الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَلْ لَهُ بِذَلِكَ غَايَةُ الْفَخْرِ وَالتَّمَيُّزِ وَأَمَّا مَا دُوِّنَ وَاسْتَقَرَّ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِمْ الْعُمْدَةُ فِي تَحْرِيرَ الْمَذْهَبِ وَتَرْجِيحه فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ بِنُصُوصِ مُخَالِفِهِمْ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ لِلشِّيحَيْنِ فِي مَسَائِلَ يُعْتَرَضُ فِيهَا عَلَيْهِمَا بِالنُّصُوصِ فَأُجِيبَ عَنْهُمَا وَأُبِينَ مُسْتَنَدُهُمَا مِنْ نُصُوصٍ أُخْرَى أَوْ غَيْرِهَا وَالِاعْتِرَاضُ بِذَلِكَ مُغَالَطَةٌ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا ثُمَّ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَهْلِ التَّخْرِيجِ إنْ أَرَادَ بِهِمْ أَصْحَابَ الْوُجُوهِ كَمَا هُوَ مُؤَدَّى هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُفْتَرَيَاتِهِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنْ اسْتِشْهَادِهِمْ بِالنُّصُوصِ مُطْلَقًا لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ إلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَوْ غَيْر أَصْحَابِ الْوُجُوهِ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِاصْطِلَاحِهِمْ يَشْمَلُ أَمْثَالَهُ فَيُنَاقِضُ مَا اخْتَرَعَهُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ لِأَمْثَالِنَا إلَخْ غَافِلًا عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ اعْتَرَضَ فَرْقِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ عَلَى تَرْجِيحِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَقَصْرِهِ كَلَامَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِأَنِّي فَرَّقْت بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي الصَّدَقَةِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَهَذَا كَذِبٌ عَلَيَّ فَإِنِّي لَمْ أُفَرِّقْ بِذَلِكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا حَاصِلُ الَّذِي فَرَّقْت بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي الصَّدَقَةِ إلَّا الْفِعْلَ وَهُوَ حَرَامٌ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْمُمَلَّكَ فِيهَا الْقَوْل وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَفْوِيتَ فِيهِ هَذَا آخِرُ مَا أَرَدْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ وَحَرَّرْتُهُ مِنْ سَقَطَاتِهِ مِمَّا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُنْشِدَ فِيهِ وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إلَى دَلِيلٍ فَلْيُنْتَبَهْ لِذَلِكَ الْمَحْظُورِ وَلَا يَغْفُلْ عَنْهُ الرَّاسِخُونَ فَإِنَّ تَحْرِيفَاتِ هَذَا الرَّجُلِ وَإِظْهَارَهُ لِلْمُفْتَرَيَاتِ فِي صُوَرٍ مُوهِمَةٍ بِالْأَبَاطِيلِ وَالتُّرَّهَاتِ حَتَّى رُبَّمَا تَوَهَّمَ ضُعَفَاءُ الْإِدْرَاكِ أَنَّهَا يَقِينِيَّاتٌ فِي صُورَة قُوَى يَحْتَاجُ لِمَزِيدِ تَيَقُّظٍ وَبَصِيرَةٍ أَحْسَنَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُ السَّرِيرَةَ
وَحَقَّقَ لَنَا الْهِدَايَة وَالْإِخْلَاصَ وَنَجَّانَا مِنْ بَوَائِقِنَا حِينَ لَا مَنَاصَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ كُلَّمَا ذَكَرَك وَذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ قَالَ مُؤَلِّفُهُ أَنْهَيْته نِصْفَ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ مُحَرَّمِ الْحَرَامِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَةٍ وَإِلَى اللَّه تَعَالَى أَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ فِي أَنْ يَخْرِقَ الْعَادَةَ بِطُولِ حَيَاتِهِ وَلِسَانِ قَلَمِهِ فِي الذَّبِّ عَنْ الشَّرِيعَة عَلَى وَفْقِ مَرْضَاتِهِ آمِينَ تَمَّ الْكِتَابُ الْمُبَارَكُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل.
[بَابُ الْحَجْرِ]
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِأُخْرَى وَمَا حَاصِل كَلَامِ بُرْهَانِ الدَّيْنِ بْنِ ظَهِيرَةَ فِي فَتَاوِيهِ؟
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَاضِي بَلَدِ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ فَالْوَلِيُّ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ تَرْتَبِطُ بِمَالِهِ كَمَالِ الْغَائِبِينَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْحِفْظِ وَبِالتَّعَهُّدِ وَبِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ الْغِبْطَةِ اللَّائِقَةِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ إمَّا مُطْلَقٌ نَحْوُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلِقَاضِي بَلَدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ
كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ اسْتِحْضَارَهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيق وَظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ
لِيَتَّخِذَ لَهُ عَقَارًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَيَجِبُ عَلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ إسْعَافُهُ بِذَلِكَ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ طَلَبُهُ إيَّاهُ وَأَهْلِيَّتُهُ لِتَسَلُّمِهِ فَيُسَلِّمُهُ لِثِقَةٍ لِيُوَصِّلَهُ لَهُ وَلَيْسَ عِنْدِي فَتَاوَى الْبُرْهَانِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا وَمَسْأَلَةُ مِنْ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْفَرَائِضِ مِنْ شَرْح الْإِرْشَادِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا بِيعَ مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَكَمُلَ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَيْعٌ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِلَا حَاجَةٍ فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ الِاضْطِرَابِ فِيهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إنْ ادَّعَى بَعْدَ كَمَالِهِ الْبَيْعَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ عَلَى الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ صُدِّقَا بِيَمِينِهِمَا أَنَّهُ وَقَعَ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ فَذَاكَ وَإِلَّا صُدِّقَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ أَنَّ بَيْعَهُمَا وَقَعَ بِدُونِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ هَذَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ عَلَى الْأَوْجَهِ مَالُ التِّجَارَةِ وَغَيْرُهُ وَمَا يَجِبُ فِيهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ نَسِيئَةً وَغَيْرِهِ وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَأَطَالَ فِيهِ بِمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خَادِمه فَلْيَنْظُرْ مِنْهُ وَدَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلِيّ كَهِيَ عَلَى
الْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى عَلَى وَلِيِّهِ أَنَّهُ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَيَظْهَرُ تَصْدِيقُهُمْ أَيْ الْأَوْلِيَاءِ وَلَوْ نَحْوَ وَصِيٍّ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ وَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ مَتْبُوعَةٌ لِلْبَيْعِ فَكُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِهَا كَمَا يُكَلَّفُ الْوَكِيلُ بِبَيِّنَةٍ بِوَكَالَتِهِ وَأَمَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ جَائِز الْبَيْعِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي صِفَتِهِ وَدَعْوَى صِحَّتِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُدَّعَى فَسَادِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْبَيْع بِثَمَنِ الْمِثْلِ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ الْبَيْعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَيُصَدَّقُ الْعَاقِدُ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ دَعْوَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْبَيْعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ كَدَعْوَاهُ الْبَيْعَ بِدُونِ الْحَاجَةِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ وَيَرُدُّ فَرْقُهُ الْمَذْكُورُ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ كَمَا أَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ لِلْبَيْعِ كَذَلِكَ ثَمَنُ الْمِثْلِ هُوَ مَتْبُوعٌ لِلْبَيْعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَزَعْمُهُ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ دُونَ الْمَصْلَحَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ ثُمَّ رَأَيْت كَلَامَ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ وَيَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ وَمُخْتَصَرَهُ وَإِنْ كَانَ بَسَطَهُ فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْمُوَكِّلُ أَنَّ وَكِيلَهُ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ صُدِّقَ الْوَكِيلُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَدَّعِي خِيَانَتَهُ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَقَوْلُ الْبَغَوِيِّ يُصَدَّقُ الْمُوَكِّلِ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَاد فَإِنْ قُلْتَ إذَا اخْتَلَفَ الرَّشِيدُ وَالْوَصِيُّ فِي صُدُورِ الْبَيْعِ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِلَا غِبْطَةٍ صُدِّقَ الرَّشِيدُ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ هُنَا. اهـ. مُلَخَّصًا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ هُوَ الرَّشِيدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّط نَحْوَ الْوَصِيِّ عَلَى الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْمُوَكَّلِ فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ وَأَقَامَ الْوَلِيّ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ بَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَاد فِي بَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ فَانْظُرْهُ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ هُنَا كَلَامُ الْمُحَقِّقِ أَبِي زُرْعَةَ فَإِنَّهُ ذَكَر الْمَسْأَلَةَ فِي فَتَاوِيهِ.
وَأَطَالَ فِيهَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَ النَّاظِرُ أَرْضًا بِأُجْرَةٍ شَهِدَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ أَنَّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَحُكِمَ بِهَا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهَا دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِكَثِيرٍ وَالْأُولَى لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِأُجْرَةِ الْأَرَاضِي فَهَلْ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ وَالْحُكْمُ بِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِنَقْضِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُقُوعِهِ إلَّا بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ أَوَّلًا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِمَا شَهِدَتْ وَلَكِنْ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ إنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَهَذِهِ شَهَادَةُ نَفْيٍ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا الشَّاهِدَانِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِاعْتِرَافِهِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِمَا الثَّانِي إنَّهُ يُفِيدُ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ بِعَيْنِ الْأُولَى وَلَكِنْ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ وَالْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ التَّعَارُضِ لَا يَنْتَهِي الْحَالُ فِيهِمَا إلَى ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَصِلَ الثَّانِيَةُ إلَى التَّوَاتُرِ فَإِنَّهُ مَتَى خَالَفَ الْآحَادُ عُلِمَ كَذِبُ الْآحَادِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَفْرِضَ زِيَادَةَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأُجْرَة الْأُولَى تِسْعَةَ أَضْعَافِهَا وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَالِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَة الْأُولَى لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِي اسْتِئْجَارِ فَدَّانٍ مِنْ قَوِيٍّ بِثَلَثِمِائَةٍ وَلَا يَرْغَبُ فِي اسْتِئْجَارِ مِثْلِهِ مِنْ ضَعِيفٍ بِثَلَاثِينَ لِجَرَيَانِ عَادَةِ بِلَادِ مِصْرَ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ ضَعِيفٍ يَغْرَمُ عَلَى الْفَدَّانِ مَظَالِم فَوْقَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَوِيٍّ لَا يَغْرَمُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ.
وَقَدْ يُخَالِفُ مَا أَفْتَيْت بِهِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ وَالتَّمَهُّلِ أَيَّامًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ اُحْتِيجَ لِبَيْعِ مِلْكِ يَتِيمٍ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ مِائَتَانِ نُقِضَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُهَا أَوْ أَرْجَحُ وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ إسْنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَكَمَ لِلْخَارِجِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ وَانْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ ثُمَّ أُتِيَ صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَخَالَفَ مَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ إسْنَادَ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ مُتَعَارِضٌ وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ قُلْت وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّورَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي أَقَامَهَا الدَّاخِلُ لَوْ كَانَ أَقَامَهَا قَبْلُ امْتَنَعَ الْحُكْمُ لِغَرِيمِهِ
وَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُعَارِضَةَ لَوْ أُقِيمَتْ مِنْ الْأَوَّلِ مَنَعَتْ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ وَمِنْ الْجَانِبَيْنِ لِتَعَارُضِهِمَا وَتَسَاقُطِهِمَا فَإِنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى بَلْ قَدْ تَرَجَّحَتْ الْمَحْكُومُ بِهَا بِالْحُكْمِ وَالْحُكْمُ لَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ مَعَ الِاعْتِضَادِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ فِي الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ وَآخَرَانِ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ لِأَنَّ الْمُقِلَّ رُبَّمَا عَرَفَ عَيْبًا بِهِ غَفَلَ عَنْهُ الْمُكْثِرُ فَكَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ أَوْلَى وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ السَّلَامَةُ وَالْمُقِلُّ نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَالْمُكْثِرُ مُبْقٍ عَلَيْهِ وَالنَّاقِلُ أَوْلَى مِنْ الْمُبْقِي وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى الصِّفَاتِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَاحِدٌ بِمَعْرِفَةِ صِفَةٍ لَمْ يُدْرِكْهَا الْآخَرَ وَرَدُّوا النِّزَاعَ إلَى الْقِيمَةِ نَفْسِهَا فَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا إلَّا الْأَقَلُّ حَمْلًا عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. اهـ.
وَفِي أَصْل الرَّوْضَةِ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إتْلَافِ ثَوْبٍ قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَآخَرُ عَلَى إتْلَافِ ذَلِكَ الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ وَقَالَ قِيمَتُهُ ثُمُنُ دِينَارٍ ثَبَتَ الْأَقَلُّ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ وَلَوْ شَهِدَ بَدَل الْوَاحِدِ وَالْوَاحِد اثْنَانِ وَاثْنَانِ ثَبَتَ الْأَقَلُّ أَيْضًا وَتَعَارَضَا فِي الزِّيَادَةِ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ وَزْنَ الذَّهَبِ الَّذِي أَتْلَفَهُ دِينَارٌ وَالْآخَرَانِ أَنَّ وَزْنَهُ نِصْفُ دِينَارٍ ثَبَتَ الدِّينَارُ لِأَنَّ مَعَ شَاهِدِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ فَإِنَّ مَدْرَكَهَا الِاجْتِهَادُ وَقَدْ يَقِفُ شَاهِدُ الْقَلِيلِ عَلَيْهِ. اهـ.
