الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قوله؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله:{وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة:105] ، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه.
[قول المحاسبي في العلو] :
إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام:18]، وقوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، وقوله:{أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك:16]، وقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]، وقال تعالى:{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة:5]، وقال تعالى:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج:4]، وقال لعيسى:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران:55]، وقال تعالى:{بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء:158]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف:206] .
وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا إلى طلبه حيث هو، فقال:{قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَاّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} [الإسراء:24]، وقال تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] .
قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك أبدًا.
كذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84]، وقوله تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16]، وقوله تعالى:{وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ} [الأنعام:3] ،
وقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة:7] ، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو يتنقل فيها لاستفالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا، كما هو في العرش، ولا فرق بين ذلك عندهم ثم أحالوا في
النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه لأن كل من يثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغنِ عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا ثم نفوا معنى ما أثبتوا، فقالوا: لا كالشيء في الشيء.
قال أبو عبد الله: أما قوله: {حَتَّى نَعْلَمَ} [محمد:31]، {وَسَيَرَى اللهُ} و {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} فإنما معناه: حتى يكون الموجود فيعلمه موجودًا، ويسمعه مسموعًا، ويبصره مبصرًا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.
وأما قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا} : إذا جاء وقت كون المراد فيه.
وأن قوله {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} {إِذًا لَاّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} فهذا وغيره مثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفي عليه منهم خافية، لأنه أبان في هذه الآيات أن ذاته بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال:{أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} يعني فوق العرش، والعرش فوق السماء، لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء، وقد قال مثل ذلك قال:{فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ} [التوبة:2] يعني على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها.
وكذلك قوله {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:17] يعني: فوقها عليها.
وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ} ثم فصل فقال: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى ـ إذ فصل بقوله:{مَّن فِي السَّمَاءِ} ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إلا أنه على عرشه فوق السماء.
وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة:5]، وقال:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج:4] فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه، فقال:{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج:4] ، فقال صعودها إليه، وفصله من قوله:{إِلَيْهِ} كقول القائل: اصعد إلى
فلان في ليلة أو يوم وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل، وإن كانوا لم يروه، ولم يساووه في الارتفاع في علوه، فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو قال الله تعالى:{بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء:158] ولم يقل: عنده.
وقال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} ثم استأنف الكلام فقال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر:36، 37] فيما قال لي إن إلهه فوق السموات.
فبَيَّنَ الله سبحانه أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله من الظن بموسى إنه كاذب، ولو أن موسى
قال: إنه في كل مكان بذاته، لطلبه في بيته أو بدنه، أو حُشِّه، فتعالى الله عن ذلك، ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح.
قال أبو عبد الله: وأما الآية التي يزعمون أنها قد وصلها ـ ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [المجادلة:7] فأخبر بالعلم، ثم أخبر أنه مع كل مناج ثم ختم الآية بالعلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فبدأ بالعلم، وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا لا يخفون عليه، ولا يخفى عليه مناجاتهم ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو، فقال: إني لم أزل أراكم، وأعلم مناجاتكم لكان صادقًا ـ ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق ـ فإن أبَوْا إلا ظاهر التلاوة، وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة لأن من هو مع الاثنين أو أكثر هو معهم لا فيهم، ومن كان مع الشيء فقد خلا منه جسمه وهذا
خروج من قولهم.
وكذلك قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16] لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد.
وكذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84] لم يقل في السماء ثم قطع كما قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ثم قطع فقال: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} ، فقال {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} إله أهل السماء وإله أهل الأرض، وذلك موجود في اللغة؛ تقول فلان أمير في خراسان وأمير في
بلخ، وأمير في سمرقند وإنما هو موضع واحد، ويخفي عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء لا يخفي عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله فيهما إذا كان مدبرًا لهما، وهو على عرشه فوق كل شيء تعالى عن الأمثال. اهـ.