الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّقْضِ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ، لَمْ يَفْصِلُوا فِيهِ بَيْنَ الْمُطَابَقَةِ وَالِاسْتِلْزَامِ وَالْجَوَازِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَطَرَّقَ الِاسْتِلْزَامِيُّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ التَّضَمُّنِيَّ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي حَقِّهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَكُونُ بِالِاسْتِلْزَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَّا وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، هَذَا فِي الْحُكْمِ بِمُوجَبِ الْإِقْرَارِ، أَمَّا الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ إلَّا الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ تَصَرُّفٍ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ نَحْوِ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ إذَا قَالَ: حَكَمْت بِهِ مَعْنَاهُ: حَكَمْت بِمُوجَبِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حُكْمٌ بِثُبُوتِهِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ دُونَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهَا أَخَصُّ، وَمَرَّ أَنَّ التَّخَالُفَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا هُنَا، فَإِنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِرِّ، ثُمَّ بَيَّنَ السُّبْكِيّ بُطْلَانَ مَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيقِ بِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ: بِأَنَّ ضَمِيرَ مُوجَبِهِ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِ يَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَمُوجَبُهُ صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْ تَصَرُّفٍ، وَقَوْلُهُ وَإِلْزَامُ الْعَمَلِ بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ، فَمُفَادُ كَلَامِهِ يُثْبِتُ الْحُجَّةَ وَقَبُولَهَا لَا الْحُكْمَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ، فَلِذَا صَوَّبَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ يُحْكَمُ فِي مَسْأَلَتِهِ، وَمَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا لِلتَّصْرِيحِ فِيهَا بِالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ.، وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ لَفْظَةُ الْحُكْمِ بَلْ الْإِلْزَامِ، وَهُوَ وَإِنْ عَدُّوهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي الْإِلْزَامِ بِالْمُدَّعَى بِهِ.
أَمَّا إلْزَامُ الْعَمَلِ بِالْمُوجَبِ فَلَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا هُنَا، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي مُرَادَفَتِهِ لِلْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَالْإِلْزَامِ بِالْمُوجَبِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا صَرَّحَ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَا حَكَمَ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْحَاكِمَ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ كَانَ قَدْحًا فِيهِ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي قَاضٍ مُتَبَصِّرٍ بِالْحَقَائِقِ عَالِمٍ صَالِحٍ لِلْقَضَاءِ، وَقَدْ اطَّرَدَ عُرْفُ بِلَادِنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَافٍ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَ هَذَا الْحُكْمَ حَاكِمٌ جَيِّدٌ كَالْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، وَالتَّنْفِيذُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُكْمِ لَا الثُّبُوتِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الثُّبُوتِ فِيهِ قَدْحٌ لِلْمُنَفِّذِ أَيْضًا، إذْ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ فَسَمَاعُهُ لِلْبَيِّنَةِ.
وَحُكْمُهُ بِهَا تَصْحِيحٌ لِلْحُكْمِ وَقَطْعٌ لِلنِّزَاعِ فِيهِ، عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا حَمْلَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وَصِحَّةِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَتَنْفِيذُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ، الْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فَإِذَا نَفَّذَهُ حَاكِمٌ آخَرُ كَانَ تَنْفِيذُهُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَيَصِيرُ تَنْفِيذُ الثَّانِي لَازِمًا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْحَاكِمُ الثَّانِي إذَا قَالَ: إنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا صَدَرَ مِنْ الْأَوَّلِ وَأَلْزَمَ بِمُقْتَضَاهُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِلُزُومِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ حُكْمٌ لَا يُتَّجَهُ فِيهِ خِلَافُ ثَمَّ قَالَ: الْمُوجِبُ: الْأَثَرُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْأَثَرُ فَهُمَا شَرْعِيَّانِ.
وَقِيلَ: الثَّانِي عَقْلِيٌّ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، فَمُوجَبُ الْإِقْرَارِ: ثُبُوتُ الْمُقَرِّ بِهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِيُؤَاخَذَ بِهِ، وَصِحَّتُهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ شُرُوطِهِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْمُوجَبِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ، فَالْحُكْمُ بِالسَّبَبِيَّةِ فَقَطْ وَتَوَقُّفُهَا عَلَى وُجُودِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إعْمَالِ السَّبَبِ وَإِثْبَاتُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ مُوجَبَ الْإِنْشَاءِ أَثَرُهُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُ، وَصِحَّتَهُ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَهَا شُرُوطٌ فِي التَّصَرُّفِ وَالْمُتَصَرَّفِ فِيهِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ اهـ. مُلَخَّصًا وَفِيهِ فَوَائِدُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَقَعَ لِلسُّبْكِيِّ مِمَّا مَرَّ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الرَّافِعِيِّ سَبَبُهُ أَنَّ نُسْخَتَهُ أَلْزَمْت الْعَمَلَ بِهِ، وَهِيَ نُسَخٌ أُخْرَى غَيْرُ مُعْتَمَدَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَتِهِ، وَحَاصِلُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ الْحُكْمِيِّ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَالْتَزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَصْحِيحَ الْكِتَابِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُجَّةِ انْتَهَتْ. وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَتَعْلِيلُهُمَا الْمَذْكُورُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ عِبَارَتَهُمَا اُلْتُزِمَتْ لَا أَلْزَمْت وَحِينَئِذٍ زَالَ التَّعْلِيقُ بِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ السَّابِقِ فِي أَوَّلِ كَلَامِ السُّبْكِيّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْهِبَةِ]
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ لَهُ دَارٌ مَلَّكَهَا لِوَلَدِهِ الْقَاصِرِ أَوْ الْبَالِغِ السَّفِيهِ الْمَشْمُولِ بِحَجْرِهِ مَثَلًا وَقَبِلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَأَذِنَ لَهُ فِي تَسَلُّمِهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ مَثَلًا فَتَسَلَّمَهَا لَهُ وَحَازَهَا لَهُ وَهُوَ سَاكِنٌ هُوَ وَإِيَّاهُ فِيهَا إلَى حِينِ وَفَاةِ الْوَالِدِ مَثَلًا فَهَلْ يَمْلِكُهَا الْوَلَدُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ وَيَرْجِعُ الْوَلَدُ عَلَى تَرِكَةِ وَالِدِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةَ سُكْنَاهُ فِيهَا إلَى حِينِ وَفَاتِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إذَا مَلَّكَهَا لِأَجْنَبِيٍّ وَقَبِلَ مِنْهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي تَسَلُّمِهَا وَحَوْزِهَا ثُمَّ حَازَهَا وَتَسَلَّمَهَا، لَكِنْ هُوَ وَإِيَّاهُ سَاكِنَانِ إلَى حِينِ وَفَاةِ الْمُتَمَلِّكِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا وَهَبَ دَارِهِ لِوَلَدِهِ الْمَشْمُولِ بِحَجْرِهِ وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ وَقَصَدَ الْقَبْضَ عَنْهُ أَوْ أَقَبَضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، مَلَكَ الْوَلَدُ الدَّارَ وَلَهُ عَلَى الْأَبِ أُجْرَةُ سُكْنَاهُ لَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ عَنْهُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِقَبْضِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ وَالِدُهُ فِيهِ، وَلَا بُدَّ فِي الْقَبْضِ مِنْ خُلُوِّهَا مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَمَتَى كَانَتْ مَشْغُولَةً بِأَمْتِعَةِ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَبِ قَبْضٌ وَلَا إقْبَاضٌ لَهَا.
وَكَذَا الْمَوْهُوبَةُ لِأَجْنَبِيٍّ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَبْضُهَا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْوَاهِبُ حَيْثُ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِأَمْتِعَةِ الْوَاهِبِ أَوْ بِأَمْتِعَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ قَوْلِ الْقَفَّالِ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ جَهَّزَ ابْنَتَهُ بِأَمْتِعَةٍ لَمْ تَمْلِكْهَا إلَّا بِلَفْظٍ مَعَ الْقَبْضِ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهَا لَهَا إلَّا ادَّعَتْهُ اهـ. فَإِذَا مَاتَتْ الْبِنْتُ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ لَهُ فِي الْأَمْتِعَةِ الْمِيرَاثَ وَقَالَ الْأَبُ: بَلْ هِيَ لِي لِأَنِّي لَمْ أَهَبْ وَلَمْ أُعْطِ بِنْتِي الْأَمْتِعَةَ إلَّا تَجْهِيزًا فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ ابْنَتَهُ وَجَهَّزَهَا إلَى دَارِ الزَّوْجِ فَإِنْ قَالَ: هَذَا جِهَازُ ابْنَتِي فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَهُوَ إعَارَةٌ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ اهـ. فَهَلْ يُصَدَّقُ أَيْضًا بِيَمِينِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْبِنْتِ إذَا طَلَبَ الزَّوْجُ الْمِيرَاثَ؟ أَمْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ؟ اهـ.
وَقَوْلُ الْخُوَارِزْمِيِّ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ دِيبَاجًا وَزَيَّنَ بِهِ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَحَكَاهُ الْقَمُولِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ وَقَرَّرَهُ اهـ. فَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ أَمْ يَكُونُ لِلْوَلَدِ؟ اُبْسُطُوا لَنَا الْجَوَابَ.
