الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كتاب الجنايات باب البغى]
الجنايات: منها البغي، وهو الإمتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمبايعته ولو تأولا
وقول ابن الحاجب: هو الخروج عن طاعة الإمام مغالبة تعقب باختصاصه بمن دخل في طاعته دون من إمتنع منها وهم بغاة، ولذا قاتل عليٌ أهل الشام، وبإطلاق طاعته في المعصية وغيرها، وليس هو في المعصية بقياس، ويجاب بأن مراده بالخروج عدم التلبس كقوله تعالى:(إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجنا الله منها)[الأعراف: 89]، وبأنه من حيث أمره بالمعصية غير إمام، وحكم ثبوت الإمامة في علم الكلام والحديث، فالمتأول من كان فعله ذلك؛ لإعتقاده حقيقة قتاله الإمام واجب كأبي بكر في مانعي الزكاة، وعلي في أهل الشام.
الشيخ: لابن حبيب عن مالك وأصحابه: إذا إمتنع أهل البغي، ولو كانوا ذوي بصائر، وتأويل لم ينبغ للإمام والمسلمين أن يدعوا الخروج عليهم حتى يردوهم إلى
الحق وحكم الإسلام، ولو قام على إمام من أراد إزالة مابيده
فقال الصقلي: روى عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز، وجب على الناس الذب عنه، والقيام معه، وأما غيره فلا ودعه، ومايراد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما
وفي طرر ابن عات، قال يحيى بن يحيى: الصواب عدم الدخول في الفتنة، ونحوه حكي عن أصحاب مالك، لم يخرج مالك يوم خرج ابن هرمز، ومحمد بن عجلان قال:(قلت لمالك: أنا رسول من ملكي بالأندلس إليك، عندنا رجال من أهل الفضل يكرههم الإمام علي من أخل الإسلام يرون بقرى قوي أهلها من السلطان، وقد نفذت أزوادهم ويجدون فيها طعاماً) تبين لما يرى في تزويدهم علي وما لهم.
قال: ما أتكلم في هذا بشئ، فأعاد الكلام فقال: كف عني، وإني لك ناصح.
وفي النوادر: وظاهر من الواضحة إذا إمتنع أهل البغي، ولو كانوا متأولين من الإمام العدل، فله فيهم من رمي المجانيق، وقطع المير والماء عنهم، وإرسال الماء عليهم، فيغرقهم ما له في الكفار، ولو كان فيهم النساء والذرية، ولا يرميهم بالنار إلا أن يكون فيهم نساء ولا ذرية.
قال عبد الملك: إن أسر من الخوارج أسير، وقد إنقطعت الحرب فلا يقتل، وإن كانت الحرب قائمة، فللإمام قتله، ولو كانوا جماعة إذا خاف أن يكون منهم ضرر، وعلى هذا يجري حكم التذفيف على الجريح، وابتاع المنهزم، وقاله سحنون.
قال ابن حبيب: نادى منادي علي بن أبي طالب في بعض من حاربه: أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير، ثم كان موطن آخر في غيرهم، فأمر باتباع المدبر، وقتل الأسير، والإجهاز على الجريح فعوتب في ذلك.
فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها، والأولون لم تكن لهم فئة.
قلت: ونحوه ما ذكره بعض أرباب سير علي بن أبي طالب رضى الله عنه: أنه لم يتبع المنهزمين يوم الجمل، ولا ذفف على الجرحى؛ لأنهم لم تكن لهم فئة، ولا إمام يرجعون إليه، وإتبع المنهزمين يوم صفين؛ لأن لهم إماماً وفئة.
الشَّيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه، وقرابته مبارزة، وغير مبارزة، فأما الأب وحده، فال أحب قتله تعمدًا، وكذا الأب الكافر، مثل الخارجي، وقال أَصْبَغ: يقتل فيها أباه وأخاه.
الشَّيخ: عن ابن حبيب: قال عبد الملك: ما أصاب الإمام من عسكر أهل البغي من كراع وسلاح، فإن كانت لهم فئة قائمة، فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم، إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رد لأهله، وغير السلاح والكراع توقف حتى ترد إليهم، وإن لم تكن لهم فئة قائمة، رد كل واحد من سلاح وغيرها، وكذا فعل علي رضي الله عنه.
الشَّيخ: عن ابن حبيب، عن ابن الماجِشُون وأَصْبَغ: إذا وضعت الحرب أوزارها، فإن كان أهل البغي ممن خرج على تأويل القرآن، كالخوارج وضعت عنهم الدماء، وكل ما أصابوه إلا ما وجد من مال يعرف بعينه يأخذه ربه.
وقال ابن الحارث: كذا قال مالك وأصحابه جميعًا، فيما علمت إلا أَصْبَغ، فإن ابن حبيب ذكر عنه: أنه إنما يطرح عنهم عقوبة الإمام فقط، وحق الولي في القصاص قائم عليه، يقتل بمن قتل، ولم يقله غيره من أصحاب مالك.
قال الشَّيخ: عمن ذكر أولًا: وأما أهل العصبية أو أهل خلاف بلا تأويل، فالحكم فيهم القصاص، ورد المال قائمًا كان أو فائتًا، وفي آخر جهادها، والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال، ثم تابوا ورجعوا، وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، وما استهلكوه لم يتبعوا به، وإن كانوا أملياء؛ لأنهم متأولون بخلاف المحاربين، لا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء.
ابن شاس: إن ولى البغاة قاضيًا، أو أخذوا زكاة، أو أقاموا حقًا.
فقال الأخوان: ينفذ ذلك كله.
وقال ابن القاسم: لا يجوز بحال.
وعن أَصْبَغ القولان، ونحوه لابن الحاجب.
قال ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك، ونص في المدَوَّنة على أن ما
أخذوه من الزكاة يجزئ عن أربابها.
قُلتُ: للشيخ في ترجمة نصها في عزل القضاة، والنظر في أحكامهم.
قال ابن حبيب: قال مطَرِّف في أحكام الخوارج: لا ينفذ حتى يثبت أصل الحق ببينة فيحكم به، فأما أحكام مجهولة، ويذكروا شهادة أهل العدل منهم، ذكروا أسمائهم أو لم يذكروا؛ فهي مردودة، وقال أَصْبَغ عن ابن القاسم مثله.
قال أَصْبَغ: أرى أقضيتهم كقضاة السوء فيما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم ومُطَرِّف أحل إلي.
وقال الأخوان: في الرجل يخالف على الإمام، ويغلب على بعض الكور، ويولي قاضيًا فيقضي، ثم يظهر على أقضية ماضية: إن كان عدلًا إلا خطئًا لا اختلاف فيه، وله في فصل قتال العصبة، وظاهره عن الواضحة: إن قاتل مع المتأولين أهل الذمة، وضع عنهم ما وضع عنهم، وردوا إلى ذمتهم.
وإن قاتلوا مع أهل العصبية المخالفين؛ للإمام العدل، فهو نقض لعهدهم يوجب استحلالهم، وإن كان السلطان غير عدل، وخافوا جوره واستعانوا بأهل العصبية؛ لم يكن ذلك منهم نقضًا.
قُلتُ: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعًا، وإن أكرهوهم، لم يكن لهم نفس خروجهم نقضًا لصحة تعلق الإكراه بقتال ما لا يحل قتاله، ونزلت هذه المسألة بتونس أيام حصر الأمير أبي الحسن المريني بالقيروان، وقامت بغاة عليه بتونس وحصروا أقبضتها واستعانوا بأجناد النصارى، ثم قدر عليهم ورد إلى ذمتهم.