الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ تَغَايُرِ الْفَرْضِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ فُلَانًا بَالِغٌ بِالسِّنِّ وَبَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَوْ بِأَنْ عَمَّرَهُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً فَهَلْ تَكُونُ مِنْ شَهَادَةِ النَّفْيِ أَوْ لَا وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ قِيلَ هَذَا فَمَا صُورَةُ شَهَادَةِ النَّفْيِ الْمَقْبُولِ وَغَيْرِهِ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ مِنْ كَوْنِ الشَّاهِدَيْنِ خَبِيرَيْنِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا لِعَدَدِ السِّنِينَ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سِنِّ الْبُلُوغِ فَحِينَئِذٍ إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا خَبِيرَةً بِهِ دُونَ الْأُخْرَى قُدِّمَتْ الْخَبِيرَةُ عَلَى الْأُخْرَى وَكَذَا إذَا أَطْلَقَتْ إحْدَاهُمَا وَعُيِّنَتْ الْأُخْرَى فَتُقَدَّمُ الْمُعَيِّنَةُ عَلَى الْمُطْلَقَةُ وَإِنْ كَانَتَا خَبِيرَتَيْنِ وَعَيَّنَتَا كَأَنْ قَالَتْ وَاحِدَةٌ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَقَالَتْ الْأُخْرَى سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً قُدِّمَتْ الْأُولَى؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ بِكَوْنِهَا نَاقِلَةً عَنْ أَصْلِ بَقَاءِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ لِبَقَائِهِ فِيهَا وَالنَّاقِلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ نَعَمْ إنْ عَيَّنَتْ زَمَنًا لِلْوِلَادَةِ بِأَنْ قَالَتْ وُلِدَ وَقْتَ كَذَا وَقَالَتْ الْأُخْرَى شَاهَدْنَا أُمَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهِيَ غَيْرُ وَالِدَةٍ تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ فُلَانًا بَالِغٌ بِالسِّنِّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَكَذَا شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ بِالسِّنِّ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِ السِّنِينَ وَهَذَا مِنْ صُوَرِ شَهَادَةِ النَّفْيِ غَيْرِ الْمَقْبُولِ وَإِنْ بَيَّنَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِالسِّنِّ وَعُمْرُهُ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً فَرْقًا إذْ الْأُولَى غَيْرُ مُعَيِّنَةٍ لِلسِّنِينَ فَلَا تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى وَالثَّانِيَةُ مُعَيِّنَةٌ لَهَا فَتُقْبَلُ مَا لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى كَمَا قَدَّمْتُهُ وَصُورَةُ شَهَادَةِ النَّفْيِ الْمَقْبُولِ هُنَا مَا ذَكَرْته مِنْ أَنْ تُعَيِّنَ بَيِّنَةً وَقْتًا لِلْوِلَادَةِ وَتَقُولَ الْأُخْرَى شَاهَدْنَا أُمَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ وَالِدَةٍ فَهَذَا نَفْيٌ مَحْصُورٌ مُتَقَبَّلٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ تُلْغِي الْبَيِّنَةَ الْأُخْرَى لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَعَارُضِهِمَا.
[بَابُ الصُّلْحِ]
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ تَصَالَحَا عَلَى إنْكَارٍ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ الصُّلْحِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَأَبْرَأهُ فَهَلْ يَنْفُذُ الْإِقْرَارُ وَالْإِبْرَاءُ مُطْلَقًا أَمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيِّنُوا ذَلِكَ مَعَ بَسْطِ الْجَوَابِ فِيهِ فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا؟
(فَأَجَابَ صلى الله عليه وسلم عِبَارَةُ الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الصُّلْح عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَهُمَا عَلَى أَصْلِ حَقِّهِمَا وَيَرْجِعُ الْمُدَّعِي إلَى دَعْوَاهُ وَالْمُعْطَى بِمَا أُعْطِي وَسَوَاءٌ إذَا أَلْغَيْنَا الصُّلْحَ قَالَ الْمُدَّعِي قَدْ أَبْرَأْتُك مِمَّا ادَّعَيْت عَلَيْك أَوْ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَإِذَا لَمْ يُتِمَّ لَهُ لِلْفَسَادِ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَصْلِ مِلْكِهِ كَمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا. اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُدَّعِي بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ قَدْ أَبْرَأْتُك لِمَا عُلِّلَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ عَلَى أَنْ يُتِمَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ أَيْ وَلَمْ يُتِمَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ بِالصُّلْحِ الْفَاسِدِ بَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَهُوَ أَنَّمَا أَبْرَأَ عَلَى ظَنِّ سَلَامَةِ مَا أَقْبِضُهُ لَهُ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ بَانَ فَسَادُ إبْرَائِهِ فَيَبْقَى دَيْنُهُ بِحَالِهِ
وَجَرَى عَلَى هَذَا الَّذِي فُهِمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ إذَا صَالَحَ مَعَ الْإِنْكَارِ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأَهُ مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَبْرَأْ وَلَزِمَهُ فِي الْحُكْمِ رَدُّ مَا قَبَضَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ بِالْأَلْفِ بَيِّنَةً عَادِلَةً كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَانَ مَقْرُونًا بِمِلْكِ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَزِمَهُ رَدُّهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ بَطَلَ إبْرَاؤُهُ لِعَدَمِ صِفَتِهِ كَمَنْ بَاعَ عَبْدًا بَيْعًا فَاسِدًا فَأَذِنَ لِمُشْتَرِيهِ فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ كَانَ بِمِلْكِ الْعِوَضِ فَلَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ. اهـ.
وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا مَعَ زِيَادَةٍ فَقَالَ لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ قَدْ مَلَّكْتُكهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَكَاتِبِهِ بَعْدَ قَبْضِ النُّجُومِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَةِ الْعِوَضِ لَهُ وَلَمْ
يَسْلَمْ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْح أَبْرَأْتُك فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِد صِحَّة الصُّلْحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابَة وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْفَسَادَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الصُّلْحِ وَهَبْتهَا مِنْك وَكَانَ الْمُدَّعِي عَيْنًا وَقَالَ قَبِلْت فَإِنْ اعْتَقَدَ فَسَادَ الصُّلْحِ صَحَّتْ الْهِبَةُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَا لِلْإِبْرَاءِ حُكْمٌ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَارَةً يَأْتِي بَعْد الصُّلْحِ بِمَا يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ كَقَوْلِهِ بَرِئَتْ مِنْ الْحَقِّ وَمَلَكْت الْعَيْنَ فَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ وَلَا الْمِلْك قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ السَّابِقَةِ وَتَارَةً يَأْتِي بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْكِ كَأَبْرَأْتُكَ وَمَلَّكْتُك فَإِنْ عَلِمَ فَسَاد الصُّلْحِ صَحَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ شَيْءٍ وَإِنْ جَهِلَ فَسَادَهُ فَسَدَا؛ لِأَنَّهُ أُتِيَ بِهِمَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يَسْلَمُ لَهُ مَا صَالَحَ بِهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ بَانَ عَدَمُ صِحَّتِهِمَا ثُمَّ تَفْصِيلُهُ الْمَذْكُورُ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْل شَيْخِهِ الْقَاضِي وَصَاحِبِهِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا فِي الرَّهْنِ.
وَنَظَائِرِهِ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ أَنَّهُ فَاسِدٌ وَاعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّهْنِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَوَلَدِهِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ الصِّحَّةِ قَالَ الْإِمَامُ وَقَوْلُ الْقَاضِي بِالْفَسَادِ غَلَطٌ فَالْقِيَاسُ صِحَّةُ الْإِبْرَاءِ وَالتَّمْلِيكِ فِي أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَأَمَّا مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي فِي بَرِئْت فَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبْرَأْتُك أَنَّ بَرِئْت وَأَنْتَ حُرٌّ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ بَلْ بَرِئْت صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي الْإِقْرَارِ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الظَّاهِرَةَ صَرَفَتْ ذَيْنك عَنْ الْإِنْشَاءِ وَمَحَّضْتُهُمَا لِلْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ ظَنَّ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَإِذَا بَانَ بَقَاءُ حَقِّهِ بَانَ أَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَأَمَّا أَبْرَأْتُك وَمَلَّكْتُك فَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْقَرِينَةِ وَإِنْ قَوِيَتْ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي مَعْنَى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَعَمِلَا بِمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ إفَادَةِ الْإِبْرَاءِ وَالْمِلْك سَوَاءٌ ظَنَّ صِحَّةَ الصُّلْحِ أَمْ لَا وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا مَرَّ عَنْ النَّصِّ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي الضَّعِيفِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ أَيَّدَ كَلَامَ الْقَاضِي بِذَلِكَ النَّصِّ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِقَوْلِهِ كَمَنْ بَاعَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَأَنَّ الْقِيَاسَ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ وَمُصَادَفَةِ الْإِعْتَاقِ الْمِلْكَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ السَّابِقَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِبْرَاءُ صَرِيحًا بَلْ ضِمْنًا كَأَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ فِي الظَّاهِرِ وَكَذَا الْبَاطِنِ إنْ اشْتَرَطْنَا الْقَبُولَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَلْفِ إذَا بَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُبُوتُهَا بِإِقْرَارٍ وَبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا إنَّمَا كَانَ فِي ضِمْنِ الصُّلْحِ فَإِذَا فَسَدَ فَسَدَ الْإِبْرَاءُ تَبَعًا لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ صَالَحْتُك مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ وَأَبْرَأْتُك مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَالْإِبْرَاءُ هُنَا وُجِدَ مُسْتَقِلًّا فَيَكُونُ صَحِيحًا وَلَا نَظَرَ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلصُّلْحِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ التَّابِعِ أَنْ لَا يُمْكِنَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ مَعَ وَصْفِ التَّبَعِيَّةِ وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ تَابِعًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ فَأَثَّرَ فِي مَدْلُولِهِ وَإِنْ فَسَدَ مَا سَبَقَهُ مِنْ الصُّلْحِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ فِيمَا قَرَّرْته تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْكِتَابَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهِمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَانِي الْأَمْرِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ. اهـ.
وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ هَذَا الْبَانِيَ تَارَةً بِعُذْرٍ فِي بِنَائِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةٍ لِلْقَرِينَةِ دَخْلٌ فِي تَخْصِيصِهَا فَلَا يُؤَاخَذُ وَتَارَةً لَا يُعْذَرُ بِأَنْ يَأْتِي بِمَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْقَرِينَةُ فَيُؤَاخَذُ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ وَقَدْ جَرَى فِي الْأَنْوَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَرِئْت وَأَبْرَأْتُك فَقَالَ لَوْ صَالَحَ مِنْ الْإِنْكَارِ ثُمَّ قَالَ بَرِئْت مِنْ الْحَقِّ أَوْ أَبْرَأْتُك عَنْهُ أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا فَقَالَ مَلَّكْتهَا فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الدَّعْوَى وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِالْإِقْرَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا جَرَى. اهـ.
وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ حَيْثُ وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ مُطْلَقًا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ إذَا لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرْجِعُ إلَى الْعِوَضِ الَّذِي دَفَعَهُ وَلَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ أَيْ بِإِبْرَاءِ الْمُدَّعَى لَهُ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالْإِبْرَاءِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَرَّحَ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ لِيَسْلَمَ لَهُ الْعِوَضُ وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ فَبَطَلَ الْإِبْرَاءُ هَكَذَا رَأَيْته مَجْزُومًا بِهِ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَوْرَدَهُ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الْمُذْهَبِ. اهـ.
وَوَجْهُ عَدَمِ
مُنَافَاتِهِ لِمَا قُلْنَاهُ حَمْلُ قَوْلِهِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِالْبَرَاءِ عَلَى مَا إذَا صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِ بَرِئْت لَا بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك لِمَا مَرَّ وَكَذَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْحِلْيَةِ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَى مَالٍ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ مِنْ الْعِوَضِ سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إذَا صَرَّحَ بِإِبْرَائِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ سَقَطَ حَقُّهُ وَإِنْ قَالَ أَسْقَطْت عَنْك الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ صُلْحٍ فَفِي الْحَاوِي فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ كَأَبْرَأْتُكَ اهـ.
وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي أَسْقَطْت هُوَ الَّذِي يَتَّجِهُ تَرْجِيحُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ صَرَّحَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّلَفُّظِ بَعْدَ الصُّلْحِ بِالْإِبْرَاءِ وَعَدَمِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ بِلَفْظِ بَرِئْت دُونَ أَبْرَأْتُك فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَكَلَامُهُ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ مَا نَقَلَهُ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مِنْ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا وَمَرَّ مَا يُصَرِّحُ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَقُلْنَا لَا يَفْتَقِر الْإِبْرَاءُ إلَى الْقَبُولِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصُّورَةَ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ مُصَالَحَةٌ وَيُحْتَمَلُ التَّعْمِيمُ كَمَا هُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ. اهـ.
وَالتَّعْمِيمُ هُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَتِمَّاتٌ وَمُنَاسِبَاتٌ مِنْهَا أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبْرَأَهُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَالدَّيْنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بَرَاءَةِ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَأَلْحَقَ الزَّرْكَشِيُّ مَا إذَا أَطْلَقَ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَسْقُطُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ إلْحَاقُهُ بِالْإِسْقَاطِ فَيَسْقُطُ وَلِأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ صَرِيحٌ فِي الْإِسْقَاطِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَفِي الْأَنْوَارِ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي الذِّمَّةِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ حَرَامٍ فَإِنْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بِطِيبِ قَلْبِهِ وَأَكَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ حَلَّ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ أَصْلًا وَالثَّمَنُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ الْحَرَامِ وَأَبْرَأَهُ الْبَائِعُ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ بَرِئَ وَلَكِنْ أَثِمَ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بِظَنِّ الْحِلِّ لَمْ يَبْرَأْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَقَدَّمْت مَا فِيهِ وَمِنْهَا قَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْرَأْتُك مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ قَالَ الْأَصْحَابُ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي لَمْ أَعْلَمُ ذَلِكَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الدَّيْنَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اعْتَقَدَتْ قَبْضَ مَهْرِهَا فَقَالَتْ أَبْرَأْتُك عَنْ مَهْرِي ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِمَّا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْك مِنْ الشُّفْعَةِ بَاطِنًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ مِنْ جَهِلَهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ. اهـ.
مُلَخَّصًا وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ إفْتَاءِ الْأَصْبَحِيِّ فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا فِي ذِمَّة أُمِّهَا فَظَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَهْرِ فَأَبْرَأَ الْأُمَّ مِمَّا ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ مِثْلِهِ الَّذِي لِلزَّوْجَةِ بِذِمَّتِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بَلْ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ ظَاهِرًا إنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَيُوَافِقُهُ إفْتَاءُ أَبِي مَخْرَمَةَ فِيمَنْ ضَمِنَ فَأَبْرَأَ الْمَضْمُون لَهُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ الْحَقُّ وَلَمْ يُرِدْ سُقُوطَ دَيْنِهِ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ. اهـ. وَهَذَانِ صَرِيحَانِ فِيمَا قَدَّمْته مِنْ الْإِبْرَاءِ بِقَوْلِهِ أَبْرَأْتُك بَعْدَ الصُّلْحِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ لَمْ يَنْظُرَا لِلْقَرِينَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَكَذَا فِي تِلْكَ نَعَمْ نَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ الْأَصْبَحِيِّ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ وَالشَّرْطُ فَوْرِيٌّ فَأَبْرَأْته عَلَى التَّرَاخِي جَوَابًا لِكَلَامِهِ عَلَى ظَنِّ حُصُولِ الطَّلَاقِ لَهَا لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ عَلَى قِيَاسِ نَظَائِرِهَا فِي الصُّلْحِ اهـ وَفِيهِ مَيْلٌ إلَى مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِهِ صِحَّة الْإِبْرَاءِ بَعْدَ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ فَقِيَاسُهُ أَنَّ الزَّوْجَ هُنَا يَبْرَأُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ هُنَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَهِيَ الْخُلْعُ فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ وَيَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الْمُعَاوَضَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْإِبْرَاءِ فَسَادُهُ وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يَقَع فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّعِ بِهِ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسَادِ الصُّلْحِ فَسَادُهُ.
وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ فِيهِ خِلَافٌ حَاصِلُهُ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِلْمُكَاتَبِ حِينَ أَدَّى النُّجُومَ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ فَقَدْ عَتَقْتَ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ صِحَّةُ الْأَدَاءِ فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتَحَقَّ
فَقَالَ مَعَ مُخَاصَمَتِهِ لِلْمُدَّعِي هُوَ مِلْكُ بَائِعِي إلَى أَنْ اشْتَرَيْته مِنْهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ قَالَ الْمُكَاتَبُ أَرَدْت بِذَلِكَ عِتْقِي وَقَالَ السَّيِّد إنَّمَا أَرَدْت أَنَّك حُرٌّ أَوْ عَتَقْت بِمَا أَدَّيْت وَبِأَنَّ فَسَادَ الْأَدَاءِ صُدِّقَ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ لِلْقَرِينَةِ وَهِيَ إطْلَاقُ الْحُرِّيَّةِ عِنْدَ قَبْضِ النُّجُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ كَأَنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لَا عِنْدَ قَبْضِ شَيْءٍ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ قِيلَ لَهُ طَلَّقْت امْرَأَتَك فَقَالَ نَعَمْ طَلَّقْتُهَا ثُمَّ قَالَ ظَنَنْت أَنَّ مَا جَرَى طَلَاقٌ وَقَدْ أَفْتَانِي الْفُقَهَاءُ بِخِلَافِهِ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ بَلْ طَلَّقْتنِي فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَأَنْ تَخَاصَمَا فِي لَفْظَة أُطَلِّقُهَا فَقَالَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ وَهَذَا فِي الصُّورَتَيْنِ تَفْصِيلٌ لِلْإِمَامِ نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ إنَّهُ قَوِيمٌ لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَتَصْدِيقُهُ بِلَا قَرِينَةٍ عِنْدِي غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ جَرَى بِالصَّرِيحِ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي دَفْعِهِ مُحَالٌ وَأَطْلَقَ فِي الْوَسِيطِ فِي الْأُولَى تَصْدِيقَ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ وَأَطْلَقَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا فِي الْوَسِيطِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ الْمَنْقُولُ فِيهِمَا. اهـ.
وَمَعَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ الْوَجْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ ثُمَّ قَالَ كَانَ فَاسِدًا أَوْ أَقْرَرْت لِظَنِّي الصِّحَّةَ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاق عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا يُفَرَّقُ بِأَنَّ مَا هُنَاكَ لَمْ يُعَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنّه بِخِلَافِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ إذْ الصَّرِيحُ لَا يَرْتَفِعُ بِظَنِّ خِلَافِهِ سَوَاءٌ بَيَّنَ لِظَنِّهِ مُسْتَنَدًا أَمْ لَا ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَدْ عَتَقْت فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتنَا أَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ قَدْ بَرِئْت فَيُقْبَلُ لِقَرِينَةِ الصُّلْحِ الْفَاسِدِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك عَتَقَ حَتَّى عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ فَنَظِيرُهُ الْإِبْرَاءُ فِي أَبْرَأْتُك مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْقَرِينَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ صُورَةِ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهِ فِي فَتْوَى سَابِقَةٍ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذَكَرْتُمْ فِي أَوَّلِ جَوَابِكُمْ السَّابِقِ لِلْمَالِكِ أَنْ يَحْفِرَ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ وَلَهُ مُطَالَبَةُ جَارِهِ بِتَحْوِيلِ عُرُوقِهِ مِنْ أَرْضِهِ وَإِنْ امْتَنَعَ حَوَّلَهَا هُوَ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْوِيلُهَا فَلَهُ قَطْعُهَا ثُمَّ ذَكَرْتُمْ فِي آخِرِ الْجَوَابِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ إلَّا إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى ضَرَرِ مِلْكِ الْجَارِ فَإِنْ أَدَّى إلَى ضَرَرِ مِلْكِ الْجَارِ ضَمِنَهُ وَالْحَالُ أَنَّ عَادَةَ أَهْلِ الْبِلَادِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ مَالِك الْأَرْضِ مِنْ عُرُوقِ شَجَرِ الْجَارِ فِي أَرْضِهِ وَأَرَادَ مَالِك الْأَرْضِ إزَالَتَهَا إمَّا بِيَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مَنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي مَصْلَحَتِهِ مَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَقَدْ قَالُوا لِكُلٍّ مِنْ الْمُلَّاكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ أَيْ مُخَالِفُ الْعَادَةِ وَقَالُوا إنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَضُرُّ الْمِلْكَ فَلَهُ مَنْعُهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا يَضُرُّ الْمَالِكَ فَلَا مَنْعَ.
وَقَالُوا لَوْ فَعَلَ مَا الْغَالِبُ فِيهِ ظُهُورُ الْخَلَلِ فِي حِيطَانِ الْجَارِ كَدَقٍّ عَنِيفٍ يُزْعِجُ الْحِيطَانَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ مُطْلَقًا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الَّذِي يَتَحَرَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَشَرْت إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بَلْ وَصَرَّحْت بِهِ أَنَّ الشَّخْصَ مَتَى تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ بِمَا يُوَافِقُ الْعَادَةَ لَمْ يُمْنَعْ مُطْلَقًا وَمَتَى تَصَرَّفَ بِمَا يُخَالِفُهَا فَإِنْ أَضَرَّ بِالْمَالِكِ لَمْ يُمْنَعْ أَوْ بِالْمِلْكِ مِنْهُ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْعُرُوقِ الْمَذْكُورَة أَمَّا هِيَ فَالْحُكْمُ فِيهَا مَا ذَكَرْته فِي الْجَوَابِ السَّابِقِ سَوَاءٌ اعْتَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ إبْقَاءَهَا أَمْ قَطْعَهَا؛ لِأَنَّهَا شَاغِلَةٌ لِمِلْكِ الْغَيْرِ وَمَانِعَةٌ لَهُ مِنْ تَمَامِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالشَّخْصُ لَا يُلْزَمُ بِأَنْ يَتَحَمَّلَ الضَّرَرَ بِبَقَاءِ مَالِ الْغَيْرِ فِي مِلْكِهِ نَظَرًا إلَى إزَالَةِ ذَلِكَ الْمَالِ عَنْ الْمِلْكِ أَنْ يُتْلِفَهُ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ وَضَرَرُ صَاحِبِ الْأَرْضِ مُقَدَّمٌ عَلَى ضَرَرِ صَاحِبِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ أَوْ نَبَتَتْ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ لِإِلْزَامِهِ بِبَقَائِهَا وَجْهٌ فَلَا تَلْتَبِسْ عَلَيْك هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ رَجُلٍ فِي مِلْكِهِ شَجَرَةٌ وَعُرُوقُهَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ آخَر فَارَاد الَّذِي فِي مِلْكِهِ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَادَّعَى ضَرَرَهَا عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ وَقَالَ إذَا قَطَعْت عُرُوقَهَا فَسَدَتْ الشَّجَرَةُ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ يَجُوز لِمَالِكِ الْأَرْضِ قَطْعُ الْعُرُوقِ السَّارِيَةِ إلَيْهَا مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِنْ
حَصَلَ لِلْغَيْرِ تَضَرُّرٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ صَاحِبِ الْأَرْضِ مُقَدَّمٌ عَلَى ضَرَرِ صَاحِبِ الشَّجَرَةِ فَلَا نَظَرَ لِفَسَادِهَا بِقَطْعِ عُرُوقِهَا الْمَذْكُورَةِ
(وَسُئِلَ) عَنْ شَجَرَةٍ بِمِلْكِ شَخْصٍ خَرَجَتْ أَغْصَانُهَا إلَى مِلْكِ آخَرَ فَأَضَرَّتْ بِزَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ هَلْ لَهُ قَطْعُهَا؟
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِتَحْوِيلِهَا فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَهُ قَطْعُهَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ قَاضٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قَالُوا وَلِمَنْ تَحَوَّلَتْ أَغْصَان شَجَرِهِ لِهَوَاءِ مِلْكِهِ الْخَالِصِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ وَكَذَا مَا اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهُ بِنَحْوِ وَصِيَّةٍ إنْ قُلْنَا إنَّهُ يُخَاصِمُ أَنَّهُ يُطَالِبُ الْمَالِكَ بِتَحْوِيلِهَا فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ جَازَ لَهُ تَحْوِيلُهَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا جَازَ لَهُ قَطْعُهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاضِي وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ إبْقَائِهَا؛ لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ مُجَرَّدِ الْهَوَاءِ لَا عَنْ اعْتِمَادِهَا عَلَى جِدَارِهِ مَا دَامَتْ رَطْبَةً وَكَالْأَغْصَانِ فِيمَا تَقَرَّرَ انْتِشَارُ الْعُرُوقِ وَمَيْلُ الْجِدَارِ وَحَيْثُ تَوَلَّى الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالتَّفْرِيغِ وَمَتَى قَطَعَ مَعَ إمْكَانِ التَّحْوِيل ضَمِنَ نَقْص قِيمَةِ الشَّجَرَةِ.
وَلَوْ دَخَلَ الْغُصْنُ الْمَائِلُ إلَى هَوَاءِ مِلْكِهِ فِي بَرْنِيَّة وَنَبَتَ فِيهِ أُتْرُجَّةٌ وَكَبُرَتْ حَتَّى تَعَذَّرَ إخْرَاجُهَا قُطِعَ الْغُصْنُ وَالْأُتْرُجَّةُ لِتَسْلَمَ الْبَرْنِيَّة لِاسْتِحْقَاقِ قَطْعِهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ يُذْبَحْ حَيَوَانُ غَيْرِهِ إذَا بَلَعَ جَوْهَرَة؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَلِلْمَالِكِ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِي مِلْكه وَإِنْ عَلِمَ انْتِشَار أَغْصَانهَا إلَى هَوَاء مِلْكِ جَاره ثُمَّ إذَا انْتَشَرَتْ إلَى ذَلِكَ يَأْتِي فِيهَا مَا مَرَّ وَلَوْ سَكَتَ الْمَالِك عَنْ مُطَالَبَته بِالْقَطْعِ فِيمَا مَرَّ ثُمَّ بَاعَ مِلْكه فَلِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَته بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم (وَسُئِلَ) عَنْ شَجَر عَلَى جِسْر بَيْن أَرْضَيْنِ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ خَرَجَ مِنْهُ أَغْصَانٌ وَانْتَشَرَتْ فِي هَوَاء الْأَرْض الْأُخْرَى حَتَّى تَضَرَّرَ صَاحِبهَا بِهَا فَهَلْ تُقْطَعُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِمَا حَاصِله أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَالْمَسْأَلَةِ السَّابِقَة فِي شَجَرَة خَرَجَتْ أَغْصَانهَا إلَى مِلْك آخَر فَأَضَرَّتْ بِشَجَرِهِ أَوْ زَرْعه، وَاَللَّه أَعْلَم.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَنْ رِجَال مُشْتَرَكِينَ فِي دَارٍ فَمَالَ بَعْضهَا فَهَدَمُوهُ ثُمَّ أَعَادُوهُ بِنَقْضِهِ وَزِيَادَة فَادَّعَى أَحَدهمَا أَنَّهُ لَمْ يَأْذَن بِالْهَدْمِ وَلَا بِالْإِعَادَةِ مَا الَّذِي يَسْتَحِقّهُ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى الْمَذْكُورِينَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يُصَدَّقُ مُنْكِر الْإِذْن فِي الْهَدْم فَلَهُ عَلَى الْهَادِمِينَ بِغَيْرِ إذْن شَرْعِيّ الْأَرْش وَهُوَ مَا بَيْن قِيمَة الْجِدَار قَائِمًا مَائِلًا وَقِيمَته مَهْدُومًا وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ شَيْء فِي مُقَابَلَة مَا أَعَادُوهُ لَكِنْ إنْ أَعَادُوهُ بِآلَةٍ يَمْلِكُونَهَا دُونَهُ جَازَ لَهُمْ نَقْضُهَا وَإِلَّا فَلَا.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه خَرَجَتْ شَجَرَةٌ مِنْ مِلْكِهِ فَتَلِفَ بِظِلِّهَا زَرْعُ غَيْرِهِ هَلْ يَضْمَنُهُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ سَوَاءٌ أَطَلَبَ مَالِكُهَا إزَالَةَ الشَّجَرَة عَنْهُ أَمْ لَا قِيَاسًا عَلَى الْمَيَازِيبِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ طَلَبِ إزَالَتِهَا وَعَدَمِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُؤَالًا صُورَتُهُ سُئِلَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ عَنْ جِدَارٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَخَافَ أَحَدُهُمَا سُقُوطَهُ فَهَدَمَهُ أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ أَحْسَنَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْء فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله أَنَّ مَنْ هَدَمَ جِدَارًا بَنَاهُ لَكِنْ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ لَا يَلْزَمهُ الْبِنَاءُ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَخْتَلِفُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ فَلَوْ بَنَاه كَبِنَائِهِ الْأَوَّلِ أَوْ أَحْسَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مَا نَقَصَ. اهـ.