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ صَحِيحٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ بِالْإِقْبَاضِ أَوْ الْإِذْنِ فِيهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْهِبَةُ مِنْ الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ يَتَوَلَّيَانِ طَرَفَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِذَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِيُّ غَيْرِهِمَا قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا صُدِّقَ الْأَبُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهَا إذَا ادَّعَتْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْجِهَازِ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُعْلَمَ نَاقِلٌ لَهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِهَا، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ حُكِمَ بِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ دُونَهَا، وَإِذَا صُدِّقَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَزِمَ تَصْدِيقُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَوْجِهَا بِالْأَوْلَى، فَإِذَا مَاتَتْ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ الرُّبُعَ أَوْ النِّصْفَ وَأَنْكَرَ الْأَبُ كَوْنَهَا مِلْكًا لَهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلزَّوْجِ حَقٌّ فِي تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ إنْ وَافَقَ الْأَبُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ لَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِبِنْتِهِ، وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْأَبُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُجَهِّزَ بِهَا بِنْتَه، أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ كَوْنَهَا مِلْكًا لِلْأَبِ قَبْلَ التَّجْهِيزِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْأَبِ صُدِّقَ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ تَرِكَةً عَنْهَا وَوَرِثَهَا عَنْهَا الزَّوْجُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ لَا يُنَافِيه مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْقَاضِي، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَجْعَلْ نَقْلَهُ الْجِهَازَ مَعَهَا إلَى دَارِ الزَّوْجِ مُقْتَضِيًا لِمِلْكِهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ إقْرَارَهُ بِقَوْلِهِ: هَذَا جِهَازُ بِنْتِي فَتَمْلِكُهُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لَهَا بِالْمِلْكِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ نَقْلِهِ الْأَمْتِعَةَ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا ادَّعَتْهُ هِيَ أَوْ زَوْجُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَوْلُهُ: هَذَا جِهَازُهَا أَوْ مِلْكُهَا أَوْ لَهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي كَلَامِ الْقَفَّالِ، فَمَا قَالَهُ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ عَنْ الْكَافِي فَصَاحِبُ الْكَافِي لَمْ يَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَفَّالِ وَعِبَارَتُهُ عَنْهُ: لَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ دِيبَاجًا لِزَوْجَتِهِ وَزَيَّنَهَا بِهِ، لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهَا، وَفِي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ يَكُونُ تَمْلِيكًا لَهُ انْتَهَتْ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عَنْ الْقَفَّالِ
يُعْلَمُ رَدُّ نَقْلِ هَذَا عَنْهُ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ إمَّا اخْتِيَارٌ لَهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ وَإِمَّا مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مَا سَبَقَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالْفِعْلِ، بَلْ مِنْ اللَّفْظ فِي هِبَةِ الْوَالِدِ وَغَيْرِهِ، وَمِمَّا يُضَعِّفُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: لَوْ غَرَسَ شَجَرًا وَقَالَ عِنْدَ غَرْسِهِ: أَغْرِسُهُ لِطِفْلِي لَمْ يَمْلِكْهُ الطِّفْلُ بِذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: جَعَلْته لَهُ وَاكْتَفَيْنَا بِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ مِنْ الْوَلَدِ أَيْ وَهُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ هِبَتَهُ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا تَقْتَضِي قَبُولًا، وَإِنْ لَمْ يَكْتَفِ بِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ مِنْ الْوَلَدِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لَمْ يَصِرْ مِلْكَهُ بِذَلِكَ.
هَذَا حَاصِلُ عِبَارَتِهِمَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كَلَامِ الْقَفَّالِ هَذَا الْأَخِيرَ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ تَزْيِينِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَا يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَصَحِّ وَمُقَابِلِهِ الْمَذْكُورَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ ضَعَّفَ كَلَامَ الْقَفَّالِ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ السُّبْكِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالْأَزْرَقِيُّ الْيَمَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَسُكُوتُ آخَرِينَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِلْعِلْمِ بِضَعْفِهِ مِمَّا قَدَّمُوهُ قَبْلَهُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ السَّائِلِ، وَمِمَّا تَقَرَّرَ مِنْ عِبَارَةِ الْقَفَّالِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ فِي الْكَافِي يُعْلَم رَدُّ قَوْلِ السَّائِلِ، فَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ أَوْ يَكُونُ لِلْوَلَدِ؟ وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي الْمَذْكُورَةَ صَرِيحَةٌ وَاضِحَةٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَلَدِ، لَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهَبَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ عَيْنًا دُونَ الْآخَرِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُكْرَهُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ خِلَافًا لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ أَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ فِي صَحِيحِهِ أَنْ يَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَهَبُ لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ كَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الْبِنْتِ، كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالْمُتَبَادَرُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ اهـ، وَذَلِكَ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعُقُوقِ.
وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ إنْ اسْتَوَتْ حَاجَاتُهُمْ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ السَّابِقِ حِينَئِذٍ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا ارْتَكَبَ التَّفْضِيلَ الْمَكْرُوهَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرَيْنِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَدْلُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُنَّ لَهُ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ أَنْ يَرْجِعَ أَيْ فِي الْكُلِّ عِنْدَ التَّخْصِيصِ وَفِي الزَّائِدِ فَقَطْ عِنْدَ التَّفْضِيلِ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّخْصِيصِ وَلَا يُسْتَحَبُّ الرُّجُوعُ حَيْثُ رَضِيَ الْمَحْرُومُ بِذَلِكَ لِدِينِهِ أَوْ لِغِنَاهُ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ وَثِقَتِهِ بِهِ، أَوْ أَذِنَ ابْتِدَاءً فِي الْهِبَةِ لِأَخِيهِ دُونَهُ، أَوْ الْتَمَسَ هُوَ لَهُ ذَلِكَ.
أَمَّا الرُّجُوعُ عِنْدَ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي هِبَةِ الْجَمِيعِ أَوْ فِي هِبَةِ بَعْضِهِمْ فَمَكْرُوهٌ إلَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِدَيْنٍ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالٍ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَإِلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَأَنْ يَكُونُوا عَقَقَةً أَوْ يَسْتَعِينُوا بِمَا أَعْطَاهُ لَهُمْ فِي مَعْصِيَةٍ وَأَصَرُّوا عَلَيْهَا بَعْدَ إنْذَارِهِ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ، فَلَا يُكْرَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَلْ الْقِيَاسُ اسْتِحْبَابُ الرُّجُوعِ فِي الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَبَحَثَ فِي الْعَاقِّ أَنَّ الرُّجُوعَ إنْ زَادَهُ عُقُوقًا كُرِهَ أَوْ أَزَالَ عُقُوقَهُ اُسْتُحِبَّ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا فِيهِمَا أُبِيحَ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ اسْتِحْبَابُ عَدَمِهِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَافَقَهُ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي مَعْصِيَةٍ، وَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ طَرِيقًا فِي كَفِّهِ أَوْ انْكِفَافِهِ عَنْهَا أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ حِينَئِذٍ فَتَأَمَّلْهُ. تَجِدْهُ حَقًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى اهـ.
وَبَحَثَ أَيْضًا تَحْرِيمَ الْهِبَةِ لِمَنْ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ فِي الْمَعَاصِي لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَيْهَا، وَيُسَنُّ لِلْوَلَدِ الْعَدْلُ فِي هِبَتِهِ لِوَالِدَيْهِ فَإِنْ أَرَادَ تَفْضِيلَ أَحَدِهِمَا فَالْأُمُّ أَوْلَى قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ نَحْوَ الْإِخْوَةِ لَا يَجْرِي فِيهِمْ هَذَا الْحُكْمُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيُحْتَمَلُ طَرْدُهُ لِلْإِيحَاشِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْأَوْلَادِ عَدَمُ الْبِرِّ وَهُوَ وَاجِبٌ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ لَكِنْ دُونَ طَلَبِهَا فِي الْأَوْلَادِ، وَاَللَّه سبحانه وتعالى أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: لَوْ طَلَبَ مِنْ إنْسَانٍ أَنْ يَهَبَهُ مَالًا فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ مَثَلًا فَاسْتَحَى مِنْهُمْ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ وَكَانَ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْوَةٍ فَلَا يُعْطِيهِ، فَوَهَبَ لَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ كَالْمُصَادِرِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ وَهَبَ لَهُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ أَوْ شَرِّ
سِعَايَتِهِ اهـ.