فَانْظُرْ كَيْفَ جَزَمَ أَوَّلًا بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهُ تَقَدَّمُ الزِّيَادَةُ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالزِّنَةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ شَاهِدُ الْقَلِيلِ عَلَى عَيْبٍ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ النَّقْصِ كَمَا فِي التَّنْبِيه فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ يُخَالِفُ الْمَنْقُولَ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قَطَعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى كَأَنْ قَوَّمَ الْحِجَازِيَّةَ الَّتِي عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا نُقِضَ الْحُكْمُ وَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ بَلْ نُقِضَ الْحُكْمُ بِهَا لِلْقَطْعِ بِكَذِبِهَا فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى لَا مُعَارِضَ لَهَا وَأَمَّا مَعَ الِاحْتِمَالِ فَلَا نَقْضَ لِلْحُكْمِ وَبِدُونِ الْحُكْمِ مَعَ الِاحْتِمَالِ إمَّا تَرْجِيحُ النَّاقِضَةِ وَإِمَّا أَنْ يَتَعَارَضَا وَيَتَسَاقَطَا. اهـ.
وَتَبِعَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَرَدَّ كَلَامَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ انْتَصَرْتُ لِكَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ ثُمَّ جَمَعْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ مَنْ اعْتَرَضَهُ بِمَا يُوَافِقُهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ آخِرًا بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِي يَتَحَرَّر لِي إلَخْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ مَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ تَعْلَمْ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ كَلَامِي الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ أَبِي زُرْعَةَ الْمَذْكُورِ.
(وَسُئِلَ) فِي شَخْصٍ أَقَامَهُ الْقَاضِي الْمُتَكَلِّمُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ عَلَى حَجْرِ سَفِيهٍ بَعْد أَنْ ثَبَتَتْ أَهْلِيَّتُهُ لِذَلِكَ لِيَصْرِفَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ بِذَلِكَ إقَامَةٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ الْقَاضِي فَاسْتَمَرَّ ثَلَاثَ سِنِينَ يَقُومُ بِهِ فِيمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ شَخْصٍ آخَر وَيَثْبُت مَا ادَّعَاهُ مَعَ إقَامَةِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْحَاجِرِ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى الْمَصْرُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إذَا وَلَّى الْقَاضِي الْمُسْتَقِلُّ أَوْ النَّائِبُ الَّذِي شَمِلَتْ وِلَايَتُهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ نَحْوِ الْأَيْتَامِ قَيِّمًا فَإِنْ كَانَ لِظَنِّ أَنَّهُ لَا قَيِّمَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ كَانَتْ وِلَايَةُ الثَّانِي بَاطِلَةً وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ لِلْأَوَّلِ مَا دَامَ أَهْلًا وَإِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَيِّمًا وَرَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً صَحَّ وَصَارَ الثَّانِي قَيِّمًا أَيْضًا وَلَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ إلَّا إنْ قَالَ الْقَاضِي لِلثَّانِي جَعَلْتُكَ قَيِّمًا فِيمَا جَعَلَ الْقَاضِي فُلَانًا الْأَوَّلَ قَيِّمًا.
وَإِذَا لَمْ يَنْعَزِلْ الْأَوَّلُ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ الْقَاضِي لِلثَّانِي ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ إلَّا إنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَبُولِ أَوْ صَرَّحَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ أَوْ ضَعُفَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَسَقَ فَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ بِالتَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ كَكُلِّ مِنْهُمَا فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ جَعَلَ الثَّانِي مُشْرِفًا عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَتَصَرَّفْ الْأَوَّلُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَيْسَ لِلثَّانِي حِينَئِذٍ الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنِّي لَمْ أَرَ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ نَقْلًا بِخُصُوصِهَا وَإِنَّمَا أَخَذْت مَا ذَكَرْته بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ. . . إلَخْ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْوَصِيَّيْنِ فَلْيَجْرِ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ ثُمَّ مِمَّا يُمْكِنُ إتْيَانُهُ فِي الْقَيِّمِينَ وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْقَيِّمِينَ وَالْوَصِيِّينَ غَيْرُ خَفِّي وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ وَهُوَ الْمُوصِي ثُمَّ وَاحِدًا وَالْمَوْلَى وَهُوَ الْقَاضِي الثَّانِي هُنَا غَيْرُ الْقَاضِي لِأَنَّهُمَا
نَائِبَا الشَّرْعِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ لَهُ ابْنَة زَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ وَهِيَ بِكْرٌ وَلَمْ يَفُكَّ عَنْهَا حَجْرَهُ الشَّرْعِيَّ فَأَقَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا الْمَذْكُورِ مُدَّةً مُسْتَطِيلَةً وَاسْتَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَرَأَ لِوَالِدِهَا سَفَرٌ مِنْ بَلْدَتِهِ الَّتِي ابْنَتُهُ مُقِيمَةٌ بِهَا إلَى الْحِجَازِ فَجَعَلَ الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ يُشَاجِرُهَا حَتَّى أَبْرَأَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَتَحَمَّلَتْ بِأَوْلَادِهَا التَّحَمُّلَ الشَّرْعِيَّ فَأَبَانَهَا الزَّوْجُ الْمَذْكُورُ الْبَيْنُونَةَ الشَّرْعِيَّةَ فَهَلْ تَصِحُّ مِنْهَا الْبَرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَيْبُوبَةِ وَالِدِهَا وَهِيَ تَحْتَ حَجْرِهِ أَمْ لَا وَهَلْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا بِأَوْلَادِهَا أَمْ لَا وَهَلْ إذَا قُلْتُمْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا فَهَلْ لَهَا تَعْجِيزُ نَفْسِهَا عَنْ التَّحَمُّلِ بِالْأَوْلَادِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) مَتَى لَمْ يَثْبُت رُشْدُهَا فَإِبْرَاؤُهَا بَاطِلٌ وَكَذَلِكَ تَحَمُّلُهَا إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ يَرَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ لِيَتِيمٍ أَوْ لِغَائِبٍ أَوْ لِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ وَالْيَتِيمُ وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُحْتَاج لَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَرَادَ الْقَيِّمُ وَنَحْوُهُ إقْرَاضَهَا أَوْ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِرَدِّ بَدَلِهَا فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ قَالَ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ أَنَّ الْبَلَدَ لَيْسَ بِهَا حَاكِمٌ وَهَلْ تَجِدُونَ لَهُ طَرِيقًا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) إقْرَاضُ الْوَلِيِّ مَالَ مَحْجُورِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ الْإِقْرَاضُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِنَهْبٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِلْقَاضِي الْإِقْرَاضُ مُطْلَقًا لِكَثْرَةِ أَشْغَاله هَذَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ لَكِنْ أَطَالَ الْإِسْنَوِيُّ كَالسُّبْكِيِّ فِي رَدِّهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ كَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْرَاضُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَحْجُورِ بُسْتَانٌ فَأَجَّرَ وَلِيُّهُ بَيَاضَ أَرْضِهِ بِأُجْرَةٍ تَفِي بِمِقْدَارِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الشَّجَرِ ثُمَّ سَاقَى عَلَى الشَّجَرِ عَلَى سَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ لِلْمَحْجُورِ وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ صَحَّتْ الْمُسَاقَاةُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ صَبِيٌّ يَتِيمٌ وَلَيْسَ وَصِيًّا شَرْعِيًّا وَلَا وَلِيًّا وَخَافَ ضَيَاعَ مَالِهِ إلَّا سَلَّمَهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ جَازَ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَمُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَاسْتِخْدَامُهُ بِمَا فِيهِ تَدْرِيبُهُ قَاصِدًا مَصْلَحَتَهُ وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ بِمَا لَا يُعَدُّ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ لِلْعَصَبَاتِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فِي تَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِأَنَّهَا قَلِيلَةٌ فَسُومِحَ بِهَا قَالَ الْجُرْجَانِيُّ.
وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّظَرُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْحِفْظِ وَغَيْرِهِ. اهـ.
وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ أَنْ يَرُدَّ بَدَلَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ هُوَ وَالْيَتِيمُ إلَى بَلَدٍ لَهَا قَاضٍ فَإِذَا ذَهَبَا إلَيْهِ وَكَانَ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِإِقْرَاضِ مَالِ الْيَتِيمِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي حِينَئِذٍ إقْرَاضُ مَالِهِ لِلْوَلِيِّ وَأَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ نَظَرٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ لِنَفْسِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا وَاشْتَغَلَ بِمَالِ مُوَلِّيهِ عَنْ كَسْبٍ يَكْفِيه وَكَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الْقَاضِي خِلَافًا لِمَا فِي الْأَنْوَارِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَأُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ نَعَمْ إنْ نَقَصَ أَجْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكَانُوا فُقَرَاءَ تَمَّمُوهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِمْ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْأَخْذُ مُطْلَقًا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَاضِيًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَصِيًّا وَبِخِلَافِ أَمِينِهِ فَإِنَّ لَهُمَا الْأَخْذَ كَمَا صَرَّحَ بِالثَّانِي الْمَحَامِلِيُّ فَبَحْثُ بَعْضِهِمْ خِلَافَهُ مَرْدُودٌ وَقِيَاسُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ جَوَازِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ قَاضٍ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِرَدِّ الْبَدَلِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ بَدَلِ مَا يَأْخُذُهُ لَكِنْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا بِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.
وَلَوْ تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ مُوَلِّيه وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَأَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِلْقَاضِي لِيُنَصِّبَ قَيِّمًا لِذَلِكَ لَا لِيَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً فَلَا يُجِيبُهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَمَحَلُّهُ حَيْثُ وُجِدَ مُتَبَرِّعًا وَإِلَّا أَجَابَهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ جَمْعٍ أَنَّهُ يُجِيبُهُ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ
يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ جَازَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْوَلِيَّ لِيَعْمَلَ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَكُونُ مِنْ الْحِيَلِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْوَلِيِّ الْعَمَلَ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ بِالْأُجْرَةِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ مِنْ يَتِيمٍ وَنَحْوِهِ وَمِثْلُهُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَرَّرَ نَاظِر الْوَقْفِ فِي مَالِ الْوَقْفِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِمَنْ يَتَوَلَّى وَقْفَهُ شَيْئًا مِنْ الرُّبُعِ جَازَ وَكَانَ ذَلِكَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا وَعَلَيْهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَهُوَ كَمَا لَوْ تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ الطِّفْلِ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُثْبِتَ لَهُ أُجْرَةً قَالَ تِلْمِيذُهُ أَبُو زُرْعَةَ مُقْتَضَى تَشْبِيهِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَعَ الْحَاجَةِ إمَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَإِمَّا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَالنَّفَقَةِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ وَذَلِكَ يَأْتِي هُنَا. اهـ.
فَافْهَمْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَلِيِّ فِيمَا تَقَرَّرَ فِيهِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ قَرْضًا مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ لِمَالِ الْوَقْفِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخَانِ حَيْثُ قَالَا لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ وَأَمَّا مَنْ تَحْتَ يَدِهِ مَالٌ لِغَائِبٍ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ بِحَقٍّ فَإِنْ كَانَ قَاضِيًا أَوْ نَائِبَهُ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إذَا اضْطَرَّ إلَيْهِ كَبَيْعِهِ عِنْدَ خَوْفِ تَلَفِهِ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِحَسَبِ مَا أَذِنَ لَهُ مُوَكِّلُهُ فِيهِ نَعَمْ لَهُ وَلِغَيْرِ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَعْلَمَانِ أَوْ يَظُنَّانِ أَنَّهُ يَرْضَى بِهِ هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الْغَائِبُ الْمَالِكُ رَشِيدًا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا لِلْوَلِيِّ أَوْ مَأْذُونِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا لَوْ أَخَذَ الرَّقِيقُ أَوْ الصَّبِيُّ شَيْئًا مِنْ الْمُعْرِضِ عَنْهُ أَيَمْلِكُهُ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ الصَّبِيَّ يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ مِمَّا أَعْرَضَ عَنْهُ مَالِكه الْمُطْلَقُ التَّصَرُّف وَكَذَلِكَ سَيِّدُ الرَّقِيقِ يَمْلِكُ مَا أَخَذَ قِنُّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ وَصِيٍّ شَرْعِيٍّ عَلَى يَتِيمٍ قَاصِرٍ عَنْ الْبُلُوغِ وَلِلْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ دِمْنَةُ أَرْضٍ مُعَدَّةٍ لِلْقَمَائِمِ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَبْنِيَةِ وَلَا حَاصِلَ مِنْهَا نَافِعٌ لِلْمَحْجُورِ الْمَالِكِ وَفِي بِنَائِهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ تَرَكَهَا مُهْمَلَةً لِلْقَمَائِمِ غَايَةَ الْإِضْرَارِ بِهِ وَالْإِضَاعَةَ عَلَيْهِ فَبَاعَ الْوَصِيُّ الشَّرْعِيُّ عَنْ الْيَتِيمِ الْمَذْكُورِ الدِّمْنَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَظِّ وَالْمَصْلَحَةِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ كَذَلِكَ وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ الْوَصِيَّ الْمَذْكُورَ بَاعَ ذَلِكَ طَائِعًا مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا إجْبَارٍ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ فَحَكَمَ بِمُوجَبِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَبِمُوجَبِ مَا ثَبَتَ لَدَيْهِ مِنْ الْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَثُبُوتِ الطَّوْعِ وَالِاخْتِيَارِ وَأَرَادَ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ أَوْ الْيَتِيمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ بُلُوغِهِ الدَّعْوَى بِأَنَّ صُدُورَ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْوَصِيِّ الْمَذْكُورِ كَانَ بِالْجَبْرِ وَالتَّهْدِيدِ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الطَّوْعِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْمُسَوِّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِذَلِكَ أَمْ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا تُقْبَلُ وَإِذَا أَرَادَ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ أَوْ الْيَتِيمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ لِلدِّمْنَةِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَأَنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِدَعْوَاهُ أَنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ حَالَ الْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنْ الْوَصِيِّ الْمَذْكُورِ كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ الْوَصِيُّ الْمَذْكُورُ فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ شَافِعِيٌّ بِأَنَّ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ كَانَ ثَمَنَ الْمِثْلِ أَوْ لَا تُسْمَعُ وَهَلْ تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى وَلَوْ حَكَمَ بِالْأُولَى حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَى الْوَصِيِّ لِلْإِكْرَاهِ بِقَرِينَةٍ وَكَذَا لِلنَّقْصِ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ إلَّا ذَكَرَ عُذْرًا وَإِلَّا فَقَدْ فَسَقَ وَانْعَزَلَ وَأَمَّا دَعْوَى الْمَحْجُورِ إذَا بَلَغَ وَثَبَتَ رُشْدُهُ فَتُسْمَعُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا ثُمَّ إذَا سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَأُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِكْرَاهِ وَبَيِّنَةٌ بِالِاخْتِيَارِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُ نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ نَعَمْ إنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ كَانَ مُكْرَهًا وَزَالَ الْإِكْرَاهُ حَالَ الْبَيْعِ كَأَنْ قَالَتْ الْأُولَى بَاعَ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَهُوَ مُكْرَهٌ وَقَالَتْ الثَّانِيَة بَاعَ عِنْدَهُ وَكَانَ مُكْرَهًا قَبْلَهُ وَزَالَ الْإِكْرَاهُ عِنْدَهُ قُدِّمَتْ الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ
لِأَنَّهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَاقِلَةٌ عَنْ أَصْلِ الْإِكْرَاهِ الَّتِي أَثْبَتَتْهُ الْأُولَى وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ سَمَاعِ بَيِّنَةِ الْإِكْرَاهِ أَنْ تَذْكُرَ سَبَبَهُ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَخْوِيفٍ نَاجِزٍ فَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا نَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا لِاخْتِلَافِ مَا بِهِ الْإِكْرَاهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَإِذَا أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ بَيْعَ الْوَصِيِّ كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ بِدُونِهِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ قُدِّمَتْ الثَّانِيَةُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ حَيْثُ سُئِلَ عَمَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِ مَالِ يَتِيمٍ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَاجَةِ وَبِأَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَ بِنَقْضِ الْحُكْمِ وَبِحُكْمِ فَسَادِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ سَالِمَةٌ مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ أُزِيلَتْ يَدُ الدَّاخِلِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِذَلِكَ. اهـ.
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ السُّبْكِيّ لَهُ حَيْثُ قَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا قَالُوا بِنِقْضِهِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّاخِلِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا ابْنُ الصَّلَاحِ لِأَجْلِ الْيَدِ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ وَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ اهـ فَأَجَابَ عَنْهَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِمَنْعِ أَنَّ ذَلِكَ نُقِضَ بِالشَّكِّ أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُرَجَّحًا وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مُفَادُ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى الظَّنُّ وَمُفَادُ الثَّانِيَةِ الظَّنُّ أَيْضًا وَإِنَّمَا قُدِّمَ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَبِأَنَّ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ السُّبْكِيّ عَلَى مَا زَعَمَهُ مَحَلّهُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَحِينَئِذٍ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْأُولَى قَدْ وَقَعَ عَلَى ظَنِّ سَلَامَتِهَا مِنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ فَبَطَلَ الْحُكْمُ بِهَا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَصْرِيحُ السُّبْكِيّ نَفْسِهِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ امْتَنَعَ كُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْحُكْمِ لِأَنَّ مُعَارَضَةَ الثَّانِيَةِ الْأُولَى أَبْطَلَ النَّظَرَ إلَيْهَا وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا عَمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ مُخَالَفَةِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ وَلَعَلَّ كَلَامَهُمْ هُنَا فِيمَا لَوْ تَلِفَ وَتَعَذَّرَ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ يَقْطَعُ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِأَنَّ قِيمَتَهَا مِائَةٌ. اهـ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ يُعْرَفُ وَجْهُهُ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي وَجْهِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ السَّابِقِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي كَلَامِهِ بَيْنَ التَّالِفَةِ وَالْبَاقِيَةِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ قَائِمَةً عَلَى صِفَاتهَا وَقْتَ الْبَيْعِ وَقُطِعَ بِكَذِبِ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ وَابْنُ الصَّلَاح لَا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَتْ أَوْ تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهَا وَلَمْ يَقْطَعْ بِكَذِبِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ وَيُعْمَلُ بِهَا كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(سُئِلَ) رضي الله عنه جَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَ حِفْظِ الْوَلَدِ لِسُوَرٍ مُعِينَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِصِرَافَةٍ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الضِّيَافَةِ لِلْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ هَلْ فِي ذَلِكَ وَفِي خُصُوصِهِ فِي سُوَرٍ مُعِينَاتٍ أَثَرٌ وَهَلْ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ؟
(فَأَجَابَ) صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَا يُجْعَلُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الْوَلَائِمِ الْمَسْنُونَةِ بِجَامِعِ السُّرُورِ وَإِظْهَارِ الشُّكْرِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ وَكَفَى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَدْبِ مَا ذُكِرَ وَلَا أَحْفَظُ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ شَيْئًا مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا خَتَمَ الْبَقَرَةَ ذَبَحَ بَدَنَةً وَلَيْسَ لَوَلِيّ الطِّفْلِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَلَائِمِ الْمَنْدُوبَةِ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(مَسْأَلَةٌ) أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ عَلَى تَرِكَتِهِ وَوَلَدِهِ لِإِنْسَانٍ وَجَعَلَ آخَرَ نَاظِرًا عَلَيْهِ وَأَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِوَلَدِهِ بِأَعْيَانٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّهِ فَصَدَّقَتْ عَلَى الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَحَكَمَ بِذَلِكَ شَافِعِيٌّ ثُمَّ إنَّ النَّاظِرَ اقْتَضَى رَأْيُهُ أَنَّهُ يَدْفَعُ لَهَا مِنْ الْمَقْرُبَةِ لِلْوَلَدِ مَبْلَغًا صُلْحًا عَمَّا ادَّعَتْهُ فِيمَا أَعْذَرَتْ فِيهِ لِمَنَامٍ رَأَتْهُ أَنَّ وَلَدَهَا يُعَذَّبُ مِنْ جِهَتِهَا فَهَلْ لِلنَّاظِرِ ذَلِكَ أَوَّلًا وَيَغْرَمُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِ ثُمَّ اتَّفَقَ النَّاظِرُ وَالْوَصِيُّ عَلَى خَزْنِ مَالِ الْمَحْجُورِ وَعَدَمِ الِاتِّجَارِ فِيهِ مَعَ إخْرَاجِ مُؤَنٍ مِنْهُ كَثِيرَةٍ عَلَى الْوَلَدِ وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ نَحْوَ أَلْفٍ وَثَلَثِمِائَةِ دِينَارٍ فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا
الِاسْتِرْبَاحُ فَيَأْثَمَانِ بِتَرْكِهِ وَيَغْرَمَانِ مَا فَاتَ بِسَبَبِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِمَا أَوَّلًا وَهَلْ لِلْحَاكِمِ حِينَئِذٍ رَفْعُ يَدِهِمَا وَنَصْبُ مَنْ يَسْتَرِيحُ لِلْيَتِيمِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْعَيِّنَةِ وَإِذَا بَلَغَ الْمَحْجُور سَفِيهًا فَهَلْ يُعْتَبَرُ مَنْعُهُ لِلْقَاضِي عَمَّا اقْتَضَاهُ نَظَرَهُ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِدَوَامِ سَفَهِهِ (الْجَوَابُ اعْتِمَادُ النَّاظِرِ فِي إعْطَائِهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنَامِ غَيْرُ سَائِغٍ لَهُ فَيَغْرَمُ مَا فَاتَ عَلَى الْوَلَدِ بِسَبَبِ إعْطَائِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُنْحَةً فِيهِ.
وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي الِاتِّجَارِ لِلْمَحْجُورِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ مُطْلَقًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَقَالَ الْأَقَلُّونَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ إنَّهُ بِقَدْرِ الْمُؤَنِ نَفَقَةً وَزَكَاةً وَغَيْرهمَا وَاجِبً قَالَ الْقَفَّالُ إنْ نَصَّ لَهُ فِي الْإِيصَاءِ إلَيْهِ عَلَى التِّجَارَةِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ الزَّمَانُ آمِنًا وَالسُّلْطَانُ عَادِلًا وَغَلَبَ الرِّبْحُ حَالًا أَوْ مَآلًا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَإِنْ فَاتَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاتِّجَارُ وَحِينَئِذٍ فَامْتِنَاعُ الْوَصِيِّ مِنْ الِاتِّجَارِ مَعَ وُجُودِ شُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ إنْ كَانَ لِاعْتِقَادِهِ النَّدْبَ لَمْ يَأْثَمْ أَوْ مَعَ اعْتِقَادِهِ الْوُجُوبَ أَثِمَ لَكِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بَلْ يُقِيمُ الْحَاكِمُ نَائِبًا عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فِيمَا إذَا امْتَنَعَ وَصِيَّانِ أَلْزَمَهُمَا الْحَاكِمُ بِالْعَمَلِ بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَالُوا لَا يَنْعَزِلُ الْمُمْتَنِعُ بَلْ يُنِيبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِأَنَّ السَّفَرَ بِمَالِ الْمَحْجُورِ حَيْثُ حَرَّمْنَاهُ لَا يَنْعَزِلُ بِهِ الْوَلِيُّ.
وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّا إذَا أَلْزَمْنَا الْوَلِيّ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِ الْمَحْجُورِ فَوْرًا كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَنَا فَامْتَنَعَ لَا يَنْعَزِلُ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ الرِّبْحَ الْفَائِتَ بِسَبَبِ عَدَمِ التِّجَارَةِ فَقَدْ حَكَى أَئِمَّتُنَا وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ التَّصَرُّفَ فَنَقَصَ الْمَالُ أَوْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي حِفْظِهِ كَأَنْ تَرَكَ تَلْقِيحَ طَلْعِهِ أَوْ بَيْعَ فِرْصَادِهِ أَوْ عِمَارَةَ دَارِهِ أَوْ إجَارَتَهَا أَوْ عَلَفَ دَوَابِّهِ حَتَّى مَاتَتْ قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ سَقَى اللَّهُ عَهْدَهُ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الضَّمَانِ فِي الْجَمِيعِ إلَّا فِي الدَّوَابِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِحُرْمَةِ الرُّوحِ وَيُؤَيِّدُ مَا رَجَّحَهُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ لَوْ أَخَذَ ثِيَابًا مُنْقَطِعًا فَمَاتَ بَرْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي ذَاتِهِ شَيْئًا بَلْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ حَبَسَهُ ظُلْمًا فَمَاتَتْ دَوَابُّهُ جُوعًا لَا يَضْمَنُهَا لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الدَّوَابِّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُنَا مُخَاطَبٌ بِدَفْعِ الْمُتْلِفَاتِ لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ مَعَ حُرْمَةِ مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ مِنْ الرُّوحِ الَّتِي يُحْتَاطُ لَهَا أَكْثَرَ فَهُوَ كَالْوَدِيعِ بَلْ أَوْلَى فَضَمِنَهَا لِتَقْصِيرِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَابِسُ فَإِنَّ تَعَدِّيهِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَحْبُوسِ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَحْتَ يَدِهِ وَالِاسْتِرْبَاحُ بِطَرِيقِ بَيْعِ الْعِينَةِ الْخَالِي عَنْ شَرْطٍ مُفْسِدٍ صَحِيحٌ لَكِنْ.
قَالَ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ بِمُعَامَلَةٍ فِيهَا شُبْهَةٌ لِأَنَّ رِعَايَةَ الْمَحْجُورِ فِي الْآخِرَةِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ مَصْلَحَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ مَصْلَحَةِ الْآخِرَة إطْعَامُهُ الْحَلَالَ الْخَالِصَ عَنْ الشُّبْهَةِ وَبَيْعُ الْعِينَةِ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا فَفِيهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] وَكُلُّ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ لَيْسَ مِنْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. اهـ.
