الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[باب في القطع والكسر والجرح وإتلاف منفعة من الجسم]
ومتعلق الجناية غير نفس: إن أبانت بعض الجسم فقطع، وإلا فإن أزالت اتصال عظم لم يبن فكسر، وإلا فإن أثرت في الجسم فجرح، وإلا فإتلاف منفعة فالقصاص في الأطراف، كالنفس إلا في جناية أدنى على أعلى، فلو قطع عبد أو كافر حرًا مسلمًا؛ فطرق الباجي مشهور مذهب مالك؛ لا قصاص، وتلزم الدية، وروى القاضي في قطع الكافر المسلم، يجتهد السلطان، ويتحمل هذه الرواية القود.
اللخمي: قال مالك: لا قصاص، وروى ابن القصار القصاص، قال: وهو القياس، وروى العتبي يمنع في العبد، ويجوز في النصراني، وقال ابن نافع: المسلم بالخيار في القصاص والعقل، وهو أحسن، وكذا في العبد.
وفي سماع القرينين: هل النصراني كالعبد يجرح المسلم، لا قود بينهما؟، قال: العبد قد يؤخذ أحيانًا في ذلك، والنصراني لا يؤخذ، فهو تسليط على المسلم يفقأ عينه، ويعطيه دراهم لعينه أهل دينه، أرى أن يجتهد السلطان في ذلك، قيل: أيقاد منه؟ قال: ما أدري، سحنون: قال ابن نافع: المسلم بالخيار في القود والأرش.
ابن رشد: وقف مالك في ذلك، وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أن يمكنه من القصاص مكنه، وإن رأى منعه، والحكم بالأرش؛ فعل ذلك، وصرفه إلى اجتهاده، يدل على، أن كل مجتهد مصيب عنده، ولابن عبد الحكم مثل قول ابن نافع وقال: له الدية ولا قود بينهما، فالخلاف إنما هو إن أراد المسلم القصاص، وعلى قول
ابن نافع: للحر أن يقتص من العبد في الجراح كالقتل.
قلت: ظاهر قوله: لا أدري الوقف لا بقيد صرفه إلى الإمام.
قال ابن شاس: في رواية: يجتهد السلطان، قال أصحابنا: تحتمل هذه الرواية وجوب القود، قالوا: وهو الصحيح، قال الأستاذ أبو بكر: وهذا كما قالوا.
قلت: ففي وجوب العقل أو القود، ثالثها: في الكافر يجتهد الإمام، ورابعها الوقف فيه، وخامسها الأول في العبد لا الكافر، وسادسها يخير المسلم، وعزوها واضح، وفي دياتها إن قطع جماعة يد رجل عمدًا؛ فلهم قطع أيديهم كلهم، كالقتل والعين كذلك.
قلت: ويتخرج فيها ما حكاه ابن العربي، عن إمام الحرمين في مسألة قتل الجماعة الواحدة.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطعه مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع الجماعة الواحد.
الشيخ في المجموعة، وأراه عن عبد الملك: لو قطع مسلم ونصراني عمدًا؛ قطع المسلم، ونصف العقل في مال النصراني، مع الأدب، ولو قطعه أربعة مسلمون أحدهم خطأ؛ قطعت أيدي الثلاثة، وعلى المخطئ ربع ديتها في ماله، وذكر ابن القصار مسألة الكتاب، بقيد كونهم قطعوا يده كلهم دفعة
فعبر ابن شاس عن ذلك بقوله: تقطع الأيدي بالواحدة، عند تحقق الشركة، بأن يضعوا السكين على اليد، ويتحاملون كلهم عليها حتى تبين، فلو تميزت الجنايات، بأن يقطع أحدهم بعضًا، ويبينها الآخر، أو يضع أحدهما السكين من جانب، ويضع الآخر السكين من الجانب الآخر، حتى يلتقيا، فلا قصاص على كل واحد منهما في جميع اليد، ولكن يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح، إذا عرف ذلك، ابن عبد السلام: لو قطع أحدهما نصف اليد، وابتدأ الثاني القطع من حيث انتهى الأول، وقطع باقيها؛ فإن السكين توضع في قصاص الثاني، في غير الموضع الذي ابتدأ هو به فتأمله.
قلت: هذ لا ينفي التماثل؛ لأن الجاني إنما ابتدأ القطع في طرف، وكونه كان وسطًا طردي، وفي القصاص منه إنما ابتدئ القطع فيه من طرف، وفيما فسم به ابن شاس قول ابن اقصار نظر؛ بل مقتضى المذهب، أنه منهما ثبت تعاونهما على القطع، وجب قطعهما
فلو حبسه أحدهما لمن يعلم أنه يقطعه فقطعه قطعًا، وقد شبهها في المدونة باجتماعهما على القتل.
وقال في كتاب المحاربين: إن ولي بعض الجماعة قتل رجل، وباقيهم عون له قتلوا به قصاصًا، وفي الجراح ما قبل الهاشمة القود.
عياض: أولها لغة الحارصة بحاء وصاد مهملتين؛ هي ما حرص الجلد أي: شقه وهي الدامية؛ لأنها تدمي، والدامعة بعين مهملة؛ لأن الدم يدمع منها، وقيل الدامية أولًا؛ لأنها تخدش فتدمي، ولا تشق الجلد، ثم الحارصة؛ لأنها شقت الجلد.
وقيل هي السمحاق، كأنها جعلت الجلد كسماحيق السحاب، ثم الدامعة؛ لأن دمها كالدمع، ثم الباضعة، وهي التي أخذت في اللحم وبضعته وهي المتلاحمة، وقيل المتلاحمة بعد الباضعة؛ لأنها أخذت في اللحم في غير موضع، ثم الملطا بالقصر، ويقال ملطاة بالهاء، وهي ما قرب من العظم، وبينهما وبينه قليل من اللحم، وقيل هي السمحاق، ثم الموضحة؛ وهي التي كشفت عن العظم.
وفيها حد الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو بقدر إبرة، وعظم الرأس محلها كل ناحية منه سواء، وحد ذلك منهي الجمجمة، لا ما تحتها؛ لأنه من العنق وموضحة الخد كالجمجمة، وليس الأنف، واللحي الأسفل من الرأس في جراحهما؛ لأنهما عظمان منفردان.
عياض: ثم الهاشمة ما هشمت العظم، ثم المنقلة ما كسرته، فيفتقر لإخراج بعض عظامها لإصلاحها، وتختص بالرأس المأمومة؛ وهي التي أفضت إل أم الدماغ، وتختص بالجوف الجانفية؛ وهي التي نفذت إليه.
الباجي عن أشهب: لو أطار أنفه بضربة، ونفذت إلى دماغه؛ ففي ذلك دية وثلث؛ يريد ما وصل للدماغ، حيث كان، فهي مأمومة، وفي التلقين، ويقال في المأمومة الأمة.
وفيها: المنقلة ما أطار فراش العظم، وإن صغر، والمأمومة؛ ما أفضى إلى الدماغ ولو بمدخل إبرة، ولا تكون إلا في الرأس، والجائفة ما أفضى إلى الجوف، ولو بمدخل إبرة.
وفيها لابن القاسم: لا قصاص في هاشمة الرأس؛ لأني لا أجد هاشمة في الرأس إلا كانت منقلة.
قال اللخمي: في ترجمة القصاص: من العظم، وقال أشهب: عند محمد في الهاشمة القود، وقال في ترجمة عقل الموضحة والمنقلة: اختلف في الهاشمة، قال ابن القاسم: لا قود فيها، وقال أشهب: يقاد منه، موضحة إن لم ينقل الأول.
محمد: هذا صواب، إن كان بدأ جرح الأول موضحة، ثم تهشمت، وإن كانت الضربة هشمتها؛ فلا قود؛ يريد: إذا رضت اللحم، وهشمت ما تحتها من العظم، ولو كان ذلك بسيف أو سكين، شقت اللحم، وبلغت العظم، ثم هشمته؛ فله القود من موضحة؛ لأن الجارح لو وقف لما بلغ العظم، كانت موضحة، وإن نقلت بعد الهشم، كان فيها دية المنقلة، ويختلف إذا أحب أن يستفيد من موضحة، فلذلك له عند أشهب، لا عند ابن القاسم.
وفيها: لا قود في المنقلة.
اللخمي: وروى القاضي فيها القود.
قلت: وحكاها ابن الجلاب.
وفيها: مع غيرها، لا قود في المأمومة والجائفة.
وفيها: لمالك: في عظام الجسد القود كالهاشمة، وفي كسر الزندين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين والكفين والترقوة.
محمد: وفي كسر الأنف.
وفيها: لا في المخوف، كالفخذ وشبهه، وكسر العظم، كعظام الصدر، إن كان مخوفًا، كالفخذ فلا قود فيه، وإن كان مثل اليد فالقود.
الشيخ: عن ابن عبدوس: لا قود في عظام الصدر، وقاله أشهب، وقال مع ابن القاسم: ولا في عظام العين، وفي القود من الظفر روايتان لها ولغيرها، بناء على أنه كالعظم أو كالشعر لها ولغيرها.
محمد: القود أحب إلي، ابن عبدوس عن المغيرة: لا قود في كسر الصلب، ابن
زرقون: ربيعة يرى القوم في كل جرح، ولو كان متلفًا، وقال محمد بن عبد الحكم: القود في كل جرح، وإن كان متلفًا، إلا ما خصه الحديث بالمأمومة والجائفة، ويقتص من كل ما ليس بمتلف، تتحقق منه المماثلة اتفاقًا، والمشهور لا يقتص من متلف، وما ليس بمتلف، ولا تتيقن في المماثلة ضربان، ضرب لا تتأتى فيه المماثلة لا قصاص فيه، كبياض العين، وضرب تتأتى فيه المماثلة؛ والغالب نفيها ككسر العظام، حكى القاضي فيه روايتين.
قلت: وللباجي عن أشهب: أجمع العلماء أن لا قود في المخوف، قال محمد: وأجمعنا أن لا قود في عظام العنق، والفخذ والصلب، وشبه ذلك من المتالف، وقال عبد الملك: لا قودفي العنق، يصاب بعضها، قل أو كثر، بأنه لا يوقف له على حد، إلا أن تضاف كلها.
وفيها: لمالك: وفي الصلب الدية، ابن القاسم: كل كسر خطأ بريء، وعاد لهيئة، لا شيء فيه؛ إلا أن يكون عمدًا يستطاع فيه القود، فإنه يقتص منه، وإن كان عظمًا، إلا في المأمومة والجائفة والمنقلة، وما لا يستطاع القود منه، فليس فيه شيء م القود، إلا الدية في عمد ذلك، مع الأدب.
قلت: يريد إن لم يعد لهيئته.
الصقلي عن محمد: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه؛ لأنه متلف لا قصاص في عمده، فهو كالخطأ، قال فيه.
وفي المدونة: كل كسر يبرأ ويعود لهيئته؛ فلا شيء فيه إلا أربع جراحات: الجائفة والمأمومة والمنقلة والموضحة، إلا أن يكون عمدًا، يستطاع القود منه، فإنه يقاد منه، وإن كان عظمًا.
وفيها: ما برئ على شين، مما لا شيء فيه إن برئ على غير شين، يأتي حكمه في الصلب يبرأ على شين.
وفيها: القود في اليد والرجل والعنق والأنف والأذن والسن والذكر.
وفيها: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد.
قلت: والقود منهما مندرج في قولها والباضعة، وشبهها مما يستطاع منه القود فيه القود.
الباجي عن أشهب: في أشفار العينين القود، قال: وحجاج العين؛ هو العظم المستدير حول العين، يال: هو الأعلى الذي تحت الحاجب، وفي التهذيب: ليس في جفون العين وأشفارها، إلا الاجتهاد، وفي حلق الرأس، إن لم ينبت الاجتهاد، وكذا اللحية، وليس في عمد ذلك قصاص.
قلت: لم أجد هذا اللفظ ولا معناه في المدونة، وفهم بعضهم منه عدم القود في جفون العين، ونص ابن شاس على القود فيهما حسبما قدمنه، وفي الجلاب في الأجفان العين وحواجبهما حكومة.
اللخمي: على قول مالك في السن، تسود الدية تكون في الجفون الدية.