وَإِذَا كَانَ شَخْصٌ فِي بِلَادِنَا بِبَجِيلَةٍ حَضَرَ بَعْضَ أَسْوَاقِهِمْ وَجَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ السُّوقِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَقَالَ لَهُمْ: أَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سبحانه وتعالى ثُمَّ مِنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ يُعْطِنِي مُحَلِّقًا مَثَلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَالْفَقِيرُ مِنْكُمْ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا أَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَجَابُوهُ وَسَلَّمُوا إلَيْهِ ذَلِكَ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَبَشَاشَةِ وَجْهٍ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ غَيْرِ إلْحَاحٍ مِنْ السَّائِلِ وَلَا تَذَلُّلٍ وَلَا إظْهَارِ فَاقَةٍ وَلَا إيذَاءٍ لِمَسْئُولٍ، فَهَلْ يَكُونُ كَمَسْأَلَةِ الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورَةِ أَمْ لَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا، وَلِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، وَلِكَوْنِ السَّائِلِ يَتَحَقَّقُ وَيَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي خَلْوَةٍ لَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالْأَخْذِ أَوْ بِالسُّؤَالِ أَوْ بِالْإِعْطَاءِ، وَالْمُوَفَّقُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَخَايِلُ وَالْقَرَائِنُ، فَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مِنْ حَالِ الْمُعْطِي قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى إعْطَائِهِ لَهُ مَا سَأَلَهُ فِيهِ، بَلْ وَمَا لَمْ يَسْأَلْهُ مُجَرَّدُ الْحَيَاءِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَخْذُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَ مَالِكِهِ لَمْ تَسْمَحْ بِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحٍ.
وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَيْهِ خَوْفُهُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَمِنْ ثَمَّ أَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ بِذَلِكَ هَدِيَّةَ الْقَادِمِ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ مِنْ حَالِهِ أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى تَفْرِقَتِهَا عَلَى أَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ خَوْفُ أَلْسِنَتِهِمْ وَمَذَمَّتُهُمْ فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ قَبُولِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا إذَا دَلَّتْ الْقَرَائِنُ عَلَى طِيبِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ بِأَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الرِّضَا بِذَلِكَ وَظَنَّ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَحَلِّ خَلْوَةٍ وَسُئِلَ أَعْطَى جَازَ قَبُولُ مَا أَعْطَاهُ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَاضٍ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ شَخْصٍ مَلَّكَ شَخْصًا عَقَارًا نَحْوَ أَرْضٍ وَقَبِلَ مِنْهُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَذِنَ الْمَالِكُ فِي تَسْلِيمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَاعْتَرَفَ الْمُمَلِّكُ لَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَالْجَوَازِ قَبْلَ التَّمْلِيكِ مَثَلًا فَهَلْ يَكْفِي اعْتِرَافُهُ بِذَلِكَ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَالَ فِي بَلْدَةٍ غَيْرِ بَلْدَةِ التَّمْلِيكِ، وَهَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ بَعْدَ التَّمْلِيكِ وَالْإِذْنِ وَبَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَصِلُ إلَيْهِ؟ وَهَلْ يُشْتَرَطُ وُصُولُهُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ أَوْ يَكْفِي مُضِيُّ زَمَنٍ يَصِلُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ فِي التَّسْلِيمِ كَذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ؟ وَإِذَا رَجَعَ الْمُمَلِّكُ قَبْلَ مُضِيِّ الزَّمَنِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ وَقَبْلَ الْحَوْزِ هَلْ يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَيَمْلِكُهُ مَالِكُهُ الْأَوَّلُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؟ أَمْ لَا؟ وَمَا صُورَةُ الْحَوْزِ؟ إذَا كَانَ أَرْضًا بَيْضَاءَ أَوْ دَارًا أَوْ نَخْلًا مَثَلًا هَلْ يَكْفِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْأَرْضِ بِالْحَرْثِ وَالزَّرْعِ؟ وَالدَّارِ بِالسُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ؟ وَالنَّخْلِ بِالتَّصَرُّفِ؟ وَمَا قَوْلُكُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - أَيْضًا إذَا مَلَكَهُ وَأُخْلِيَ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ الْمُمَلِّكَ أَبَاحَهُ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ مِدَّةً قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ، فَهَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْحَوْزِ ثُمَّ الْإِبَاحَةُ؟ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إذَا وَهَبَ الْإِنْسَانُ أَوْ رَهَنَ أَوْ بِيَعِ لَهُ مَا تَحْتَ يَدِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ نَحْوَ الْوَاهِبِ وَمُضِيِّ زَمَنٍ بَعْدَ الْإِذْنِ يُمْكِنُ فِيهِ السَّيْرُ إلَى ذَلِكَ وَالتَّخْلِيَةُ مِنْ مَتَاعِ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَالنَّقْلُ فِي الْمَنْقُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَّهَبِ التَّصَرُّفُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الْغَائِبِ عَنْ بَلَدِهِ إلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ وَمُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَمُجَرَّدُ اعْتِرَافِهِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْإِذْنِ، وَكَذَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ الْمُتَّهَبِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلِهِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ فِي نَحْوِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالنَّخْلِ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّفْرِيغِ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُتَّهَبِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إبَاحَةُ الْمُتَّهَبِ مَا وُهِبَ لَهُ لِلْوَاهِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ حِسًّا فِي الْحَاضِرِ وَتَقْدِيرًا فِي الْغَائِبِ كَمَا ذُكِرَ.
وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ لَوْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَاحَهُ صَحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا مَلَكَ بِنَحْوِ بَيْعٍ فَكَانَتْ الْإِبَاحَةُ فِيهِ مُتَضَمَّنَةً لِلْقَبْضِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي الْمِلْكَ أَصْلًا، فَلَمْ يُمْكِنْ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي مَمْلُوكٍ وَنَحْوِهِ وَلَا مِلْكَ هُنَا وَلَا اسْتِحْقَاقَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِوَجْهٍ، وَقَبْضُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ فِي نَحْوِ الْهِبَةِ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الشَّرِيكِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ مَلَّكَ شَخْصًا حِصَّةً مُشَاعَةً مِنْ دُورٍ مُشْتَرَكَةٍ مُسْتَأْجَرَةٍ مُدَّةً طَوِيلَةً وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِأَمْتِعَةِ الْمُسْتَأْجِرِينَ وَأَذِنَ لَهَا فِي تَسَلُّمِهَا مَثَلًا فَهَلْ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَيَتَوَقَّفُ الْقَبْضُ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ فَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: التَّمْلِيكُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ قَبْضُهُ إذَا خَلِيَتْ الدُّورُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُتَّهَبِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ نَعَمْ إنْ امْتَنَعَ ذَوُو الْأَمْتِعَةِ مِنْ نَقْلِهَا أَمَرَ الْقَاضِي مَنْ يَنْقُلُهَا حَتَّى يَصِحَّ، وَأُجْرَةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَّهَبِ هَذَا هُوَ قِيَاسُ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِهِ عَمَّنْ سَلَّمَ لِزَوْجَتِهِ حُلِيًّا قَبْلَ وَطِئَهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَادَّعَتْ مِلْكَهُ وَادَّعَى بَقَاءَهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَمَا يُرْسِلُ بِهِ أَبُو الزَّوْجَةِ يَوْمَ ثَامِنِ التَّزْوِيجِ إلَى بَيْتِ بِنْتِهِ مِنْ مَطْعُومٍ وَمَلْبُوسٍ وَحَيَوَانٍ يَبْقَى وَيُتَوَلَّدُ، هَلْ تَمْلِكُهُ الْبِنْتُ أَوْ زَوْجُهَا وَمَا حُكْمُ النُّقُوطِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: الْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ فَإِنْ نَوَى فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهَا عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ سَقَطَ مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ بِقَدَرِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ وَطَالَبَتْهُ بِمَا لَهَا عَلَيْهِ، إذْ لَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِبْدَالِ، وَلَمْ تُوجَدْ فَإِنْ نَوَى الْقَرْضَ مَلَكَتْهُ مِلْكَ قَرْضٍ وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِبَدَلِهِ أَوْ الْهَدِيَّةِ أَوْ الْهِبَةِ مَلَكَتْهُ بِشَرْطِ الْإِقْبَاضِ أَوْ الْإِذْنِ فِيهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُرْسِلُ بِهِ أَبُوهَا لِبَيْتِهَا، فَإِنْ نَوَاهَا أَوْ الزَّوْجَ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَيْهِ.
وَالنُّقُوطُ أَفْتَى الْأَزْرَقِيُّ وَالنَّجْمُ الْبَالِسِيُّ بِأَنَّهُ قَرْضٌ فَيَرْجِعُ بِهِ دَافِعُهُ، وَخَالَفَهُمَا الْبُلْقِينِيُّ وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يُعْطِي شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِقَصْدِ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مِثْلُهُ إذَا عَمِلَ نَظِيرَ ذَلِكَ الْفَرَحِ، وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْعَادَةَ مُحْكَمَةٌ تُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا أَرْسَلَ إنْسَانٌ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنَةٍ مَالًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَعَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِقَاضِيهَا مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مَثَلًا وَكَانَ مُتَوَلِّي قَضَاهَا فِي زَمَنِ الْإِرْسَالِ وَالتَّعْيِينِ شَخْصًا مَعْلُومًا وَلَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّيًا بِهَا إلَى أَنْ وَصَلَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ مَثَلًا وَوُضِعَ فِي حَاصِلٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ بِخَتْمِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ مَثَلًا وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ وَرَدَ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ عَزْلُ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ وَوِلَايَةُ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْقَدْرِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ، مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الْعَزْلِ الْمَذْكُورِ، وَمَعَ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِأَنَّهُ مَهْمَا عُيِّنَ لِذَوِي الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الصَّدَقَاتِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُسْتَمِرَّةٍ وَمَرْتَبَةِ الْوَارِدَةِ إلَى تِلْكَ الْبَلْدَةِ يُصْرَفُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مُتَوَلِّيًا يُبَاشِرُ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ فِي زَمَنِ وُصُولِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ.