مُلَخَّصًا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْإِرْشَادِ عَقِبَهُ وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْعِ السَّفِيهِ وَلَا بِإِذْنِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ مُطَاوَعَتُهُ فِي تَرْكِ مَا لَزِمَ الْحَاكِمَ فِعْلُهُ مِنْ النَّظَرِ فِي مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِرْبَاحِ السَّائِغِ أَمَارَةً عَلَى سَفَهِهِ وَإِنْ لَمْ نُثْبِتهُ بِمُجَرَّدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ رُفِعَ إلَيَّ هَذَا السُّؤَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَحَاصِلُهَا شَخْصٌ أَسْنَدَ وَصِيَّتَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَمَالَهُ لِإِنْسَانٍ وَجَعَلَ النَّظَرَ لِآخَرَ وَقَالَ لَهُمَا أَثْنَاءَ وَصِيَّتِهِ قَصْدِي أَنْ أَخُصَّ وَلَدِي بِمَا هُوَ فِي مِلْكِي مِنْ نُحَاسٍ وَغَيْرِهِ وَعَيَّنَهُ فَقَالَا لَهُ هَذَا حَرَامٌ إجْمَاعًا ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ قِيلَ لَهُ اجْعَلْ الْوَصِيَّةَ بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ لِيَصِحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَأَقْرٍ وَأَثْبَتَ إقْرَارَهُ شَافِعِيٌّ فَلَمَّا مَاتَ الْمُوصِي أُفْهِمَتْ وَالِدَتُهُ أَنَّهُ لَا حَقّ لَهَا فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا مِلْكُ وَلَدِهِ الْمُقَرِّ لَهُ دُونَهَا حَسَبَ إقْرَارِهِ الصَّحِيحِ فَأَعْذَرَتْ ظَانَّةً صِدْقَ مَا قِيلَ لَهَا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ فِي بَاطِن الْأَمْرِ وَأَنَّ الْإِقْرَارَ الْمَذْكُورَ حِيلَةٌ فَادَّعَتْ بِنَصِيبِهَا مِنْ تِلْكَ الْأَعْيَانِ وَتَمَسَّكَتْ بِمَا قَالَهُ وَلَدُهَا مِنْ التَّخْصِيصِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَاسْتَشْهَدَتْ
فِي ذَلِكَ بَيِّنَةً عَادِلَةً تَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ وَطَالَبَتْ الْوَصِيَّ وَالنَّاظِرَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَمَا يَعْلَمَانِهِ مِمَّا سَمِعَاهُ مِنْ لَفْظِ وَلَدِهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْصِيصِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَدَفَعَا لَهَا حِصَّتَهَا مِنْهَا فَهَلْ الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ سِيَّمَا وَالنَّاظِرُ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ بِالْبَلَدِ إذْ ذَاكَ يَرَى بُطْلَانَ الْإِقْرَارِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْ الْمُقِرِّ مَا يُنَافِيهِ فَكَيْفَ.
وَقَدْ سَبَقَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهَلْ ثُبُوتُهُ عَلَى يَدِ شَافِعِيٍّ مَانِعٌ لِلنَّاظِرِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهَا وَمُقْتَضٍ لِإِثْمِهِمَا أَمْ لَا لِفِعْلِهِمَا مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ الْمُنْحَصِرَ الْإِرْثُ فِيهِ أَعْذَرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ لِلْجَدَّةِ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَرَجَعَ مَا أَخَذَتْهُ إلَيْهِ وَهَلْ الِاسْتِرْبَاحُ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا أَوْ لَا مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا أَمِينًا وَإِنْ وَجَدَاهُ فَأَنَّمَا يَأْخُذ الْمَالَ بِصُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ إجْمَاعًا أَوْ عَلَى قَوْلٍ فَهَلْ يَسْتَرْبِحَانِ فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ لَا وَهَلْ تَرَكَهُمَا الِاسْتِرْبَاحَ لِهَذَا الْمَعْنَى جُنْحَةٌ فِيهِمَا أَمْ لَا وَهَلْ يَتَصَرَّفُ النَّاظِرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَمْ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ صَاحِبِ الْمَالِ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِتَغْرِيمِ الْوَصِيِّ وَالنَّاظِرِ مَا صَرْفَاهُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَوَازِمِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَزَكَاتِهِ الْوَاجِبَةِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَرْبِحَا فِيهِ أَوْ لَا وَإِذَا فَعَلَا مَا هُوَ الْحَقُّ فَهَلْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ تَعَرُّضٌ لَهُمَا بِعَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَا (الْجَوَابُ) إذَا ثَبَتَ وَلَوْ بِشَهَادَةِ الْوَصِيِّ وَالنَّاظِرِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا عَلَى الْمَحْجُورِ قَوْلُ الْمُوصِي قَصْدِي أَخُصُّ بِمَا فِي مِلْكِي مِنْ كَذَا وَكَذَا وَلَدِي ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ حَالًا لِوَلَدِهِ كَانَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا فَقَدْ صَرَّحَ أَئِمَّتُنَا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ دَارِي الْمَمْلُوكَةُ لِي لِزَيْدٍ كَانَ بَاطِلًا لِلتَّنَاقُضِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَلَّكَهُ حَالًا انْتَفَى الْإِقْرَارُ بِهِ أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يُمْكِنُ الِانْتِقَالُ فِيهَا لِلْوَلَدِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا سَبَقَ مِنْهُ وَإِذَا بَطَلَ الْإِقْرَارُ بِشَرْطِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ وَمَعَ بُطْلَانِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا الدَّفْعُ لِأَنَّهُ مَا يَخُصُّهَا مِنْ تِلْكَ الْأَعْيَانِ وَلَا عِبْرَةَ بِتَصْدِيقِهَا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعُذْرِهَا فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَ شَخْصٌ دَارًا وَأَقَرَّ ابْنُهُ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْأَبِ الْبَائِعِ حَالَ الْبَيْعِ ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ أَنَّ الْأَبَ كَانَ وَقَفَهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ جَهِلَ ذَلِكَ حِينَ إقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَغَوِيّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي دَعْوَاهُ هَذِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَيَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِهِ كَأَنْ كَانَ طِفْلًا وَقْتَ الْوَقْف. اهـ.
وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَقَوْلُ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْمَذْكُورَةُ ضَعِيفٌ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالدَّفْعُ الْمَذْكُورُ لِلْأُمِّ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا صَحِيحٌ لَا فِسْقَ فِيهِ وَلَا انْعِزَالَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمَا وَإِنْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ وُجُودَ مَا مَرَّ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ دَافِعٌ لِصِحَّةِ حُكْمِهِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ النَّاظِرِ وَالْوَصِيِّ الْعَمَلَ بِعِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَكَانَ مِمَّنْ يَرَاهُ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَوَقْفٍ وَغَيْرِهِمَا كَسَائِرِ الْإِمْلَاك فِي الْبَاطِنِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُغَيِّرُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ سِيَاسَةً شَرْعِيَّةً. اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ الشَّرَفُ الْغَزِّيُّ فِي أَدَب الْقَضَاءِ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ. اهـ. فَإِنْ قُلْتَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ إنَّمَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا فَقَطْ أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ نَفَذَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ مَا ذَكَرَهُ قُلْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ لَمْ يَغْفُلُوا عَنْهُ بَلْ فَرَّعُوا مَا قَالُوهُ حَتَّى عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا أَيْضًا وَمَعْنَى نُفُوذِهِ بَاطِنًا فِي الْمُخْتَلَف فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَاطِنًا أَيْضًا الْعَمَلُ بِقَضِيَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِصِحَّتِهِ لَا يُخَالِفُ الْمِلْكَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَوَائِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِمَا لَا بِالنِّسْبَةِ لِاسْتِحْقَاقِ مَنْفَعَتِهِمَا فَلَمْ يَتَوَجَّهْ حُكْمُ الْحَنَفِيِّ بِالصِّحَّةِ إلَّا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْفَوَائِدِ وَبَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَيَفْعَلَ فِيهِ حُكْمُ الْأَمْلَاكِ هَذَا غَايَةُ مَا يَتَوَجَّهُ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ وَبُعْدٍ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ تِلْكَ مَقَالَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ الضَّعِيفِ وَعَلَى ضَعْفِهَا فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فِسْقِ النَّاظِرِ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الدَّفْعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ
أَنَّ لَنَا وَجْهًا بِقَبُولِ قَوْلِ الْوَصِيِّ فِي عَيْنٍ مِنْ التَّرِكَةِ هَذِهِ لِفُلَانٍ.
وَوَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ مَالٌ لِمَيِّتٍ فَقَالَ أَوْصَى إلَيَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ أَصْرِفَهُ فِي كَذَا قَبْلُ ذَكَرَهُ شُرَيْحٌ فِي رَوْضَتِهِ فَإِذَا دَفَعَ ظَانَّا إفَادَةَ عِلْمِهِ ظَاهِرًا أَوْ مُقَلِّدًا لِلْقَائِلِ بِصِحَّةِ إقْرَارِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي وِلَايَته لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا مَحْظُورًا فِي اعْتِقَادِهِ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي حَنَفِيٍّ شَرِبَ النَّبِيذَ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ قَالُوا أَمَّا حَدُّهُ فَلِضَعْفِ شُبْهَتِهِ إذْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ أَيْ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرْ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِهِ فَلَمْ تَبْطُلْ عَدَالَتُهُ وَالِاسْتِرْبَاحُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ لَهُ شُرُوطٌ مُقَرَّرَةٌ فِي مَحَلِّهَا فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَصِيُّ مَعَ وُجُودِهَا وَسُهُولَتِهَا عَلَيْهِ أَثِمَ وَلَا يَنْعَزِلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ مِنْهَا قَوْلُهُمْ لَوْ اخْتَلَفَ وَصِيَّانِ فِي التَّصَرُّفِ أُلْزِمَا بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مَصْلَحَةً فَإِنْ امْتَنَعَا لَمْ يَنْعَزِلَا بَلْ يُنِيبُ عَنْهُمَا اثْنَيْنِ لِيَتَوَلَّيَاهُ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَصْلَحَةِ فَإِنْ امْتَنَعَ وَاحِدٌ فَقَطْ أَنَابَ عَنْهُ. اهـ. وَمِنْهَا قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ حَيْثُ مَنَعَ الْوَلِيَّ مِنْ السَّفَرِ بِمَالِ مَحْجُورِهِ فَتَعَدَّى وَسَافَرَ بِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعَدِّي كَمَا لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِكُلِّ فِسْقِ. اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَمُولِيُّ فِي جَوَاهِرِهِ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِيه قَوْلُ الْقَاضِي نَفْسِهِ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَلِيّ أَوْ الْقَيِّمُ الْهَدِيَّةَ أَوْ الْوَصِيَّةَ لِمُوَلِّيهِ أَثِمَ وَانْعَزَلَ لِتَرْكِهِ النَّظَرَ قُلْتُ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّهُ هُنَا فَوَّتَ عَلَيْهِ عَيْنًا مَوْجُودَةً مَحْسُوسَةً بِخِلَافِ مُجَرَّدِ سَفَرِهِ بِالْمَالِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ خَشْيَةُ فَوَاتٍ وَلَمْ تُوجَدْ وَفَرْقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ التَّفْوِيتِ وَخَشْيَةِ الْفَوَاتِ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ قَيَّدَ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَب بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِد التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ لِابْنِهِ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُوَيْنِيِّ وُجُوبُهُ فِي الْوَصِيَّةِ دُونَ الْهَدِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْمُكَافَأَةَ وَمَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى الْوُجُوب عَلَى نَحْوِ الْوَصِيِّ إذْ لَا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ ثُمَّ قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّوَدُّدَ إلَى الْأَبِ لِوِلَايَةٍ أَوْ قَضَاءٍ وَإِلَّا فَهُوَ طَرِيقٌ إلَى الرِّشْوَةِ لِوُلَاةِ السُّوءِ وَقُضَاتِهِ. اهـ.
قَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ حَقٌّ وَصَوَّبَهُ فِي الْخَادِمِ بَلْ زَادَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ الْقَاضِي الْقَبُولُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّشْوَةِ وَمِنْهَا قَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ فَوْرًا أَيْ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فَلَمْ يُخْرِجْهَا لَمْ يَنْعَزِلْ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا فَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ عَنْ الْقَاضِي فِي السَّفَرِ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْوَصِيَّيْنِ السَّابِقَةِ عَلَى أَنَّ الصَّيْمَرِيَّ مِنْ أَكَابِرِ أَئِمَّتِنَا قَالَ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِلْمَحْجُورِ مُطْلَقًا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَى التُّجَّارِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ تِلْمِيذُهُ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَجُوزُ الِاتِّجَارُ إلَّا إنْ كَانَ الزَّمَانُ أَمِينًا وَالسُّلْطَانُ عَادِلًا وَالتِّجَارَةُ مُرْبِحَةً حَالًا أَوْ مَآلًا بِغَلَبَةِ الظُّنُونِ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِمُوَلِّيهِ بِصُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ إجْمَاعًا أَوْ فِي اعْتِقَادِ الْوَلِيِّ وَأَمَّا مَا فِيهِ شُبْهَةٌ فَلِلسُّبْكِيِّ فِي فَتَاوِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فِيهِ حَاصِلُهُ اخْتَلَفُوا فِي الِاتِّجَارِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ أَيْ دُونَ الزَّائِدِ وَالْوُجُوبُ مَشْرُوطٌ بِالسُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ وَأَمَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ لِأَنَّا نَرَى حُذَّاقَ التُّجَّارِ يُكِدُّونَ أَنْفُسَهُمْ وَفَائِدَتُهُمْ غَالِبًا لَا تَفِي بِكُلْفَتِهِمْ وَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لَعَلَّهُ كَانَ حِينَ تَيَسُّرِ الْكَسْبُ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا مُكْسٍ وَلَا خَوْفٍ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهَذَا أَعَزُّ شَيْءٍ يَكُونُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَخْسَرُونَهُ وَلَوْ قَدَرَ كُلُّ مَنْ مَعَهُ مَالٌ عَلَى اسْتِنْمَائِهِ قَدْرَ نَفَقَتِهِ كَانُوا سُعَدَاءَ وَنَحْنُ نَرَى أَكْثَرَهُمْ مُعْسِرِينَ وَلَا أَعَزَّ عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ فَلَوْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ لَفَعَلُوهُ فَكَيْفَ يُكَلَّفُ بِهِ وَلِيُّ الْيَتِيمِ فَقَدْرُ الْمُؤَنِ وَاجِب عِنْدَ السُّهُولَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا عَلَى أَنَّهَا مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ عَسِرَةٌ إذْ لَا وُثُوقَ بِالْأَسْعَارِ فَقَدْ يَخْسَرُ فَيَغْرَمُ وَيُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرَّطَ وَاشْتَرَى بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ.
وَالْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ حِينَئِذٍ جَيِّدٌ ثُمَّ الِاتِّجَارُ لَهُ بِشُرُوطِهِ حَلَالٌ قَطْعًا وَأَمَّا مَا يَعْتَمِدُونَهُ الْآنَ مِنْ طَلَبِ أَلْفٍ بِفَائِدَةِ مِائَتَيْنِ مَثَلًا مِمَّنْ يَفْعَلُ الْحِيلَةَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَهَذِهِ لَمْ يَنُصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي مَالِ
الْيَتِيمِ وَفِيهَا خَطْرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُوَفِّي حِينَ الْحُلُولِ لَمَطْلٍ أَوْ خُسْرَانٍ أَوْ إعْسَارٍ وَيَخْرُجُ رَهْنُهُمْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَعَلَى سَلَامَتِهَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِيهَا الْكَرَاهَةُ وَالشُّبْهَةُ لِقَوْلِ إمَامَيْنِ كَبِيرَيْنِ وَأَتْبَاعِهِمَا بِتَحْرِيمِهَا وَبُطْلَانِهَا وَمِنْ مَصَالِحِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُونُهُ عَنْ أَكْلِ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَعَنْ اخْتِلَاطِ مَالِهِ بِهِ وَيَحْرِصُ عَلَى إطْعَامِهِ الْحَلَالَ الْمَحْضَ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ مَالُهُ كُلُّهُ مِنْهُ وَهِيَ مَصْلَحَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ أَمَّا أُخْرَوِيَّةٌ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا لَكِنَّ الْجَسَدَ النَّابِتَ مِنْ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَعْلَى دَرَجَةً فِي الْآخِرَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَمَّا دُنْيَوِيَّةٌ فَلِأَنَّ الْجَسَدَ النَّاشِئَ عَنْ الْحَلَالِ يَنْشَأُ عَلَى الْخَيْرِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِهِ الشُّبُهَاتِ يُبَارَكُ لَهُ فِي الْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ مُحَقَّقَةٌ وَالْفَائِدَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي يَكْتَسِبهَا بِالْمُعَامَلَةِ السَّابِقَةِ دُنْيَوِيَّة مَحْضَة فَتَعَارَضَ مُصْلِحَتَانِ أُخْرَوِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةُ وَرِعَايَةُ الْأُخْرَوِيَّةِ أَوْلَى فَكَانَ الْأَحُظُّ وَالْأَصْلَحُ لِلْيَتِيمِ تَرْكُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ تَرْكُهَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] دِينًا وَأُخْرَى حَلَالٌ قَطْعًا وَغَيْرُ الْأَحْسَنِ فِيهِمَا مُمْتَنِعٌ قَطْعًا وَالْأَحْسَنُ فِي الْآخِرَة فَقَطْ أَحْسَنُ مِنْ الْآخِرِ فَهُوَ الْأَحْسَنُ مُطْلَقًا فَأَنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَيَأْكُلُ مَالَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَهُ غَيْرُهُ. اهـ.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْبَغِي لَهُ تَجَنُّبُ مَا فِيهِ الشُّبْهَةُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي كَلَامِهِ وَأَنَّ تَرْكَهُ الِاتِّجَارَ لِذَلِكَ غَايَةُ الْإِحْسَانِ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِوَجْهٍ وَالْعِبْرَةُ فِي تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنْ الْمُوصِي وَالنَّاظِرِ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ صَاحِبِ الْمَالَ وَلَا بِمَذْهَبِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ حَيْثُ قَالُوا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ صَبِيًّا كَانَ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَفِيهًا فَعَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا مِنْهُ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنْ نَهَاهُ الْإِمَامُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَإِنْ خَافَ مِنْ الْإِمَامِ أَخْرَجَهَا سِرًّا فَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا تَعَدِّيًا أَخْرَجَهَا الْمَحْجُورُ إذَا كَمُلَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَلِيّ إخْرَاجُهَا إذَا كَانَ يَرَى وُجُوبَهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقَفَّالُ لَوْ كَانَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ لَمْ يَخْرُجْهَا لِئَلَّا يُلْزِمَهُ قَاضِي مَذْهَبِهِ بَلْ الِاحْتِيَاطُ لَهُ ضَبْطُهَا إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْمَحْجُورُ فَيُعَرِّفَهُ لِيُخْرِجَهَا. اهـ.
وَلَا يَتَعَيَّنُ الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ بَلْ يُغْنِيه عَنْهُ اسْتِئْذَانُ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ فِي إخْرَاجِهَا أَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ بَعْدَ إخْرَاجِهَا حَتَّى يَحْكُمَ لَهُ بِعَدَمِ مُطَالَبَةِ الْمَوْلَى لَهُ بِهَا إذَا كَمَّلَ وَبِعَدَمِ تَعَرُّضِ الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ لَهُ بِتَغْرِيمِهِ إيَّاهَا وَقَيِّمُ الْحَاكِمِ يَعْمَلُ بِمَذْهَبِهِ لَا بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ كَحَاكِمٍ أَنَابَ حَاكِمًا آخَر يُخَالِفُهُ فِي مَذْهَبِهِ وَالْأَوْجَهُ مَنْ تَرَدَّدَ لَهُ فِي الْوَلِيّ الْعَامِّ الصَّرْفُ إذَا لَمْ يُلْزِمْهُ حَاكِمٌ يَرَاهَا بِإِخْرَاجِهَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِمِثْلِ مَا مَرَّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْقَفَّالِ السَّابِقِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَا عَلَى النَّاظِرِ فِيمَا فَاتَ بِسَبَبِ تَرْكِهِمَا الِاسْتِرْبَاحَ مِنْ الرِّبْحِ الْمُتَوَهَّمِ لَوْ اتَّجَرَ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يَضْمَنْ بِتَرْكِ عِمَارَةِ الدَّارِ حَتَّى خَرِبَتْ أَوْ بَيْع الْفِرْصَادِ أَوْ تَلْقِيحِ الطَّلْعِ حَتَّى فَسَدَ فَأَوْلَى هَذَا لَا يَأْتِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ فِيهَا فَوَاتَ عَيْنٍ مَحْسُوسَةٍ مَوْجُودَةٍ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ بِخِلَافِ الرِّبْحِ الْمُتَوَهَّمِ وَحَيْثُ كَانَا عَلَى الْحَقِّ لَمْ يَسُغْ لِحَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لَهُمَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه سُؤَالًا صُورَتُهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ بَجِيلَةَ يَتَبَرَّكُونَ بِرَجُلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فَيَأْتُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ بِهِ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ يَتِيمٌ فَيَأْخُذُ الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ الْمُخْتَلِطِ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَيَأْتِي بِهِ إلَيْهِ لِلتَّبَرُّكِ فَهَلْ يَحِلُّ لِهَذَا الرَّجُلِ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْيَتِيمِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَيِّي الدَّيْنِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَصِيِّ أَيْتَامٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ عِيَالٌ وَلَهُ وَلِلْأَيْتَامِ مِلْكٌ مُشْتَرَكٌ وَيَأْكُلُونَ كُلُّهُمْ جَمِيعًا وَيُضَيِّفُ الْوَصِيُّ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ نَاسًا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيتَامِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْأَيْتَامِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
فَهَلْ هُوَ كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَذَاكَ وَإِنْ
قُلْتُمْ لَا فَمَا الْفَرْقُ أُوضِحُوا الْقَوْلَ لَنَا فِي ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ مُوَلِّيه وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ الضِّيَافَةَ لِتَأَكُّدِهَا سَامَحُوا فِيهَا مَا لَمْ يُسَامِحُوا فِي غَيْرِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَفْوِيتُ شَيْءٍ عَلَى الْيَتِيمِ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّ الْوَلِيَّ هَيَّأَ ذَلِكَ الطَّعَامَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتِيمِ ثُمَّ أَفْرَزَ مِنْهُ لِلْيَتِيمِ كِفَايَتَهُ فَبَقِيَتْ حِصَّةُ الْوَلِيِّ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَكْلِهَا وَلَهُ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهُ مَعَهُ فِيهَا فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ النَّوَوِيُّ لِمَا ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْأَيْتَامِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ.
وَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ الْحَيْفِ إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا بِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّائِلُ فَإِنَّ فِي إعْطَاءِ الْوَلِيِّ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَك بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتِيمِ حَيْفًا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ أَضْيَافٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ لِأَجْلِهِمْ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَكْفِيه وَيَكْفِي يَتِيمَيْهِ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ فِيهِ حَيْفًا عَلَى الْيَتِيمِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ التَّبَرُّعُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِفَلْسٍ حَرُمَ عَلَى الْوَلِيّ أَعَطَاؤُهُ وَعَلَى غَيْرِهِ قَبُولُهُ وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِصَبِيٍّ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ لِبَالِغٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَقَارٌ أَوْ مَعَهُ بَعْضُ مَا يُوَفِّي مَا عَلَيْهِ فَمَا الْحِلْيَة فِي جَوَازِ سَفَرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْغَرِيمِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ سَفَرُ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ دَائِنِهِ لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَالْمَدِينُ مُوسِرًا فَإِذَا وُجِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فَلَا حِيلَةَ فِي جَوَازِ السَّفَرِ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّائِنِ وَإِنْ فُقِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا جَازَ السَّفَرُ فَلَا يَحْتَاجُ لِحِيلَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَقَارَ يَجِبُ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ فَلَا يَجُوز لِمَنْ لَهُ عَقَارٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ السَّفَرُ إلَّا إذَا بَاعَهُ وَوَفَّى بِهِ فَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ جَازَ لَهُ السَّفَرُ بِلَا إذْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفَ؟
(فَأَجَابَ) نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْتَى الْقَفَّالُ عَنْ ضَيْعَةٍ خَرَابٍ يُطْلَبُ مَالُهَا مِنْ الصَّبِيِّ وَتَسْتَأْصِلُ مَالَهُ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَوْ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُ بَيْعَ كُلِّ مَا خِيفَ غَصْبُهُ أَوْ هَلَاكُهُ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ نَقْصُ الصَّغِيرَة عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْمَصْلَحَةِ وَأَخَذَ مِنْهُ ابْن عُجَيْلٍ مَسْأَلَتنَا وَمَثَّلَهُ بِمَا لَوْ أَبِقَ عَبْدُ الْمَحْجُورِ الْمُكْتَسِبِ مَالًا وَتَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ وَمَا مَعَهُ فَبَاعَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِ الْكَسْبِ مِنْهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَشَرَطَ أَنْ يَرُدَّ لَهُ الْكَسْبُ جَازَ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ هَذَا وَعْدًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ لَوْ زَادَ رَاغِبٌ وَقَدْ بَاعَ الْوَكِيلُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ انْفَسَخَ الْبَيْع وَإِنْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَجْوِيزُهُمْ تَعْيِيبَ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا خِيفَ أَخْذُ ظَالِمٍ لَهُ كَقَضِيَّةِ السَّفِينَةِ مَعَ الْخَضِرِ وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ سُرِقَ أَحْسَنُهُمَا وَلَمْ يَرُدَّهُ اللِّصُّ إلَّا بِأَخْذِ الْأَدْوَنِ جَازَ إعْطَاؤُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى بَيْنَ أَهْلِ بَلَدٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْبَيْعِ عَلَى الْيَتِيم إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي مُبَادَلَةِ عَقَارٍ بِعَقَارٍ أَحْسَنَ مِنْهُ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَكَابِرُ بَلْدَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ مُحَكَّمٍ وَبَادَلُوا بِحَدِيقَةٍ لِلْيَتِيمِ فِي حَدِيقَةٍ أُخْرَى أَحْسَنَ مِنْ حَدِيقَةِ الْيَتِيمِ وَظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمُبَادَلَةَ أَصْلَحُ لِلْيَتِيمِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ وَلِيٌّ وَلَا قَاضٍ بِالْبَلَدِ جَازَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ إذَا لَمْ يَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ أَحَدٍ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى نَصْبِ قَاضٍ كَانَ وَلِيًّا لِلْيَتَامَى فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ أَوْ يُفَوِّضَ إلَى عَدْلٍ أَمِينٍ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالْمَصْلَحَةِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَعَلَى أَهْل تِلْكَ الْبَلَدِ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا وَالْقَاضِي يَبِيعُ تِلْكَ الْحَدِيقَةِ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ امْرَأَةٍ شَهِدَ لَهَا أَجْنَبِيٌّ بِالرُّشْدِ هَلْ يُقْبَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْبُرْهَانُ الْمَرَاغِيّ وَغَيْرُهُ بِالْقَبُولِ وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدَّيْن بْنُ خَلِّكَانَ بِأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ الْمَحَارِمِ وَلَفْظُهُ وَاخْتِبَارُ الْمَرْأَةِ مَعَ عِلْمِ صَلَاحِهَا لِقِلَّةِ مُخَالَطَتِهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَبْعَدُ فَتَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ بِمِثْلِ
مَا وُصِفَتْ بِهِ. اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِنَّ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ وَيَجْعَلُ نِسَاءً ثِقَاتٍ يُشْرِفْنَ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ غَزَلْنَ وَاسْتَغْزَلْنَ وَنَسَجْنَ وَاسْتَنْسَجْنَ سُلِّمَ الْمَالُ إلَيْهِنَّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَخْصِيصِ الشَّهَادَةِ بِالْمَحَارِمِ وَهَذَا مَوْضِعُ بَيَانهِ وَلَوْ كَانَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه يُشِيرُ إلَيْهِ لَبَيَّنْتُهُ وَإِنَّمَا تُعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ لِلطَّرِيقِ الْغَالِبِ فِي الِاخْتِبَارِ دُونَ الشَّهَادَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَتُخْتَبَرُ بِأَنْ يُعَامِلَهَا مَحَارِمُهَا وَالنِّسْوَانُ وَتُؤْمَرَ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْقُطْنِ وَالْغَزْلِ إلَخْ.
