْكَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ هَدْمُهُ وَأَخْذُهُ بَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتْرُكْهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ إذْ يَلْزَمُ نَاظِرَهُ حِينَئِذٍ قَبُولُهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ يَعُودُ مِنْهُ عَلَى الْوَقْفِ ثُمَّ يَغْرَمُ لِلْوَقْفِ بَدَلَ أَنْقَاضِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ هَدَمَهَا لَزِمَهُ أَرْشُهَا أَيْضًا، وَيَصْرِفُ النَّاظِرُ ذَلِكَ فِي بِنَاءٍ مِثْلِ الْمَهْدُومِ.
وَتَلْزَمُهُ أَيْضًا الْأُجْرَةُ لِمُدَّةِ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ بِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ مَلَكَ الْكُلَّ فَهُوَ مِنْ يَوْمئِذٍ مُسْتَعْمِلٌ لِأَرْضِ الْوَقْفِ فِي مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مُدَّةِ بَقَائِهِ فِيهَا وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا تَسْوِيَتُهَا وَأَرْشُ نَقْصهَا إنْ نَقَصَهَا بِنَاؤُهُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ كَمَا تَقَرَّرَ، فَإِنْ بَنَى بِالْجَمِيعِ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ التَّمْيِيزُ وَحَكَمْنَا بِبَقَاءِ آلَاتِهِ الْحَادِثَةِ عَلَى مِلْكِهِ وَطَلَب أَخْذَ مِلْكِهِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُجَابُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْهَدْمِ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ مِنْ فِعْلِهِ فَهُوَ لَمْ يُفَوَّتْ بِالْهَدْمِ شَيْئًا مَمْلُوكًا لِلْوَقْفِ نَعَمْ يَلْزَمُهُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَأَرْضِهِ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْبِنَاءِ ثُمَّ الْهَدْمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ السَّادِسِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْأَنْقَاضِ الْقَدِيمَةِ.
وَالْحَادِثَةِ وَمَيَّزَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ أَوْ لَا؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْآنِيَةِ فِيمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ لِغَيْرِهِ بِحَمَامٍ لَهُ أَنَّهُ لَهُ أَكْلُهُ بِالِاجْتِهَادِ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرِ بِثَمَرِهِ وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ فَمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً مِنْهُ حَتَّى يُصَالِحَ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بَعْدَ الْأَوَّلِ.
وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَيُوَافِقُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْقَاضِي لَوْ اشْتَبَهَتْ غَنَمُهُ أَوْ طُيُورُهُ بِغَنَمِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ طُيُورِهِمْ أَوْ رَحْلُهُ بِرِحَالِهِمْ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ، فَإِنْ نَازَعَهُ ذُو الْيَدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: إذَا خَرِبَتْ مَحَلَّةٌ وَاشْتَبَهَتْ جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَخْذُ مِلْكِهِ بِالتَّحَرِّي كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ بِحَمَامِ الْغَيْرِ، وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ وَنَازَعَهُ النَّاظِرُ فَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لِلْمُسْتَأْجِرِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَوْ لِلنَّاظِرِ صُدِّقَ هُوَ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته آخِرَ الْخَامِسِ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يُجَابُ لِلْهَدْمِ، وَعِبَارَةُ فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ وَقَفَ جَامِعًا عَلَى قَوْمٍ فَانْهَدَمَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْآلَةِ شَيْءٌ فَأَجَرَ الْمُتَوَلِّي عَرْصَتَهُ مِنْ إنْسَانٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِيَبْنِيَ فِيهَا فَبَنَى، ثُمَّ إنَّ الْبَانِي وَقَفَ عِمَارَتَهُ عَلَى آخَرِينَ غَيْرِ الْأَوَّلِينَ قَالَ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَدْخَلَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ آلَاتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهَا وَيَضْمَنَ أَرْشَ النُّقْصَانِ الَّذِي دَخَلَ الْأَرْضَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقَلْعَ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ مَا دَامَ بِنَاؤُهُ فِيهَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْعَرْصَةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْوَقْفِ الْأَوَّلِ اهـ.
الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَدْخَلَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ آلَاتِهِ إلَخْ تَجِدْهُ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرْته فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ يُنَافِي مَا قَدَّمْته أَنَّ مَا عَمَّرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ قُلْت: هَذَا فَرْعُهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ، وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ وَقْفِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ الْمُسْتَعَارَةِ، سَوَاءٌ الْمَمْلُوكَةُ وَالْمَوْقُوفَةُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَبَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: فَتَكُونُ الْعِمَارَةُ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا بِالْوَقْفِ لَا تَنْسَلِخُ عَنْ أَحْكَامِ
الْوَقْفِ الْأَوَّلِ مِنْ لُزُومِ أُجْرَتِهَا لِمُصَرِّفِهِ؛ لِأَنَّ وَقْفَهَا عَلَى غَيْرِ مُصَرِّفِهِ بَاطِلٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ، وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَزِمَ بَقَاءُ الْعِمَارَةِ عَلَى حُكْمِهَا الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ مَالِكَهَا يَغْرَمُ أُجْرَةَ مَحِلِّهَا لِمُصَرِّفِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّ مِثْل الْبَغَوِيِّ يَقُولُ بِأَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَرْصَةً مَوْقُوفَةً لِلْبِنَاءِ فِيهَا أَنَّ بِنَاءَهُ يَصِيرُ وَقْفًا قَهْرًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي وَضْعَ الْإِجَارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَئِمَّةَ مُطْبِقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا يُعْلَمُ مَنْ بَابَيْ الْإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ آنِفًا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ بِقَوْلِي: وَالْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ إلَخْ فَإِنْ قُلْت: إذَا أَرَادَ النَّاظِرُ أَنْ يَتَمَلَّكَ لِلْوَقْفِ آلَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُخْتَلِطَةَ بِآلَاتِ الْوَقْفِ الَّتِي يُمْكِنُ تَمْيِيزُهَا فَلِمَ لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ؟ قُلْت: الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّ تَخْيِيرَ الْمُؤَجِّرِ بَيْن التَّمَلُّكِ وَالْقَلْعِ مَجَّانًا وَالتَّبْقِيَةِ بِالْأُجْرَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ اخْتِيَارِ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَلْعَ، أَمَّا إذَا اخْتَارَهُ فَإِنَّهُ يَقْلَعُ وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ وَالتَّسْوِيَةُ لِلْأَرْضِ وَلَا يُجَابُ الْمُؤَجِّرُ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَرْضُ الْوَقْفُ وَالْمِلْكُ. (فَائِدَةٌ) لَوْ أَرَادَ النَّاظِرُ بَعْدَ الْمُدَّةِ الْقَلْعَ وَغَرِمَ الْأَرْشَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَمْ يَقْتَضِهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ لِلْإِبْقَاءِ وَكَانَ يَتَغَيَّرُ بِهِ مَقْصُودُ الْوَقْفِ مِنْ بَقَاءِ الْأَرْضِ مَكْشُوفَةً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الصَّحَابَةَ بِسَدِّ أَبْوَابِهِمْ النَّافِذَةِ إلَى مَسْجِدِهِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ رَوَاهُ وَمَا حُكْمُ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ؟
(فَأَجَابَ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بَلْ بَلَغَتْ طُرُقُهُ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَمَا بَيَّنَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ شَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَهُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَسَنَدُهَا حَسَنٌ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بَكَى إذْ سَمِعَ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ إلَخْ قَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم: عَلَى رِسْلِك أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ وَذَاتِ الْيَدِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَإِنِّي رَأَيْت عَلَيْهِ نُورًا.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ اُنْظُرُوا إلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ اللَّاصِقَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدِي فِي الصُّحْبَةِ مِنْهُ.» قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْأُخْرَى الْكَثِيرَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ أَيْضًا الْمُصَرِّحَةُ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا حَتَّى بَابِ أَبِي بَكْرٍ إلَّا بَابَ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ فَقَضِيَّةُ عَلِيٍّ رضي الله عنه كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً وَهِيَ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ، وَقَدْ كَانَ أَذِنَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه أَنْ يَمُرَّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ.
وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهَا رِوَايَةُ الْبَزَّارِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: انْطَلِقْ فَمُرْهُمْ أَنْ يَسُدُّوا أَبْوَابَهُمْ فَانْطَلَقْت فَقُلْت لَهُمْ فَفَعَلُوا إلَّا حَمْزَةَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ فَعَلُوا إلَّا حَمْزَةَ فَقَالَ: قُلْ لِحَمْزَةَ فَلْيُحَوِّلْ بَابَهُ فَقُلْت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُك أَنْ تُحَوِّلَ بَابَك فَحَوَّلَهُ.» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ وَاقِعَةَ عَلِيٍّ رضي الله عنه كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَضِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مُتَأَخِّرَةٌ فِي مَرَضِ الْوَفَاةِ فِي سَدِّ طَاقَاتٍ كَانُوا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا وَهِيَ الْخَوْخُ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: قَضِيَّةُ عَلِيٍّ فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ، وَأَمَّا سَدُّ الْخَوْخِ فَالْمُرَادُ بِهَا طَاقَاتٌ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا فَأَمَرَ بِسَدِّهَا إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَفِي ذَلِكَ أَشَارَّة إلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَسْجِدِ كَثِيرًا.