وَأَمَّا الْمُرَتَّبَاتُ فَكُلُّ إنْسَانٍ يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ زَمَنِ مُبَاشَرَتِهِ لِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ سَوَاءٌ وَصَلَتْ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ الْمُسْتَحِقُّ الْآنَ لِقَبْضِ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ الْمَذْكُورِ الْقَاضِي الْأَوَّلُ أَمْ الْقَاضِي الثَّانِي؟ أَوْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا؟ وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي الثَّانِي قَدْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي زَمَنٍ هُوَ قَبْلَ زَمَنِ وُصُولِ مَالِ الصَّدَقَةِ إلَى الْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ خَبَرُ وِلَايَتِهِ إلَيْهَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُصُولِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ بِمُدَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فَهَلْ وُقُوعُ ذَلِكَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَانِعٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِلْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ الْمَذْكُورِ اعْتِبَارًا بِتَقْدِيمِ زَمَنِ وِلَايَةِ الْقَاضِي الثَّانِي فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ؟ أَوْ وُقُوعِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ لِذَلِكَ اعْتِبَارًا بِمُبَاشَرَتِهِ وَنُفُوذِ قَضَائِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ خَبَرَ الْعَزْلِ الْمَذْكُورِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِاسْتِحْقَاقِ الْمَعْزُولِ لِأُمُورٍ مِنْهَا فِي الْمَطْلَبِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ التَّوْلِيَةَ لِلْأَفْضَلِ أَوْ الْأَرْشَدِ مِنْ ابْنَيْهِ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى وَاحِدٍ ثُمَّ حَدَثَ فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَهَذَا يَشْهَدُ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَعْزُولِ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا نَظَرُوا لِلْمُتَّصِفِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ حَالَ جَعْلِ الْوَاقِفِ وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى صَيْرُورَتِهِ مَفْضُولًا، كَذَلِكَ يُنْظَرُ حَالَ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَّصِفِ بِالْقَضَاءِ.
وَإِنْ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: لَوْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَدْخُلْ مَنْ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ كَالْمُسْتَوْلَدَةِ وَالْمُدَبَّرِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَوَالِي حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَا يُعَلَّلُ بِنَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَيُقَالُ: الثَّانِي لَيْسَ بِقَاضٍ حَالَ قَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ فَإِنْ
قُلْت: صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ دَخَلَ فِيهِمْ مَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ وَنَحْوِهِمْ وَقْفٌ عَلَى جِهَةٍ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهَا لِلْأَفْرَادِ، فَدَخَلَ غَيْرُ الْمَوْجُودِ تَبَعًا لَهُ وَهُنَا النَّظَرُ إلَى صِدْقِ هَذَا اللَّفْظِ حَالَ الْوَقْفِيَّةِ، فَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ وَمَنْ لَا فَلَا.
وَسَيَأْتِي مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ وَلَفْظَ الْأَوْلَادِ مِنْ بَابِ الْمُتَوَاطِئِ وَمَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُشْتَرَكِ لَا الْمُتَوَاطِئِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ كُلًّا لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْقَبُولِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ اضْطِرَابٍ طَوِيلٍ إنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا لَا جِهَةً، وَكَمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْقَبْضِ كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ مُتَوَقِّفَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى الْقَبُولِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِوُجُودِهِ حَالَ الْمَوْتِ، بَلْ نَظَرُوا لِوُجُودِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ فَكَذَا يُنْظَرُ هُنَا لِلْوَصْفِ حَالَ قَوْلِهِ أَعْطُوا.
فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إنْ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى حَالَ الْوَصِيَّةِ يَدْخُلُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَوْلًى حَالَ الْمَوْتِ كَانَ كَافِرًا فَحَارَبَ وَاسْتُرِقَّ قُلْت: ذَاكَ مُتَعَدٍّ فَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِعْطَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْوَصْفَ الْمُقْتَضِيَ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَقِّقَ أَبَا زُرْعَةَ قَالَ فِي بَابِ الْهِبَةِ مَعَ بَابِ الْوَصِيَّةِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ: وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ تَمْلِيكًا مُنَجَّزًا وَالْآخَرُ مُعَلَّقًا عَلَى الْمَوْتِ، لَكِنْ جَمَعَهُمَا الْمَوْتُ وَالشَّيْخَ الْإِمَامَ أَبَا حَسَنٍ السُّبْكِيّ أَشَارَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَأَقَرَّهُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي قَبُولِ الْوَقْفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ الصَّدَقَةِ النَّاجِزَةِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ بَابَ الْوَصِيَّة وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُدَّعَى وَمِمَّا قَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْبَغَوِيِّ لَوْ أَوْصَى لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ صُرِفَ إلَى مَنْ دَخَلَ فِي طَلَبِهِ يَوْمئِذٍ اهـ. فَاعْتُبِرَ يَوْمُ الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ بِشَرْطِ الْقَبُولِ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ دَلَالَةً قَوِيَّة قَوْلُهُمْ لَوْ مَاتَ الْمُجَاهِدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَقَبْلَ حِيَازَة الْمَالِ أُسْهِمَ لَهُ، وَثَبَتَ لِلْوَرَثَةِ حَقُّ الْمِلْك أَوْ التَّمْلِيكِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ نِزَاعٍ مَعَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا تُمَلَّكُ بِالْحِيَازَةِ أَوْ اخْتِيَارِ التَّمْلِيكَ، فَنَظَرُوا لِجَرَيَانِ سَبَبِ الْمِلْك فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِدْ الْمِلْكُ نَفْسُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِمَوْتِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمِلْكِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا جَرَى سَبَبُ الْمِلْكِ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ فَلْيَسْتَحِقَّ إذْ طُرُوُّ عَزْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَطُرُوِّ مَوْتِ الْمُجَاهِدِ.
فَإِنْ قُلْت: أَيُّ جَامِعٍ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ قُلْت: الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ الِاتِّصَافِ بِكُلٍّ مِنْ الصِّفَتَيْنِ أَعْنِي الْقَضَاءَ وَحُضُورَ الْوَقْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ مُقْتَضٍ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَقَدْ أَعْطَوْا الْمُتَّصِفَ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ مَعَ زَوَالِ أَهْلِيَّتِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ يُعْطَى هُنَا الْمُتَّصِفُ بِالْقَضَاءِ مَعَ زَوَالِ صِفَتِهِ وَبَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ بِالْمُسَاوَاةِ، بَلْ بِالْأَوْلَى وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى لِحُرٍّ فَرُقَّ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ بِحَالٍ، بَلْ مَتَى عَتَقَ فَهِيَ لَهُ فَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا بَعْدَ مَوْتِ الْوَصِيِّ كَانَ الْمُوصَى بِهِ فِي أَعْلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرُوهُ فِي مَالِ مَنْ اُسْتُرِقَّ بَعْدَ نَقْضِ أَمَانِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبْطِلُوا الْوَصِيَّةَ لَهُ بِطُرُقِ رِقِّهِ، بَلْ نَظَرُوا لِاتِّصَافِهِ بِالْحُرِّيَّةِ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى أَنَّ طُرُوَّ الْوَصْفِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ وَهُوَ الرِّقُّ، بَلْ أَوْقَفُوا الْأَمْرَ إلَى تَأَهُّلِهِ لِلْإِعْطَاءِ، فَإِنْ تَأَهَّلَ لَهُ بِأَنْ عَتَقَ أُعْطِيَ وَإِلَّا كَانَ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إعْطَاؤُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ لِاتِّصَافِهِ بِالرِّقِّ الْمَانِع مِنْ ذَلِكَ إلَى الْمَوْتِ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْوَصْفُ وَإِنْ زَالَ الْمَوْصُوفُ بِهِ مُتَأَهِّلٌ لِلْإِعْطَاءِ فَلْيُعْطَ عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرُوهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ بِطُرُوِّ الرِّقِّ كَذَلِكَ لَا يَبْطُلُ هُنَا الِاسْتِحْقَاقُ بِطُرُوِّ الْعَزْلِ وَعَدَمِ إعْطَاءِ الْمُوصَى لَهُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ خَلَّى عَنْهُ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلِبَاحِثٍ أَنْ يَبْحَثَ وَيَأْخُذَ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ أَنَّ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ هُنَا لِلْقَاضِي يُوقَفُ فَإِنْ اتَّصَفَ الْمَعْزُولُ بِالصِّفَةِ بِأَنْ وُلِّيَ أَخَذَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ اتِّصَافِهِ بِهَا كَانَ فَيْئًا وَيُجَابُ: بِأَنَّ سَبَبَ الْوَقْفِ ثَمَّ قِيَامُ مَانِعٍ بِالْمُوصَى إلَيْهِ لَا يُمْكِنُ الْإِعْطَاءُ مَعَهُ.