وَقَالَ فِي الْحَاوِي وَاخْتِبَارُهَا فِي رُشْدِهَا أَصْعَبُ مِنْ اخْتِبَارِ الْغُلَامِ لِأَنَّ أَظْهَرُ وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى اخْتِبَارَهَا ذَوُو مَحَارِمهَا وَنِسَاءُ أَهْلِهَا بِخِلَافِ الْغُلَامِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ اخْتِبَارُهُ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَحَالُ النِّسَاءِ أَيْضًا مُخْتَلِفٌ فِي الْبُرُوزِ وَالتَّحْصِينِ فَيَدْفَعُ إلَيْهَا مِنْ مَالِهَا مَا تَتَوَلَّى إنْفَاقَهُ عَلَى نَفْسِهَا فِي تَدْبِيرِ خَدَمهَا إلَخْ وَصَرَّحَ هُوَ وَالْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا فَرْق فِيمَا ذَكَرَهُ بَيْنَ أَنْ تُزَوَّجَ أَوَّلًا قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ وَيَخْتَبِرُهُ الْوَلِيُّ اخْتِبَارَ مِثْلِهِ مِنْ تِجَارَةٍ إنْ كَانَ تَاجِرًا أَوْ بَنَّاءً إنْ كَانَ بَانِيًا أَوْ إصْلَاحِ أَمْرِ الْبَيْتِ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِبَارِ الْوَلِيِّ الْمَرْأَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِيَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ مَاتَ بِمَحَلٍّ لَا حَاكِمَ بِهِ وَلَهُ فِيهِ مَالٌ وَعِيَالٌ صِغَارٌ فَمَنْ الْقَيِّمُ عَلَيْهِمْ وَمَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءَ دُيُونِهِ وَنَحْوِهَا وَمَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ عَمَّ الْفِسْقُ أَهْلَ الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ عِنْدَهُ يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ لَوْ سَلَّمَهُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَافَ ضَيَاعَهُ وَلَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا وَصِيٍّ شَرْعًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ كَصَاحِبِ التَّعْجِيزِ قِيَاسًا عَلَى أَوْقَافِ الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَاظِرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِصُلَحَاءِ الْمَوْضِعِ صَرْفُهَا فِي مَصَارِفِهَا ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَيَجُوزُ لَهُ مُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلَحُ وَلَهُ اسْتِخْدَامُهُ بِمَا هُوَ تَخْرِيجٌ لَهُ وَتَدْرِيجٌ قَاصِدًا مَصْلَحَتَهُ وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَا يُعَدُّ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً وَمَا سِوَاهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَعِبَارَةُ صَاحِبِ التَّعْجِيزِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلطِّفْلِ وَلِيٌّ أَوْ وُجِدَ حَاكِمٌ جَائِرٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّظَرُ فِي مَالِهِ وَحِفْظُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ لِلْأَخِ وَالْعَمِّ وَنَحْوِهِمَا تَعْلِيمُ الصَّبِيِّ وَتَأْدِيبُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِصَايَةٌ.
وَسُئِلَ الْجَمَالُ بْنُ ظَهِيرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ وَلَمْ تُوجَدْ الْعَدَالَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ وِلَايَتُهُمْ تَعَطَّلَتْ أَحْوَالُ الْأَيْتَامِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَحْتَاطُ وَيَنْظُرُ أَقْرَبَهُمْ إلَى الْعَدَالَةِ إذَا فُقِدَتْ شُرُوطُهَا أَوْ بَعْضُهَا مِنْهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إلَى الْأَمَانَةِ وَأَقُلْهُمْ تَعَاطِيًا لِمَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ فَيُقَامُ عَلَى الْأَيْتَامِ وَيُوصِي إلَيْهِ مَنْ لَهُ الْإِيصَاءُ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ إذْ لَا يُسْتَغْنَى عَمَّنْ يَقُومُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُور.
وَسُئِلَ أَبُو شُكَيْلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا لَمْ يَثِقْ الْحَاكِمُ بِأَحَدٍ فِي تَسْلِيمِ نَفَقَةِ الطِّفْلِ إلَيْهِمْ إلَّا أُمَّهُ لِكَوْنِهَا أَشْفَق لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي مَعَ عُمُومِ الْفِسْقِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى الْحَاكِم هَلْ فِي التَّسْلِيمِ إلَيْهَا رُخْصَةٌ لِعَدَمِ عَدْلٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَسُوغَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ إذْ لَا غِنَى عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا الْيَتِيمِ وَإِذَا تَوَقَّفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَلَبِ الْعَدْلِ ضَاعَ. اهـ. وَبِهَذَا كُلِّهِ إنْ سَلِمَ يُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَاتِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا حَالَ الْبَيْعِ فَهَلْ يُقْبَلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الْقِصَاصِ وَغَيْره سَمَاعُ الدَّعْوَى وَتَصْدِيقُ الْمُدَّعِي الْمَذْكُورِ بِيَمِينِهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ إذَا ادَّعَى حَجْرَ السَّفَهِ الْمُقَارِنِ لِلْبُلُوغِ وَلَمْ تَتَوَفَّرْ قَرَائِنُ الْحَالِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْوَسِيطِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِأَنَّ حَجْرَهُ حَجْر السَّفَهِ مَثَلًا فَإِنْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ اسْتَفْصَلَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يَذْكُرَ حَجْرًا مُسْتَدَامًا مِنْ الصِّبَا أَوْ طَارِئًا كَحَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَفِي الْأَوَّلِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ إلَى الْبَيْعِ وَفِي الثَّانِي الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي النِّكَاحِ وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ الْبَيْعِ بِعْته وَأَنَا مَحْجُورٌ عَلَيَّ أَيْ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ لَمْ يَعْهَدْ لِلْبَائِعِ مَا ادَّعَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي
بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ تَحْرِيرِهِ قَوْلَهُ يَعْنِي الْمِنْهَاجَ وَلَوْ قَالَ كَاتَبْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ قَالَ أَيْ بِسَفَهٍ طَارِئٍ أَوْ بِفَلَسٍ فَلَوْ كَانَ بِصِبًا أَوْ بِسَفَهِ مُقَارَن لِلْبُلُوغِ لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ إنْ عَرَفَ سِبْقَ مَا ادَّعَاهُ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(وَسُئِلَ) سُؤَالًا صُورَتُهُ ذَكَرُوا أَنَّ السَّفَر بِمَالِ الْيَتِيم فِي الْبَحْر لَا يَجُوز فَهَلْ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ وَلَا طَرِيقَ آمِنَ إلَّا الْبَحْر وَالْيَتِيم مُحْتَاج إلَى مَالِهِ لِمُؤْنَتِهِ وَهَلْ يَجُوز نَقْلُ مَالِهِ فِي الْبَحْر إذَا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ظَالِم أَوْ يَتَعَيَّن الْإِقْرَاض فِي كِلَا الصُّورَتَيْنِ وَلِلْمُقْتَرِضِ السَّفَر وَهُوَ فِي ذِمَّته إذَا اقْتَرِضْهُ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَال أَوْ مِنْ وَكِيل وَلِيِّهِ إذَا كَانَ سَفَره إلَى بَلَد الْيَتِيم لِيُوَفِّيَ الْوَلِيّ مَا فِي ذِمَّته؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِجِوَازِ رُكُوب الْبَحْر حِينَئِذٍ لِأَنَّ الضَّرُورَة دَعَتْ إلَى ذَلِكَ وَأَمَّا قَرْضُهُ مِنْ مَلِيٍّ ثِقَةٍ فَجَائِزٌ لِلْقَاضِيَّ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ لِلْمُقْتَرَضِ السَّفَر إلَى بَلَد الْيَتِيم إذَا طَلَب قَاضِي بَلَد الْيَتِيم إشْخَاصَهُ إلَيْهِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ السَّفَرَ بِمَالِهِ فِي الْبَحْرِ إذَا دَعَتْ إلَى شِرَاء مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ بِأَكْثَر مِنْ ثَمَن مِثْلِهِ جَازَ فَأَوْلَى هَذَا لِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ تَحَقُّقُ فَوَات الزَّائِد عَلَى ثَمَن الْمِثْل.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ قَوْل الْأَنْوَار يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُضَيِّف مِنْ مَالِهِ إلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مَفْرُوضٌ فِي مَخْلُوطٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِيَأْكُلَا مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ عِيَالَهُ مِنْهُ وَيُضَيِّفَ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْيَتِيمِ حَيْفٌ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا فِي الْأَنْوَارِ عَنْ فَتَاوَى ابْنِ عَبْدَانَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ يَتِيمٍ وَلَا وَصِيَّ وَلَا حَاكِمَ أَمِين جَازَ لِلْأَمِينِ مِنْ أَقَارِبِهِ بَيْعُ مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ مُتَّجِهٌ فَقَدْ أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ فِي الْحَجِّ مَا يُؤَيِّدُهُ وَحِينَئِذٍ فَلِلْأُمَّيْنِ الْمَذْكُورِ النَّظَرُ فِي أَمْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَمُخَالَطَتُهُ فِي الْأَكْلِ بِمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا فِي نُكَتِ ابْنِ كَبَّنَ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فَاسِقًا فِي بَيْعِ مَالِ مَحْجُورِهِ هَلْ هُوَ مُعْتَمَدٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ هُوَ مُعْتَمَدٌ
رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْوَكِيلَ حَيْثُ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ إنَّمَا يُوَكِّلُ أَمِينًا إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتنَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ بَلَغَ وَلَمْ يَثْبُتْ رُشْدُهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ وَمَاتَ فَادَّعَى الْآخِذُ مِنْهُ أَنَّهُ رَشِيدٌ وَوَارِثُهُ أَنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ فَمَنْ الْمُصَدَّق مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُصَدَّقُ الْوَارِثُ كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مُتَأَخِّرُونَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ السَّفَهِ وَلِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَجْرِ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ إذَا ثَبَتَ رُشْدُهُ فَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ كَانَ الْحَجْرُ بَاقِيًا وَمَنْ قَالَ الْأَصْلُ بَقَاءُ الرُّشْدِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ حَالَة رُشْدٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي سَفَهِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ مُدَّعِي الرُّشْدِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ حِينَئِذٍ وَحَلِفُ الْوَارِث فِي صُورَةِ السُّؤَالِ يَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالرُّشْدِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الْوَلِيّ لِمَالِ مَحْجُورِهِ نَسِيئَةً يَتَأَتَّى فِي إجَارَةِ أَرْضِهِ كَذَلِكَ وَفِي إجَارَةِ نَاظِرِ وَقْفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي إجَارَةِ أَرْضِهِ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعِهَا وَأَمَّا إجَارَةُ الْوَقْفِ فَحَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ كَانَ كَالْوَلِيِّ وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ كَمَا إذَا كَانَ الْمُؤَجِّرُ يَسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةَ فَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ وَإِنْ جَرَتْ مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ فِي حَقِّهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ وَلِيٍّ تَحْتَ حَجْرِهِ أَيْتَامٌ شُرَكَاءُ فِي مَالٍ فَاشْتَرَى مِنْهُ لَهُمْ شَيْئًا فَهَلْ يَقَعُ لَهُمْ بِحَسَبِ رُءُوسِهِمْ أَوْ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْأَوْجَهُ وِفَاقًا لِلْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْصِلْ ذَلِكَ وَلَا نَوَاهُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى السَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قِنٍّ اُشْتُرِيَ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فَيُمَكَّنُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَهَلْ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ وَهَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ حِينَئِذٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَهَلْ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا أَوْ لَا وَشِرَاءُ الْمُسْلِمُ أَطْفَالَ الْكَفَرَةَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا لِلْحُكْمِ بِعِتْقِهِمْ لِوُقُوعِهِمْ فِي مِلْكِ الْأَصْلِ كَمَا إذَا مَلَكَ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ
الصَّادِرِ مِنْ حُرٍّ أَوْ قِنٍّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِأَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ وَلَا أَكْمَلَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً فَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفْرِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ مُصْحَفٍ إلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ وَرُجِيَ إسْلَامُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَا يُزَكَّى عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ وَمَنْ أَفْتَى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَدْ وَهِمَ وَلَا يُزَوَّجُ إنْ كَانَ امْرَأَةً لِمُسْلِمٍ إلَّا إنْ وُجِدَتْ فِيهَا شُرُوطُ نِكَاحِ الْكَافِرَةِ وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ إلَّا مِنْ مَالِكٍ وَهَذَا مَتَى مَلَكَهُ عَتِّقْ عَلَيْهِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ وَلِيِّ يَتِيمٍ بِيَدِهِ مَالٌ لِلْيَتِيمِ وَالْوَلِيُّ وَالْمَالُ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّتِي بِهَا الْيَتِيمُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْمَذْكُورِ الْمُسَافِرَةُ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ مِنْهَا لَوْ تَرَكَ الْمَالَ فِيهَا أَمْ لَا فَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بَاقْضَامْ مُفْتِي عَدَنَ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ السَّفَرَ بِمَالِ الْيَتِيمِ فِي الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ كَانَ الْيَتِيمُ بِبَلَدٍ وَمَالُهُ بِآخَرَ وَلَا طَرِيقَ آمِنٌ إلَّا الْبَحْرَ وَالْيَتِيمُ مُحْتَاجٌ مَالَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِشَخْصٍ فِي نَقْلِ مَالِ الْيَتِيمِ فِي الْبَحْرِ لِيُوَصِّلَهُ إلَيْهِ فِي بَلَدِ الْيَتِيمِ وَهَلْ يَجُوزُ نَقْلُ مَالِ الْيَتِيمِ هَذَا فِي الْبَحْرِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهَا مِنْ ظَالِمٍ وَيُقَالُ بِجَوَازِ إرْكَابِهِ الْبَحْرَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْإِقْرَاضُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ السَّفَرُ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إذَا اقْتَرَضَ مِنْ وَلِيِّ الْيَتِيمِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ إذَا كَانَ سَفَرُهُ إلَى بَلَدِ الْيَتِيمِ لِيُوَفِّيَ الْوَلِيَّ مَالَ الْيَتِيمِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى رُكُوبِهِ فِي الْبَحْرَ جَازَ إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.