جَوَابُهُ فَهَلْ جَوَابُكُمْ كَذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَاجُ لِمُقَدِّمَةٍ وَهِيَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْجِدَارِ الْمُشْرِفِ عَلَى الِانْهِدَامِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ إذَا مَالَ الْجِدَارُ إلَى الطَّرِيقِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى نَقْضِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْمَارَّةِ نَقْضُهُ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ مَالَ وَخَشَى الْجَارُ مِنْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ وَطَالَبَهُ بِهَدْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ شَيْئًا وَانْهِدَامُهُ مَظْنُونٌ قَالَ الْقَمُولِيُّ وَمُرَادُهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي هَوَائِهِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ أَشْرَفَ الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ عَلَى الِانْهِدَامِ وَخَشَى سُقُوطَهُ فِي الطَّرِيقِ وَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِهِ أُجْبِرَ مَالِكَاهُ عَلَى نَقْضِهِ فَإِنْ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ الشَّرِيكَ يَخَافُ تَلَفَ النَّقْضِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ الْجَارِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النَّقْضُ مُطْلَقًا حَيْثُ بَنَاهُ مُسْتَوِيًا فَعَرَضَ لَهُ الْمَيْلُ أَوْ الِاسْتِهْدَام وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَتَى كَانَ هَدْمُ الشَّرِيكِ سَائِغًا بِأَنْ امْتَنَعَ شَرِيكَهُ
وَحَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ نَقْصِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ بِأَنْ يُقَوَّمَ الْجِدَارُ قَائِمًا وَمَهْدُومًا وَيُنْظَرَ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُهُ حِصَّةُ شَرِيكِهِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَدْمِهِ وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِإِعَادَتِهِ فَتَارَةً يُعِيدُهُ بِآلَةِ نَفْسِهِ وَتَارَةً يُعِيدُهُ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنْ أَعَادَهُ بِآلَةِ نَفْسِهِ كَانَ الْمُعَادُ مِلْكَهُ يَضَعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إذَا شَاءَ وَلِلشَّرِيكِ الْآخَرِ هَدْمُهُ إنْ بَنَاهُ شَرِيكُهُ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِنْ أَعَادَهُ بِالْآلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِهِمَا لَهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُعِيدِ بِشَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِعَادَةِ وَمَا غَرِمَهُ لَهُ مِنْ أَرْشِ الْهَدْمِ يَفُوزُ بِهِ الْآخَرُ بَلْ لَهُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَرْشُ نَقْصِ حِصَّتِهِ مِنْ الْهَدْمِ إنْ نَقَصَتْ مُنْهَدِمَةً عَنْهَا مَبْنِيَّةً إلَّا أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قِيمَتَهَا مَبْنِيَّةً تَزِيدُ عَلَيْهَا مُنْهَدِمَةً عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ أَعَادَهُ كَمَا كَانَ أَوْ لَا أَوْ أَحْسَنَ فَعُلِمَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا أَطْلَقَهُ الْمُفْتِي الْمَذْكُورُ يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَالتَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) شَخْصٌ أَخَذَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ فِي حَيَاتِهِ مَبْلَغًا مَجْهُولَ الْعَدَدِ مِنْهُ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهُ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ ثُمَّ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ وَخَلَّفَ وَلَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ لِأَخِيهِ الْآخِذِ الْمَذْكُورَ أَنْتَ أَخَذْت مِنْ مَالِ أَبِينَا عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ الْأَشْرَفِيَّةِ مِنْهَا مَا هُوَ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ فَأَنْكَرَ الْآخِذُ أَخْذَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ إنَّمَا أَخَذْت تِسْعَةَ آلَافٍ مَثَلًا مِنْهَا مَا هُوَ فِضَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَالْوَزْنِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَهَبٌ مُخْتَلِفُ النَّوْعِ فَطَالَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَنَّهُمَا تَصَالَحَا عَلَى أَنَّ الْآخِذَ يَدْفَعُ لِأَخِيهِ الْمَذْكُورِ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ أَشْرَفِيّ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُتَّفِقَةِ الضَّرْبِ وَالصِّفَةِ وَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً فِي ذِمَّةِ الْآخِذِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَقَابُضٌ فِي الْمَجْلِسِ فَهَلْ هَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَإِذَا ضَمِنَ الْآخِذَ شَخْصٌ فِي الْمَبْلَغِ الْمُؤَجَّلِ الَّذِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ فَهَلْ يَكُونُ الضَّمَانُ صَحِيحًا أَمْ لَا (الْجَوَابُ) هَذَا الصُّلْحُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ بِالتِّسْعَةِ آلَافٍ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُبَيِّنْ كَمْ قَدْرُ الْفِضَّةِ مِنْهَا وَلَا كَمْ قَدْرُ الذَّهَبِ وَلَا بَيَّنَ أَنْوَاعَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا صِفَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ مُبْهَمَةٌ وَالصُّلْح عَنْ الْمُبْهَمِ عِنْدَ الْمُتَصَالِحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَاطِلٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مُجْمَلًا وَأَقَرَّ لَهُ بِهِ وَصَالَحَهُ عَنْ عِوَضٍ صَحَّ فَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا لِلْمُتَصَالِحِينَ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الصُّلْحُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَجْهُولًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ثَانِيهَا أَنَّهُ صَالِحٌ مِنْ الْحَالِّ عَلَى مُؤَجَّلٍ وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرُهُمَا لَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ فَصَالَحَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمَا أَيْضًا لَوْ صَالَحَهُ مِنْ أَلْفٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُؤَجَّلَة فَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ مُسَامَحَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حَطّ خَمْسِمِائَةٍ وَالثَّانِي إلْحَاقُ أَجَلٍ بِالْبَاقِي وَالْأَوَّلُ سَائِغٌ فَيَبْرَأُ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ وَالثَّانِي وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَاقِي فِي الْحَالِ. اهـ.
قُلْت لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ فَهُوَ أَنَّ الصَّالِح عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعِي فَإِذَا صَالَحَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ كَانَ بَيْعًا فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَحْكَامُهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ عِوَضِ الدَّيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَكَذَا قَبْضُهُ فِيهِ إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمُؤَجَّلِ عَنْ الْحَال وَلَا عَكْسُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ فِي صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَهُوَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا كَصَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي عَلَيْك عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فِي الذِّمَّةِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا عِوَضًا فَيَصِيرُ بَائِعًا الْأَلْفَ بِخَمْسِمِائَةٍ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى رَدِّهِ بِأَنَّ الصُّلْحَ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ إبْرَاءٌ لِلْبَعْضِ وَاسْتِيفَاءٌ لِلْبَاقِي. اهـ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صُلْحَ الْحَطِيطَةِ هِبَةٌ لِبَعْضِ الْعَيْنِ وَإِبْرَاءً عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَجَبَ الْقَبُولُ فِيهِمَا وَقَبْضُ الْمَوْهُوبِ بِالْإِذْنِ
وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَنَحْوِهِ كَأَبْرَأْتُكِ عَنْ خَمْسِمِائَةٍ وَصَالَحْتُك عَلَى الْبَاقِي لَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ تَعْيِين الْبَاقِي فِي الْمَجْلِسِ وَلَا قَبْضَهُ فِيهِ وَلَا يَعُودُ الدَّيْنُ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ إعْطَاءِ الْبَاقِي وَلَوْ قَالَ صَالَحْتُك عَنْ الْأَلْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَصْلُحْ الصُّلْحُ فَإِنْ قُلْت فَمَا فِي السُّؤَال هَلْ هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ قُلْت هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَهُ مِنْ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى بَعْضِهِ وَحِينَئِذٍ فَالتَّأْجِيلُ فِيهِ يُفْسِدهُ فَإِنْ قُلْت هُوَ مُصَالَحَةٌ مِنْ التِّسْعَةِ آلَافٍ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ قُلْت إذَا فُرِضَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخَانِ بِقَوْلِهِمَا وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَخَمْسُونَ دِينَارًا فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفَا دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَصَالَحَهُ الْآخَرُ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ فَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ جَازَ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْمُعَاوَضَةِ فِيهِ فَيُجْعَلُ مُسْتَوْفِيًا لِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الدَّنَانِيرِ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا كَانَ الصُّلْحُ عَنْهُ اعْتِيَاضًا فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ مِنْ صُورَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ الِامْتِنَاع فِيمَا إذَا كَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ مُعَيَّنًا وَجَوَازُهُ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَالْفَرْضِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صُلْحُ مُعَاوَضَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يُنَافِي مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِيهَا صُلْحُ حَطِيطَةٍ فَبَعُدَ فِيهَا الِاعْتِيَاضُ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا لَوْ تَصَالَحَ وَارِثَانِ عَنْ تَرِكَةٍ هِيَ عَرْضٌ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَثَلًا عَلَى أَنَّ لِوَاحِدٍ الْعَرْضَ وَلِلْآخَرِ الدَّنَانِيرُ جَازَ وَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى خَمْسَةً وَاعْتَاضَ عَنْ نِصْفِ الْعَرْضِ خَمْسَة أَوْ وَهِيَ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ مَثَلًا وَهُمَا مُعَيَّنَانِ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ دِينَارَيْنِ بَطَلَ أَوْ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ وَلَا تُقَدَّرُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ بَلْ هُوَ مُسْتَوْفٍ لِدِرْهَمٍ وَمُعْتَاضٌ عَنْ الْآخَرِ بِالدِّينَارِ ثَالِثُهَا كَوْنُ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ صُلْحًا عَنْ التِّسْعَةِ الْآلَافِ إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَالْحَالُ أَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ بُطْلَانِ الصُّلْحِ حِينَئِذٍ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ التِّسْعَةَ الْآلَافِ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ الصُّلْحُ إنْ قُبِضَتْ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ فِي الْمَجْلِسِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ صُلْحَ الْمُعَاوَضَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ رَابِعُهَا عَدَمُ قَبْضِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا إنْ كَانَ الْفَرْضُ أَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ لِمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهَا مِنْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَلْفُ وَالْخَمْسمِائَةِ كُلُّهَا مِنْ بَعْضِ أَنْوَاعِ التِّسْعَةِ آلَافٍ صَحَّ الصُّلْحُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يَضُرُّ شَرْطُ التَّأْجِيلِ فِيهَا لِمَا تَقَرَّرَ آنِفًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُ التِّسْعَةِ آلَافٍ مُوَافِقًا لِنَوْعِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَبَعْضُهَا مُخَالِفًا لَهُ فَإِنْ كَانَتْ التِّسْعَةُ آلَافٍ بَاقِيَةً تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا تَالِفَةً فَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ
وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ فِيهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ الَّذِي ذَكَرْته أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ فِيهِ صُلْحُ الْمُعَاوَضَة وَصُلْحُ الْحَطِيطَةِ وَذَلِكَ أَنَّنَا نَنْسُبُ النَّوْعَ الَّذِي فِي التِّسْعَةِ آلَافٍ الْمُوَافِقُ لِلْمُصَالَحِ عَلَيْهِ إلَى التِّسْعَةِ آلَافٍ ثُمَّ نَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ فَإِذَا فَرَضْنَا ذَلِكَ ثُلُثًا جَعَلْنَا ثُلُثَ الْأَلْفِ وَخَمْسمِائَةِ فِي مُقَابَلَتِهِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ صُلْحَ حَطِيطَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثُلُثِهَا فَيَصِحُّ الصُّلْحُ بِثُلُثِهَا عَنْ ثُلُثِ التِّسْعَةِ آلَاف وَلَا يَضُرُّ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الثُّلُثِ اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ وَلَا عَدَم الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَالَحَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ لَا لِمَا مَرَّ فِي صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَأَمَّا ثُلُثَا الْأَلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ فَيَكُونُ الصُّلْحُ بِهِمَا عَنْ ثُلُثَيْ التِّسْعَةِ الْآلَافِ صُلْحَ مُعَاوَضَةٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمُ التَّأْجِيلِ وَكَوْنُ الْمُصَالَحِ عَنْهُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَمْ تَجْعَلْ هَذِهِ الصُّورَةَ عَلَى وِزَانِ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَهِيَ مَا لَوْ صَالَحَ عَنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا فِي الذِّمَّةِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الدَّنَانِيرِ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَقِيَاسُ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِمَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَافِ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة
بِقَدْرِهَا مِنْ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَمُعْتَاضًا لِبَاقِيهَا بِبَاقِي تِلْكَ قُلْت هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَافِ مِنْ الْفِضَّةِ السُّلَيْمَانِيَّة دُونَ الْأَلْفِ وَالْخَمْسِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُفَضِّلُ شَيْئًا يُقَابِلُ بِهِ الْبَاقِيَ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَكْثَرُ تَعَذَّرَ كَوْنُ الْأَقَلِّ عِوَضًا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ التِّسْعَةِ الْآلَافِ فَلَمْ يُمْكِنْ حِينَئِذٍ إلَّا الْقَوْلُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَالَحَةَ حِينَئِذٍ اشْتَمَلَتْ عَلَى مُقَابَلَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمُقَابَلَةُ السُّلَيْمَانِيَّة بِالسُّلَيْمَانِيَّةِ لَهُ حُكْمٌ وَمُقَابَلَتُهَا بِغَيْرِهَا لَهُ حُكْمٌ إذْ الْأَوَّلُ مِنْ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ إنْ كَانَ الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ أَقَلَّ وَالثَّانِي مِنْ صُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ
وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَجَبَ رِعَايَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هُنَا إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّا نَنْسِبُ مَا فِي التِّسْعَةِ الْآلَاف مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة إلَيْهَا وَنَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا وَنَجْعَلُهُ صُلْحَ حَطِيطَةٍ وَنُدِيرُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ صُلْحِ الْحَطِيطَةِ وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا عِوَضًا عَنْ بَقِيَّةِ التِّسْعَةِ الْآلَافِ فَيَكُونُ صُلْحَ مُعَاوَضَةٍ وَيُدَارُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ السَّابِقَةُ فَإِنْ قُلْت فَلَوْ كَانَ بَعْضُ التِّسْعَةِ بَاقِيًا وَبَعْضُهَا تَالِفًا مَا حُكْمُهُ قُلْت الَّذِي يَتَّجِهُ فِي هَذِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ نَنْسُبُ التَّالِفَ إلَى الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ النِّصْفَ مَثَلًا بَطَلَ الصُّلْحُ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ وَبَقِيَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِنِصْفِ الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ عَنْ النِّصْفِ التَّالِفِ مِنْ التِّسْعَةِ آلَافٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا التَّالِفِ شَيْءٌ مِنْ السُّلَيْمَانِيَّة فَهُوَ صُلْحُ مُعَاوَضَةٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا يَأْتِي فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ وَضَمِنَ شَخْصُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَلْفِ وَالْخَمْسمِائَةِ الْمُصَالَحِ عَلَيْهَا فَحَيْثُ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا صَحَّ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَيْنٌ ثَابِتٌ لَازِمٌ مَعْلُومٌ وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ عَلَى بَعْضِهَا صَحَّ ضَمَانُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِهِ فِي جَمِيعِهَا لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ خَمْسُونَ دِينَارًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ جَازَ وَيُجْعَلُ مُسْتَوْفِيًا لِلْأَلْفِ وَمُعْتَاضًا عَنْ الْخَمْسِينَ الْأَلْفِ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي الصُّلْحِ وَقِيَاسُ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ الْبُطْلَانُ فَمَا الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَاهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّ أَلْفًا مِمَّا صَالَحَ بِهِ مُمَاثِلَةٌ لِلْأَلْفِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَعْلُهَا فِي مُقَابَلَتِهَا بَيْعًا بَلْ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاسْتِيفَاءِ وَالْأَلْفُ الْأُخْرَى تَعَيَّنَتْ مُعَاوَضَةً عَنْ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا وَحِينَئِذٍ فَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى شُرُوطِ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَة؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ الدَّنَانِيرِ بِالدَّرَاهِمِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَا صَحَّحَ الشَّيْخَانِ مَا ذُكِرَ مِنْ الصِّحَّةِ.
(وَسُئِلَ) عَنْ الْجِدَارِ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِيهِ بَابٌ هَلْ يُرَجَّحُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قِيَاسُ عَدَمِ التَّرْجِيح بِالْجُذُوعِ عَدَمُهُ بِالْبَابِ أَيْضًا
(وَسُئِلَ) عَنْ شَجَرَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ مَنَعَتْ النَّاسَ مِنْ الْمَمَرِّ تَحْتَهَا رُكْبَانًا وَلَمْ يُعْلَمْ أَسَبَقَتْ الطَّرِيقَ أَمْ لَا فَهَلْ يُقْطَعُ الْمَانِعُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُقْطَعُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ فِي الصُّلْحِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ فَتَحَ فِي مِلْكِهِ طَاقَاتٍ تُشْرِفُ عَلَى جَمِيعِ جِيرَانِهِ فَهَلْ يُؤْمَرُ بِسَدِّهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يُؤْمَرُ بِسَدِّهَا بَلْ بِعَدَمِ الِاطِّلَاع مِنْ الْكُوَّاتِ.
(وَسُئِلَ) رضي الله عنه عَمَّنْ لَهُ دَارَانِ فِي أَحَدهمَا شَجَرَةٌ فَتَدَلَّتْ أَغْصَانُهَا إلَى الْأُخْرَى فَاشْتَرَطَ شَخْصٌ الَّتِي فِيهَا الْأَغْصَانُ ثُمَّ زَادَ انْتِشَارُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَ الْبَيْعِ فَهَلْ يُكَلَّفُ قَطْعَهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّ لَهُ مُطَالَبَةَ الْبَائِعِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِالْمَوْجُودِ وَلَا يُقَالُ شِرَاؤُهُ لِذَلِكَ إقْدَامٌ مِنْهُ عَلَى نُمُوِّهِ؛ لِأَنَّ نُمُوَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ بَلْ لَوْ قَالَ رَضِيت بِمَا يَمْتَدُّ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَلْ لَوْ صَالَحَ عَلَى إبْقَائِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ هَوَاءٍ بِلَا أَصْلٍ فَإِنْ قُلْت يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ اشْتَرَى مَرِيضًا عَالِمًا بِمَرَضِهِ فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَا خِيَارِ لَهُ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِمَرَضِهِ رِضًا مِنْهُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ قُلْتُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الرِّضَا بِالْمَرَضِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى الرِّضَا بِتَلَفِ الْمَبِيعِ مِنْ أَصْلِهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مُنْضَبِطٌ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَالرِّضَا بِهِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَبِيعِ فَلَمْ يَكُنْ الرِّضَا بِهِ مُسْتَلْزِمًا لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى نَظِيرِ مَا ذَكَرْته.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَلْ إذَا كَانَ بَيْنَ شَخْصٍ وَجَمَاعَةٍ
عَقَارٌ وَفِيهِ عُلُوٌّ فَآلَ الْعُلُوُّ إلَى السُّقُوطِ وَتَضَرَّرَ مِنْهُ الْجَارُ وَالْمَارُّ فَأَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَهْدِمَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِعِمَارَةِ شَيْءٍ فِي الْعَقَارِ الْمَذْكُورِ يَصْعَدُ مِنْهُ إلَيْهِ فَعَمَّرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَهَدَمَ الْعُلُوّ أَيْضًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَبِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ تَضَرُّرِ مَنْ ذُكِرَ فَهَلْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ وَيُحْسَبُ لَهُ مَا صَرَفَهُ لِلْعِمَارَةِ وَالْهَدْمِ وَإِذَا عَمَّرَ فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ وَإِذَا كَانَ تَحْتَ يَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَصَرَفَهُ عَلَى الْمَكَانِ ثُمَّ آلَ إلَى التَّلَفِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَلْ يَبْرَأُ بِذَلِكَ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعِمَارَةِ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الْهَدْمُ الْمَذْكُورُ فِيهَا لَمْ يَقَعْ فِي مَحَلِّهِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ مَا صَرَفَهُ لِلْعِمَارَةِ وَالْهَدْمِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمَّرَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ وَلَا يَبْرَأُ بِمَا صَرَفَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِهِ لَهُمْ لَكِنَّ الْآلَةَ الَّتِي عَمَّرَ بِهَا عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ هَدْمُهَا وَالرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِهَا.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَنَازَعَا عَيْنًا ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَيْهَا بَعْدَ إقْرَارِ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لِلْآخَرِ فَإِذَا مَضَى لَهَا مُدَّةٌ تَحْت يَدِ الْمُقِرِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا فِي الصُّلْحِ لِذِكْرِ الْأُجْرَةِ فَهَلْ تَلْزَمُ الْمُقِرَّ أَمْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ تَقَدَّمَتْ الْمُدَّةُ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَا أُجْرَةَ إذْ يَكْفِي فِي صِدْقِ الْإِقْرَارِ الْمُطْلَقِ سَبْقُ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِلَحْظَةِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ وَتَضْمَنُ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ أُجْرَتِهَا فَالصُّلْحُ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَيْنِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأُجْرَةَ الْوَاجِبَة بِسَبَبِهَا فَيَجِبُ.