وَهُنَا لَا مَانِعَ فَيُمْكِنُ الْإِعْطَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ فَيْئًا ثَمَّ لِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ مَاتَ لَا عَنْ وَارِثٍ وَلَهُ مَالٌ اسْتَحَقَّهُ قَبْلَ الرِّقِّ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا إفْتَاءُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَنَقَلُوهُ عَنْهُ وَأَقَرُّوهُ فِي مَوْقُوفٍ عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُقِيمِينَ بِدِمَشْقَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْوَارِدِينَ مِنْ الشَّامِ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَتَأَخُّرٌ مِنْهُ حَاصِلٌ وَتَأَخَّرَتْ قِسْمَتُهُ
حَتَّى وَرَدَ وَارِدٌ مِنْ الْمَوْصُوفِينَ، فَهَلْ يُقَاسِمُهُمْ؟
(فَأَجَابَ) : لَا يُسَاهِمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الرَّيْعَ قَبْلَ وُرُودِهِ، فَهَذِهِ نَظِيرُ مَسْأَلَتنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْوَصْفُ الْحَادِثُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقِسْمَةِ وَكَذَلِكَ الْوَصْفُ فِي مَسْأَلَتِنَا حَادِثٌ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْقِسْمَةِ فَإِنْ قُلْت: يُنَاقِضُ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ دَخَلَ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ قُلْت: ذَاكَ إنَّمَا دَخَلَ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا، فَلَا تَنَاقُضَ لِاغْتِفَارِهِمْ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ دُخُولَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَبَعًا كَمَا يُعْرَفُ بِتَصَفُّحِ كَلَامِهِمْ فِيهَا وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا مَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ التَّصَدُّقِ صَرِيحٌ فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقَبَةِ فِي الْحَالِ إلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ حَالَ اللَّفْظِ بِالتَّصْدِيقِ وَعَدَمُ النَّظَرِ إلَى حَالِ الصِّفَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ.
بَعْدُ وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ: الصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَدَارُ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ. وَاعْتَمَدَهُ
الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلُّزُومِ أَيْ لَا لِلْمِلْكِ أَوْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَفَرَّعَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِهِ قَالَا: لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ أَيْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَأَفْهَمَ صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ أَوْ شُبْهَةَ الْمِلْكِ تَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ حُصُولِ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ قُلْت: صَرَّحَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ صَدَقَةً مَعَ رَسُولِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَاسْتَرَدَّهَا مِنْ الطَّرِيقِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا كَانَتْ تَرِكَةً، وَهَذَا يَقْتَضِي خِلَافَ مَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ غَيْرِهِمَا قُلْت: لَا يُنَاقِضُهُ وَلَا يُخَالِفُهُ لِأَنَّا إنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ شُبْهَةَ مِلْكٍ أَوْ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ أَثْبَتِنَا لَهُ مِلْكًا تَامًّا، وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ رَسُولَ الْمُهْدِي لَوْ أَوْجَبَ فَقَبِلَ الْمَهْدِيُّ إلَيْهِ مَلَكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَمْلِكَ الْهَدِيَّةَ وَكَّلَ الرَّسُولَ الْحَامِلَ لَهَا حَتَّى يُوجِبَ وَيَقْبَلَ الْمُهْدَى إلَيْهِ فَيَمْلِكَ بِذَلِكَ. اهـ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ وَلَوْ بِغَيْرِ قَبْضٍ مِلْكًا تَامًّا، وَمُنَازَعَةُ ابْنِ الصَّبَّاغِ لِلشَّيْخِ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُعْمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي النِّهَايَةِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَالْقُشَيْرِيِّ فِي الْمُوَضِّحِ الْعَادَةُ تُفَسِّرُ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ فِي الْعُقُودِ اتِّفَاقًا، فَانْظُرْ لِحِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدَقَةُ مِنْ الْعُقُودِ جَزْمًا، وَقَوْلُهُ أَعْطَوْا الْقَاضِي الشَّافِعِيَّ كَذَا مُجْمَلٌ أَيُّ مُجْمَلٍ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُجْمَلَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ جَلِيٌّ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ النَّذْرِ: لَوْ نُذِرَ لِلْقَبْرِ الَّذِي بِجُرْجَانَ تَعَيَّنَ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ مَا يَجْتَمِعُ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، فَكَمَا تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ النَّاذِرَ لَمْ يَذْكُرْهُمْ، فَأَوْلَى فِي مَسْأَلَتِنَا، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ فِي زَمَنِ الْوَاقِفِ يَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَهُ فِي وَقْفِهِ صَرِيحًا حِينَئِذٍ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا قَوْلُ الْقَمُولِيِّ: الْعُرْفُ الْخَاصُّ يُؤَثِّرُ كَالْعُرْفِ الْعَامِّ.
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: مَتَى وُجِدَ اصْطِلَاحٌ سَابِقٌ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ، وَقَاعِدَةُ الْأَصْحَابِ فِي الْوَكَالَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ: أَنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تَقْوَى فَيُتْرَكُ لَهَا إطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَقَدْ يَتَعَادَلُ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ فَتَارَةً يَغْلِبُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَتَارَةً يَغْلِبُ مُقْتَضَى الْقَرِينَةِ، وَقَدْ أَوْضَحُوهُ بِصُوَرٍ فِي الْوَكَالَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَعْزُولِ وَالْمُتَوَلِّي لِقَوْلِهِمْ: لَوْ انْدَرَسَ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَلَمْ تُعْرَفْ مَقَادِيرُ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ كَيْفِيَّةُ التَّرْتِيبِ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كَمَا قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا تَكُونَ الْعَادَةُ قَاضِيَةً فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ وَإِلَّا وَجَبَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ وَبِأَنْ لَا يُوجَدَ اصْطِلَاحٌ سَابِقٌ، فَمَتَى وُجِدَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِقَضِيَّتِهِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ النَّقِيبِ: لَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا وَاحِدٌ وَحَمَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْآخَرُ دَخَلَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْإِخْوَةِ
فَحَدَثَ أَخٌ وَيُرَدُّ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ النَّقِيبِ ضَعِيفٌ وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْإِخْوَةِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِمْ وَمَسْأَلَةِ الْمَوَالِي؛ وَهُوَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمَوَالِي عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ وَهِيَ الِانْحِصَارُ فِي الْوُجُودِ فَصَارَ الْمَعْنَى الْآخَرُ غَيْرَ مُرَادٍ.
وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا أَوْ عُمُومًا عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْإِخْوَةِ، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ فَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ اسْتَحَقَّ مِنْ الْوَقْفِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْمَوْجُودِينَ حَالَّةَ الْوَقْفِ فَيُتْبَعَ تَقْيِيدُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُوقَفُ إلَى مُرَاجَعَةِ الْمُتَصَدِّقِ وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ غَنِيَّةٌ عَنْ الْبَيَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِاسْتِحْقَاقِ الْمُتَوَلِّي وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ؛ قَوْلُهُمْ: لَوْ أَوْصَى لَعَبْدٍ وَهُوَ مِلْكُ زَيْدٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي وَقَبِلَ الْعَبْدُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَبَنَاهُ هُنَا أَعْنِي فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُمَلِّكْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَوْتَ فِي الْوَصِيَّةِ كَقَوْلِ الْمُتَصَدِّقِ: أَعْطُوا فُلَانًا كَذَا بِجَامِعِ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الْوَصِيَّةِ هُوَ الْمَوْتُ بِشَرْطِ الْقَبُولِ، وَسَبَبَهُ هُنَا قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ: أَعْطُوا بِشَرْطِ الْقَبْضِ، وَالْمَوْتُ هُنَا هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ إنَّمَا وَقَعَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَحَقَّ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ السَّبَبَ الْأَوَّلَ هُوَ قَوْلُ الْمُتَصَدِّقِ وَقَعَ فِي زَمَنِ وِلَايَةِ الْمَعْزُولِ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا مَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِيمَا لَوْ شُرِطَ النَّظَرُ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدِ كَذَا فَنَصَّبَ الْقَاضِي وَاحِدًا ثُمَّ مَاتَ أَوْ انْعَزَلَ، مِنْ أَنَّ الْمَنْصُوبَ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي نَصَّبَهُ وَانْعِزَالِهِ وَيَعُودُ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ آلَ إلَيْهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ النَّائِبَ إنَّمَا انْعَزَلَ هُنَا لِانْعِزَالِ مَنْ نَابَ عَنْهُ فَهُوَ فَرْعٌ، وَالْفَرْعُ لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بَعْد زَوَال الْأَصْل وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا.