وَأَمَّا قَرْضُهُ مِنْ مَلِيءٍ ثِقَةٍ فَجَائِزٌ لِلْقَاضِي مُطْلَقًا وَأَمَّا غَيْرُ الْقَاضِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الصَّبِيِّ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَالسَّفَرِ وَالنَّهْبِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لِلْمُقْتَرَضِ الْمُسَافِرَةُ إلَى بَلَدِ الْيَتِيمِ لِيُوَفِّيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَرْضِ ثُمَّ قَالَ وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمُسَافَرَةُ بِمَالِ فِي الْبَحْرِ آمَنُ مِنْ بَقَائِهِ فِي بَلَدِ الْمَالِ تَعَيَّنَ عَلَى الْوَلِيِّ الْمُسَافَرَةُ بِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا أَرْهَقَتْ الْحَاجَةُ إلَى شِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لِلْيَتِيمِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ جَازَ لِلْوَلِيِّ شِرَاؤُهُ لَهُ بِذَلِكَ فَإِذَا جَازَ لِلْوَلِيِّ مَعَ تَحْقِيقِ الزَّائِدِ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَالْمُسَافَرَةُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مَعَ نُدْرَةِ خَوْفِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ مَسْأَلَتنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَوْ لَا وَهَلْ مَا قَالَهُ مُعْتَمَدٌ أَوْ لَا أَفْتُونَا جَزَاكُمْ اللَّهُ خَيْرًا فَالْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةٌ وَإِلَيْكُمْ أَحْكَامُهَا رَاجِعَةً لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ.
(فَأَجَابَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ مَعْنَى قَوْلِ الْفَقِيهِ الْمُجِيبِ رحمه الله وَشَكَرَ سَعْيَهُ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى رُكُوبِهِ فِي الْبَحْرِ إلَخْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْبَرِّ طَرِيقٌ آمِنَةٌ يُسَافِرُ بِهِ فِيهَا وَتَعَذَّرَ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ لِخَوْفِ نَهْبٍ أَوْ نَحْوِهِ وَاضْطَرَّ الْيَتِيمُ إلَى مَجِيءِ مَالِهِ إلَيْهِ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْهُ لِتَعَذُّرِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ السَّفَرِ حِينَئِذٍ فِي الْبَحْرِ الَّذِي تَغْلِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَكَلَامُهُمْ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ فِي بَابَيْ الْإِيصَاءِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَغْيِيبُ مَالِ الْمَوْلَى إذَا سَلِمَ بِهِ مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ وَكَذَا إعْطَاءُ بَعْضِهِ لَهُ لِسَلَامَةِ بَاقِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورَاتِ الَّتِي تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ أَمَّا إذَا كَانَ الْبَرُّ آمِنًا فَلَا يَجُوزُ السَّفَرُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مَصْرُوفُ الْبَحْرِ أَقَلَّ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بَلْ وَلَا حَاجَةَ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ بِهِ حِينَئِذٍ وَكَذَا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ لِوُجُودِ أَمِينٍ بِهَا حَيْثُ لَا قَاضِي أَمِينًا بِهَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَتَرَقُّبُ خَوْفٍ عَلَيْهِ بِفَرْضِ مَوْتِ الْأَمِينِ لَا نَظَرَ إلَيْهِ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ لِلْمُسْتَقْبِلَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى التَّوَهُّمَاتِ سِيَّمَا وَالْخَوْفُ فِي الْبَحْرِ مَوْجُودٌ حَالًا وَفِي الْإِيدَاعِ لِلْأَمِينِ مَوْجُودٌ مَآلًا وَالْخَوْفُ الْحَالِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَآلِيِّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ إبْقَاؤُهُ فِي الْبَلَدِ وَلَمْ يَضْطَرَّ الْيَتِيمُ لِإِحْضَارِهِ لِبَلَدِهِ وَوُجِدَ مُوسِرٌ ثِقَةٌ يَقْتَرِضُهُ بِشَرْطِهِ لِانْتِقَاءِ الضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ إلَى السَّفَرِ بِهِ فِي الْبَحْرِ هُنَا أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُقْتَرِضٌ كَذَلِكَ أَوْ وُجِدَ وَلَمْ يَجُزْ إقْرَاضُهُ.
وَخِيفَ عَلَيْهِ فِي الْبَرِّ وَخِيفَ عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْبَلَدِ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَخُوفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ خَوْفُ الْبَحْرِ وَخَوْفُ الْبَرِّ وَخَوْفُ الْإِبْقَاءِ فِي الْبَلَدِ فَإِنَّ زَادَ خَوْفُ الْبَلَدِ وَالْبَرِّ عَلَى خَوْفِ الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَتْ السَّلَامَةُ فِيهِ أَغْلَبُ مِنْهَا فِيهِمَا وَكَانَ الْخَوْفُ
نَاجِزًا فِي الْكُلِّ لَا مُتَرَقَّبًا احْتَمَلَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِجَوَازِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي التَّعْيِيبِ وَإِعْطَاءِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورَيْنِ آنِفًا أَنَّهُمْ رَاعَوْا أَخْطَرَ الضَّرَرَيْنِ فَلْيُرَاعَ الْأَخْطَرُ فِي مَسْأَلَتنَا وَإِذَا رُوعِيَ فِيهَا جَازَ السَّفَرُ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَرَّ وَالْبَلَد أَخْطَرُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوَى خَطَرُ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَجُوزُ الْبَحْر؛ لِأَنَّ إيثَارَهُ عَلَى نَظِيرَيْهِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لَا سِيَّمَا وَالْأَصْحَابُ أَيْ أَكْثَرُهُمْ مُصَرِّحُونَ بِحُرْمَتِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَلَامِهِمْ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ عِنْدَ الْقَرِيبِ مِنْ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا ذَلِكَ فَبَقِيَتْ الْحُرْمَة فِيهَا عَلَى أَصْلِهَا هَذَا حَاصِلُ مَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيُرَاعِيَ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَة وَيَعْمَلَ بِمَا قُلْنَاهُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا وَكَلَامُ الْفَقِيهِ الْمُجِيبِ مُنَزَّلٌ عَلَى مَا فَصَّلْتُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِالْجَوَازِ وَعِنْدَ كَوْنِ الْبَحْرِ آمِنًا بِالْوُجُوبِ وَاللَّائِقِ بَلْ الصَّوَابُ عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْجَوَازُ عِنْدَ غَيْرِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ آخِرًا فَالْمُسَافَرَةُ بِهِ فِي الْبَحْرِ مَعَ نُدْرَةِ خَوْفِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَصَرَّحَ هُنَا بِالْجَوَازِ فِي الْحَالَيْنِ مَعَ مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ تَعْبِيرُهُ هُنَا بِأَوْلَى إذْ كَيْفَ يُتَعَقَّلُ أَنَّهُ عِنْدَ نُدْرَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَكِنْ هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَوَازِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَقِيقَتَهُ وَبِالْوُجُوبِ عِنْدَ عَدَمِهَا حَقِيقَتَهُ أَيْضًا وَلَيْسَ هَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُرَادًا لِلْفَقِيهِ وَإِنْ أَوْهَمَتْهُ عِبَارَتُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
ثُمَّ رَأَيْت الْكَمَالَ الرَّدَّادَ شَارِحَ الْإِرْشَادِ أَفْتَى بِمَا يُوهِمُ خِلَافَ مَا ذَكَرْته وَذَكَرَهُ بَاقْضَامْ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَحْوِ مَا سُئِلَ عَنْهُ بَاقْضَامْ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ الْوَجْهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ غَلَبَةِ السَّلَامِ فِي الْبَحْرِ قَرْض مَالِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ إقْرَاضُهُ لِلضَّرُورَةِ وَيُسَافِرُ الْمُقْتَرِضُ فِي الْبَحْرِ إلَى بَلَدِ طِفْل الْأَمِين إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَصِيٌّ إذْ ذَاكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ثُمَّ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تُبْضِعُ بِأَمْوَالٍ بَنِي أَخِيهَا مُحَمَّدٍ رضي الله عنه فِي الْبَحْرِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ مَنْعِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَاب مَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ مَنْعِ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ ثُمَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْكَمَالُ مِنْ تَعَيُّنِ الْإِقْرَاضِ لَهُ وَجْهٌ إنْ وُجِدَ مَلِيء ثِقَة طَيِّبُ الْمَالِ غَيْرُ مُمَاطِلٍ لَهُ فِي بَلَدِهِ مَالٌ يَفِي بِمَا اقْتَرَضَهُ لَوْ فُرِضَ هَلَاكُهُ مَعَ مَا اقْتَرَضَهُ فِي الْبَحْرِ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فَتَعَيُّنُ إقْرَاضِهِ وَجِيهٌ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْته مِنْ التَّفْصِيلِ وَفِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلًا فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْمَبْذُولَ فِي عَقَارِ الْيَتِيمِ دُونَ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَجِدْ رَاغِبًا بِأَكْثَرَ وَدَعَتْ حَاجَةُ الْيَتِيمِ إلَى الْبَيْعِ لِلْأَكْلِ مَثَلًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْتَرِضْ مِنْهُ عَلَيْهِ قَالَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إذَا فَرَضَ ذَلِكَ وَحَقَّتْ الْحَاجَةُ الْجَوَازُ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمَدِينِ إذَا طَالَبَ الْغَرِيمَ وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا غَيْرَهُ. اهـ.
وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ فِي تَوَسُّطِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُهُ مِمَّا يُسْرِعُ فَسَادُهُ كَالرِّيَاحَيْنِ وَالْبُقُولِ وَنَحْوِهَا فَيَظْهَرُ جَوَازُ بَيْعِهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِهِ لِئَلَّا تَتْلَفَ جُمْلَةً وَرَأْسًا. اهـ.
