المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم - الكافي شرح أصول البزدوي - جـ ٣

[الحسام السغناقي]

الفصل: ‌باب أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم

‌باب أفعال النبي- صلى الله عليه وسلم

-

(لكنه ليس من هذا الباب في شيء)؛ لأن عقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله الصادرة عنه عن قصد، ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء؛ لأن التقييد لا يتحقق فيها فلا يكون داخلًا فيما هو حد الخطاب.

(فزل بشغله عنه) أي عن الفعل المباح.

ص: 1550

(فإنها) أي فإن المعصية (اسم لفعل حرام مقصود بعينه) أي يقصد المباشر عين ذلك الفعل الحرام مع علمه بحرمته بخلاف الزلة فإن مباشرها إنما يقع على الحرام من غير قصد إلى مباشرة الفعل الحرام بل بواسطة الفعل المباح، فإنها مأخوذة من زل الرجل في الطين إذا لم يوجد منه القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق.

فإن قلت: فعلى هذا التفسير كيف صح إطلاق اسم المعصية على فعل آدم عليه السلام في قوله تعالى:) وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)

قلت: قال الشيخ الإمام شمس الأئمة- رحمه الله أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازًا.

وأشار إليه في: "الكشاف" إلى أن إطلاق لفظ العصيان على زلة آدم عليه السلام ليكون لطفًا بالمكلفين أي عظة ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبرواكيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله

ص: 1551

الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلًا أن تجسروا على التورط في الكبائر.

وذكر الإمام نور الدين الصابوني- رحمه الله في "عصمة الأنبياء" إن ذكر العصيان فيه لم يكن مقصودًا بالذكر لذاته بل لإظهار الاجتباء بعد ذلك كما قال الله تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) ليعلم أن معاملة الله تعالى مع أنبيائه بخلاف معاملته مع سائر العباد، وتلك الزلة لم تسقط من قدر آدم عليه السلام.

(مما ليس بسهو ولا طبع) فالسهو مثل ما روي: "سها رسول الله عليه

ص: 1552

.............

ص: 1553

السلام فسجد" وروي: "صلى الظهر خمسًا" والطبع مثل التنفس وتحريك جفن العين والأكل والشرب، فإن هذا الباب لبيان أفعاله التي تكون عن قصد ويتصور خلوه عنها ولم يقترن به بيان الطاعة والزلة.

(ولا يثبت الفضل) أي ولا تثبت الزيادة على وصف الإباحة من أوصاف الوجوب والندب إلا بدليل.

(إلا أنه قال: علينا اتباعه). قيل: يجوزأن يكون علينا اتباعه بمعنى لنا اتباعه؛ لأنه قال: "الأمر كما قال الكرخي إلا أنه علينا اتباعه" ولم يجوز الكرخي المتابعة لما ذكر من المعنى، فكان الاستثناء من قوله موجبًا لجواز الاتباع الذي هو ضد قوله: لا لوجوب الاتباع.

ص: 1554

(فإذا خالفه في الوصف لم يكن مقتديًا)، فإنه عليه السلام إذا كان هوفعل فعلًا نفلًا ونحن نفعله فرضًا يكون ذلك منازعة لا موافقة، واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما وراء من الكليم ظاهرًا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء؛ لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله، فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلًا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة، ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف يه حتى يقوم الدليل، وهذا الكلام عند التأمل باطل؛ لأن هذا القاتل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع، وإن كان لا يمنعهم عن ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة، فعرفنا أن القول بالتوقف لا يتحقق في هذا الفصل.

(وأما الآخرون فقد احتجوا بالنص الموجب لطاعة الرسول عليه السلام، والجواب لنا عن هذا أن يقول صح في الحديث:"إن النبي عليه السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال عليه السلام: "ما

ص: 1555

لكم خلعتم نعالكم؟ " الحديث، فلو كان مطل فعله موجبا للمتابعة لم يكم لقوله: ما لكم خلعتم نعالكم؟ معنى.

(قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) والمحتج بهذه الآية على وجوب الاتباع في أفعال النبي عليه السلام يقول: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي عن سمته وطريقته.

ونحن نقول: المراد من الأمر هذا ما هو المفهوم من مطلق لفظ الأمر عند الإطلاق الذي هو ضد النهي لا السمت والطريقة، (والنصوص كثيرة) كقوله تعالى:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وقوله:) أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وأجوبتها مذكورة في الكتب المطولة.

(كمن وكل رجلًا بماله) بأن يقال: وكلتك بمالي.

ص: 1556

(ووجه القول الآخر) - بكسر الخاء- وهو قول الجصاص- رحمه الله الذي اختاره المصنف- رحمه الله فالنص الذي احتج به الفريق الثاني في حق لزوم الاتباع بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، كان هو أظهر دليل للجصاص في حق جواز الاتباع لا في حق اللزوم.

ألا ترى أنه قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ) ولم يقل عليكم، فهو دليل للجصاص على أن الاتباع في مطلق أفعاله جائز لا واجب.

والدليل الواضح في هذا للجصاص- رحمه الله قوله تعالى (قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِ) وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلق دليل ثبوته في حق الأمة. ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصًا به بقوله:) خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو النكاح بغير مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلًا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله: (خَالِصَةً لَّكَ) فائدة، فعلم بهذا أن الخصوصية لا تكون ثابتة بدون هذه الكلمة، فلذلك لا يحمل مطلق فعله على الخصوصية.

ص: 1557

(هذا الذي ذكرنا تقسيم السنن في حقنا)؛ لأن ذلك تقسيم في أنواع الاتباع، فإنه عليه السلام إن فعل فعلًا على وجه الفرضية وجب علينا فعله على وجه الفرضية اتباعًا له، وكذلك في الواجب والمندوب والمباح، وأما إذا فعله مطلقًا ولم يعرف وصفه فعليه ففيه هذا الاختلاف في حق الاتباع.

وأصح الأقوال فيه أن نقول: هو جائز الاتباع لا مزجور عنه ولا موقوف فيه بالدليل الذي ذكرنا، فلما كان ذلك في حق الاتباع كان ذلك تقسيمًا للسنن في حقنا.

وأما تقسيم السنن في حقه عليه السلام ففي هذا الباب، والله أعلم.

ص: 1558