وفيها: وفي الشفتين واللسان، إن لم يكن متلفًا، ومثله للشيخ عن رواية ابن القاسم في المجموعة وفي الموازية، قال أشهب: لا يقاد منه، وقال مالك.
وسمع القرينان: من قطع من لسان رجل، ما منعه بعض الكلام، أحب إلي أن لا يقاد منه، ولم أسمع أنه أقيد منه، ولا أرى أن يقاد منه، أخاف أن تسرى الحديدة، فيذهب كلامه.
ابن رشد: قوله: لا يقاد منه، خوف أن تسرع الحديدة، فيذهب كلامه؛ يريد: أو يذهب أكثر مما ذهب من المجني عليه أو أقل، يبين مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيما يقاد منه: إن كان يستطاع ولا يخاف منه؛ فبين هنا أن ذلك لا يستطاع، وقال أشهب: أنه مخوف.
قلت: ما ذكره من التعليل في السماع، لعدم القود؛ إنما هو في الجناية على بعضه، ولا يتناول ذلك منع القود من جميعه، ولو استدل على منع القود من جميعه، بقوله في السماع: ولم أسمع أنه أقيد منه؛ لكان أبين، وفي الزاهي: في القود منه، إن لم يكن متلفًا خلاف.
وفيها: قيل فإن أخرج الأنثيين، أو رضهما عمدًا، قال: قال مالك: فيهما القصاص
ولا أدري ما قوله في الرض، إلا إني أخاف أنه متلف، فإن كان متلفًا؛ فلا قود، وكذا كل متلف، واختصرها أبو سعيد بلفظها، لعدم جوابه عن إخراجهما.
وقال الشيخ: قال أشهب في المجموعة والموازية: إن قطعتا أو أخرجهما؛ ففيهما القود لا في رضهما؛ لأنه متلف، وفي الشفتين القود، لاندراجهما في عموم ما ليس بمخوف، وحكم ديتهما مع الأنثيين في الديات.
وفيها: لا قود في اللطمة، ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود، سحنون: وعن مالك: لا قود فيه كاللطمة، وإن قطع بضعة من لحمه ففيه القود.
قلت: يريد بشرط المماثلة محلًا وقدرًا.
الشيخ عن المجموعة: قال أشهب: لا قود في اللطمة، ولا الضربة بالسوط، أو بالعصا، أو بشيء من الأشياء، إن لم يكن جرح؛ لأنه لا يعرف حد تلك الضربة، والضرب من الناس مختلف، وفي دياتها إن أوضحه موضحة عمدًا، فذهب بما سمعه وعقله، أقيد من الموضحة بعد البرء، فإن برئ الجاني ولم يذهب سمعه وعقله بذلك؛ كان في ماله دية سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قود وعقل، ولو قطع أصبعه عمدًا، فشلت بذلك يده، أو أصبع أخرى اقتص من الجاني؛ فإن برئ، ولم تشل يده؛ عقل ذلك في ماله.
قال مالك: هذا أحب ما في ذلك إلي من الخلاف، ومثله للشيخ عن ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب في الموازية: دية ذلك على العاقلة، وكذا لو ترامت إلى ذهاب يد أو رجل.
قلت لمحمد: قد قلت عنهما فيمن قطع أصبع رجل، فشلت يده، واقتص من الجاني، ولم تشل يده؛ دية بقية اليد في ماله.
قال ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ: يجعلون غايتنا من إليه العمد، ما بقي منه بعد القصاص في ماله؛ لأن العمد جره.
وقال أشهب: إن تناهى إلى مزيد فيه نفسه، مثل أن لو كان خطأ، لم تكن فيه دية جرحين؛ بل دية جرح واحد، وهو الأكثر، فهذا ما تأسى إليه في ماله، وما يتأسى إلى
جارحة أخرى يكون على عاقلته، كالعمد الذي لا يقدر على القصاص منه، وهو في الجاني قائم.
محمد: وأحب إلينا أنه في ماله؛ لأن العمد جره، ولو كان على ما قال، لكان إذا ترامى إلى النفس، كان على العاقلة، ولم يقله أحد، ولابد فيه من القصاص؛ يريد بقسامة؛ لأن أصله عمد.
وقاله أشهب، وفي المجموعة لأشهب: إن شجه مأمومة، تنامت لذهاب عقله وسمعه وبصره، وغير ذلك، ولو إلى عشر ديات، فله دية كل واحد ما بقيت النفس، فإن ذهبت النفس، فليس فيه إلا دية واحدة.
المغيرة: إن ذهب بالمأموم عقله، فله الدية في العقل، وثلثها في المأمومة، وكذا إن سقط شقه منه؛ فله عقل ما أصاب من يده ورجله، سوى عقل المأمومة، ولو صارت الموضحة منقلة، ففي لزوم عقلها، أو القود من الموضحة؛ فإن لم تصر منقلة عقل له ما بينهما، ثالثها: يخير فيهما، لابن رشد عن آخر أقوال مالك، وأولها: مع سحنون عن ابن القاسم، وأحد أقوال مالك، قال: وقول ابن القاسم، هو القياس على ما أجمعوا عليه في ترامي الجرح إلى شيء آخر، كالموضحة تذهب منها عينه.
وكذلك لو آلت ملطاة إلى موضحة، يخير في القود من الملطاة، وأخذ عقل الموضحة على أحد قولي مالك، وعلى قوله الآخر؛ ليس له إلا عقل الموضحة، لا القود منها آل إليه الجرح، إنما فيه العقل، وعلى قول مالك الأول، وقول ابن القاسم يقتص من الملطاة، فإن صارت موضحة، وإلا عقل له ما بينهما.
قلت: وسمع القرينان، إن صارت الملطاة عمدًا موضحة، ولم تستوضح في الجاني عقلت له الموضحة، قيل لمالك: أتعقل له الموضحة كلها، أو ما بين الموضحة والملطاة؟ قال: لا أدري.
سحنون: قال ابن نافع: له عقل الموضحة كلها؛ لأنه ليس دونها عقل.
ابن رشد: يدخلها الثلاثة الأقوال، وقوله: له عقل الموضحة، كلها بعيد عن القياس؛ لأنه قد اختص من بعضها، وإن لم يكن للملطاة عقل مسمى عند مالك،
فيجب عليه إلى قدر جرح الملطاة، ما هو من جرح الموضحة، فإن كان ثلثه أو ربعه؛ حط من عقل الموضحة ثلثه أو ربعه؛ لأنه أخذه في القود، وقد روى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة.
وقال زيد بن ثابت: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي الملطاة أربعة أبعرة، إن كانت في الرأس، فعلى هذا يكون له إن اقتص من الملطاة، ولم تصر موضحة بعير واحد، إلا أن مالكًا لم يقله.
وقال في الموطأ: لم يقض الأئمة في القديم، ولا في الحديث عندنا، فيما دون الموضحة بعقل، فيحمل ما روي عن عمر وعثمان وزيد، أنه حكومة على وجه الاجتهاد.
قلت: فالحاصل ما يتنامى إليه أربعة أنفس، فيندرج فيها الأول قودًا في العمد، ودية في الخطأ، إن قام ذو الحق بحقه فيها دونه وغيرها، فإن كان الأول جزءًا منه، وفيه القود، كالأصبع مع اليد؛ فعقل الثاني في ماله، ولا قود فيه اتفاقًا فيهما.
وإن كان لا قود فيه، كالمنقلة تصير مأمومة بعقل الثاني فقط، وإن لم يكن جزءًا منه وفيه القود، كالموضحة مع السمع، ولم يتنام في الجاني، ففي كون عقل الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان.
وإن لم يكن فيه القود، فعقل الأول على حكمه.
وفي كون الثاني في ماله، أو على العاقلة قولان، وقول ابن الحاجب بعد ذكه قولي ابن القاسم وأشهب، وكذلك السراية إلى يد أو رجل، يقتضي عموم قول أشهب فيها، هو جزء من المترامي إليه، كالأصبع مع اليد، وتقدم أن قوله فيه كابن القاسم.
وفي الموازية قال: الفرق بين تنامت الجرح إلى النفس وإلى غيرها، وأن قصاص النفس يسقط كل جرح قبلها، ولو قطعت يداه ورجلاه، ثم نزى في ذلك ومات؛ لم تجب لهم دية الجراح، حتى يقسموا أنه مات من جراحاته، فيأخذوا ديتين، فإن نكلوا، حلف القاتل خمسين يمينًا، أنه ما مات منها، ولو مات مكانه كانت نفسًا، وسقطت الجراح، وقتل في العمد، ولزمت الدية في الخطأ.
قلت: كذا هو في النوادر، وفي نسخة عتيقة، والصواب أن يحلف ولاة القتيل، أنه ما مات من جراحاته؛ فيكون حلفهم على نفس موته من جراحاته، فإن نكلوا حلف الجاني على العكس فتأمله.
ويؤيده قوله في الرواية: لو مات مكانه؛ كانت نفسًا، وذكر الصقلي بعض هذا، وقال: لما كان القتل يسقط كل جرح قبله؛ صار الجرح لغوًا، ولما كان الجرح لا يسقط ما تقدمه من جرح، موضعه في الجارح قائم، وجب بقاء حكم الجرح الأول.
ابن رشد: لو ضربه مأمومة، فذهب عقله؛ ففي غرامة ديتها، مع الدية في العقل، أو دية العقل فقط قولان، على قول مالك، مع متكلمي أهل السنة، أن محل العقل القلب، وقول ابن الماجشون مع أبي حنيفة والمعتزلة: أن محله الرأس.
قلت: تقدم عزو الأول للمغيرة أيضًا.
الباجي: من نتف لحية رجل، أو رأسه أو شاربه، فقال المغيرة: لا قود فيه، وفيه العقوبة والسجن، وقال ابن القاسم: فيه الأدب، قال القاضي: قال أصبغ: فيما أحسب فيه القصاص بالوزن، وعاب ذلك غيره، وقال المغيرة: لا يجوز ذلك، لاختلاف قدر اللحى بالعظمة، ولو أقاد جميع اللحية بجميع اللحية؛ كان صوابًا، وأما البعض ففيه العقوبة.
وفيها: إن انخسفت العين أو ابيضت أو ذهب بصرها، وهي قائمة خطأ، ففيها الدية، وإن كان عمدًا فخسفها خسفت عينه، وإن لم تنخسف، وبقيت قائمة، وذهب بصرهاح فإن استطيع القود أقيد منه، وإلا فالعقل، قال: والبياض بمنزلة القائم العين، إن استطيع منه القود أقيد، وإلا فالعقل.
أبو عمر: من ضرب عين رجل، فأذهب بصرها، وبقيت قائمة، ففي عمد ذلك القود، وأرفع ما جاء في ذلك، أن عثمان أوتي برجل لطم عين رجل، فذهب بصره، وعينه قائمة، فأراد عثمان أن يقيده، فأعيا ذلك عليه وعلى الناس، حتى أتاهم علي فأمر بالمصيب، فجعل على عينه كرسفًا، ثم استقبل به عين الشمس، وأدنى من عينه مرآة، فالتمع بصراه، وعينه قائمة.
وروي أن عليًا أمر بامرأة فأحميت، ثم أدنيت من عينه، حتى سالت نقطة عينه، وبقيت قائمة مفتوحة.
وفيها: من ضرب يد رجل فشلت؛ ضرب الضارب، كما ضرب، فإن شلت يده، وإلا فعقلها في ماله.
الصقلي عن أشهب: هذا إن كانت الضربة خرج فيه القود، ولو ضربه على رأسه بعصا، فشلت يده فلا قود، وعليه دية اليد.
قلت: في كونه تقييدًا، أو خلافًا نظر، والأظهر الأول، وقال أبو حنيفة: إنما عليه الدية، دون قود مطلقًا.
قال ابن عبد السلام: كذا ينبغي أن يكون على المذهب؛ لأن المشهور، أن لا قود في الضرب بالعصا، فالشلل ناشئ عما لا قود فيه، فإذا تعذر القود؛ وجبت الدية.
قلت: نفي القود في الضرب مقيد، بكونه لم يؤثر شيئًا، حسبما تقدم للشيخ عن أشهب، وشلل اليد شبيه بالموت، فإن فيها دية مسماة.
وتشترط المماثلة في العضو ومحله من الجسد فيها، لا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا العكس، وكذا العين ولا سن، إلا بمثلها في صفتها وموضعها الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، وإلا فالعقل.