وَمِمَّا يَشْهَد لِاسْتِحْقَاقِهِ أَيْضًا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرهمَا: لَوْ قَالَ لَا أَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا بِلَفْظِهِ وَلَا نِيَّتِهِ اخْتَصَّ بِقَاضِي الْبَلَد حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُود، وَهَلْ يَتَعَيَّن قَاضِي الْبَلَد فِي الْحَال لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ؟ أَمْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَنْ يُنَصَّبُ بَعْدَهُ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَة وَالثَّانِي قَالَ الرَّافِعِيُّ: حَمْلًا لِلْأَلِفِ وَاللَّام عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْس أَيْ: جِنْسِ قَاضِي الْبَلَد، فَلَوْ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى غَيْرَهُ بَرَّ بِالرَّفْعِ إلَى الْمُتَوَلِّي دُونَ الْمَعْزُولِ، وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ، بَلْ صَرِيحَةٌ عَلَى اسْتِحْقَاق الْمُتَوَلِّي فِي مَسْأَلَتنَا دُونَ الْمَعْزُول، وَقَدْ يُمْكِن تَمَحُّلُ فَرْقٍ لَا يَسْلَم مِنْ نِزَاعٍ، فَيَنْبَغِي إمْعَانُ النَّظَر فِي كُلِّ ذَلِكَ سِيَّمَا هَذَا الْآخَرُ، فَإِنَّهُ قَدْ يُدَّعَى أَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ، فَحِينَئِذٍ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال: إنْ اطَّرَدَتْ عَادَةٌ وَكَانَ الْمُتَصَدِّق مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ مُرَاجَعَةُ الْمُتَصَدِّقِ، أَوْ رُوجِعَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عَمِلَ بِهَا، وَإِلَّا اسْتَحَقَّهُ الْمُتَوَلِّي عَمَلًا بِهَذَا الْفَرْع الْأَخِيرِ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ بَلْ صَرَاحَتِهَا فِي ذَلِكَ.
(سُئِلَ) عَمَّنْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ عَيْنًا فَمَرِضَ الْوَلَدُ فَهَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لَهُ الرُّجُوعُ خِلَافًا لِمَنْ أَفْتَى بِعَدَمِهِ لِثُبُوتِهِ لَهُ مَا بَقِيَ الْمَوْهُوبُ فِي وِلَايَةِ الْمُتَّهَبِ، وَلَا نَظَرَ لِمَا يُتَخَيَّلُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِهِ بِالْمَرَضِ، وَفَارَقَ تَعَلُّقَ الْغُرَمَاءِ بِهِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ بِعَدَمِ مُزَاحَمَةِ أَحَدٍ لِلْأَبِ الْآنَ؛ إذْ الْوَرَثَةُ لَا حَقَّ لَهُمْ إلَّا بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْحَجْرِ.
(وَسُئِلَ) بِمَا صُورَتُهُ اخْتَلَفَ مَنْ بِيَدِهِ عَيْنٌ هُوَ وَوَاهِبُهَا لَهُ أَوْ وَارِثُهُ فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ فَمَنْ الْمُصَدَّقُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ أَوْ وَارِثُهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ، وَكَذَا إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الرُّجُوعَ عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْمُتَّهَبِ فَإِنَّهُ الْمُصَدَّقُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَبَضَ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَوَدِيعَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ صُدِّقَ الْمُتَّهَبُ أَيْضًا، كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُرْتَهِنِ وَالرَّاهِنِ، لَكِنَّ لَهُمَا تَحْلِيفَهُ.
(سُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ لِزَوْجَتِهِ مَبْلَغًا وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ، فَزَادَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَبْلَغِ مِنْ عِنْدِهَا وَاشْتَرَتْ الْجَارِيَةَ لِنَفْسِهَا، ثُمَّ أَنَّ الزَّوْجَ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَحَمَلَتْ، فَأَتَى وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ إلَى شَخْصٍ يَسْأَلُهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَرَفَ فِي سُؤَالِهِ: بِأَنَّ الْجَارِيَةَ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ
اشْتَرَتْهَا لِنَفْسِهَا، وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمُقْتَضَى الْمَبْلَغِ الَّذِي أَعْطَاهُ لِزَوْجَتِهِ وَدَفَعَتْهُ فِي قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، فَهَلْ هَذِهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ وَتُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْحُرِّيَّةَ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً لِغَيْرِهِ عَلَى فِرَاشِهِ ظَنَّهَا أَمَتَهُ؟ أَوْ تَكُونُ شُبْهَةً تُثْبِتُ مَا عَدَا الْحُرِّيَّةِ كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً لِشَخْصٍ وَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ وَحَلَفَ؟ أَوْ لَا تَكُونُ شُبْهَةً كَمَا لَوْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ وَظَنَّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِسَبَبِ الرَّهْنِ وَكَانَ نَاشِئًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَعَنْ قَوْلِهِمْ: ادِّعَاءُ الْمِلْكِ شُبْهَةً.
وَكَذَا ظَنُّهُ هَلْ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ؟ حَتَّى إذَا بَيَّنَ سَبَبًا لَا يَقْتَضِي الْمِلْكَ يُقْبَلُ مِنْهُ كَأَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ ارْتِهَانُهُ لَهَا، أَوْ إبَاحَةُ مَالِكِهَا لَهُ، أَوْ قَرْضُهُ أَوْ هِبَتُهُ لِمَالِكِهَا ثَمَنَهَا حِينَ اشْتَرَاهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ أَوْ بَيَّنَ سَبَبًا يَقْتَضِي الْمِلْكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: أَمَّا قَوْلُهُ لَهَا مَا ذُكِرَ فَمُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ اشْتَرِ جَارِيَةً لِخِدْمَتِك اللَّازِمَةِ لِي فَتَكُونُ حِينَئِذٍ وَكِيلَةً عَنْهُ فِي شِرَائِهِ وَمَا زَادَتْهُ قَرْضٌ تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ اشْتَرِ بِهِ جَارِيَةً لِخِدْمَتِك لِأَنِّي وَهَبْتُهُ لَك وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ مِلْكًا لَهَا وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: الْجَارِيَةُ مِلْكٌ لَهَا اشْتَرَتْهَا لِنَفْسِهَا مُؤَيِّدٌ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْوَطْءِ، وَلَا تَصْرِيحَ فِي كَلَامِهِ بِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حِينَ الْوَطْءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّل أَوْ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَهَا فَوَطِئَهَا بِظَنِّ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا إنَّمَا اشْتَرَتْهَا كُلَّهَا لِنَفْسِهَا فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهَا فَيَجِبُ اسْتِفْسَارُهُ، فَإِنْ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُنَافِيه إلَّا لَوْ كَانَ أَقَرَّ بِمَا ذُكِرَ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَإِنْ أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي حُدَّ وَكَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا، وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى نَظِيرُ مَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَيْسَ نَظِيرَ مَنْ وَطِئَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ وَحَلَفَ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَزْعُمُ الْمِلْكَ، فَأَسْقَطْنَا عَنْهُ الْحَدَّ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ، وَلَمْ نُثْبِتْ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ لِثُبُوتِ مِلْكِهَا لِلْحَالِفِ وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْهَا، فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ رِقُّهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَيْر.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الدَّرْءِ مَا أَمْكَنَ النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ لِفَوَاتِ الْمَالِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا فِي تِلْكَ فَهُوَ يَزْعُمُ الْمِلْكَ لَهَا فَلَمْ يُفِدْهُ ظَنُّهُ الْمَذْكُورُ فِي السُّؤَالِ شَيْئًا، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ قَوْلُهُمْ: ادِّعَاءُ الْمِلْكِ شُبْهَةً لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شُبْهَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فَقَطْ، لَا لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ أَيْضًا لِوُجُودِ مُعَارِضِهَا مِنْ حَلِفِ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ ظَنِّ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ شُبْهَةٌ فِي الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا الْحَدُّ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ لِظَنِّهِ مَعَ عُذْرِهِ فِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَقْتَضِيه إطْلَاقُهُمْ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى الْمِلْكَ أَوْ ظَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْسِرْ لَكِنَّهُ إذَا تَبَرَّعَ بِتَفْسِيرٍ نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ الْعَامَّةُ مِنْهُ إبَاحَةَ الْوَطْءِ كَانَ شُبْهَةً وَإِلَّا فَلَا.
(سُئِلَ) - نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ -: عَمَّا لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّسَامُحِ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْبُقُولَاتِ أَوَّلَ وَقْتِ النَّبَاتِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ يُؤْكَلُ مَثَلًا هَلْ هُوَ حَلَالٌ طَيِّبٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ يَأْخُذُ ذَلِكَ الصَّبِيُّ وَيَأْتِي بِهِ إلَى أَهْلِ الثَّرْوَةِ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ لَهُمْ وَيَأْكُلُ ذَلِكَ الْوَرِعُ وَغَيْرُهُ وَفِي نَفْسِ الْفَقِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: حَيْثُ اطَّرَدَتْ عَادَةُ أَهْلِ نَاحِيَةٍ بِالْمُسَامَحَةِ فِي الْبُقُولَاتِ بِحَيْثُ يَجْزِمُ الْآخِذُ بِأَنَّ مَالِكَ الْمَأْخُوذِ لَا يَتَأَثَّرُ فِيهِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ جَازَ الْأَخْذُ، نَظِيرَ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَخْذِ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ، وَمَنْ جَازَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ تَصَرَّفَ فِيهِ بِالْأَكْلِ لَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إلَّا إنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِرِضَا الْمُلَّاكِ بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ بِمَا شَاءَ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ لِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ الْغَيْرِ الْأَكْلُ مِنْهُ، نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ إنَّمَا سَمَحَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يُعْطِيه لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، حَتَّى يُعْطِيَهُ الْمُقَابِلَ أَوْ يَعْزِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَيْثُ جَزَمَ بِالرِّضَا وَبِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْأَكْلِ وَرَعًا وَإِلَّا كَانَ تَرْكُهُ مِنْ الْوَرَعِ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ الْإِرْشَادِ فِي بَابِ الْهِبَةِ إلَّا إنْ تَفَرَّخَ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْفَلَسِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ بَيْضًا فَتَفَرَّخَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْبَائِعِ فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فَأَجَابَ)
بِقَوْلِهِ: أَمَّا هَذَا السُّؤَالُ فَجَوَابُهُ: أَنِّي فَرَّقْت بَيْنَهُمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ حَيْثُ قُلْت فِي بَابِ الْهِبَةِ: إلَّا إنْ اُسْتُهْلِكَ كَأَنْ تَفَرَّخَ الْبَيْضُ أَوْ نَبَتَ الْحَبُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا، قَالَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: هَذَا إذَا ضَمِنَّا الْغَاصِبَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَرْجِعُ، وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ، الرُّجُوعِ وَبِهِ جَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ وَاخْتَارَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الْمُفْلِسِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ: بِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْبَائِعِ ثَمَّ آكَدُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْأَصْلِ هُنَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ فُرُوعِ الْبَابَيْنِ وَفَارَقَ مَا هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْغَاصِب بِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يُفِيدُهُ هَذَا التَّغَيُّرُ حُدُوثَ مِلْكٍ، بِخِلَافِ الْفَرْعِ فَإِنَّ مِلْكَهُ صَحِيحٌ، وَمَا حَصَلَ مِنْ التَّغَيُّرِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْمَوْهُوبِ عَلَى حَالِهِ، فَامْتَنَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ رُجُوعُ الْأَصْلِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَرْسَلَ شَيْئًا لِفَقِيرٍ فَهَلْ لِآخَرَ مِثْلِهِ فِي الْفَقْرِ أَخْذُهُ مِنْ الرَّسُولِ قَهْرًا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَا فَمَا الْمُرَادُ مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ صَدَقَةً فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ وَهَلْ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ تَخَاصَمَا: لَك مَا نَوَيْت وَلَك مَا أَخَذْت مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِآخَرَ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْفَقْرِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الرَّسُولِ قَهْرًا وَلَا اخْتِيَارًا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، لِمَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْمُرْسَلَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ، وَمَا دَامَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ، وَقَدْ عَيَّنَهُ لِإِنْسَانٍ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورُ فَيُعْلَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ تَرْجَمَتِهِ وَسِيَاقِهِ وَهُمَا بَابُ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا إسْرَائِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَّةِ: إنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ: «بَايَعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي وَخَطَبَ أَيْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ أَيْ: خَطَبَ لِي امْرَأَةً مِنْ وَلِيِّهَا فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْت إلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْت فَأَخَذْتهَا فَأَتَيْته بِهَا فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا إيَّاكَ أَرَدْت فَخَاصَمْته إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَك مَا نَوَيْت يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ» اهـ. فَتَأَمَّلْ التَّرْجَمَةَ تَعْلَمْ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ حَذْفًا لَا بُدَّ مِنْهُ تَقْدِيرُهُ فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مُحْتَاجٍ إلَيْهَا إذْنًا مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا مِنْ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا بِإِذْنِهِ، لَا بِطَرِيقِ الِاعْتِدَاءِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي جُوَيْرِيَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُلْت: وَمَا كَانَتْ خُصُومَتك؟ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى الْمَسْجِدَ فَيَتَصَدَّقَ عَلَى رِجَالٍ يَعْرِفُهُمْ فَظَنَّ أَنِّي بَعْضُ مَنْ يَعْرِفُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَضَمِيرُ أَتَيْته لِأَبِيهِ، وَقَوْلُهُ لَهُ مَا إيَّاكَ أَرَدْت مَعْنَاهُ لَوْ أَرَدْت أَنَّك تَأْخُذَهَا لَنَاوَلْتُهَا لَك وَلَمْ أُوَكِّلْ فِيهَا، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ لَا تُجْزِي، أَوْ أَنَّهَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الْوَلَدِ، وَمَعْنَى لَك مَا نَوَيْت أَنَّك نَوَيْت أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَابْنُك مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَوَقَعَتْ الْمَوْقِعَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِك أَنَّهُ يَأْخُذُهَا أَوْ أَنَّ أَخْذَهُ لَهَا لَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ.
وَمَعْنَى: وَلَك مَا أَخَذْت يَا مَعْنُ أَيْ لِأَنَّك مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فَوَقَعَ أَخْذُك لَهَا الْمَوْقِعَ، وَإِنْ خَالَفَ ظَنَّ أَبِيك، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ لَهُ مَا إيَّاكَ أَرَدْتُ أَنِّي أَخْرَجْتُك بِنِيَّتِي، وَإِنَّمَا أَطْلَقْتُ لِوَكِيلِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَنْ تُجْزِي مِنِّي الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَخْطِرْ أَنْتَ يَا مَعْنُ بِبَالِي، فَأَمْضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِطْلَاقَ لِأَنَّهُ فَوَّضَ لِلْوَكِيلِ بِلَفْظٍ مُطْلَقٍ فَنَفَّذَ فِعْلَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالْمُطْلَقَاتِ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْمُطْلِقَ لَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ فَرْدٌ مِنْ الْأَفْرَادِ لَقَيَّدَ اللَّفْظَ بِهِ.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إلَى كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعٍ وَإِنْ لَزِمَتْهُ، نَفَقَتُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا لَا يَلْزَمُ أَبَاهُ يَزِيدَ نَفَقَتُهُ اهـ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ وَاقِعَةَ الْحَالِ الْقَوْلِيَّةَ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ أَفَادَهَا الْعُمُومُ بِخِلَافِ وَاقِعَةِ الْحَالِ الْفِعْلِيَّةِ، فَإِنْ تَطَرَّقَ الِاحْتِمَالُ إلَيْهَا يُسْقِطُهَا، وَهَذَا هُوَ
مَحْمَلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ أَكْسَبَهَا الْعُمُومَ فِي الْمَقَالِ، فَهَذَا فِي الْوَاقِعَةِ الْقَوْلِيَّةِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ رضي الله عنه بِقَوْلِهِ فِي الْمَقَالِ، وَقَوْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ، وَأُسْقِطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال، فَهَذَا فِي الْوَاقِعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَوَضْعِ يَدِ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَلَى قَدَمِهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَمَّا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّا لَا نَمْنَعُ دَفْعَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ إلَى الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ إلَّا إنْ كَانَ مَكْفِيًّا بِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ الدَّافِعِ، لِأَنَّ دَفْعَهَا لَهُ حِينَئِذٍ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الدَّافِعِ عَلَى أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَنِيٌّ بِإِنْفَاقِ قَرِيبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَكْفِيًّا بِنَفَقَةِ الدَّافِعِ كَأَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ حِينَئِذٍ الدَّفْعُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ الْعُمُومِ الدَّالِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ مَعْنًى خَصَّصَهُ بِغَيْرِ مَكْفِيٍّ بِنَفَقَةِ قَرِيبِهِ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَيْضًا: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَبَ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْ قَالَ يَزِيدُ أَبُو مَعْنٍ رَجَعْت، أَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ وَلَمْ يُمَكِّنْهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الَّذِي وَقَعَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنًا ظَنَّ أَنَّ أَخْذَ وَلَدِهِ لَا يُجْزِيهِ فَبَيَّنَ لَهُ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ يُجْزِيهِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَنَا الْحَقَّ وَيُيَسِّرَ لَنَا اتِّبَاعَهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِهِ عَمَّا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ مِنْ مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ الْأُجْرَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَأْجِرِ حَرْبِيًّا أَوْ لَا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْكَفَرَةِ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ احْتِرَامًا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ: إنْ اُعْتِيدَ الْإِهْدَاءُ إلَى الْمُؤَجِّرِ فَأَهْدَى الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ شَيْئًا بِطِيبِ نَفْسٍ لَا لِحَيَاءِ وَلَا لِظَنِّ كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ التَّبَرُّعِ وَإِيثَارِ فِعْلِ الْجَمِيلِ، جَازَ لَلْمُؤَجِّرِ الْقَبُولُ حِينَئِذٍ، وَمَتَى فُقِدَ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْته لَمْ يَحِلَّ الْقَبُولُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ عَطَايَا الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ظُلْمًا وَالْغَالِبُ عَلَى مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الْحَرَامُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا اقْتَرَضُوهَا، أَوْ اشْتَرَوْا شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ وَاسْتَأْذَنُوا بِقَبْضِهِ، فَإِذَا أَعْطَوْا أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا وَجُهِلَ الْحَالُ، فَهَلْ يَجُوزُ قَبُولُهُ وَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ إذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا؟ أَمْ يَحْرُمُ قَبُولُهُ؟ وَإِذَا قَبِلَهُ فَمَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَالصَّدَقَةِ مِنْهُ هَلْ يُثَابُ عَلَيْهَا كَمَا يُثَابُ فِي فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِهَا أَمْ دُونَهُ أَمْ لَا يُثَابُ بَلْ يَأْثَمُ؟
وَقَوْلُهُ فِي جَوَاهِرِ الْقَمُولِيِّ (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِتَمْلِيكٍ أَوْ إبَاحَةٍ ظَانًّا أَنَّهُ مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَكَانَ فِي الْبَاطِنِ حَرَامًا هَلْ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْخَيْرَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يُطَالَبَ وَإِلَّا طُولِبَ اهـ كَلَامُهُ، هَلْ هُوَ مُقِرٌّ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا أَمْ لَا؟ وَلَا يَخْفَى عَلَى مَوْلَانَا فَسَّحَ اللَّهُ سبحانه وتعالى فِي مُدَّتِهِ اخْتِلَاطُ الْحَرَامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَقَدْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ لِأُمُورٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَا يَضْرِبُهَا إلَّا السَّلَاطِينُ، وَلَا يُمَكَّنُ غَيْرُهُمْ أَنْ يَضْرِبَهَا لِمَا يَخْشَاهُ مِنْهُمْ وَلَوْ قَدَّرْنَا الْحِلَّ فَمُسْتَفِيضٌ أَنَّ الَّذِي يَضْرِبُهَا يَشْتَرِي فِضَّتَهَا بِعَقْدٍ لَا يَسْلَمُ فِيهِ مِنْ الرِّبَا، إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِغَلَبَةِ الْحَرَامِ.