وَعُلِمَ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ الْمُتَوَاتِرَةِ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ فَتْحِ بَابِ شَارِعٍ إلَى مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ حَتَّى لِأَبِي بَكْرٍ وَالْعَبَّاسِ إلَّا لِعَلِيٍّ رضي الله عنه لِمَكَانِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ وَمِنْ فَتْحِ خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ طَاقَةٍ أَوْ كُوَّةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ حَتَّى لِعُمَرَ رضي الله عنه إلَّا لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه خَاصَّةً لِمَكَانِ الْخِلَافَةِ وَلِكَوْنِهِ أَفْضَلَ النَّاسِ يَدًا عِنْدَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْأَحَادِيثِ وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ أَحَدٍ عَلَيْهِ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه اسْتَأْذَنَ فِي كَوَّةٍ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَالْعَبَّاسَ رضي الله عنه فِي فَتْحِ بَابٍ
صَغِيرٍ بِقَدْرِ مَا يَخْرُج مِنْهُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَسُدَّ مَا سَدَّ وَلَمْ يَفْتَحْ مَا فَتَحَ إلَّا بِأَمْرٍ مِنْ رَبِّهِ عز وجل، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي آخِرِ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَهِدَهُ لِأَمَتِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ فَوَجَبَ اسْتِمْرَارُ حُرْمَتِهِ وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِلْإِمَامِ فِيهِ لِنَصِّهِ عَلَى مَنْعِهِ، وَإِسْنَادُهُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَيْهِ وَلَا نَظَرَ لِتَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْمَسْجِدِ وَجُدُرِهِ وَالزِّيَادَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْفَتْحِ مَنُوطَةٌ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِتِلْكَ الْجُدُرِ بِعَيْنِهَا وَمِنْ ثَمَّ وُسِّعَ مَرَّاتٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى فَتْحِ شَيْءٍ فِيهِ
قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوَ مَا مَرَّ: أَكْثَرُ مُفْتِيِّ عَصْرِنَا أَفْتَوْا بِجَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ وَالْكُوَّةِ وَالشُّبَّاكِ مِنْ دَارٍ بُنِيَتْ مُلَاصِقَةً لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتِرْوَاحًا وَعَدَمَ وُقُوفٍ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رُوجِعَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مُسْتَنَدِهِ فِيمَا أُفْتِيَ بِهِ فَأَبْدَوْا شُبَهًا كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَنَقُولُ بِالْجَوَازِ اسْتِحْسَانًا حَيْثُ لَا ضَرَرَ، وَجَوَابُهُ: لَا اسْتِحْسَانَ يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْمَنْعِ.
وَإِذَا مُنِعَ عُمَرُ رضي الله عنه مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ يَنْظُرُ مِنْهَا حِينَ يَخْرُجُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَنْهَدِمُ الْحَائِطُ كُلُّهُ؟ بَلْ أَقُولُ: لَوْ أُعِيدَ حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَبُنِيَ خَلْفَهُ جِدَارٌ أَطْوَلُ مِنْهُ، وَفُتِحَ فِي أَعْلَاهُ كُوَّةٌ يُطَّلَعُ مِنْهَا إلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي الْمَنْعُ احْتِيَاطًا.