قلت: وبمقتضاه قال ابن شاس: لا تقاد السبابة بالوسطى، ولا أصبع زائدة بمثلها عند اختلاف المنبت.
قلت: وكذا السن، وللشيخ عن محمد عن أصبغ: قال أشهب: إن قطع مقطوع الأنملة من أصبعه أنملتين من أصبع رجل مثلها، فعليه عقل الأنملتين، ولا قصاص له، وقال عنه غير أصبغ: يعقل له الأنملة العليا، ويقتص من الوسطى.
وفيها: إن ذهبت يمين من قطع يمين رجل، هل بقطع من الله، أو بقطع من سرقة أو قصاص؛ فلا شيء للمقطوعة يمينه، ولو فقأ أعين جماعة اليمنى، وقتا بعد وقت، ثم قاموا عليه؛ فلتفقأ عينه لجميعهم، وكذا اليد والرجل.
قلت: لابن الحارث: إن كان للقاطع وقت القطع يمين، ثم ذهبت بأمر من الله
فروى ابن سحنون: لا شيء للمقطوعة يده، وقال غيره من أصحاب مالك: تجب الدية، سحنون: قول مالك هو الصواب.
وفيها: من قتل رجلًا عمدًا، ثم رجلًا آخر عمدًا؛ قتل ولا شيء عليه لهم، قال ابن عبد السلام: إذا تعمد القاضي قتله لواحد منهم، على مذهب من يرى لأولياء الدم الخيار في جبر القاتل على الدية، فقد منع الباقين من أخذ الدية، وفي تضمينه حينئذ ما منعهم منه نظر.
قلت: في قوله نظر؛ لأن النظر إنما يكون في الحكم المشكل، غير الواضح جريه على القواعد، ومن البين أن قاتل رجلين، لكل منهما ولي يخصه، لو أراد أحدهما جبر القاتل على الدية، وأراد الآخر قتله؛ أن القول قول من أراد قتله، ولا غرم عليه، ولا على القاتل للولي الذي أراد جبره على الدية.
ابن حارث: اتفقوا في جراح العمد في الجسد، أن القصاص فيها، على قدر الجرح في طوله وعمقه، فإن كانت موضحة في الرأس، فقال ابن القاسم: القود على قدر الموضحة.
وذكر ابن عبدوس عن أشهب، أنه على قدر جزئها من الرأس، أصبغ: وإليه رجع ابن القاسم، وقال سحنون: ما زعم أصبغ، أنه رجع إليه، هو قوله أولًا، ورجع إلى القود على قدر الموضحة.
وسمع القرينان في طبيب استقاد من أصبغ، قاس أصبع المقطوع، وقطع من القاطع قدر ذلك القياس؛ فنقص من المستقاد منه، أكثر مما قطع من المستقاد له، لقصر أصبع المستقاد منه عن أصابع المستقاد له، أخطأ وبيس ما صنع، والصنع في ذلك، أن يقيس الأنملة المقطوع بعضها، فإن كان المقطوع منها ثلثًا أو ربعًا؛ قطع من أنملة القاطع ثلثًا أو ربعًا.
ابن رشد: لا اختلاف في هذا، كما تقطع الأنملة بالأنملة، كانت أطول أو أقصر، وإنما اختلف في الجراح في الرأس، أو في عضو كالذراع أو العضد ونحوه، فذكر قولي ابن القاسم، وقول أشهب.
قال: وقال محمد: الأمر كما قال أشهب، وقال ابن القاسم قديمًا: أنه يقاد بقدر الجرح الأول، وإن استوعب رأس المستقاد منه؛ يريد: ولو لم يف بالقياس، فليس عليه غير ذلك، وكذا الجبهة والذراع؛ يريد: ما لم يصن عنه العضو، فلا يزاد من غيره.
والصحيح عنده قوله ابن القاسم القديم، لقوله تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ؛ لأن الألم في الجرح، إنما هو بقدر عظمه، وطوله وقصره لا بقدره من الرأس.
قلت: قال الباجي: وعلى قول ابن القاسم في اعتبار طول الشق، إن قصر رأس الجاني على قدر الشق، فليس عليه غير ذلك، لا يتعدى الرأس إلى الجبهة، ولا الذراع إلى العضد، ولا قود في الباقي ولا دية.
وقال عبد الملك: يؤخذ الباقي فيما جاوزه في الذراع، من أي ذراعيه شاء من نحو العضد، أو نحو الكف؛ لأن ذلك قد وضع فيه الحديد لا من الآخر، وفي الموازية والمجموعة لابن القاسم: ما زاد الطيب في القود خطأ فعلى عاقلته.
قلت: مفهومه إن زاد عمدًا فالقصاص، وهو واضح من إطلاق الروايات في النوادر، ومن الواضحة: إن تعمد الطبيب والخاتم والمعلم قتلًا أو قطعًا أو جرحًا بغير حق، ولا شبهة فعليه القود.
ابن عبد السلام: لا يمكن في الغالب؛ لأن زيادة الطبيب إنما هي بعد حصول الواجب، فإذا طلب القود منه في الزيادة، لم يوصل إليهما منه، إلا بعد تقدم جرح، يكون هذا الزائد متصلًا به، فيتعذر القصاص منه في ذلك، فإن برئت تلك الزيادة على غير عثم؛ وجب أدبه فقط، وإلا أدب مع الحكومة في ماله، وإن جاوزت الثلث.
قلت: هذا مثل ما قاله في الاجتماع على قطع يد رجل، ويعقبه القصاص من الثاني، وقد تقدم جوابه فتذكره.
وسمع أصبغ ابن القاسم: إن قص من اقتص من موضحة عن الحق، وعلم ذلك بالحضرة قبل البرء، ونبات اللحم؛ أتم ذلك، وإلا فلا تمام له، ولا عقل له؛ لأنه قد اجتهد.
أصبغ: لا يعجبني قوله جملة، وأرى إن نقص يسيرًا جدًا، فالقول مما قال، وإن كان
كثيرًا متفاحشًا أو متفاحشًا؛ فإن كان في حرارته ودمه، أتم القصاص، وإن برد وأخذه الدواء، لم يتمه؛ لأني أخاف أن يكون متلفًا أو عذابًا، ويكون الباقي عقلًا، ولا يبطل كمن يقتص فيما ترامى، وبين المقتص منه، وإن كان هذا المقتص لنفسه ممن ناله.
ابن رشد: قول أصبغ حسن؛ هو تفسير لقول ابن القاسم، فما قصر فيه على ثلاثة أقسام يسير جدًا كالعشر، ولا يتمم ولا يأخذ فيه شيئًا، ولو بالقرب قبل أن يبرد ويأخذه الدواء، كما قال أصبغ في اليسير جدًا، ويسر كالربع، وما دون الثلث، إن كان قبل أن يأخذه الدواء، وينبت اللحم؛ اقتص له تمام حقه، وإن أخذه الدواء؛ لم يقتص له تمام حقه، ولا شيء له فيه.
كما قال ابن القاسم، وإن كان كثيرًا كالثلث فما فوقه؛ اقتص له تمام حقه، إن كان قبل أن يبرد، ويأخذه الدواء، وإن كان بعد أن أخذ الجرح الدواء؛ عقل له تمام حقه كما قال أصبغ.
قلت: ظاهر قول أصبغ لا يعجبني قوله جملة، إن قوله عنده خلاف لا تفسير، وفي الموازية والمجموعة، قال أصحاب مالك عنه: المجمع عليه عندهم، أن ليس في العين القائمة التي ذهب بصرها إن فقئت، وفي اليد الشلاء تقطع، إلا الاجتهاد، وكذا الأصابع، إذا تم شللها ثم قطعت، وكذا ذكر الخصي، ولسان الأخرس.
قال مالك: وذكر الخصي هذا عسيب، قطعت حشفته.
وفي كتاب الجراحات منها: في شلل الأصابع ديتها كاملة، ثم إن قطعت بعد ذلك عمدًا أو خطأ؛ ففيها حكومة لا قود في عمده.
القاضي عن ابن القصار: في اليد الشلامء حكومة، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن داود أن فيها دية صحيحة، ولا تقطع الصحيحة بها، وبه قال أهل العلم كافة، وحكي عن قوم: أنه يقاد من الصحيحة بالشلاء، وينبغي أن يكون هذا مذهب داود.
الشيخ في المجموعة لابن القاسم وأشهب: في أشل اليد أو الأصابع يقطعها صحيح، لا قود فيها إذ لا يقدر عليه بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي منها، وله من العقل بقدر ما بقي بالاجتهاد.
وروى ابن القاسم في مال الجااني: يريد وإن تم شللها؛ ففيها حكومة وفي دياتها، وإن قطع أشل اليد اليمنى يمين رجل؛ فله العقل ولا قود له.
الشيخ: قال يحيى بن يحيى: عن ابن القاسم: إن كان الجاني أشل اليد خير مقطوع اليد السليمة في القود منها أو العقل، وفي الموازية أنها له العقل.
ومثله في الأسدية، قال محمد: وقال مالك وابن القاسم وأشهب، وقاله ابن عبدوس، وقال أشهب في الكتابين: إن كان شللًا رأسًا أو كثيرًا؛ أذهب أكثر منافع يده، وأما الخفيف؛ فله أن يقتص.
وكذا عين فاقئ عين سليمة، إن كانت ناقصة النظر، وهو ينظر بها وبها بياض أم لا؛ له القود فإن ذهب أكثرها؛ فلا قود.
ولابن رشد في سماع القرينين: إن كانت جل منفعة عين الجاني أو يده باقيا؛ فالمجني عليه بالخيار في القود والعقل اتفاقًا، وإن ذهب كل منفعتها أو جلها؛ ففي تخيير مطلقًا، وإن بقيت فيها منفعة.
ولو قلت: ثالثها ما لم يذهب جل منفعتها لسماع يحيى ابن القاسم، وهذا السماع وأشهب في الموازية والمجموعة، وفي دياتها إن قطع أقطع الكف اليمنى يمين رجل صحيح من المرفق؛ فللمجني عليه العقل أو قطع الذراع الناقصة من المرفق، ومثله في الموازية.
وقال أشهب في الموازية والمجموعة: ليس له إلاى العقل، ونقل ابن الحاجب قولها في مسألة أقطع الكف إثر قوله، وقيل: يخير في قطع الشلاء، فيفهم عنه بعضهم بذلك مناقضته قولها في الشلاء، وقولها في أقطع الكف.
وفي تعليقه أبي عمران: الفرق بين من قطع يمين رجل، ويمينه شلاء؛ أنه ليس للمقطوعة يده إلا العقل، وبين من قطع يمين رجل، ويمينه مقطوعة الكف، أو الثلاثة الأصابع منها؛ أنه مخير في القود والعقل، أن اليد الشلاء كالميت، والميت لا يقتص منه، والذي قطعت أصابعه أو كفه بقيت تدعوه هو بعض حقه.
وقال ابن الحاجب: الذكر المقطوع الحشفة، كالأقطع الكف، وعين الأعمى
ولسان الأبكم، كاليد الشلاء على المشهور.
قلت: لما قدم قوليها في أقطع الكف، وفي اليد الشلاء شبه أقطع الحشفة بأقطع الكف، وشبه عين الأعمى، ولسان الأبكم باليد الشلاء؛ وهو تشبيه واضح جار على تفريق أبي عمران المتقدم.
وظاهر قول مالك في المجموعة: أن الجميع سواء، وقول ابن الحاجب: كاليد الشلاء على المشهور بحكومة، وإن كان اقتص لهما أو أخذ العقل مشكل؛ لأنه إن حمل على أنهما جني عليهما؛ لزم أن يكون فيهما قول بأن لا حكومة فيهما، إما الدية وإما لا شيء فيهما، وكلاهما غير موجود في المذهب.
وتقدم نقل إجماع أهل المذهب على أن فيهما الاجتهاد، وإن حمل على أنهما استحقا في جناية منهما منه على سليم، لزم أن يكون للمجني عليه به لا منهما حكومة، وهذا غير موجود في المذهب، وعلى هذا حمله ابن عبد السلام، وعبر عن الحكومة بالعقل، والعبار عن العقل بالحكومة خلاف الاصطلاح وتخليك، وهذا الموضع في ابن شاس على الصواب.