(وَسُئِلَ) عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ عَنْ زَوْجٍ وَبِنْتٍ وَأُمٍّ وَلَهَا حِصَّةٌ فِي عَقَارَاتٍ فَصَالَحَتْ الْأُمُّ الزَّوْجَ عَنْ حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ بِنْتِهِ بَعْدَ إخْفَائِهَا مُسْتَنَد الْمَيِّتَة وَأَبْرَأهَا الزَّوْجُ عَنْ حَقِّهِمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الصُّلْحُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ بَعْد إقْرَارِهِ أَوْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ بِالْحَقِّ صَحَّ فِي نَصِيبِ الزَّوْجِ وَبَطَلَ فِي نَصِيب بِنْتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَظٌّ وَالْأَصَحُّ أَيْضًا وَأَمَّا الْإِبْرَاءُ هُنَا فَبَاطِلٌ إذْ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ عَيْنٌ لَا دَيْنٌ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ هَلَكَ عَنْ زَوْجَةٍ وَلَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ وَكَسَاوِي فَعَوَّضَهَا أَخُوهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَيْسَ بِوَصِيٍّ فَهَلْ يَصِحُّ وَإِذَا أَبْرَأَتْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهَلْ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْأَخُ الْمُعَوِّضُ وَارِثًا وَعَلِمَ هُوَ وَهِيَ أَنَّ مَا تَعَوَّضَتْ عَنْهُ يَنْقُصُ عَنْ حَقِّهَا أَوْ يُسَاوِيهِ صَحَّ التَّعْوِيضُ فِي حِصَّتِهِ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَكَذَا لَوْ جَهِلَتْ الْقَدْر الْمُبَرَّأ مِنْهُ.
(وَسُئِلَ) هَلْ يَجُوز التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاء الْحَقِّ وَالصُّلْحِ أَوْ لَا لِقَوْلِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَة وَأَجَازَ صُلْحَهُ وَإِقْرَارَهُ بَطَل التَّوْكِيلُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي اسْتِيفَاء الْحَقِّ وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَمَا ذَكَرُوهُ وَلَا يُنَافِيهِ مَا ذَكَرَ عَنْ الْأَنْوَارِ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى صُلْحٍ وَلَا إقْرَارٍ فَتَعَدَّى وَصَالَحَ أَوْ أَقَرَّ عَنْ مُوَكِّله بَطَلَ تَوْكِيلُهُ فِي تِلْكَ الْخُصُومَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَة لِبُطْلَانِ مَا فَعَلَهُ بِتَعَدِّيهِ مِنْ الصُّلْحِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْإِقْرَار لَا يَصِحُّ وَإِنْ نَصَّ لَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ أَحْدَثَ وَفَتَحَ فِي جِدَاره نَقْبًا إلَى زُقَاق ضَيِّق مِنْ شَوَارِع الْمُسْلِمِينَ وَحَمَلَ جِيرَانَهُ وَرَكَّبَ عَلَى النَّقْبِ فِي هَوَاء الشَّارِعِ بَرْبَخًا وَسَلَّطَ عَلَى هَذَا الشَّارِعِ الضَّيِّقِ مِيَاهَ بَيْتِهِ مِنْ الطُّهْرِ وَغَيْرِهِ وَرَكَّبَ فَوْق الْبَرْبَخِ خَارِجَ الْجِدَار أَلْوَاحًا مِنْ الْخَشَب لِحِفْظِ الْبَرْبَخِ عَنْ الْكَسْرِ وَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَجِيرَانُهُ الْمَارُّونَ فِي هَذَا الزُّقَاقِ بِسَبَبِ مَا يَنْزِل مِنْ الْمِيَاهِ النَّجِسَةِ وَاَلَّذِي أَحْدَثه مِنْ النَّقْبِ الْمَذْكُورِ إحْدَاثٌ مِنْهُ وَبِدْعَةٌ صَدَرَتْ عَنْهُ لَمْ تَكُنْ مِنْ قَبْلُ أَبَدًا فَهَلْ لَهُ إحْدَاث هَذَا الْأَمْرِ الْمُضِرِّ لِلْجِيرَانِ وَالْمُسْلِمِينَ الْمَارِّينَ فِي هَذَا الزُّقَاقِ وَهَلْ لِحَاكِمِ الشَّارِعِ زَجْرُهُ وَمَنْعُهُ عَنْ ذَلِكَ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ إحْدَاث مَا ذُكِرَ فِي الشَّارِعِ الضَّيِّقِ إذَا تَضَرَّرَ بِهِ الْمَارَّةُ تَضَرُّرًا لَا يُحْتَمَل عَادَةً كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ سِيَّمَا كَلَامَ الْمِنْهَاجِ فَإِنَّهُ قَالَ الطَّرِيقُ النَّافِذ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّة قَالَ فِي دَقَائِقِهِ وَتَعْبِيرِي بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ غَيْرِي بِمَا يُبْطِلُ الْمُرُورَ. اهـ. وَمُرَادُهُ بِالضَّرَرِ مَا ذَكَرْته لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ الضَّرَرُ الْخَفِيف الَّذِي لَا يَدُوم كَإِلْقَاءِ نَحْو الْحِجَارَةِ لِلْعِمَارَةِ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِي عِبَارَة الْمِنْهَاج شُمُولٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَيْ مِنْ أَنَّ مَا أَضَرَّ بِهِمْ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ، يُمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الدَّوَامَ كَحَفْرِ الْقَنَاةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالرَّشِّ الْمُفْرِط وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْتَمَلُ ضَرَره
اهـ.
عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ رحمه الله صَرَّحَ بِخُصُوصِ مَسْأَلَتنَا فِي الْإِحْيَاءِ فَقَالَ وَكَذَا الْقَصَّابُ إذَا كَانَ يَذْبَحُ فِي الطَّرِيقِ حِذَاءَ بَابِ الْحَانُوت وَيُلَوِّثُ الطَّرِيقَ بِالدَّمِ فَيُمْنَعَ مِنْهُ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي دُكَّانِهِ مَذْبَحًا فَفِي ذَلِكَ تَضْيِيقٌ وَإِضْرَارٌ بِسَبَبِ تَرْشِيشِ النَّجَاسَةِ وَإِضْرَارٌ بِسَبَبِ اسْتِقْذَارِ الطِّبَاع الْقَاذُورَاتِ وَكَذَا طَرْح الْقُمَامَةِ عَلَى جَوَادِ الطَّرِيق وَتَبْدِيد قُشُور الْبِطِّيخِ أَوْ رَشُّ الْمَاء بِحَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ التَّزَلُّق وَالتَّعَثُّر كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَات وَكَذَا إرْسَالُ الْمَاء مِنْ الْمَيَازِيبِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَائِطِ فِي الطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الثِّيَاب وَيُضَيِّقُ الطَّرِيق وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي الطُّرُقِ الْوَاسِعَة إذْ الْعُدُول عَنْهُ مُمْكِنٌ. اهـ.
كَلَام الْأَحْيَاء وَاعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِ بَلْ جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ جَزْمَ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إلَيْهِ وَوَجْهُهُ ظَاهِر فَإِنَّ مَا قَدَّمْته مِنْ كَلَامِ الْمِنْهَاج وَغَيْرِهِ صَرِيح فِيهِ وَيُؤْخَذ مِنْ كَلَامِ الْإِحْيَاء الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّيِّقِ مَا لَا يُمْكِنُ الْعُدُولُ عَنْ الْمَاء النَّازِل مِنْ الْمِيزَابِ فِيهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ النَّازِلِ مِنْهُ وَبِالْوَاسِعِ مَا يُمْكِن الْعُدُول عَنْهُ إلَى مَا لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا الْمِيزَابُ الْمُحْدَثُ الْمَذْكُورُ إنْ كَانَ الْمَارُّ لَا يُمْكِنُهُ الْعُدُولُ إلَى مَحَلٍّ يَمْنَعُهُ مِنْ تَلَوُّثِهِ بِمَائِهِ وَقْتَ نُزُولِهِ يَمْنَعُ مِنْهُ مَخْرَجُهُ وَيَجِبُ عَلَى حَاكِمِ الشَّرْعِ وَفَّقَهُ اللَّه وَسَدَّدَهُ إلْزَامُهُ بِهَدْمِهِ أَوْ نَحْو أُخْدُود فِي جِدَاره يَنْزِل فِيهِ مَاؤُهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ الضَّرَر السَّابِق وَمَتَى امْتَنَعَ مُحْدِثُهُ مِنْ ذَلِكَ بَالَغَ فِي زَجْرِهِ وَنَكَالِهِ حَتَّى يَنْزَجِرَ غَيْرُهُ عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُحْدَثَات الْمُنْكَرَات وَلَا يُعَارِض مَا تَقَرَّرَ خَبَرَ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي «قَلْعِ عُمَرَ لِمِيزَابِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ثُمَّ أَعَادَهُ لَمَّا قَالَ لَهُ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهُ بِيَدِهِ» مَعَ أَنَّ النَّازِلَ مِنْهُ دَمٌ مُخْتَلِطٌ بِمَا حَمَلَ عُمَرَ عَلَى قَلْعِهِ أَوَّلًا ثُمَّ لَمَّا أَعَادَهُ لِمَا ذُكِرَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ طَرَقَهَا احْتِمَالُ أَنَّ الشَّارِعَ كَانَ وَاسِعًا فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَاهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ لِصَاحِبِ الْمِيزَابِ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِع النَّافِذ أَنْ يُجْرِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ مَاءٍ الْمَطَر وَالْغُسَالَة الطَّاهِرَة وَالنَّجِسَة وَغَيْر ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَر عَلَى أَحَدٍ مَعَ الِاتِّسَاع الْمَذْكُورِ السَّابِق ضَابِطُهُ، وَاَللَّه أَعْلَم
(وَسُئِلَ) عَنْ سَاقِيَةٍ لِأَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِكُلِّ مِنْهَا مَنْفَذٌ وَبَعْضُ مَنَافِذهَا مُرْصَدٌ بِوَضْعِ أَحْجَار فِيهِ وَلَا يَسُدُّ شَيْئًا مِنْ الْمَنَافِذِ لِشُرْبِ آخَرَ وَأَرَادَ صَاحِبُ الْمَنْفَذِ الَّذِي لَا رَصْدِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحِتَ تُرَاب أَرْضِهِ وَيَنْقُلَهُ لِيَنْخَفِضَ وَيَأْخُذَ الْمَاء عَلَى أَصْحَابِهِ لِانْخِفَاضِ أَرْضِهِ اللَّازِم مَعَهَا انْخِفَاضُ مَنْفَذِهَا بِجَرْيٍ فَهَلْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمُرْصَدَةِ مَنْعُهُ وَالْحَالُ أَنَّ مَنَافِذَهَا مُتَسَاوِيَةُ الِاتِّسَاعِ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ وَهَلْ لَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةٌ بِأَنَّ الَّذِي لَا رَصْدَ عَلَيْهِ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ وَهَلْ لِهَذِهِ أَثَرٌ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ أَرَادَ حَفْرَ نَهْرٍ فَوْقَ نَهْرِ غَيْرِهِ إنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا وَبِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَنْ أَرْضُهُ أَسْفَلَ تَوْسِيعَ فَمِ النَّهْرِ أَوْ أَرَادَ الْأَوَّلُونَ تَضْيِيقَهُ أَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ بِنَاءَ قَنْطَرَةٍ أَوْ رَحًى عَلَيْهِ أَوْ غَرْسَ شَجَرَةٍ عَلَى حَافَّتِهِ أَوْ تَقْدِيمَ رَأْسَ سَاقِيَتِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْجَمِيعِ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ نَحْتَ التُّرَابِ وَنَقْلَهُ إنْ كَانَ يُضَرُّ بِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ بِأَخْذِ مَاءٍ أَكْثَرَ أَوْ بِغَيْرِهِ مُنِعَ مِنْهُ مُطْلَقًا.
(وَسُئِلَ) عَنْ بَيْتٍ بَابُهُ نَافِذٌ إلَى الشَّارِعِ لَكِنَّهُ فِي مُنْعَطَفٍ بِحَيْثُ كَانَتْ فَتْحَةُ الْبَابِ فِي مُقَابَلَةِ طُولِ الشَّارِعِ دُونَ عَرْضِهِ فَالْخَارِجُ مِنْهَا يَمْشِي ابْتِدَاءً فِي الشَّارِع مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى انْحِرَافٍ وَقَدْ اتَّصَلَ بِفَتْحَةِ الْبَاب دِكَّةٌ مُمْتَدَّة تَحْتَ جِدَار الْبَيْتِ عَرْضُهَا مُسَامِتٌ لِعَرْضِ الْفَتْحَة بِحَيْثُ لَوْ مُدَّ جِدَارُ الْفَتْحَةِ الْمُتَّصِل بِالشَّارِعِ كَانَتْ الدَّكَّة فِي دَاخِلِهِ إلَى جِهَةِ الْبَيْت وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ مَوْضِعَ تِلْكَ الدِّكَّةِ مِنْ الشَّارِعِ وَلَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لِوَضْعِهَا وَأَهْلُ الْبَيْتِ مُسْتَوْلُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّكَّةِ مُنْتَفَعُونَ بِهَا بِالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَوَضْع الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَحْدَثُوا عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهَا عَشَّةً وَكُلٌّ مِنْ الدَّكَّةِ وَالْعَشَّة الَّتِي بِهَا لَا تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ إزَالَةُ تِلْكَ الدَّكَّةِ أَوْ الْعَشَّة قَهْرًا عَلَى أَهْل الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَهُمَا مِنْ الشَّارِعِ وَأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ فِيهِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لِوَضْعِهِمَا أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَهُمَا مِنْ الشَّارِعِ
وَأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ فِيهِ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ مُسَوِّغٍ لَهُ فَيَبْقَيَانِ عَلَى حَالِهِمَا وَيُمَكَّنُ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا بِالْجُلُوسِ وَوَضْعِ الْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَات الَّتِي لَا تَضُرُّ بِالْمَارَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ وَضَعَهُمَا بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ وَهَلْ إذَا ادَّعَى مُنَازِعٌ أَنَّهُمَا يَضُرَّانِ بِالْمَارَّةِ يُلْتَفَتُ إلَى قَوْله بِدُونِ إثْبَاتِ ذَلِكَ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ وَهَلْ إذَا كَانَ مَعَهُمَا يُمْكِنُ مُرُورُ الْبَعِيرِ وَعَلَيْهِ الْمَحْمِلُ بِدُونِ مُصَادَمَتِهِ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ يَلْحَقهُ فِي مُرُورِهِ لَكِنَّ مُرُورَهُ بِدُونِهِمَا أَبْعَدُ عَنْ الْمُصَادَمَةِ لِكَوْنِهِ يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ كُلّ جَانِبٍ بِلَا مُصَادَمَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الْمَارَّةِ أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ الدَّكَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ وَأَنَّ مَحَلَّهَا مُسْتَحَقٌّ لِأَهْلِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّتُنَا فِي مَسَائِلَ فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا لَوْ وَجَدْنَا جُذُوعًا مَوْضُوعَةً عَلَى جِدَارٍ
وَلَمْ نَعْلَمْ أَصْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ فَلَا تُنْقَضُ بَلْ يُقْضَى لِصَاحِبِهَا بِاسْتِحْقَاقِ وَضْعِهَا دَائِمًا حَتَّى لَوْ سَقَطَ الْجِدَار فَأُعِيدَ جَازَ لَهُ وَضْعُهَا عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّوْضَة بِلَا خِلَافٍ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ وَعَلَّلَهُ الْمَحَامِلِيُّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ حُصُولُهُ عَلَى الْحَائِطِ بِحَقٍّ وَفِي بَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْكِفَايَةِ لَوْ لَمْ يَدْرَأْ وُضِعَتْ الْجُذُوعُ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ بِحَقٍّ لَازِمٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْأَجْنِحَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى مِلْكِ الْجَارِ وَالْقَنَوَاتِ الْمَدْفُونَة تَحْت الْأَمْلَاكِ؛ لِأَنَّ صُوَرَهَا دَالَّةٌ عَلَى وَضْعِهَا بِحَقٍّ وَبِهِ صَرَّحَ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ. اهـ.
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِجَوَازِ أَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا مُؤَبَّدَةً بِبَيْعٍ وَأَلْحَقْت بِذَلِكَ مَا لَوْ رَأَيْنَا سَاقِيَّةً مُشْتَرَكَةً عَلَى فُوَيْهَةِ بِئْرٍ وَعَلَيْهَا بُسْتَانَانِ وَمَاءُ أَحَدِهِمَا يَمُرُّ عَلَى الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ إجْرَائِهِ فِي أَرْضِهِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ بِحَقٍّ فَلَا يُزَالُ بِغَيْرِ حَقٍّ اهـ وَأَفْتَى وَالِدُهُ فِي مَصَارِفَ عَلَى قَنَاةِ حَمَّام لَا يُعْرَفُ أَصْلُهَا بِأَنَّهُ إنْ عُرِفَ حُدُوثُهَا سُدَّتْ وَإِلَّا بَقِيَتْ وَلَا يُشَارِكُهُ أَصْحَابُهَا فِي نَزْحِ تِلْكَ الْقَنَاةِ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ وَأَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبَارِزِيُّ وَأَئِمَّةُ عَصْرِهِ فِيمَنْ لَهُ دَارٌ يَنْزِلُ إلَيْهَا الضَّوْءُ مِنْ كُوَّةٍ بِجِدَارِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِذِي جِدَارِهَا هَدْمُهُ وَلَا سَدُّهَا وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ فُرُوقِ الْجُوَيْنِيِّ وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الضَّوْء لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَتْحُ هَذِهِ بِحَقٍّ لَازِمٍ رَدَّهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اشْتَرَى مِنْهُ بَعْضَ الْحَائِطِ وَفَتَحَهُ طَاقَةً.