فَإِنْ انْضَمَّ لِذَلِكَ أَنَّ الشَّبَابِيكَ تَصِيرُ مُعَدَّةً لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا مُرْتَفِعًا وَالْقَبْرُ الشَّرِيفُ تَحْته فَهَذَا أَشَدُّ وَأَشَدُّ، وَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَحَرِّكٍ الِاحْتِيَاطُ لِدِينِهِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَأَنَّهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِيهِ بَعْدَ نَصِّهِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ وَإِفْتَاءَ الْمُفْتِي بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ يُرَدُّ، وَالتَّوَصُّلُ إلَى خِلَافَةِ بِالْحِيَلِ الْفَاسِدَةِ كَجَعْلِهِ فِي غَيْرِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ سبحانه وتعالى بِأَدْنَى الْحِيَلِ» ، وَمِنْهَا الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ رَأَى النَّاظِرُ ذَلِكَ وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ، فَقَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى تَمْيِيزِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْأَمْرُ مَنُوطٌ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِ الْإِمَامِ. وَجَوَابُهُ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ النَّصِّ وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الْمَانِعَةُ مَخْصُوصَةٌ بِزَمَنِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدِهَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ، ثَانِيهَا أَنَّ الْقِصَّةَ أَمَرَ بِهَا صلى الله عليه وسلم هَذَا أَوَاخِرُ حَيَاتِهِ إذْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إلَّا دُونَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَرْعٌ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثَالِثِهَا لَوْ كَانَ التَّخْصِيصُ مُرَادَ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا كَانَ مُؤَخَّرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ آخِرُ جَلْسَةٍ جَلَسَهَا لِلنَّاسِ، رَابِعِهَا اسْتِمْرَارُ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوهُ شَرْعًا مُؤَبَّدًا، خَامِسِهَا يُقَالُ لِزَاعِمِ التَّخْصِيصِ مَا وَجْهُ مَنْعِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ وَالْإِذْنُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَالصَّحَابَةُ أَجَلُّ وَأَحَقُّ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَهَلْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِ الْقَرْنِ الْأَرْذَلِ مَا مُنِعَ مِنْهُ أَشْرَفُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهُمْ؟ مَعَاذَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْمَنْعُ مَخْصُوصٌ بِجِدَارِهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُدِمَ وَأُعِيدَ غَيْرُهُ كَانَ مِلْكًا لِلْمُعِيدِ فَيَفْتَحُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يُوقِفَهُ، وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِخُصُوصِ الْجِدَارِ كَمَا فَهِمَ هَذَا الْقَائِلُ بَلْ بِعُمُومِ الْمَسْجِدِ وَقَصْدِهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ لِمَسْجِدِهِ مِنْ بَابِ دَارٍ تُلَاصِقُهُ وَلَا يُطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي دَارٍ تُلَاصِقُهُ، وَالْمُعَادُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
الثَّانِي أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعَلِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ: «اُنْظُرُوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ إلَى الْمَسْجِدِ فَسُدُّوهَا» فَرَتَّبَ الْأَمْرَ بِالسَّدِّ عَلَى وَصْفِ كَوْنِهَا شَوَارِعَ إلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنْ فُتِحَتْ فِي غَيْرِ جِدَارِهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا هَدَمَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ جِدَارَهُ وَأَعَادَاهُ لَمْ يَفْتَحَا فِيهِ شَيْئًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ لَا بِالْجِدَارِ وَإِلَّا لَفَتَحُوا لَهُمْ أَبْوَابًا وَكُوَّاتٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْجِدَارَ مِلْكُ بَانِيهِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ «أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا مَا زِدْت فِيهِ.» .
الرَّابِعِ: إنْ زَعَمَ أَنَّ
الْجِدَارَ الْمُعَادَ مِلْكُ الْمُعِيدِ يُقَال: عَلَيْهِ هَدْمُ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْهَادِمِ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ لَا مِلْكَهُ أَوْ لِمَصْلَحَةٍ فَإِعَادَتُهُ وَاجِبَةٌ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُعَادُ وَقْفًا لَا مِلْكًا.
وَلَوْ ادَّعَاهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ لِلْمَسْجِدِ فَكَذَلِكَ أَوْ عَلَى نِيَّةِ التَّمَلُّكِ لَمْ يَجُزْ.
الْخَامِسِ: أَنَّ الْمُعَادَ إنْ تَمَحَّضَ جِدَارًا لِلْمَسْجِدِ وَجَبَ فَصْلُ الدَّارِ مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ فِي الدَّارِ أَوْ لِلدَّارِ الْمُلَاصِقَةِ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ النَّاظِرِ إعَادَةُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَتْرُكُهُ مَهْدُومًا عَلَى أَنَّ بِنَاءَ جِدَارِ الدَّارِ إنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْمَسْجِدِ هُدِمَ أَوَّلُهَا يُعَادُ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَمَا كَانَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ.
السَّادِسِ: أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «سُدُّوا الْأَبْوَابَ الْمُلَاصِقَةَ فِي الْمَسْجِدِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْحُكْمَ بِجِدَارِهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِاللُّصُوقِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ: كَوْنُهُ مُتَّصِلًا بِهِ فَشَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ بَابٍ لَصِقَ بِهِ مِنْ أَيِّ جِدَارٍ كَانَ.
السَّابِعِ: أَنَّ حَدِيثَ «لَوْ بُنِيَ مَسْجِدِي هَذَا إلَى صَنْعَاءَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يَحْدُثُ فِيهِ بَعْدَهُ كَمَا كَانَ بِزَمَنِهِ فِي الْحُكْمِ فَكَذَا الْجِدَارُ.