قال: الذكر المقطوع الحشفة، والحدقة العمياء، ولسان الأبكم كاليد الشلاء، مثل ما تقدم عن المجموعة، وظاهر قول ابن الحاجب، وإن كان اقتص لهما أنه أراد الجناية عليهما، وفي السرقة: منها من سرق، وقد ذهب من يمين يده أصبع؛ قطعت يمينه، كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة؛ أن تقطع يده.
ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من الجنايات: إن لم ينقطع من أصابع الجاني إلا أصبع واحد؛ فليس للمجني عليه إلا القود، ولا يغرمه عقل أصبعه الناقصة، لم يختلف فيه قول ابن القاسم، ويأتي على مذهب أشهب: أنه بالخيار في القود، أو عقل اليد كاملة وهو القياس، كان نقص الأصابع خلقة، أو بأمر سماوي، أو بجناية عمدًا أو خطأ.
قلت: لم يستوف الشيخ نقل أقوال هذه المسألة؛ بل قصر عن نقل ابن الحاجب حيث قال: ولا دية للأصبع على المشهور، وفي النوادر سمع يحيى ابن القاسم: إن كان
الجاني مقطوع أصبع؛ فإنما للمجني عليه القود بلا غرم على الجاني، ابن المواز، وقاله عنه مالك وابن القاسم مرة.
وقد قال مالك أيضًا: تقطع يد الجاني، ويغرم دية الأصبع الخامس، وقد قال ابن القاسم: إنه مخير في القود وأخذ عقل يده دون قود.
قلت: وذكر الشيخ قبل نقله هذا: قال ابن الماجشون: حد ما لا يترفع القود في اليد والرجل من النقص أصبع واحدة، ابن القاسم كانت الإبهام أو غيره.
وقال ابن الماجشون: حد ما لا يرفع القود إن كانت الإبهام، فلا قصاص؛ لأن الإبهام، كأنها أزيد من أصبع، قال ابن سحنون عنه: ما علمت من فرق بين الإبهام وغيرها غيره.
قلت: وتفرقته ضعيفة؛ لأن الإبهام إنما فيها أنملتان، فهي أقل من غيرها، فكيف تكون أزيد؟ ففي لزوم القود من ناقص أصبع واحدة دون غرم عقلها أو معه ثالثها؛ يخير في القود دونه، وأخذ كل العقل ورابعها، إن كانت الناقصة الإبهام تعين العقل للمشهور.
ورواية محمد ونقله عن ابن القاسم مرة، وقول ابن الماجشون: فإن نقصت يد الجاني أكثر من أصبع، ففي تخيير المجني عليه في العقل والقود، دون غرم لما نقص أو معه ثالثها؛ يتعين القود ورابعها؛ يتعين العقل لسماع يحيى ابن القاسم مع ابن رشد عنها، وسماعه عيسى مع الشيخ عن رواية محمد.
ونقل ابن الماجشون عن المغيرة: حد ما لا يرفع القود نقص الأصبع، وما زاد عليها قائلًا: قول مالك أحوط، وللصقلي عن أشهب، وابن الماجشون قائلًا: إلا أن يكون إنما نقصت بعد قطع كف الأولى؛ فتقطع له بما بقي، ويخير في القود من قاطع قاطعه، أو أخذ العقل.
ابن رشد: ولو قطع مقطوع أصبعين أصابع يد رجل الخمسة من تلك اليد؛ قطعت أصابعه، وغرم عقل الأصبعين، كما في سماع عيسى، ولا خلاف فيه، ولو كان نقص الأصبع من يد المجني عليه، ففي استحقاقه القود دون غرم عليه، وتعين العقل
نقل ابن رشد عن سماع يحيي ابن القاسم، مع قوله: وروايته فيها عن أشهب مع قوله استحسن إن نقصت يد المجني عليه أنملة أو نحوها، بجناية عمدًا أخطأ؛ أن له القود، وإن أصيبت كفه خطأ؛ قدر الأنملة من ديتها.
وقول ابن الحاجب: إن نقصت يد المجني عليه أصبعًا، فثلاثة لابن القاسم وأشهب والمغيرة ثالثها، إن كانت غير الإبهام وقبوله.
ابن عبد السلام: يرد بأن الثالث إنما هو لابن الماجشون لا للمغيرة، لنقل النوادر وابن شاس ما نصه: إن نقصت يد المجني عليه أصبعًا واحدة، فقال ابن مالك، وابن القاسم: يقتص كانت الإبهام أو غيرها، أخذ لها عقلًا أو قودًا، واختلف فيه قول أشهب.
قال محمد: الثابت من قوله وروايته: ليس له إلا القود، وقال ابن الماجشون: حد ما لا يرفع القود في اليد والرجل من النقض أصبع واحدة، وزاد المغيرة على ذلك، وقول مالك أحوط، قال: إلا أن تكون الإبهام فلا قود، قال سحنون في كتاب ابنه: ما علمت من فرق الإبهام وغيرها غيره.
قلت: فانظر حصر سحنون هذا القول لابن الماجشون.
ابن رشد: ولو كان نقص المجني عليه أصبعين فأكثر؛ فلا قود له على الجاني، إنما له عليه عقل أهي أصابعه، إلا أن لا يبقى له إلا أصبع واحد، فقيل: يكون له مع عقلها حكومة في الكف، وهو قولها.
وقال أشهب: لا حكومة في الكف ما بقي منها أنملة، يكون له عقل واستحسنه سحنون، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع يحيي، وسواء كان ما نقص من أصابعه خلقة، أو بأمر من السماء، أبجناية عمدًا أو خطأ، وما أصيبت يده الناقصة أصبعًا أو أقل أأكثر خطأ؛ فليس فيها إلا عقل ما بقي اتفاقًا.
قلت: هو نصها.
قلت: قال ابن حارث: اتفقوا على أنه إن قطعت أصبع واحدة، فأخذ عقلها، ثم قطعت جميع الكف؛ فلا حكومة لما يقابل المقطوعة من الكف، ولو كان ذلك في
أصبعين، ففي كون ذلك كذلك، ولزوم حكومة لما يقابل الأصبعين المقطوعتين، قولا سحنون مع ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون.
وفي جراحاتها من قطعت إبهامه؛ فأخذ دية الأصبع، ثم قطع العقد الباقي من الإبهام في الكف؛ ففيه حكومة، وإن لم يكن في الكف أصبع، فعلى من قطعها أو بعضها حكومة.
ابن الحاجب: ولو قطع من المرفق؛ لم يجز من الكوع ولو رضيا.
قلت: هو في النوادر عن الواضحة معزو للأخوين وأصبغ، وقبله الشيخ وغيره، وفيه نظر من وجهين:
الأول: الدليل العام؛ وهو الإجماع على وجوب ارتكاب أخف ضرر بدفع ما هو أضر منه من نعه، وضرر القطع من الكوع أخف منه من المرفق ضرورة، وقد قال ابن رشد: إذا لزم أحد ضررين؛ وجب ارتكاب أخفهما قاله في أجوبته.
والثاني: دليل ما في سماع عبد الملك، قال: أخبرني من أثق به من أصحابي عن ابن وهب أو عن أشهب: فيمن ذهب بعض كفه بريشة خرجت في يده، يخاف على ما بقي من يده منها، فقيل له: اقطع يدك من المفصل، إن كان لا يخاف عليه الموت من قطعه فلا بأس.
ابن رشد: إن لم يخف، إذا لم يقطع يده من المفصل إلا على ما بقي من يده؛ لم يجز قطعها من المفصل إن خيف عليه منه الموت، وإن خشي إن لم يقطع يده من المفصل؛ أن يترامى أمر الريشة إلى موته منها، فله قطعها من المفصل، وإن كان مخوفًا، إن كان الخوف عليه من الريشة أكثر.
وقد أجاز مالك فيها لم أحرق العد سفينته، يخرج نفسه في البحر، وإن علم أن فيه هلاكه، ولا خلاف في أنه يجوز له أن يف من أمر يخاف منه الموت إلى أمر يرجو فيه النجاة وإن لم يأمن منه الموت.
وفيها: لو أصيبت يد رجل أو عينه خطأ، فضعفت فأخذ لها عقلًا، إلا أن يبطش ويعمل ويبصر بالعين، ثم أصابها رجل عمدًا؛ ففيها القود بخلاف الدية.
الشيخ في المجموعة للمغيرة: في عين الكبير تضعف ثم تصاب عمدًا؛ ففيها القود وما نقصها من جدري أكوكب أو رمية أو غيرها؛ لا قود فيها، ولو لم يأخذ لنقصها شيئًا.
قال عبد الملك: تأويله إن كان نقصًا فاحشا كثيرًا، ولابن رشد في رسم القطعان من سماع عيسى: قال بعض أهل النظر: تلخيص قول عيسى في العين الناقصة؛ تصاب إن نقصت بسماوي، ولو كثر، ففي إصابة باقيها عمدًا القود، وإن نقصت بجناية؛ فكذلك إن قل وإن كثر فالعقل.
ابن رشد: ليس هذا بصحيح، إن نقصت كثيرًا ولو بسماوي فالعقل، وفي النوارد ومن الموازية ونحوه في المجموعة، روى ابن القاسم وغيره: في عين الأعور تصاب عمدًا.
قال في المجموعة: إن أصابها صحيح؛ فالأعور مخير في القود، وأخذ ديته ألف دينار، محمد: هذا قول مالك، وكل أصحابه لم يختلفوا، وكذا ذكر سحنون في كتاب ابنه، ولأبي بكر الأبهري رواية شاذة: أن مالكاً اختلف قوله، فقال هذا وقال: ليس له إلا القود.
قال محمد: قال ابن القاسم وأشهب: كان الفاقئ صحيح العينين أو صحيح التي مثلها للأعور.
قال ابن الحاجب: لو فقأ صحيح العين عين الأعور، فقال مالك: إن شاء اقتص أو أخذ ديتها ألف دينار من ماله، ذكر ابن عبد السلام وابن هارون، على قول المؤلف كلام عياض وعياض ما ذكر إلا على مسألة المدونة، وهي عكس هذه المسألة وهي التي ذكرها المؤلف بعد هذه المسألة وهي التي ذكرها المؤلف بعد هذه معبرًا بقوله: (فلو فقأ الأعور من ذي عينين
…
الخ) ، والمسألتان مختلفتان، ولذا ذكر في الثانية أقوالًا لم يذكر بعضها في الأولى، والثانية هي مسألة الكتاب.
والأولى إنما هي من حيث نقلتها، ولا يتوهم أنها مراد البرادعي بقوله: وإن كان المفقوءة عينه أعور العين اليسرى؛ فله عينه اليمنى ألف دينار إذ لا قصاص له في
عين الجاني؛ ولأن دية عين الأعور عند مالك ألف دينا؛ لأنها في المدونة إنما صورها في فاقئ هو أعور العين التي فقأها من الأعور المفقوءة عينه.
وفيها لمالك أن فقأ الأعور عين الصحيح التي مثلها باقية للأعور؛ فله أن يقتص وإن أحب؛ فله دية عينه، ثم رجع فقال: إن أحب أن يقتص اقتص، وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار، وهذا أعجب إلي.
عياض: خرج بعضهم منها قولًا بالتخيير في أخذ دية الجرح عمدًا، وهو قول ابن عبد الحكم خلاف مشهور، قول مالك وأصحابه بوجوب القود، أو ما اصطلحا عليه، ويخرج منها جبر القاتل على الدية، مثل قول أشهب خلاف معرف روايته، وترجح بعضهم في هذا.
وقال أبو عمران: إنما قاله لعدم تساوي عين الأعور، وإحدى عيني الصحيح، فلم يمنعه القصاص إذ هي مثل عينه في الصورة؛ فإن عدل عن القصاص إلى الدية، لم يكن للأعور أن يأبى ذلك؛ لأنه دعي لصواب.
عياض: هذا غير بين، ويلزمه في الجبر على الدية، وخرج منها بعض شيوخنا؛ أن للولي إذا كثر القاتلون، أن يلزم كل واحد منهم دية كاملة عن نفسه قدر ديته، أو من أراد استحياءه منهم، ويقتل من شاء، قال: وكذا في قطع جماعة يد رجل.