وَإِذَا قُلْتُمْ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي ذَلِكَ، فَهَلْ يَحْصُل عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إثْمٌ مِثْلَ تَوْسِيخِ قَلْبِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ؟ أَمْ لِأَنَّهُ وَافَقَ الظَّاهِرَ؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: أَمَّا عَطَايَا الْمُلُوكِ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْخَلَفِ فِي قَبُولِهَا، فَقَبِلَهَا قَوْمٌ اعْتِمَادًا عَلَى أُمُورٍ يَطُولُ بَسْطُهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا آخَرُونَ وَرَعًا وَزُهْدًا، وَهَذَا الْأَحْوَطُ لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ وَلَقَدْ وَقَعَ لِمِثْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَنْهُ - أَنَّهُمْ أَحَسُّوا بِظُلْمَةِ قُلُوبِهِمْ لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ أَتْبَاعِ السَّلَاطِينِ، فَالْحَرَامُ بَاطِنًا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ، وَلَقَدْ تَعَفَّفَ حَتَّى عَنْ الْحَلَالِ خَوْفًا أَنْ يَقَعَ فِي
حَرَامٍ.
وَمِنْ الْمُشَاهَدَةِ أَنَّ بَعْضَ النَّوَاحِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالْمُتَّقُونَ، وَبَعْضَهَا يَقِلُّونَ فِيهِ، وَلَقَدْ اسْتَقْرَيْنَا سَبَبَ ذَلِكَ فَلَمْ نَجِدْهُ غَيْرَ أَكْلِ الْحَلَالِ أَوْ قِلَّةِ تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ، فَكُلُّ نَاحِيَةٍ كَثُرَ الْحِلُّ فِي قُوتِ أَهْلِهَا كَثُرَ الصَّالِحُونَ فِيهَا وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُعْتَمَدُ مَذْهَبِنَا أَنَّ مُعَامَلَةَ مَنْ أَكْثَرُ أَمْوَالِهِ حَرَامٌ مَكْرُوهَةٌ لَا مُحَرَّمَةٌ، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَعَلَيْهِ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُعْلَمُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْهُ أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ، وَمَعَ الْجَوَازِ يَكُونُ الْآخِذُ تَحْتَ خَطَرِ احْتِمَالِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ فَيَتَأَثَّرُ قَلْبُهُ بِهِ، بَلْ وَيُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ إنْ كَانَ الْمُعْطِي غَيْرَ مُسْتَقِيمِ الْحَالِ، كَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَأَقَرُّوهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَيْثُ الْمُؤَاخَذَةِ وَعَدَمِهَا، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ إنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ مُعَامِلُهُ مَعْذُورًا وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا مِنْ حَيْثُ أَخْذِ حَسَنَاتِ آكِلِ الْحَرَامِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَلَوْ مِمَّنْ ظَاهِرُهُ الِاسْتِقَامَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا أَكَلَهُ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ، فَالْبَغَوِيُّ لَا يُجْرِي تَفْصِيلَهُ فِي هَذَا، لِأَنَّ أَخْذَ الْحَسَنَاتِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَعَدِّي بِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ وَعَدَمِهِ، كَمَا أَشَرْت إلَى ذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْصِ بِأَدَائِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَخْذَ الْحَسَنَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْمُعَاتَبَةِ وَالْمُؤَاخَذَةِ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ، كَمَنْ عَامَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الظُّلْمُ أَوْ أَخْذُ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي كَمَنْ عَامَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ.
وَالصَّلَاةُ فِي الْحَرَامِ الصِّرْفِ صَحِيحَةٌ وَلَا ثَوَابَ فِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِجَمْعٍ مُحَقِّقِينَ وَفِي الْمَشْكُوكِ فِي حُرْمَتِهِ فِيهَا الثَّوَابُ لِعَدَمِ التَّعَدِّي، وَدَعْوَى عَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ الْحَرَامِ مَمْنُوعَةٌ، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا مُتَعَسِّرَةٌ.
وَلَقَدْ اُعْتُرِضَ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ كَأَنْ يَغْتَرِفَ بِيَدِهِ مِنْ الدِّجْلَةِ، فَإِنَّ صَوَابَهُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ النَّازِلِ مِنْهَا إلَى يَدِهِ، لِأَنَّ الدِّجْلَةَ أُمُّ الْفُرَاتِ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي بِلَادِ التُّرْكِ بِرْكَةٌ يُحَوَّطُ عَلَيْهَا لِصَيْدِ السَّمَكِ فَيُمْلَكُ مَاؤُهَا، ثُمَّ يَنْفَتِحُ مَا يَسُدُّهَا فَيَنْزِلَ وَيَخْتَلِطَ بِالْفُرَاتِ أَوْ الدِّجْلَةِ، فَلَمْ يَخْلُ عَنْ الشُّبْهَةِ فَإِذَا رُوعِيَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ مَعَ نُدْرَتِهَا فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهَا.
وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ بِقُرُونٍ عَدِيدَةٍ الْآنَ أَيِسْنَا مِنْ الْحَلَالِ الْمَحْض، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّبْهَةَ كَثِيرَةٌ إذًا، وَأَنَّ التَّنَقِّيَ عَنْهَا مُتَعَسِّرٌ، وَأَنَّ غَايَةَ مَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُمْ بِسَبَبِهِ الْإِكْثَارُ مِنْ تَعَاطِي الشُّبْهَةِ وَالتَّقْلِيلُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى يُوَفِّقُنَا لِمَرْضَاتِهِ وَيُخَفِّفُ عَنَّا مَا تَحَمَّلْنَاهُ مِنْ عَظِيمِ مُخَالَفَاتِهِ وَبِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَلَدِ وَلَدٍ قَالَ لِجَدَّتِهِ وَإِخْوَانُهُ حُضُورٌ: سُدُسُكِ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِنَا رَدَدْته عَلَيْنَا، قَالَتْ نَعَمْ رَدَدْته عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ لَهَا: وَالْحِصَّةُ الَّتِي قَدْرُهَا النِّصْفُ الْآيِلَةُ إلَيْك بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِك لَنَا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ سُدُسَهَا وَحِصَّتَهَا الْمَذْكُورَةَ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: قَوْلُهَا: رَدَدْته عَلَيْكُمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةُ هِبَةٍ، فَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا وَقَبَضُوا الْمَوْهُوبَ بِإِذْنِهَا مَلَكُوهُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَوْلُهَا: نَعَمْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ لَهَا الْآيِلَةُ إلَيْك بِالْإِرْثِ مِنْ وَالِدِك؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، وَقَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ فِيهِ الِاعْتِرَافُ لَهَا بِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِذَلِكَ حَالًا، وَالْمَمْلُوكُ حَالًا يَسْتَحِيلُ الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَا بَيْعًا، لِعَدَمِ ذِكْرِ ثَمَنٍ، وَلَا هِبَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ نَعَمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا يُكْتَفَى بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَبُولٌ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ تَصِحُّ هِبَةُ الْمَنَافِعِ؟
(فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِهِ بِقَوْلِهِ: لِلْأَصْحَابِ فِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِلدَّارِ لَا تُمْلَكُ مَنَافِعُهَا بَلْ تَكُونُ إبَاحَةً، وَالثَّانِي: أَنَّهَا هِبَةٌ فَتَكُونُ أَمَانَةً فَلَا يَضْمَنُ الدَّارَ إنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ، وَرَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ كَالسُّبْكِيِّ الثَّانِيَ، قَالَ: وَيَكُونُ قَبْضُ الْمَنَافِعِ بِاسْتِيفَائِهَا، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْحَوَاشِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا ذَكَرُهُ فِي غَيْرِ الْحَوَاشِي مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِقَبْضِ الدَّارِ، رَدَّهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ: لَا تَلْزَمُ إلَّا بِإِتْلَافِهَا، وَأَخَذَهُ مِنْ فَرْقِ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ كَوْنِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ مَقْبُوضَةً بِقَبْضِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يُتْلِفْ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ بِخِلَافِهِ فِي هِبَةِ الْمَنَافِعِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِيهَا مُعَاوَضَةٌ فَكَانَتْ