الثَّامِنُ: لَوْ قُدِّرَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى احْتِيَاجُ بَعْضِ حِيطَانِ الْكَعْبَةِ إلَى هَدْمٍ وَإِصْلَاحٍ فَهَدَمَهَا الْإِمَامُ وَأَعَادَهَا قِيلَ: الْحَائِطُ الْمُعَادُ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ أَرَادَ حَتَّى يُوَقِّفَهُ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَجِدَارُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَذَلِكَ إذَا الْحَرَمَانِ الشَّرِيفَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَقِيَاسُ الْمَدَنِيِّ عَلَى الْمَكِّيِّ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ، التَّاسِعِ: ذَكَرَ ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ بِيبَرْسَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِمَقْصُورَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَأَنَّهُ أَسَاءَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَجَرَ بِهِ طَائِفَةً مِنْ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّاسِ فِيهَا فَإِذَا حُكِمَ بِإِسَاءَتِهِ بِذَلِكَ مَعَ قَصْدِهِ التَّعْظِيمَ.
وَعَدَمِ نَصٍّ بِالْمَنْعِ فِيهِ فَكَيْفَ يُفْتَحُ بَابٌ أَوْ شُبَّاكٌ مَعَ مَا فِيهِمَا مِنْ عَدَمِ التَّعْظِيمِ وَالْأَدَبِ لِارْتِفَاعِهِمَا كَمَا مَرَّ؟ الْعَاشِرِ: لَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْجِدَارِ لِلْحِرْصِ عَلَيْهِ أَوْ لِخَشْيَةِ ضَعْفِهِ بَلْ إنَّمَا هُوَ لِمَنْعِ الِاسْتِطْرَاقِ وَالِاطِّلَاعِ إلَى مَسْجِدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ الْجِدَارِ حَسْبَمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَسْنَدَ صلى الله عليه وسلم الْمَنْعَ لِلْوَحْيِ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ فَإِنْ كَانَتْ تَعْظِيمَ الْمَسْجِدِ اسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ لَهُ عِلَّةٌ اسْتَمَرَّ أَيْضًا تَعَبُّدًا، وَزَعْمُ أَنَّهَا لِخُصُوصِ الْجِدَارِ وَخَوْفِ ضَعْفِهِ سَاقِطٌ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ سُئِلَ عَنْ رِبَاطٍ مَوْقُوفٍ عَلَى الصُّوفِيَّةِ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُفْتَحَ فِيهِ بَابٌ جَدِيدٌ مُلْصَقًا لِبَابِهِ الْقَدِيمِ.
فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ بِشُرُوطٍ وَاسْتُدِلَّ بِفِعْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَيْثُ فَتَحَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَبْوَابًا زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْجِدَارَ الْمُعَادَ لَهُ حُكْمُ الْجِدَارِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا فَتَحَ فِي جِدَارِهِ الَّذِي أَعَادَهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَال بِإِبْدَاءِ فَرْقٍ بِأَنَّ جِدَارَ الرِّبَاطِ جِدَارُ الْوَقْفِ وَجِدَارَ عُثْمَانَ لَيْسَ جِدَارَ الْوَقْفِ بَلْ هُوَ مِلْكُ عُثْمَانَ.
الثَّالِثُ عَشَرَ: صَرَّحَ الْعَبَّادِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ بِأَنَّ مَنْ الْتَمَسَ مِنْ النَّاسِ آلَةً لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فَأَعْطَوْهُ صَارَ مَسْجِدًا بِنَفْسِ الْبِنَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ كَمَا لَوْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا بِنِيَّةِ جَعْلِهَا مَسْجِدًا، وَهَذَا يُبْطِلُ زَعْمَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَعَادَ حَائِطَ الْمَسْجِدِ كَانَتْ مِلْكَهُ فَتَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ وَقْفٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَا نَوَى بِعِمَارَتِهَا إلَّا إعَادَةَ حَائِطِ الْمَسْجِدِ.