عياض: وهذا لازم لأبي عمان على تعليله في زيادة المثلية؛ لأن جماعة أنفس زيادة على نفس على كل حال، وقيل لأبي عمان: لو تعدى رجل على الجاني في هذه المسألة، ففقأ عينه، فقال المفقوءة عينه للجاني على من جني عليه: أتلفت علي عينًا كنت أستحق بقاءها، أو ألف دينار عنها، فأغرم لي بالقيمة ما أتلف علي؛ لأن لي ديتها كالثمن المتواطأ عليه في سلعة استهلكت.
قال: وفي هذا نظر، وأشار إلى تنظيرها برهن في ألف دينار، قيمته مائة دينار استهلك؛ أنه لا يلزمه إلا قيمته دون ما رهن فيه، قيل له: الأعور كان مجبورًا على افتكاك عينه بالألف، وليس كذلك الرهن إذ ليس مجبورًا على افتكاكه، إذ له إسلامه وليس كذلك العين.
قال: أرأيت لو كان عديمًا ليس له مال يؤدي منه الألف فترجح فيها، وقال: انظر لو قال المجني عليه: كان لي أن أتبع الأعور فالألف عليه، ومسألة المدونة هي سماع عيسى ابن القاسم، قول مالك الصحيح، مخير في القود وأخذ دية عينه خمسمائة دينار، ثم رجع فقال: مخير في القود وأخذ دية عين الأعور ألف دينار.
ابن القاسم: فقوله الآخر أحب إلي وأحسن ما سمعت أنه ليس له إلا القود من عين الأعور إلا يصطلحا على أمر.
قال: فإن اصطلحا على الدية مبهمة، فإنما له عقل التي فقئت خمسمائة دينار، ثم رجع ابن القاسم إلى تخييره في فقء عين الأعور أو ديتها ألف دينار.
ابن رشد: قول مالك الأول على القول بأن للولي جبر القاتل على الدية، وهو قول أشهب، وأحد قولي مالك، والقول الأخير الذي قال ابن القاسم، أنه أحسن ما سمع قياس على أصل مذهبه: وروايته أن ليس للولي جبر القاتل.
وفيها: إن فقأ أعور العين اليمنى يمنى صحيح خطأ، فعلى عاقلته نصف الدية، وإن فقأها عمدًا؛ فعليه خمسمائة دينار في ماله، ولا تقاد يد أو عين أو سن إلا بمثلها.
وفي السماع المذكور، وقال قياسًا على قول مالك الأخير، الذي به أخذ إن فقأ من عيني الصحيح معًا في فور واحد؛ خير الصحيح في فقء عينه مع أخذ دية عينه الأخرى خمسمائة دينار، وترك عين الأعور، وأخذ عقلها ألفًا مع خمسمائة دينار عقل الأخرى، وإن فقأها في مجالس مختلفة، فإن بدأ بفقء عين التي هي باقية له؛ خير في فقء عينه أو أخذ عقلها ألف دينار، وإن بدأ بالتي هي ذاهبة منه، فإنما له عقلها خمسمائة دينار، وعليه في الأخرى القود، ولم يزد ابن شد فيها شيئًا.
وللشيخ: روى علي: إن فقأ أعور عيني صحيح عمدًا؛ فله فقء عين الأعور، وأخذ دية عينه خمسمائة دينار.
قال أشهب: هذا إن كان في فور واحد، وإن بدأ بالتي مثل عينه العوراء؛ فله فيها نصف الدية، وفي الأخرى القود، وإن بدا بمثل عينه الصحيحة؛ فله فيها القود، وفي الأخرى ألف دينار، محمد: وقاله مالك وأصحابه.
وفيها: من طرحت سنة عمدًا فردها فثبتت؛ فله القود فيها، والأذن كذلك، ولو رد السن في الخطأ فثبتت؛ كان له العقل.
وفي سماع أصبغ من الديات: من ضرب فذهب عقله، فأخذ العقل بعد السنة، ثم رجع إليه عقله؛ لم يرده وهو حكم مضى.
ابن رشد: مثله في الموازية فيمن ضربت عينه، فنزل فيها الماء وابيضت، فأخذ الدية، ثم برئت بعد ذلك؛ لا يرد شيئًا واختار، محمد: إن قضى به بعد الاستقصاء والأناة.
وقال ابن القاسم في المدونة: في بياض العين، ونزول فيها؛ يرد ما أخذ فيهما، فقيل: هو قوله في مسألة العقل ولا فرق، وقيل قوله في العقل كأشهب، الفرق أن العقل ذهب حقيقة ثم عاد والبصر يستره ساتر ذهابه حقيقة؛ فانكشف برجوعه خطأ الحاكم بالدية؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال، ثالثها يرد في البصر لا العقل، ولو عاد البصر أو العقل قبل الحكم، لم يقض له بشيء اتفاقًا، وحكم السمع حكم البصر، وسن الكبير يقضي له بعقلها، ثم يردها فتثبت فلا يرد عقلها اتفاقًا، أو لا ترجع على قوتها، هذا قول ابن القاسم.
وقول أشهب في الموازية وروايته في رسم الأقضية في الجنايات: والأذن كالسن إذا ردها بعد الكم فتثبت واستمسكت، وإنما اختلف فيها إن ردها فثبتتا واستمسكتا، أو فعادتا لهيئتهما قيل الحكم في القضاء بالعقل فيهما، ثالثها في السن لا الأذن لها، ولأشهب وسماع يحيي ابن القاسم في الجنايات، ولا خلاف بينهم في القود فيهما ولو عادا لهيئتهما،
فإن اقتص بعد أن عادا لهيئتهما؛ فعادت أذن المقتص منه فذلك، وإن لم تعودا؛ فلا شيء له، وإن عادت سن المستقاد منه أو أذنه، ولم تكن عادت سن الأول ولا أذنه؛ غرم العقل، قاله أشهب في الموازية.
اللخمي: إن رد السن أو الأذن فثبتتا، أو نبت في مكان السن أخرى، ففي العمد لهما القود اتفاقًا، والخطأ في السن وشبهه مما فيه دية مسماة.
قال ابن القاسم في المدونة في السن: له ديتها.
محمد: ليس السن عنده كغيرها؛ لأنه يرى فيها ديتها، ولو نبتت قبل اخذ عقلها وإن خطأ، وقال أشهب: لا شيء له كالجراح، وكذا لو ردها فنبتت فلا شيء له إلا أن يكون أخذ لذلك عقلًا فلا يرده.
واتفقوا في الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة في الخطأ أن فيها ديتها، ولو عادت لهيئتها وفرق بين العمد والخطأ، أن المعتبر في قصاص الجرح ما هو عليه يوم الجرح، وقيسه يومئذ، وفي الخطأ إنما يعتبر ما يكون بعد الربء إن برء على غير شين لم يكن فيه شيء، ولا خلاف في هذين القسمين، وإذا كان له وجب القصاص في الأذن والسن وإن عادتا؛ لأنه الحكم يوم وقع الجرح، ويختلف في إشراف الأذنين، إذا ردهما في قطع الخطأ؛ فعلى أن فيهما حكومة لا شيء لهذا، وعلى أن فيهما الدية، تكون له الدية كالسن.
وذكر عن محمد: إذا عادت سن الجاني وأذنه، ولم يعودا من المجني عليه مثل ما ذكر ابن رشد، قال: ولا يقتص منه ثانية؛ لأن حق الأول في الألم قد أخذه، والقياس أن يقطعه ثانية؛ لأن الألم تبع، والعمد وجود الشين، والمثلة بذهاب ذلك منه كالأول، ومن حق الأول أن يمنعه من إعادة ذلك ليكون في الناس ناقصًا كالأول.
وقال مالك: من كسر أنف رجل خطأ، إن برئ على غير شين غلا شيء فيه، وإن برئ على عثل؛ ففيه الاجتهاد، وفي العمد القود برئ المجني عليه على عثل، والجاني على غير عثل أو عثل أقل منه؛ فللأول بقدر ما زاد شينه.
قال في الموطأ: ولو مات الثاني؛ لم يكن على المجني عليه شيء.
إلا حق بالدم: حصله ابن رشد؛ بأنه بنوة ذو تعصب بنوة أقربه به يحجب أبعده ثم ذو الأبوة أقربه يحجب أبعده، وولد الأقرب، وهم للأخوة في الأب دينه، والأعمام في غيره يحجب البعد من أبيه كالأحقية، في ولاية النكاح والجنائز والولاء عند ابن القاسم، إلا أنه جعل الجد كالأخوة.
قلت: قال اللخمي عن محمد عن أشهب: الأخوة أحق من الجد، كالولاء ووافقه ابن القاسم في الولاء.
قلت: في النوادر عن محمد، قال ابن القاسم في بعض مجالسه: الأخ أولى من الجد، محمد: وأظنه غلطًا ممن أخبرني به، وهذا قول أشهب.
قلت: عزاه ابن حارث لسحنون فقط.
الشيخ في المجموعة عن أشهب، ابن القاسم: لا شيء للأخ في الدم.
اللخمي في لغو الترجيح بالشركة في الأم بين الإخوة، قولان لابن القاسم وأشهب.
قلت: متقدم قول ابن رشد قول ابن القاسم في استحقاق الدم، كالولاء إلا في الإخوة مع الجد، يقتضي أن الشقيق مقدم على الأخ للأب كالولاء.
اللخمي: إن لم يكن ذو نسب؛ فالمولى الأعلى والأسفل لغو.
والنساء فيهن طرق: الباجي: قال القاضي في أن لهن في الدم مدخلًا روايتان، وعلى الأولى في كونه في القود، إلا العفو أو العكس روايتان.
اللخمي: معروف قول مالك أن لهن حقا في الدم.
وروى ابن القصار: لا شيء لمن فيه.
ابن رشد: لا حق فيه لمن لا إرث له منهن، كالعمات وبنات الإخوة، ولمن يرث منهن كالبنات والأخوات والأمهات؛ منه حق فيه.
اللخمي: اختلف في الأم، فقال مالك وابن القاسم: لها فيه حق، أشهب: لا حق لها فيه ولا مع السلطان، وفي المقدمات: إن كان الأولياء بنات وأخوة أو أخوات وعصبة، ففي كون الأحق بالقود من قام به، ولا عفو إلا باجتماعهم، ولو ثبت الدم بقسامة، أو إن ثبت ببينة، فالنساء أحق بالقود والعفو لقربهن، وإن ثبت بقسامة؛ فالأول لابن القاسم فيهما، وسماعه عيسى ورواية الأخوين.
قلت: يريد باجتماعهم اجتماع بعض الصنفين لقولهما: إن عفا بعض البنات وبعض العصبة، أو بعض الأخوات وبعض العصبة؛ فلا سبيل للقتل، ويقضى لمن بقي بالدية.
ابن رشد: وإن كان مع البنات والأخوات عصبة، وثبت ببينة فالعصبة لغو، وإن ثبت بقسامة؛ ففي كون من قام بالقود من امرأة أو رجل أحق، وسقوط النساء قولان
لابن القاسم فيها وسماعه عيسى.
قلت: في النوادر اختلف في البنات مع الإخوة، قال أشهب: عفو أحد الإخوة يجوز على البنات، وباقي الإخوة وجعلهم كالبنين، ولم يجعل هذا لأحد من العصبة إلا بالاجتماع.
وقول محمد: قول ابن القاسم أحب إلي، لا عفو إلا باجتماع الإخوة والبنات، ورواه ابن وهب وغيرهما، وفي الجلاب في أم أو بنت أو أخت مع عصبة في كون الحق لهم لا للنساء، أو لمن طلب القتل ثالث الروايات القول قول من عفا.
الشيخ عن محمد: إذا استووا كالبنين والبنات، والإخوة مع الأخوات؛ فلا قول للإناث مع الذكور.
اللخمي: اتفق ابن القاسم وأشهب على تقديم الأم على الأخوات، واختلف في الأم مع البنات، فقيل: هن أحق بالقتل والعفو.
وروى ابن القاسم: لا تسقط الأم إلا مع الأب، والولد الذكر فقط؛ فعليه لا يصح عفو إلا باجتماعهما معهن، والأول أحسن؛ لأن البنوة مقدمة على الأبوة.
وفي استقلال الأب بالقتل، والعفو من البنات، ووقفة على موافقتهن: نقلا الشيخ عن محمد عن أشهب وابن القاسم، ولابن سحنون عنه: البنات أولى من عفو الأب.