وَهَذَانِ ظَاهِرَانِ مِمَّا قَدَّمْته مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا لَفْظُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَمَّا إذَا كَانَ كِتَابٌ لِجَمَاعَةٍ وَفِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ بِإِذْنِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَجُوزُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِإِذْنِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مُطَالَعَةُ الْكِتَابِ الْمُشْتَرَكِ بِشَرْطِ سَلَامَتِهِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرَضَةِ وَالتُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَخَوْفِ الْفَسَادِ وَلَا يَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَلْ آخِرَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ مَا أَجَابَ بِهِ هَذَا الْعَالِمُ صَحِيحٌ مُعْتَمَدٌ أَوْضِحُوا لَنَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَزَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَلْفَ خَيْرٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ
الَّذِي ذَكَرُوهُ أَنَّ الشَّرِيكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ كَالْأَجْنَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِأَحَدٍ فِي دُخُولِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ جَمِيعِ شُرَكَائِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْمُطَالَعَةُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يُكْمِلْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَيَأْذَنُ كَبَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ.
وَالْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الْأَرَضَةِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْوَلِيِّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِغَيْرِ الْمُطَالَعَةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهَا وَعَلَى السَّائِلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ الْفَحْصُ وَالتَّنْقِيرُ عَمَّا يَجِدُهُ مِنْ الْفَتَاوَى الصَّادِرَةِ مِمَّنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلنَّظَرِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ كَلَام يَجِدُهُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ رحمه الله حَيْثُ قَالَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ الْإِفْتَاءُ بِمَا يَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ وَإِنْ رَأَى ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي عَشْرِ كُتُبٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ كُلَّهَا قَدْ تَكُونُ مَاشِيَةً عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ. اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ شَخْصٍ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ أَرْضًا وَمَاتَ الْمُشْتَرِي وَهِيَ بِيَدِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا الْمُشْتَرِي وَلَدٌ سَفِيهٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ أَقَامَهَا عَلَيْهِ أَبُوهُ وَحَجَرَهُ لَهَا فَمَاتَ هَذَا الْوَلَدُ وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ فَأَقَامَهَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا جَدُّهُمْ الْمُشْتَرِي الْمَذْكُورُ بَعْدَ مَوْتِ وَالِدِهِمْ وَحَجْرِهِمْ لَهَا وَمَاتَ وَهَذِهِ الْأَرْضُ بِيَدِ بَائِعِهَا فَعَمَدَتْ هَذِهِ الزَّوْجَةُ إلَى إنْسَانٍ مِنْ ذَوِي الشَّوْكَةِ وَجَعَلَتْ لَهُ عَلَى خَلَاصِ هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ بَائِعِهَا الْمَذْكُورِ جَمِيعَ مَا يَتَحَصَّلُ فِيهَا مِنْ الْغَلَّةِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ لِكَوْنِ بَائِعِ الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ مُتَغَلِّبٌ عَلَيْهَا وَالْمُشْتَرِي يَضْعُفُ عَنْ الِاسْتِخْلَاصِ مِنْهُ فَقَامَ هَذَا الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا الْبَائِعِ وَرَفَعَ إلَى ذِي سُلْطَانٍ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى انْتِزَاعِ الْأَرْضِ مِنْهُ بِالْحَقِّ وَانْتَزَعَهَا مِنْهُ وَاسْتَقَلَّ بِغَلَّتِهَا سَنَةً فَقَطْ فَمَاتَتْ الزَّوْجَةُ فَقَامَ الْأَوْلَادُ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ وَطَالَبُوهُ بِالْغَلَّةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَمَنَعُوهُ مِنْ السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَأَخَّرَتَا لَهُ مِنْ الْجِعَالَةِ فَهَلْ لَهُمْ هَذَا أَمْ لَا وَهَلْ هَذِهِ الْجِعَالَةُ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَيْثُ كَانَ لِأُمِّ الْأَوْلَادِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ بِوِصَايَةٍ مِنْ الْجَدِّ أَوْ نِيَابَةٍ مِنْ الْحَاكِمِ وَعَلِمْت أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْ بَائِعِهَا إلَّا بِمَا فَعَلَتْهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ وَكَانَتْ الْغَلَّةُ مَعْلُومَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِأَنْ وَصَفَتْهَا لَهُ بِأَوْصَافِ السَّلَمِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ تِلْكَ الْغَلَّةِ أَوْ قَدْرَهَا فِي مُدَّةِ السِّنِينَ الثَّلَاثِ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْغَلَّةُ مَعْلُومَةً لِذَلِكَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْأَوْلَادِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِمْ فَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ مِنْ مَالِهَا وَفِيمَا إذَا اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الْأَوْلَادِ يُقَاصِصُهُمْ بِمَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ أَرْضِهِمْ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّقَاصِّ وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِمْ غَلَّتَهُمْ وَرَجَعَ عَلَيْهِمْ بِأُجْرَتِهِ وَفِيمَا إذَا اسْتَحَقَّهَا مِنْ مَالِ الْأُمِّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَدُّ الْغَلَّةِ وَرَفْعُ يَدِهِ عَنْ الْأَرْض وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِأُجْرَتِهِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً عَلَى أَوْلَادِهَا وَبَاعَتْ عَلَيْهِمْ مَالًا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ حَاجَةٍ وَلَا غِبْطَةٍ وَلَا ثَمَنِ مِثْلٍ لَدَى حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ أَخَلَّتْ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فَهَلْ هَذَا الْبَيْعُ وَيُسَجِّلُ عَلَيْهِ الْقَاضِي لِشَفَقَتِهَا عَلَيْهِمْ كَبَيْعِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ إذَا بَاعَا عَلَى أَوْلَادِهَا أَمْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِكَوْنِهَا وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَا ذُكِرَ أَعْلَاهُ وَإِذَا بَلَغَ الْوَلَدُ وَادَّعَى عَلَى أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَنَّهُ بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ غِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَقَالَا لَهُ بَلْ بِعْنَا بِغِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مَثَلًا فَإِذَا قُلْتُمْ الْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا فَإِذَا مَاتَا وَادَّعَى الْوَلَدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا ذُكِرَ فَهَلْ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي كَحَلِفِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَنَّهُمَا بَاعَا عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَاجَةِ وَالْغِبْطَةِ أَوْ مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَإِذَا انْتَقَلَ الْمَالُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشْرَةٍ مَثَلًا فَهَلْ لِلْوَلَدِ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى كُلِّ وَاضِعٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ يَوْمَ الدَّعْوَى؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي أَعْتَمِدُهُ بَقَاءُ كَلَامِهِمْ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْوَصِيِّ أَوْ الْقَيِّمِ وَلَوْ أُمًّا لَا يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِنَحْوِ بَيْعِهِ إلَّا إنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مُسَوِّغُهُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ فِي تَعْلِيلِهِمْ اغْتِفَارَ ذَلِكَ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ بِالشَّفَقَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمَّ الْوَصِيَّةَ مَثَلًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيلَ لَا يَنْظُرُ لِلشَّفَقَةِ فَحَسْبُ بَلْ إلَى كَوْنِهَا مِنْ كَامِلِ الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفِ فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ فَتَخْرُجُ الْأُمُّ؛ لِأَنَّ شَفَقَتَهَا مَعَ نَقْصِ عَقْلهَا وَتَصَرُّفُهَا
لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا تَلْحَقَ بِالْأَبِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ ضَعْف بَحْثِ بَعْضِهِمْ إلْحَاقَهَا بِهِ وَالدَّعْوَى عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَبِ وَالْمُشْتَرَى مِنْهُ وَهَكَذَا كَهِيَ عَلَى الْأَبِ وَلَهُ الدَّعْوَى عَلَى كُلِّ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَبِيعِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا حُكْمُ مُعَامَلَةِ مَنْ بَلَغَ وَهُوَ مُصْلِحٌ لِدُنْيَاهُ فَقَطْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حُكْمُهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا كَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ عَلَى الْغَيْرِ كَبِنْتِهِ فِي نِكَاحِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظُهُ مَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَإِنْ تَبَرَّمَ اسْتَأْجَرَ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْوَلِيُّ مِنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَفْرِضُ لَهُ أُجْرَةً لَمْ يُجِبْهُ هَلْ الْمَانِعُ مِنْ الْإِجَابَةِ صُورَةُ الْفَرْضِ دُونَ صُورَةِ الِاسْتِئْجَارِ أَمْ الْمَانِعُ دَوَامُ وِلَايَتِهِ حَتَّى يَكُونَ عَزْلُهُ وَالْفَرْضُ لَهُ بَعْدَهُ سَائِغٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صُورَةِ الِاسْتِئْجَارِ أَمْ مُجَرَّدُ الْفَرْضِ كَافٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فِيهِ غُمُوضٌ وَيَتَّضِحُ جَوَابُهُ بِنَقْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَبَرَّمَ الْوَلِيُّ بِحِفْظِ مَالِ مُوَلِّيهِ وَالتَّصَرُّف فِيهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَقَلّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَرِّرَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّهَمًا تُهْمَةً قَوِيَّةً فِي فَرْضِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا بِخِلَافِهِ فِي تَوَلِّيه لِطَرَفَيْ الْبَيْعِ مَثَلًا مِنْ نَفْسِهِ لَهُ وَعَكْسُهُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُنَصِّبَ قَيِّمًا لِذَلِكَ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ إذْ لَا تُهْمَةَ حِينَئِذٍ بِوَجْهٍ.
فَإِنَّ رَفَعَ إلَيْهِ لِيُقَرِّرَ لَهُ أُجْرَةً فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يُقَرِّرُهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الرَّفْع هُنَا أَيْضًا فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لَكِنْ حَمَلَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ وَسَبَقَهُمَا إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْبَارِزِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ مُتَبَرِّعًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا أَجَابَهُ وَقَرَّرَ لَهُ أُجْرَةً وَقَدَّرَهَا الْقَاضِي بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَعَمَلِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِئْجَارَ فَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ حَيْثُ انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ.
أَمَّا إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَسَلَّمَ الْمَالَ مِنْهُ ثُمَّ يَنْصِبَ لَهُ مَنْ يَرَاهُ بِأُجْرَةِ أَوْ بِدُونِهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا تَبَرَّمَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِحِفْظِ مَالِ الْوَلِيِّ أَوْ بِتَنْمِيَتِهِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ عَنْ كَسْبِهِ الَّذِي يَكْفِيهِ أَمَّا إذَا اشْتَغَلَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ فَلَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ قَاضٍ وَكَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا أَخَذَ الْأَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مُمَوِّنِهِ أَيْ أَقَلّ أَنْوَاعِ كِفَايَةِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَمِنْ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَلَا يَضْمَنُ بَدَلَ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ عَمَلِهِ كَالْإِمَامِ إذَا أَخَذَ الرِّزْقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَعَمْ إنْ نَقَصَ أَجْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأُمِّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكَانُوا فُقَرَاءَ تَمَّمُوهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا وَجَبَتْ بِلَا عَمَلٍ فَمَعَ الْعَمَلِ أَوْلَى فَانْدَفَعَ مَا لِلْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ فَإِنْ قُلْت لِمَ جَوَّزُوا لَهُ هُنَا الِاسْتِقْلَالَ بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فِي صُورَةِ التَّبَرُّمِ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ فَالتُّهْمَةُ فِيهَا ضَعِيفَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ شُغْلَهُ بِمَالِ مُوَلِّيهِ عَنْ كَسْبِهِ الَّذِي يَكْفِيهِ شَاهِدٌ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ.
وَمَنْ اشْتَرَطْنَا كَوْنَهُ فَقِيرًا بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّمِ فَإِنَّهُ لَمْ يُضْطَرَّ لِلْأَخْذِ فَلَمْ نُمَكِّنْهُ مِنْ الْأَخْذِ بِنَفْسِهِ بَلْ أَمَرْنَاهُ بِالرَّفْعِ لِلْقَاضِي فَإِنْ رَأَى مُتَبَرِّعًا غَيْرَهُ اسْتَعْمَلَهُ وَإِلَّا فَرَضَ لَهُ كَمَا مَرَّ بَسْطُهُ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَعَ تَوْضِيحِهِ وَتَقْرِيرِهِ فَعَلَى السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَتَأَمَّلَهُ حَتَّى تَزُولَ عَنْهُ تِلْكَ التَّرْدِيدَاتُ الْمُنْبِئَةُ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ شَيْءٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ أَوْ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ إذْ كَيْفَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالِاسْتِئْجَارِ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الِاسْتِئْجَارُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً فَفَرْضُ الْأُجْرَةِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ اسْتِئْجَارٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَمْ الْمَانِعُ دَوَامُ وِلَايَتِهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مَا قَرَّرْنَاهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إجَابَتِهِ لَيْسَ هُوَ دَوَام وِلَايَتِهِ بَلْ اتِّهَامه فِي طَلَبِهِ الْفَرْضَ لِنَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ مُتَبَرِّعٍ غَيْره وَمِنْ ثَمَّ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ غَيْرُهُ فَرَضَ لَهُ الْأُجْرَةَ كَمَا تَقَرَّرَ فَعَلِمْنَا أَنَّ دَوَامَ وِلَايَتِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَنْعِ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا غَيْرَهُ يَفْرِضُ لَهُ الْأُجْرَةَ مَعَ دَوَامِ وِلَايَتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَزْلِهِ ثُمَّ تَوْلِيَتِهِ بِأُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالْعَبَثِ أَشْبَهُ وَقَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صُورَةٍ الِاسْتِئْجَارِ إلَخْ مَبْنِيٌّ