وَأَفْتَى التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ لَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ قَنَاةٌ أَوْ جُذُوعٌ ادَّعَى تَعَدِّيهِ بِهَا بِأَنَّهَا لَا تُزَالُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَنَّهَا وُضِعَتْ تَعَدِّيًا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِحَقٍّ وَأَنَّ مَحِلَّهَا مُسْتَحَقٌّ لِأَهْلِهَا فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الشَّارِعِ قُلْت تَصَوُّرُهُ فِيهِ أَقْرَبُ مِنْ تَصْوِيرِ مَسْأَلَةِ الْكُوَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ فِيهَا فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَمَعَ ذَلِكَ رَاعَوْهُ وَقَضَوْا بِاحْتِرَامِهَا لِأَجْلِهِ بَلْ وَقَدَّمُوهُ عَلَى يَدِ مَالِك الْجِدَارِ حَتَّى مَنَعُوهُ مِنْ هَدْمِهِ وَسَدِّهَا فَإِذَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي هَذَا النَّادِرِ فَقَوْلُهُمْ بِهِ فِي مَسْأَلَتنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَ الْوَضْعِ فِيهَا بِحَقٍّ أَظْهَرُ وَأَشْهُرُ بِأَنْ تَكُونَ الْبُقْعَةُ مُسَبَّلَةٌ إلَّا مَحَلَّ تِلْكَ الدَّكَّةِ أَوْ بِأَنْ يَخُصَّ الْإِمَامُ أَهْلَهَا بِمَحَلِّهَا إذَا رَآهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ الدَّارِ فَأَخْرَجَهَا أَهْلُهَا مِنْهَا لِيَنْتَفِعُوا بِهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا صُوَرٌ قَرِيبَةٌ لَا نُدْرَةَ فِيهَا فَرِعَايَتُهَا فِي الِاحْتِرَامِ وَالدَّلَالَة عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَبَّدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الْأَئِمَّةِ لِمَا قَدَّمْته عَنْهُمْ فَظَهَرَ مَا قُلْنَاهُ.
وَاتَّضَحَ مَا حَرَّرْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذِهِ الدَّكَّةِ بِهَدْمٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا وُضِعَتْ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَلْزِمُهُ بَلْ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِنْ الشَّارِعِ وَبَيِّنَةٌ بِخِلَافِهَا تَأْتِي فِيهَا نَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاح وَتَبِعُوهُ بَلْ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ عَزْوِهِ إلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ شَخْصٌ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَا طَرِيقٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ طَرِيقٌ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لِلْأَوَّلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ لِسُلُوكِهِمْ لَهُ عَلَى الْعُمُومِ مُدَّةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الثَّانِي فَإِذَا كَانَتْ الْيَدُ لِأَهْلِ الدَّكَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُمْ أَنَّهُمْ يَخْتَصُّونَ بِهَا وَذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُتَصَرِّفِ رَاجِحٌ مُثْبِتٌ لِدَوَامِ شَجَرِ ذِي التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ فَإِذَا أَثْبَتَ
هَذَا التَّصَرُّفُ الدَّوَامَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَالشَّارِعُ كَذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّكَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَأَرْبَابِهَا فَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَلَيْهَا عَشَّةً ثُمَّ إنْ خَرَجَتْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ اُشْتُرِطَ عَدَمُ ضَرَرهَا لِلْمَارَّةِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ الضَّرَرِ وَعَدَمِهِ إلَى حَالِ الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَصْلُ فِي الشَّوَارِعِ الْإِبَاحَةُ وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ إلَّا فِيمَا يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِهَا وَهُوَ الِاسْتِطْرَاقُ ثُمَّ الْمُرَادُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ بِضَرَرِ الْمَارَّةِ الضَّرَرُ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً بِخِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي يُحْتَمَلُ عَادَةً فَإِنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ خَشْيَةِ الْمُصَادَمَةِ عِنْدَ الْعُدُول عَنْ جَادَّة الطَّرِيق لَيْسَ مِنْ الضَّرَرِ الْمُنَافِي لِلِاسْتِطْرَاقِ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ تِلْكَ الْعَشَّةُ فِي هَوَاءِ الشَّارِع بِأَنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الدَّكَّةِ فَلَا مَنْعَ مِنْهَا وَإِنْ أَضَرَّتْ بِالْمَارَّةِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَرْبَابَ الدَّكَّةِ يَسْتَحِقُّونَ التَّصَرُّفَ فِيهَا حَتَّى بِهَدْمِ جِدَارِهِمْ وَإِدْخَالهَا فِي دَارِهِمْ إذْ هَوَاؤُهَا مُسْتَحَقٌّ لَهُمْ وَلَيْسَ هَوَاء شَارِع فَلَمْ يُرَاعَ حِينَئِذٍ ضَرَرُ الْمَارَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ رِعَايَتِهِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ كَانَ الْبَارِزُ فِي هَوَاءِ الشَّارِعِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ إحْدَاثَ الدَّكَّةِ بِالشَّارِعِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَضُرَّ بِأَنْ كَانَتْ فِي مُنْعَطَفٍ.
أَمَّا عَلَى مُقَابَلَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ وَمُتَأَخِّرُونَ وَانْتَصَرَ لَهُ السُّبْكِيّ مِنْ جَوَازِ إحْدَاثهَا حَيْثُ لَا ضَرَرَ فَوَاضِحٌ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِيهَا إلَّا إنْ أَثْبَتَ ضَرَرهَا الَّذِي مَرَّ ضَبْطُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلهَا وَأَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَ دَائِنَهُ فَمِنْ الْخِيَرَةُ إلَيْهِ مِنْهُمَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضهمْ بِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِيمَا يُعْتَاضُ بِهِ إلَى الدَّائِنِ لَا الْمَدِينِ قَالَ وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادًا.
(وَسُئِلَ) عَمَّنْ لَهُ زَبِيرٌ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ فَأَظَلَّتْ زَرْعَ غَيْرِهِ وَأَفْسَدَتْهُ بِظِلِّهَا فَهَلْ يَضْمَن وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِزَالَتِهَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِضَمَانِهِ مُطْلَقًا وَقَاسَهُ عَلَى التَّالِف بِالْمِيزَابِ وَقَالَ إذَا وُجِدَ الضَّمَانُ فِيمَا لَمْ يَصِلْ لِمِلْكِهِ وَهُوَ الْمِيزَاب فَأَوْلَى فِيمَا انْتَشَرَ وَوَصَلَ إلَى مِلْكِهِ وَلَا فَرْقَ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنه وَبَيْن الْمِيزَاب بِأَنَّ الْمِيزَابَ تَصَرَّفَ وَاضِعُهُ فِي هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِإِخْرَاجِهِ إلَيْهِ فَاشْتَرَطْنَا لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي ذَلِكَ الْهَوَاء سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ فَحَيْثُ لَا سَلَامَةَ ضَمِنَ وَأَمَّا غَارِسُ الشَّجَرَة فَقَدْ تَصَرَّفَ فِي مَحْض مِلْكِهِ وَهَوَائِهِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَصَرُّفَهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَة فَإِذَا جَاوَزَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ مِلْكَهُ وَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِهِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ إلَّا إنْ طُولِبَ بِإِزَالَتِهِ فَامْتَنَعَ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ اعْتِمَادُهُ فَاحْفَظْهُ وَلَا تُغَيِّر بِغَيْرِهِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَا لَفْظه طَلَبَ صَاحِبُ الْأَعْلَى أَنْ يَتَمَلَّكَ السَّقْفَ الَّذِي أَحَدَثَهُ الْأَسْفَلُ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ لَهُ إحْدَاث عُلُوٍّ ثَالِثٍ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ بِنَاء سَقْفِ نَفْسِهِ كَمَا كَانَ لَمْ يَتَمَلَّك لِتَقْصِيرِهِ وَإِنْ أَحْدَثَ الْأَسْفَلُ السَّقْفَ قَبْلَ امْتِنَاع الْأَعْلَى الْمَالِكِ لِلسَّقْفِ مِنْ الْإِعَادَة فَلِلْأَعْلَى هَدْمُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا لَوْ بَنَى الْأَعْلَى قَبْلَ امْتِنَاع الْأَسْفَل فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِلْأَسْفَلِ هَدْمُهُ مَا لَمْ يَبْنِ الْأَعْلَى وَلِلْأَعْلَى حِينَئِذٍ طَلَبُ تَمَلُّكِ السَّقْفِ بِالْقِيمَةِ كَمَا ذَكَرُوا نَظِيرَهُ فِي تَمَلُّكِ صَاحِب السُّفْلِ بِالْقِيمَةِ حَيْثُ بَنَى الْأَعْلَى الْأَسْفَل وَالْعُلْو وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَحْدَثَ بِنَاءً فِي مِلْكِ الْآخَرِ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ قَالَ لَا يُقَالُ إنَّ السَّقْفَ الَّذِي أَحْدَثَهُ صَاحِبُ السُّفْل أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِهِ إذْ الْجُدْرَانُ لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ صَاحِب الْعُلُوِّ مِنْ التَّمَلُّكِ وَالْهَدْمِ بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ. فَإِنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ فَافْتَرَقَا؛ لِأَنَّا نَقُول هُوَ مَوْجُود فِيمَا يَمْلِك صَاحِبُ الْعُلُوِّ الِانْتِفَاعَ بِهِ فَكَأَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ أَحْدَثَهُ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلِذَا قُلْنَا لَهُ التَّمَلُّكُ وَالْهَدْمُ وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ مَنْزِلًا ثَالِثًا فَوْقَ عُلُوِّهِ كَمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الصُّلْحِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُوتِهِ فِي الْقِسْمَةِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّنْ أَرَادَ نَقْلَ الطَّرِيقِ عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْهُ فَهَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ لَا؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَحْرُمُ نَقْلُ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ عَنْ مَحَلِّهَا بَلْ هُوَ كَبِيرَةٌ كَمَا بَيَّنْته فِي كِتَابِي الزَّوَاجِر عَنْ