وفيها: إن كان الأخوات شقائق، والإخوة لأب؛ فلا عفو إلا باجتماعهم؛ لأن الإخوة للأب معهن عصبة.
الشيخ عن الموازية: البنات أقرب من الأم، لا عفو لها دونهن، ولهن العفو دونها، وفي المجموعة روى ابن وهب في أم وأخ وابن عم: لا عفو للأم دونهما، وفي الموازية لابن القاسم: عفو الأم مع العصبة جائز على الأخوات.
قال في المجموعة: إن عفا العصبة والأخوات، فللأم القتل وفي الموازية: إن اختلفت الأم والعصبة بطل العفو، فإن عفا البنات والعصبة؛ جاز على الأم، وإن عفت مع العصبة؛ لم تجز علي البنات، والأم عند أشهب أضعف ممن سميت.
وقال أيضًا: في ولد الملاعنة؛ لا عفو لبناته، ولا للموالي دون أمه، ولا عفو إلا
باجتماعهم.
وفيها: إن غاب أحد الوليين، والقتل بغير قسامة؛ فإنما للحاضر العفو، فيكون للغائب حظه من الدية، ولا قتل له حتى يحضر الغائب، ويسجن القاتل يقدم الغائب، ويكتب إليه، ولا يكفل القاتل، إذ لا كفالة في الحدود والقصاص.
الصقلي: إلا البعيد الغيبة، فلمن حضر القتل، قال سحنون: فيمن بعد جدًا أو أيس منه، كالأسير بأرض الحرب وشبهه، ومن غاب من إفريقية إلى العراق؛ فليس كالأول.
قلت: في النوادر عن المجموعة، قال ابن القاسم: ينتظر الغائب إلا أن يكون بعيد الغيبة، فلمن حضر القتل، قال سحنون
…
إلخ، فحذف الصقلي قول ابن القاسم قصور.
وفي تعليقة أبي عمران: سألت الشيخ عن قولها، في الغائب ينتظر أرأيت إن كان بعيد الغيبة؟ قال: ظاهر الكتاب ينتظر، وفرق سحنون بين القريب والبعيد.
وسمع يحيي ابن القاسم: إن غاب بعض الأولياء الذين وجبت عليهم القسامة ممن يجوز عفوه على من حضر، ولو نكل زدت القسامة على المدعى عليه، انتظر أبدًا حتى يقدم، ولا قتل دون ذلك، ولو أقسم من حضر ممن هو في منزلته؛ وإنما يؤمر من حضر أن يقسم؛ لأنه إن نكل سقطت القسامة مطلقًا، وردت الأيمان على المدعى عليه وإن حلف الحضور، فذلك أم احتيط فيه، خوف أن يقدم الغائب ليقسم، فيوجد هؤلاء قد ماتوا، ولا يوجد من يقسم معه فيبطل الدم.
ابن رشد: قوله: ينتظر أبدًا، ظاهره ولو بعدت غيبته، وهو ظاهر المدونة، وهو القياس، ثم ذك قول سحنون، ولم يذكر قول ابن القاسم في المجموعة، وقوله وهو ظاهر المدونة كذلك.
قال أبو عمران، قال ابن عبد السلام: ظاهر قول المؤلف أن الغائب إذا أيس منه سقط حقه، والذي تدل عليه أصول المذهب: أن القاضي يقيم له وكيلًا ينظر له بالأصلح.
قلت: إضافته سقوط حق الغائب للمؤلف يوهم انفراده، ومخالفته ما زعم من مقتضى المذهب، وليس كذلك، فإن قول ابن القاسم في المجموعة كالنص على سقوط اعتباره، وهو قوله: فلمن حضر القتل، ومثله لفظ الصقلي.
قال ابن الحاجب: يحبس كما لو شهد واحد في العمد حتى تزكى، ولا يكفل بخلاف قتل الخطأ وجراحه؛ فإنه مال على العاقلة أو عليه.
قلت: ظاهر قوله بخلاف قتل الخطأ
…
إلخ؛ أنه لا يحبس في الخطأ، وقوله في تعليله، أو عليه؛ يريد: أو عليه غير حال، والمنصوص في الشاهد الواحد بقتل العمد، حبس الغريم مقيدًا بالحديد، وقتل الخطأ لا حبس فيه ولا تعزير.
قال المتيطي: عن ابن أبي زمنين: إن احتيج إلى الشهادة على عين القاتل؛ حبس حتى يشهد عليه، وقاله سحنون.
وفيها: إن شهد واحد على دم عمد أو خطأ؛ كانت القاسمة، ولا يحبس المشهود عليه في الخطأ؛ لأن الدية على العاقلة، ويحبس في العمد حتى يزكى الشاهد.
وسمع ابن القاسم: من حبس في قتل خطأ، فمات قبل أن يقسموا؛ لم يبطل، يقسمون ويأخذون الدية، وقيل: لا يحبس أحد في الخطأ.
ابن رشد: ليس هذا باختلاف، إن كان مشهورًا لم يحبس للشهادة على عينه، قاله سحنون وهو صحيح، ولا يبرئه إلا جميل مليء بالدية بوجهه، ولو كان في الأولياء صغير لا ولي له، ففي استقلالهم بالقتل دونه، ثالثها: إن لم يقترب بلوغه لها، ولابن عبدوس عن سحنون عبد الملك وسحنون.
وفيها: إن كان أحد الوليين مجنونا أو مطبقً؛ فللأخر أن يقتل، وهذا يدل على أن الصغير لا ينتظر، وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسم، انتظرت إفاقته؛ لأن هذا مرض.
ابن رشد: القياس قول من قال: ينتظر الصغير، وأفتى فيمن له بنون صغار، وعصبة كبار بانتظار الصغار قائلا: إذ هم أحق بالقيام بالدم، فسئل عن فتواه بخلاف الرواية المأثورة في ذلك فقال: خفي على السائل معنى ذلك، وظن أنه لا يسوغ للمفتي
العدول عن الرواية، وليس كذلك بل لا يسوغ للمفتي تقليد الرواية، إلا بعد معرفته بصحتها لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم، وهذه الرواية مخالفة للأصول، واستدل على مخالفتها، بما حاصله وجوب اعتبار حق الصغير، وتأخيره لبلوغه، كحق له بشاهد واحد وبأن له جبر القاتل على الدية، على قول أشهب، وأحد قولي ابن القاسم، ورواية الأخوين.
قلت: لا يخفي ضعف هذا، ولا يغتر في زمننا؛ إنما ساغ ذلك لمثل ابن رشد لعلو طبقت، وقال بعض من عاصره: ليس العمل اليوم على هذا، إذ هو خلاف قول ابن القاسم، وفي طرة بعض نوازله ما نصه: ليس العمل اليوم على هذا، إذ هو خلاف مذهب ابن القاسم، وقال ابن الحاج: إنه بذلك من غير رواية ولا حجة.
فإن قلت: ما هي الرواية المأثورة في ذلك؟.
قلت: في الموازية والمجموعة، روى ابن وهب وأشهب: في قتيل له بنون صغار وعصبة؛ فللعصبة القتل، ولا ينتظر بلوغ الصغار، قال عنه ابن وهب: ولهم العفو على الدية فتكون بينهم، قال عنه أشهب: وينظر للصغار وليهم في القود، العفو على مال وله أن يقسم إن وجد معه من العصبة من يقسم معه، إن لم يكن في قربة، ثم يكون لهذا الذي هو أولى بالصبي، القتل أو العفو على الدية، وإن كان وليه صبيًا أجنبيًا لم يحلف في القسامة إلا العصبة، ثم للوصي النظر في القود أو العفو؛ يريد على مال.
قال: إن ثبت الدم ببينة والولد صغير؛ فللعصبة القتل، والعفو على الدية كاملة، وأحب إلي أن لا يعفوا، وإن أخذوا الدية، ويحبس القاتل حتى يكبر الصغير، وإن كان بالقسامة؛ فكذلك بعد أن يقسموا، فإن نكلوا حبس القاتل حتى يبلغ الصبي، فيقسمون، ثم يقتلون أو يأخذون الدية، وأحب إلي أن أقسموا أن لا يعفوا على الدية، إلا بإذن السلطان، وقاله ابن دينار كنانة وابن أبي حازم.
وروى المحمدان: إن كان الابن صغيرًا؛ فالأب يقتل أو يعفوا على الدية، فإن لم يكن إلا الجد؛ فذلك إليه ولا شيء للجد للأم.
قال أشهب في المجموعة: إن كان له بنون صغار وكبار؛ فأقسم الكبار فلا يقتلوا إلا برضى الوصي، فإن عفا الوصي على الدية جاز، ودخل فيها الكبار، قال بان المواز: إن كانوا في درجة واحدة، وطلبوا القتل نظر معهم أولياؤهم الصغار، ومن عفا منهم على الدية دخل فيها الباقون، وأما العصبة عند أشهب.
يريد: غير الإخوة فمن قام بالدم منهم، فهو أولى من كبير أو ولي صغير، ولا عفو إلا بجميعهم، ولا يعفوا أولياء الأصاغر مع الأكابر، إلا بنصيبهم من الدية، وإلا فلهم العقل.
وفي المجموعة: روى على الوصي أولى بالنظر في القتل، والعفو من الأولياء، وقاله أشهب، هذا كله نقل النوادر، وأطلق اللخمي القول عن اعتبار الوصي فقال: للكبير مع الصغير القتل، والعفو من الأولياء، ولا يؤخر القتل لبلوغ الصبي، ولو كان القتل بقسامة منه، وممن استعان به معه وإن لم يجد من يعينه حلف نصف الخمسين، وسجن الجاني لبلوغ الصغير إن حلف بعد بلوغ استحق القتل والعفو.
قلت: تحصيلها إن كان مع الصغير كبير في طبقته، والقتل ببينة أو قسامة ثبتت، ففي استقلال الكبير بالقتل عن وصي الصغير، ووقفه على نظره معه قولان لظاهرها مع نقل الشيخ نص رواية ابن المواز وابن عبدوس.
ونقله عن أشهب مع محمد وهما بناء على عدم جبر القاتل على الدية وجبره، وإن كان مع من هو بعده كالعصبة مع الابن، ففي استقلالهم عن وصبة ووقفهم عليه، ثالثها: إن كان القتل ببينة استحب عدم عفوهم قفة لبلوغ الصبي، وإن كان بقسامة استحب وقف عفوهم على إذن السلطان، ورابعها الوصي أوى بالقتل والعفو من الأولياء، لرواية ابن وهب مع أشهب وقوله مع محمد، واختيار ابن حبيب ورواية علي.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: إن لم يترك القتيل إلا ولدًا صغيرًا، ولا ولي له إلا السلطان أقام له وليًا يكون كالوصي، والولي ينظر له بالقتل أو العفو على الدية لا على أقل منها إن كان مليًا بها، وإن عجز عنها جاز ما يرى على وجه النظر، فإن صالح
بأقل منها والقاتل مليء لم يجز ورجع على القاتل، ولا يرجع القاتل على الولي بشيء.
ابن رشد: أجاز أشهب صلحه بأقل من الدية على وجه النظر، ما لم يكن يسيرًا جدًا تتبين فيه المحاباة، وقوله أصح على المعلوم من قول ابن القاسم، بعد جبر القاتل على الدية، وقول ابن القاسم أصح على قول أشهب في جبر القاتل على الدية.
قلت: بقه سحنون بهذا، قال في المجموعة: نقض أشهب أصله في هذا؛ لأنه يرى للولي الجبر على الدية.
وفيها: من وجب لابنه الصغير دم عمد أو خطأ، لم يجز له العفو إلا على الدية لا أقل منها، وإن عفا في الخطأ وتحمل الدية في ماله؛ جاز إن كان مليًا يعرف ملاؤه، وإلا لم يجز عفوه، وكذا العصبة وإن لم يكونوا أولياء، وإن جرح الصبي عمدًا وله وصي فللوصي أن يقتص له، وإن قتل فولاته أحق من الوصي.
الشيخ في المجموعة والموازية لابن القاسم: لو بذل الجارح دية اجرح، فأبى الوصي إلا القود، فإن كان من النظر؛ أخذ المال أكرهه السلطان على ذلك، قال ابن عبد السلام عن بعضهم: للمحجور العف عن قاتله عمدًا وفي الخطأ، كإيصائه به، قال: وأما الجرح والشتم وما نيل من بدنه أو عرضه؛ فأجاز ابن القاسم في الواضحة عفوه كان الجرح عمدًا أو خطأ، وإن كان غير بالغ، ومنعه مطرف، وابن الماجشون وأصبغ.