وَمِمَّا يُبْطِلُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي مَوَاتٍ أَغْنَى فِعْلُهُ مَعَ النِّيَّةِ عَنْ التَّلَفُّظِ بِالْوَقْفِ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْآلَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّهَا لِلْمَسْجِدِ فَتَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه أَنَّهُ حِينَ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ صَرَّحَ بِوَقْفٍ وَلَا ذَكَرَ لَفْظًا وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَتَوْفِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِهِمْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ الْمُجَدَّدَ تَابِعٌ لِلْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ: وَلَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ عَنْ بِقَاعِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَنْعِهِ مِنْ أَنْ يَبْنِيَ حَائِطًا عَلَى بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ وَيَضُمَّ
إلَيْهَا زِيَادَةً فِي الْبِنَاءِ مَوْصُولَةً بِهَا مُتَمَلِّكًا ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَجْمُوعِ بِفَتْحِ شَبَابِيكَ أَوْ غَيْرِهَا.
الرَّابِعَ عَشَرَ: لَا أَظُنُّ فَقِيهًا يَسْمَحُ بِأَنَّهُ يُجَوِّزُ لِأَحَدٍ إعَادَةَ حَائِطِ الْمَسْجِدِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى نِيَّةِ التَّمْلِيكِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ مَعَ وُجُودِ سَهْمِ الْمَصَالِحِ أَوْ رَيْعِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: لَا شَكَّ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِي الْمُلُوكِ الْآنَ هُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ يُثْبِتُ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ وَأَيُّ جِهَةٍ فُرِضَتْ فَفِيهَا الْجَوَابُ الشَّافِي، فَالْحَائِطُ الَّذِي يُعِيدُهُ الْإِمَامُ الْآنَ لَيْسَ مِلْكَهُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَفْعُ جُدُرٍ بَيْنَ مَسَاجِدَ مُتَلَاصِقَةٍ وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمَ الْوَقْفِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ جِدَارِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى جِدَارٍ وَاحِدٍ يُجْعَلُ لِلْمَدْرَسَةِ الَّتِي تُلَاصِقُهُ مُكْتَفِيًا بِهِ عَنْ جِدَارِ الْمَسْجِدِ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِصَاصِ بِالْمَدْرَسَةِ أَوْ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ جِدَارٍ لِلْمَسْجِدِ مُتَمَيِّزٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ جِدَارٍ غَيْرِهِ مُخْتَصٍّ بِهِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ غَيْرِهِ اهـ. حَاصِلُ كَلَامِ الْجَلَالِ مَعَ حَذْفِ كَثِيرٍ مِنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِيهِ نَقْدٌ يُمَيِّزُهُ التَّأَمُّلُ الصَّادِقُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُ حَسَنٌ قَالَ: وَقَدْ تَعَرَّضَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا لِلْمَسْأَلَةِ وَعُمُومِهَا فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.
سُئِلَ السُّبْكِيّ عَنْ بَابٍ فُتِحَ فِي سُورِ الْمَسْجِدِ هَلْ بَعْدَ فَتْحِهِ يَجُوزُ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ لِلْمَسْجِدِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ: جَوَازِ فَتْحِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَلَى قَوَاعِدِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا تَكَادُ الشَّافِعِيَّةُ يَرْتَابُونَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يَحْتَرِزُونَ عَنْ تَغْيِيرِ الْوَقْفِ جِدًّا، وَلَمَّا فُتِحَ شُبَّاكُ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَرَأَيْته مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَلَمَّا فَتَحَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي بَيْتِهِ بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفِيَّةِ بِالْقَاهِرَةِ شُبَّاكًا لَطَّهَا لِأَجْلِ الضَّوْءِ خَشِيَ الْإِنْكَار عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: إنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى كَلَامٍ فِي الْمَطْلَبِ هُوَ كَلَامُهُمْ مَعَهُمْ أَنَّ أَغْرَاضَ الْوَاقِفِينَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا يُنْظَرُ إلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُنَا عِمَادُ الدِّينِ يَقُولُ: إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ تَغْيِيرَ الْوَقْفِ فِي صُورَتِهِ لِزِيَادَةِ رَيْعِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ شَاهِدَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ الْوَاقِفُ حَالَةَ الْوَقْفِ لَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ التَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يُشْعِرُ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَاغْتَبَطَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ التَّقِيَّ كَانَ قُدْوَةَ زَمَانِهِ عِلْمًا وَدِينًا قَالَ السُّبْكِيّ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ جَوَازُ ذَلِكَ إنْ قَلَّ بِحَيْثُ لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّى الْوَقْفِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى مَنْعِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلَمْ يُزَلْ شَيْءٌ مِنْ عَيْنِهِ بِأَنْ يُنْقَلَ بَعْضُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الْوَقْفِ وَفَتْحُ شُبَّاكِ الطَّيْبَرِسِيَّةِ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا فَتْحُ أَبْوَابٍ لِلْحَرَمِ لَا حَاجَةَ لِلْحَرَمِ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ سَاكِنِهَا فَلَا يَجُوزُ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي فَتَاوِيهِ، لَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَابَيْهَا كَانَا فِي زَمَنِ إبْرَاهِيمَ وَكَذَا بِفِعْلِ عُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ هَدْمًا بِالْكُلِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَلْزَمُ طَرْدُهُ فِي كُلِّ وَقْفٍ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ ذَلِكَ عَنْ هَدْمِ شَيْءٍ لِأَجْلِ الْفَتْحِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَوْقُوفِ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ الْفَتْحُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فِي بَابٍ جَدِيدٍ فِي الْحَرَمِ إذَا ضَاقَتْ أَبْوَابُهُ مِنْ ازْدِحَامِ الْحَجِيجِ، الْمَقَامُ الثَّانِي جَوَازُ الِاسْتِطْرَاقِ فِيهِ بَعْدَ فَتْحِهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ جَازَ الْفَتْحُ جَازَ الِاسْتِطْرَاقُ وَحَيْثُ لَا فَلَا، لَكِنْ عَلَى بَسْطٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ وَظَاهِرُ خَبَرِ الْأَمْرِ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ مُشْكِلٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَقْفِ لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ تَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً لَزِمَ عَلَيْهِ جَوَازُ فَتْحِ الْبَابِ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ وَكُوَّةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَفْتَحَ مِنْ دَارِهِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ بَابًا إلَى الْمَسْجِدِ فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَاقِفِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَفَ الْمَسْجِد اهـ. وَهُوَ إشْكَالٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ أَوَّلًا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ نُسِخَ
بِوَحْيٍ بِالسَّدِّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا إشْكَالَ. (خَاتِمَةٌ سَبَبُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا أَنَّ السُّلْطَانَ قَايِتْبَايْ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مَدْرَسَةً وَيَجْعَلَ الْحَائِطَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ وَيَفْتَحَ فِيهِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَشَبَابِيكَ مُطِلَّةً عَلَيْهِ مَنَعَ نَائِبَهُ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ مَرْسُومًا مِنْ السُّلْطَانِ بِذَلِكَ فَبَلَغَهُ مَنْعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: اسْتَفْتُوا الْعُلَمَاءَ فَأَفْتَاهُ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمَاعَةٌ بِالْجَوَازِ، مَنَعَ آخَرُونَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْعَجَبِ زَعْمُ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُخْتَصَّةٌ بِالْجِدَارِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ أُزِيلَ، وَهَذَا الْجِدَارُ مِلْكٌ لِلسُّلْطَانِ يَفْتَحُ فِيهِ مَا شَاءَ وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِوَقْفِهِ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ فَتْحُ بَابٍ وَعَدَلُوا إلَى الْفَتْحِ مِنْ الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ وَاسْتِدْلَالُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى جَوَازِ الْفَتْحِ بِأَنَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ فَيُفْتَحُ نَظِيرُهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَقَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي فَتْحِ بَابٍ، بَلْ أُمِرَ بِسَدِّ بَابِهِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي خَوْخَةٍ صَغِيرَةٍ، فَلَا يَجُوزُ الْآنَ فَتْحُ بَابٍ كَبِيرٍ قَطْعًا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمَعْنَى الِاسْتِطْرَاقُ فَيَسْتَوِي الْبَابُ وَالْخَوْخُ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ صَرِيحٌ بِالتَّفْرِقَةِ لِأَمْرِهِ بِسَدِّ بَابِهِ وَإِبْقَاءِ خَوْخَتِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ بَقِيَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ وَاتَّفَقَ هَدْمُهَا وَإِعَادَتُهَا أُعِيدَتْ بِتِلْكَ الْخَوْخَةِ كَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا تَحْوِيلٍ لَهَا عَنْ مَحِلِّهَا، لَكِنَّ دَارَ أَبِي بَكْرٍ هُدِمَتْ وَأُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ زَمَنَ عُثْمَانَ وَفِي جَوَازِ بِنَاءِ دَارٍ بِإِزَائِهَا وَفَتْحِ خَوْخَةٍ مِنْهَا نَظِيرَ تِلْكَ تَرَدُّدٌ وَاحْتِمَالٌ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهَا فَلَا تَتَعَدَّى لِغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ وَأَبْدَى لِاحْتِمَالِ الْجَوَازِ وَجْهَيْنِ وَشَرْطَيْنِ يَتَعَذَّرُ وُجُودُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُفْتَحُ بِقَدْرِ تِلْكَ الْخَوْخَةِ لَا أَوْسَعَ وَعَلَى سَمْتِهَا لَا فِي مَحِلٍّ آخَرَ، وَالْأَمْرَانِ مُتَعَذِّرَانِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهَا وَمَحِلِّهَا.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ شَخْصٍ تَصَدَّقَ عَلَى بَوَّابِينَ لِلْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ عَلَى مُشَرِّفِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى الْبَوَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ وَلِلْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ أَبْوَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ مَثَلًا وَبَعْضُ الْأَبْوَابِ لَهُ بَوَّابَانِ وَبَعْضُهَا لَهُ بَوَّابٌ وَاحِدٌ وَاحِدٌ فَهَلْ تُقَسَّمُ الصَّدَقَةُ أَوْ غَلَّةُ الْوَقْفِ الْمَذْكُورَتَانِ عَلَى عَدَدِ الْأَبْوَابِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الْبَوَّابِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُصْرَفُ عَلَى عَدَدِ الْأَبْوَابِ وَمَا يَخُصُّ كُلَّ بَابٍ يُصْرَفُ عَلَى عَدَدِ مَنْ بِهِ مِنْ الْبَوَّابِينَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوَّلِ وَبَيْنَهُمْ فِي الثَّانِي، وَمَأْخَذُ ذَلِكَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الدُّورِ لَا عَلَى عَدَدِ السُّكَّانِ قَالَ السُّبْكِيّ: وَتُقَسَّمُ حِصَّةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى عَدَدِ سُكَّانِهَا هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَمَلُ فِي الْبَوَّابَةِ بِالتَّعَدُّدِ لِلْبَوَّابِينَ فِي الْأَبْوَابِ وَإِلَّا قُسِّمَ عَلَى عَدَدِ الْبَوَّابِينَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ الْآنَ مَقْصُودٌ فَإِذَا اسْتَوَوْا فِيهِ اسْتَوَوْا فِيمَا عَلَيْهِمْ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ دَخَلَ إلَى الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَأَعْطَى الْبَوَّابِينَ بِهِ وَهُمْ تِسْعَةُ أَنْفَارٍ لِكُلِّ نَفَرٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ مُحَلِّقًا وَالتِّسْعَةُ الْأَنْفَارُ بَعْضُهُمْ مُقَرَّرٌ بِالْأَصَالَةِ فِي وَظِيفَةِ الْبِوَابَةِ بِتَقْرِيرِ النَّاظِرِ الشَّرْعِيِّ وَبَعْضُهُمْ نَائِبٌ بِالْأُجْرَةِ عَنْ صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ مَثَلًا فَأَخَذَ الْبَوَّابُ جَمِيعَ الْمَبْلَغِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ وَلَمْ يَدْفَعْ لِلْمُقَرَّرِينَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ شَيْئًا فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ أَوْ يُؤْخَذُ جَمِيعُ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ وَيُدْفَعُ لِلْمُقَرَّرِينَ فَقَطْ وَيَكْتَفِي الْبَوَّابُ بِالْأُجْرَةِ أَوْ يُقَسَّمُ ذَلِكَ عَلَى التِّسْعَةِ الْأَنْفَارِ الْمَكْتُوبِينَ بِأَسْمَائِهِمْ فِي دَفْتَرِ الْمُتَصَدِّقِ مَثَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ مُحَلِّقًا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا أَعْطَاهُ الْمُتَصَدِّقُ بِنَفْسِهِ لَا رُجُوعَ بِهِ عَلَى الْمُعْطِي إلَّا بَعْدَ مُسَوِّغٍ شَرْعِيٍّ وَلَيْسَ مِنْهُ كَوْنُهُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ فِي الْبِوَابَةِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْمُتَصَدِّقُ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ: إنَّمَا ظَنَنْت أَنَّهُ أَصْلِيٌّ لَا نَائِبٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ مُقْتَضِيًا لِلرُّجُوعِ عَلَى الْآخِذِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ، بَلْ وَمَعَ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدٌ مَنْشَؤُهُ خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ فِي التَّنَازُعِ فِي دَعْوَى الْقَرْضِ وَالْهِبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا.
(وَسُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَنْ مَبْلَغٍ قَدْرُهُ نَحْوَ سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ ذَهَبًا وَرَدَتْ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ عَلَى بَوَّابِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَقَبَضَ الْبَوَّابُ عَنْ الْبَوَّابِينَ الْمُقَرَّرِينَ جَمِيعَ الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَدْفَعُوا لِلْبَوَّابِينَ الْمُقَرَّرِينَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