قلت: الذي رأيت في النوادر، قال عبد الملك: المولى عليه لا يجوز عفوه عن الدم وقياسه على إيصائه وهم؛ لأنه بعد موته قال: وفي المجموعة والموازية: ليس للمرأة المولى عليها عفو عن جراحها عمدًا أو خطأ.
وفيها: إن قتل للصغير عبد عمدًا، فأحب إلي أن يختار أبوه أوصية أخذ المال، إذ لا نفع له في القود، ومن قطع يد رجل، وفقأ عين آخر، وقتل آخر؛ فالقتل يأتي على ذلك كله، رواه ابن القاسم، وابن وهب في المجموعة.
قال اللخمي: القياس أن يقتص لذي اليد، وتبقى النفس لأولياء القتيل، قال أشهب: إن عفا عن دمه أقيد من جراحاته، قال ابن القاسم: وإن قطع أصابع يد رجل، ويد آخر من الكوع، ويد آخر من المرفق؛ قطع لهم من المرفق.
قلت: لابن رشد في سماع أصبغ: من قطع أصابع رجل، ثم كفها قطعت أصابعه ثم كفها؛ فأحرى في رجلين.
وسمع ابن القاسم: لو قطع رجلًا من الكوع، وآخر من المرفق، فقطع للأول فليس للثاني، إلا قطع ما بقي، أصبغ: أحب إلي عدم قطعه إلا أن يأبى الجاني العقل.
ابن رشد: لو قيل: الخيار للمقطوع كان أحسن، وما استحبه خلاف قوله فيمن قطع أصابع رجل ثم كفها.
وفيها: لا يمكن ذو القد في الجراح من القصاص؛ يل يقتص له من يعرف القصاص.
الشيخ: روى محمد وابن عبدوس: أحب إلى أن يولي الإمام على الجراح عدلين بصيرين بذلك في المجمعة، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر، فإن لم يجد إلا واحدًا أجزأه، قيل لمالك في الموازية: أيجعل الموسي بيد المجروح، ثم يشد الطبيب على يده حتى تبلغ ذلك قال: لا أعرفه، وسمع ابن القاسم: أجر القصاص على المقتص له.
ابن رشد. قيل على المقتص منه وهو بعيد.
قلت: كذا نقله ابن شعبان وعزاه المتيطي لابن عبد الحكم.
وفيها: وأما في القتل فيدفع للولي يقتله، وينهى عن العبث، وفي الموازية مثله، وقال أشهب: فيها وفي المجموعة: لا يمكن من القتل بيده خوف أن يتعدى.
قلت: وتقدم ذكر الجناية على القاتل قبل قتله.
وفيها: مع سماع ابن القاسم: على الجاني مع القود العقوبة.
ابن رشد: الأظهر قول من قال: لا يعاقب؛ لأن حبسه إلى براء الجرح زجر، وما لا قود فيه، كالمنقلة يعاقب مع الغرم، سمعه ابن القاسم في رسم مساجد القبائل من كتاب الحدود.
وسمع القرينان: تقام الحدود في الحرم، ويقتل بقتل النفس في الحرم.
ابن رشد: سمع ابن القاسم: ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار.
وقال في سماع أبي زيد: روى ابن عباس: من أصاب الحد في الحرم؛ أقيم عليه
وإن أصابه في غيره، ثم لجأ إليه لم يكلم ولم يجالس لم يؤو، حتى يخرج منه؛ فيقام عليه الحد، وقيل: إذا لجأ إليه أخرج منه فأقيم عليه.
قلت: ما عزاه لفقهاء الأمصار، خلاف نقل ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما، قال ابن القصار: قال أبو حنيفة: إن قتل في الحرم قتل فيه، وإن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم، لم يقتل ولم يخرج منه، ولكن يهج ولا يبايع ولا يؤوى، حتى يضطر للخروج فيقتل ووافقنا في الطرف، ويؤخر العقل والقود سنة.
وفيها: يؤخر بالمقطوع الحشفة، حتى يبرأ، إلا أن مالكًا قال: ولا يقاد من جرح اعمد، ولا يعقل في الخطأ إلا بعد البرء، وإن طلب المقطوع الحشفة حتى يبرأ، إلا أن مالكًا قال: لا يقاد من جرح العمد تعجيل فرض في الدية، إذ لابد منها، ولو عاش لم يكن له ذلك لعل أنثييه، أو غيرهما تذهب من ذلك، وكذا في الموضحة والمأمومة، وتؤخر العين سنة، فإن مضت ولم تبرأ انتظر برؤها ولا يكون قود ولا دية، إلا بعد البرء، وإن ضربت فسال دمعها، انتظر بها سنة، فإن لم يرقأ دمعها ففيها حكومة، ومثله في الموطأ.
الباجي: لأنه قد يؤول إلى النفس فيعود القد ثانيا، وهو خروج عن المماثلة.
قلت: عزا هذا التعليل الصقلي لأشهب، وفي سماع أصبغ قال أشهب: يستأنى بذهاب العقل سنة.
ابن رشد: الوجه في ذلك أن تمر عليه الفصول الأربع، ولا خلاف في انتظاره سنة، إنما اختلف في الجراح، قيل: ينتظر بها سنة ولو برئت قبلها، فإن مضت ولم تبرأ انتظر برؤها بعدها، هذا مذهب المدونة.
وقال ابن حبيب: إن برئت قبل السنة، لم ينتظر تمامها إلا أن تبرأ على عثل، فإن برأت عليه انتظر تمامها، ولا ينتظر بها بعد السنة، ويحكم بالقود عند تمامها، فإن ترامى الجرح لذهاب عضو، نظر فيه، كما لو حكم بالقود بعد البرء، ولم ذكر الباجي رواية ابن القاسم كابن وهب، قال: وقال أشهب: إن مضت السنة والجرح بحاله عقل مكانه، المغيرة: لم أسمع فيه توقيتًا.
قلت: زاد أشهب في الموازية، فإن ترامى إلى أكثر طولب به، والظالم أحق أن يحمل عليه.
عياض: اختلف في الاستيناء لتمام السنة إذا ظهر البرء قبلها، فقال ابن شاس: ينتظر تمامها وظاهر كلام غيره خلافه، وهو ظاهر الأصول لا معنى بعد البرء لرعي الفصول.
وفي الموازية: إن استقر مقر العين عقل ما ذهب منها، وإن كان قبل السنة وكل جرح تحمله العاقلة كالمأمومة والجائفة والمواضح تبلغ الثلث، ففي تعجيل عقلها وتأخيره لتمام السنة، نقل الشيخ عن محمد قولي ابن القاسم وأشهب، قائلا في قطع الحشفة: لولا ماضي من فعل السلف في التأخير لم يؤخر، ولعل الحشفة تنبت، وقد قيل لمالك: إن اللسان ينبت.
عبد الحق: العين الدامعة لا ينتظر بها بعد السنة بخلاف المخسفة؛ لأن انخسافها جرح لابد من برئه، والعين الدامعة تبقى على حالتها تدمع أبدًا، هذا موجود في الناس.
وقال عياض: قوله في قطع اللسان ينتظر ما يصيره إليه.
قلت: في الدية والقود قال في الدية: ظاهرة تعجيل القود كسائر الأعضاء، ولا ينتظر نباته كما يقاد في الأعضاء، فإن نبت لحمها، فقال بعض شيوخنا: يجب على قوله في سن الصبي وثدى الصغيرة، إذا ثبت أن لا قود فيه أن ينتظر نباته، وفرق عياض بما حاصله عندي أن عود ذلك في الصغير أقرب من عد اللسان، وما حمل عليه المدونة من التعجيل في قود اللسان خلاف ما تقدم، من وجوب الاستيناء في العمد والخطأ.
ونحو قو عياض: نقل النوادر عن أشهب: إن قلعت سن الصبي وقد أثغر نبتت أسنانه؛ عجل العقل في الخطأ، والقد في العمد وقولها: إن قطع ثديا الصغيرة، فإن استوقن بطلانها، لا يعودان أبدًا؛ ففيهما الدية، وإن شك في ذلك؛ وضعت الدية واستونى بهما.
اللخمي: الجراح في تعجيل الحكم قبل البرء أقسام؛ ما دون الثلث، ويخشى تناميه؛ يؤخر وإن لم يخش كالموضحة في تأخيره للبرء وتعجيله، هي تدمى، قولا ابن
القاسم وابن عبد الحكم قائلا: إلا أن يخاف أن يكون فيه ثلث الدية، وإن بلغت ديته الثلث كالمأمومة والجائفة؛ ففي تعجيل الدية وتأخيرها قولان، والتعجيل أحسن، وتقدم حكم جرح الخطأ، يعود لهيئته وما يترامى إليه الجرح في أثناء ما لا قود فيه، وفي جراحاتها إن برئ خرم الأنف أو كسره، خطأ على غير عثم؛ فلا شيء فيه، إن برئ على عثم ففيه الاجتهاد.
سحنون: لا اجتهاد فيه؛ لأن الأنف جاء فيه فرض مسمى، وإن برئ على عثم فيه بحساب ما نقص من ديته.
اللخمي: مارن الأنف مالان منه دون عظمه في قصر ديته عى مارنه، أو في قطع جميع أصله، روايتان لها وللمبسوط، وهذه أشبه بقوله صلى الله عليه وسلم:((إذا أوعب جدعًا)) فإن فرزه، ثم عاد ففيه حكومة، وإن لم يعد أو صار فيه ثقب فبحسابه.
الشيخ: رواية الدية في استئصال العظم شاذة، قال: وفي الموازية؛ إن خرم عظمه دون مارنه ففيه حكومة، إن برئ على شين، وإن خرم ما دون أعظم؛ ففيه بحساب ما ذهب من مانه، وما برئ على غير شين؛ فلا شيء فيه في الخطأ، وفيه في العمد القود.
وقال عبد الحق إثر قول سحنون: إن خرم العظم وسلم المارن؛ ففيه الاجتهاد، وإن خرم ما دون العظم؛ ففيه بحساب ما نقص من المارن، وكذا في الموازية، وإليه يرجع قول ابن القاسم وسحنون.
وفيها: من شرق في شدة البرد فخيف موته من قطعه أخره الإمام، ابن القاسم: والحر إن علم خوفه كالبرد.
الشيخ: روى أشهب في الموازية: وأما في شدة الحر فليقطع إذ ليس بمتلف، وإن كان فيه بعض الخوف، ورواه ابن القاسم بلاغًا، وقال: يؤخر إن خيف ما يخاف ما يخاف في شدة البرد، قال: والمرض المخوف لا يقطع فيه، ولا يجلد لحد ولا نكال.
اللخمي: إذا وجب الحد على ضعيف الجسم يخاف عليه الموت؛ سقط الحد ويعاقب، ويسجن، وإن كان القطع عن قصاص رجع للدية.
وفي كونها على العاقلة أو في مال الجاني خلاف، وحد في القذف والزنا والشرب، يفرق عليه بقدر طاقته حتى يكمل.
قلت: لابن رشد عن سحمون: بيس من خاف على نفسه من الختان تركه، ألا ترى أن من وجب قطع يده لا يترك لذلك، قاله في ترجمة ما جاء من اختتان إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من أوائل الجامع، وفي سرقتها من اجتمع عليه حد لله حد للعباد برئ بحق الله، إذ لا عفو فيه ويجمع ذلك إلا أن يخاف عليه الموت، فيفرق ولو سرق وقطع شمال رجل؛ قطعت يمينه وشماله للقود، ويجمع ذلك عليه الإمام، أو يفرقه بقدر ما يخاف عليه.
اللخمي: إن خيف عليه في إقامة ما هو لله دون ما للآدمي؛ أقيم عليه ما للآدمي وإن كان الحقان للآدمي بقذف وقطع اقترعًا أيهما يبدأ، من غير مراعاة للآخر، وإن حمل أحدهما دون الآخر؛ أقيم أدناهما دون قرعة.
الصقلي عن محمد: إن رأى الإمام قطع المحارب في رد شديد، فلا يؤخر بخلاف قطع السرقة؛ لأن الإمام لو قتل هذا المحارب جاز له.
ابن عبد السلام: ليس هذا ببين؛ لأن قطع المحارب، إنما هو بالاجتهاد لا التشهي فمن استحق القطع، لا ينبغي أن يزداد عليه للقتل، هكذا ينبغي.
قلت: القطع على قسمين قطع مع قيد السلامة من خوف موته، وقطع مع احتماله والمحارب معروض للثاني لعدم عصمة دمه مطلقًا؛ لأنه لو قتله غير الإمام لم يقتل به فإذا رأى الإمام قطعه مع احتمال موته جاز، والرواية إنما وقعت فيمن رأى الإمام قطعه في برد شديد، أما لو رآخ في غير الربد ثم تأخر لا ينبغي أن يستأنف الإمام النظر فيه.
وفي الموازنة: تؤخر الحامل في قتل النفس، لوضع الحمل عند ظهور مخايله لا بمجرد دعواها.
قال محمد: وفي القصاص الشيخ: يريد في الجراح المخوفة، ولا تؤخر بعد الوضع إلا أن لا يوجد من يرضعه، وتحبس الحامل في الحد والقصاص، ولو بادر الولي فقتلها فلا غرة للجنين، إلا أن يزايلها قبل موتها؛ ففيه الغرة إلا أن يستهل صارخًا.
الشيخ عن الموازية: لمن وجب على امرأته قود وطئها بخلاف أمته؛ لأنها مرتهنة بالأرش حتى يحدها وقاله أشهب.
وسمع القرينان لولي القتيل بالعصا قتل قاتله بالعصا أو بالسيف، إذا ضربه ضربة واحدة يجهز عليه فيها، لا يكون شيئًا مختلفًا، فإن كان هكذا فلا.
ابن رشد: هذا مثل قولها أنه إن كان ضربه عضوين ضرب القاتل بالعصا حتى يموت؛ يريد: مع قصده الإجهاز عليه في كل ضربة، كما قال في هذا السماع، ولو رمى رجل رجلًا بسهم فقتله؛ لوجب على مذهب مالك أن يقتل طعنًا، بمثل السهم الذي رماه به.
وقال سحنون: إن كان العصا والحجر مجهزًا؛ قتل بمثله، إن كان غير مجهز قتل بالسيف لا بغيره.
وسمع عبد الملك ابن القاسم: من قتل رجلا بتغريق أو سم؛ قتل بمثل ذلك.
ابن رشد: هو نص قولها في السم وتأولها الشيخ فقال: يعني لوجب القود بغير السم، وهو بعيد كتأويل أصبغ قول مالك فيه، وإذا أقيد على قول مالك بالسم؛ فأحرى بالنار خلاف قول أصبغ: لا يقاد بالنار.
قلت: قال اللخمي: اختلف إن ضرب بالعصا، مثل العدد الأول، فلم يمت، فقال ابن القاسم: يضرب بها حتى يموت.
وروى محمد: إن كانت العصا تجهز في ضربة واحدة قتل بها، وأما ضربات فلا، وليقتله بالسيف.
وقال أشهب: إن رأى أنه زيد مثل الضربتين مات زيد ذلك، وإلا فالسيف.
وقال عبد الملك: عند محمد إن قتل الأول بالنبل أو برمي الحجارة أو بطرح من جدار أو جبل أو على سيف أو رمح أو غيره فالسيف؛ لأن ذلك قد يخطئ فيصير
تعذيباً. وأصل قول مالك: القود بمثل الأول، وهو مقتضي الحديث، وإن أمكن أن يخطيء، فالظالم أحق أن يحمل عليه، وذكر الباجي قول ابن الماجِشُون بما تقدم، وبأنه لا يقتل بالنار وقال: المشهور قتله بما قتل به من نار أو غيرها.
ابن رُشْد: إنما يقتل بمثل ما قتل من ثبت قتله بذلك، وأما من يقتل بالقسامة؛ فلا يقتل الإ بالسيف.
وقال ابن العربي: من قتل بشيء قتل به إلا في المعصية كالخمر واللواط والنار والسم، وقيل: يقتل بهما.
قُلتُ: مقتضي قوله: أن المشهور عدم القتل بهما، وقد تقدم خلافه.
وفيها: إن قطع يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه قتل، ولا تقطع يداه، ولا رجلاه، وكل قصاص القتل يأتي عليه.
الصقلي: يريد إلا أن يفعله به على وجه العذاب.
الباجي: قال عيسى في المدينة.: إن قطع يدي ورجل ورجليه، ثم قتله أقيد منه كذلك، قال القاضي: هذا قول أبي حنيفة والشافعي ومالك يقول: القتل يكفي عن كل ذلك.
وقالل أَصْبَغ: إن لم يرد القاتل بقطع يديه العبث والإيلام؛ قتل فقط، وإن كان أراد ذلك فعل به مثله، وقال ابن مزين.
اللخمي: إن قطع يديه ورجليه؛ ثم تركه فمات، ولم يكن أراد قتله؛ قتل عند مالك ولم تقطع أطرافه، إن أراد قتله، ففعل ذلك، ثم قتله بالفورقتل عند ابن القاسم، ولم يقطع،.
وقال أشهب: يقطع ثم يقتل، وقاله مالك: إن أراد بذلك المثلة وهو أحسن، ولوقطع أصابعه ثم يده، فإن قطع يده بنية حدثت كفى قطع يده عنهما، وإن كانت بنية قطع الجميع على وجه العذاب، جرى على قولي ابن القاسم وأشهب.
قُلتُ: ظاهر قوله أولاً في الاكتفاء بالقتل عن القطع، ثالثهما إن لم يرد المثلة لابن القاسم وأشهب، وظاهر قوله في ياليد قصر الخلاف على إرادة المثلةن وقول ابن الحاجب
هنا: ولو قطع يدًا أو رجلاً لآخر إلخ، تكرير لقولله قبل: وإذا اجتمع مستحق النفس ومستحق الأطراف، وفي جناياتها إن عفا ولي القتيل الحر على إلزام القاتل ديته، لم يلزمه إلا أن يشاء، وقال أشهب: تلزمه الدية وإن كره ولا يقتل.
الباجي: هما روايتان، وبقول أشهب: قال ابن وَهْب ويحيي بن سعد.
قُلتُ: وهو الأظهر ورجحه غير واحد لحديث مسلم، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعطى يعني الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل.
اللخمي: وعلى الجبر تجبر قاتله رجل على ديته، قال: ويختلف في العكس، هل عليه ديتها أو دية نفسه؛ لأن الولي ملكها كأحد قولي مالك في فقء عين أعور صحيح يغرم ديتها ألف دينار، وعليه يختلف فإن قتل جماعة رجلاً، هلل للولي دية قتيله، أو دية كل واحد لملكه قتله، وفي دياتها إن عفوت عن عبد قتل، وليك الحر عمداً، ولم تشترط شيئاً، فكما لو عفوت عن الحر، ولم تشترط شيئاً، ثم تطلب الدية.
قال مالك: لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها، فتحلف ما عفوت إلا لأخذها، ثم ذلك لها، وكذا في العبد، ثم يخير سيده، ومثله في الموطأ.
الباجي: من قال: إنما عفوت على الدية فروى مُطَرف، إن كان بحضرة ذلك قولاً له، وإن طال فلا شيء له، وقاله ابن الماجِشُون وأَصْبَغ.
قال مالك: إن قال: ما عفوت إلا على أخد الدية حلف ما أراد تركها، وأخذ حقه منها، ثم رجع مالك، فقال: لاشيء له إلا أن يعلم لما قال وجه، وبه قال ابن القاسم.
وقال ابن القاسم في بعض مجالسه: ليس عفوه عن الدم عفواً عن الدية، إلا أن يرى له وجه.
قُلتُ: وتقدم قول ابن عبد الحكم في الجبر على العقل في الجراح، وابن وَهْب: لم أسمع تخيير المجني عليه في الجراح، إلا في الصحيح يفقاً عين الأعور، والأعور يفقاً عين الصحيح، أو العبيد يجرح بعضهم بعضاً، أو الكبير يجرح الصغير؛ قوليه بالخيار في القود والعقل، وإن كان ولي القصاص واحداً، فعفا عن بعض الدم؛ فلم أر فيه نصا وإن عفا المجروح عن نصف الجرح، فلسَحنون في المجموعة والعتبية: إن أمكن القود
من نصفه أقيد منه، وإن تعذر فالجارح مخير في إجازة ذلك، ويغرم نصف العقل وإلا قيل للمجروح إما أن تقتص أو تعفو، وقال أشهب: يجير على عقل النصف.
وفيها: إن عفا أحد البنين سقط حظه في الدية، وبقيتها بين من بقي يدخل فيه الزوجة وغيرها، ابن شاس: للولي المفلس العفو عن القود إذ ليس بمال إلا عن الدية بعد تقررها، فلو كان الدم لرجلين مفلسين فعفا أحدهما، ثم الثاني صح عفو الأول لا الثاني إلا فيما زاد على ديته.
قُلتُ: هو مقتضى قول صلحها للمقتول العفو عن دم العمد وجراحاته، فإن لم يدع مالاً، وكان عليه دين يغترقه لا مقال لغرمائه.
الباجي: إن كان الأولياء ذكورأ وإناثا، بنين وبنات أو إخوة وأخوات، فعفا بعض الذكور، فلباقي الورثة حظهم من الدية، وإن عفا كل الذكور، فقال محمد عن ابن القاسم وأشهب يسقط حق البنات.
وروى أشهب مرة حق البنات باق، وبالأول قال من أدركنا من أصحاب مالك، وهذان القولان مبنيان على نقل القاضي الخلاف هل للنساء مدخل في العفو أو في المطالبة، هذا إذا عفا الرجلان في فور واحد، فإن عفا أحدهم ثم بلغ الآخر، فعفا فلا يضر ذلك من معهما من أخت وزوج وزوجة، قاله محمد.
ابن رُشْد: إن عفا بعض الأولياء بعد ثبوت الدم، ولو بقسامة، وأكذب نفسه بعدها بطل الدم.
وفي بطلان الدية مطلقاً: ولو قبضت ردت وبقاء حظ من لم يعف، ولم يكذب نفسه، ثالثهما: إن أكذب نفسه لابن الماجِشُون وغيره، وابن القاسم فيها قال: ففي بطلان الدية بعفو بعض الأولياء الثلاثة لمن ذكر وسوى ابن القاسم بين العفو والنكول قبل القاسمة، وفرق بعدها بين أن يعفو أو يكذب نفسه.
وفيها: من أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته، فقتل عمداً ومات مكانه، وترك بنات؛ فلهن أن يقتلن، فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل، نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك، إن كان عدلاً فإن رأى العفو أو القتل أمضاه، وفي تعليقة
أبي عمران: الإمام هنا بمنزلة العصبة؛ لأنه يرث لبيت المال ما بقي.
قيل له: فإن لم يكن إمام عدل كوقتنا، فلا قتل له، فإن كان بالموضع جماعة عدول قاموا مقامه.
قُلتُ: انظر هذا مع معروف المذهب في إمضاء أحكام قضاة البغاة، ابن شاس: إن عفا بعض الورثة سقط القود إن ساوى من بقي في الدرجة، أو كان أعلى منه، فإن كان دونه لم يسقط بعفوه، فإن أنضاف إلى الدرجة العليا الأنوثة، كالبنات مع الأب أوالجد، فلا عفو إلا باجتماع الجميع، فإن انفرد الأبوان فلا حق للأم في عفو ولا مثل.
وكذا الإخوة والأخوات معه، وأما الأم والإخوة؛ فلا عفو إلا باجتماعهم معهما، فإن اجتمعت الأم والأخوات والعصبة؛ فاتفق العصبة، والأم على العفو مضى على الأخوات، وإن عفا العصبة والأخوات، لم يمض على الأم، ولو كان مكان الأخوات بنات مضى عفو العصبة، والبنات على الأم، ولم يجز عفو العصبة، والأم عل البنات ومتى اجتمع البنات والأخوات؛ فلا قول للعصبة؛ لأنهن يحزن الميراث دونهم، ولا تجري الجدة مجرى الأم في عفو ولا قيام.
قُلتُ: ما ذكره هو تحصيل قولها مع غيرها من الأمهات، ومن قتل من طلبه أن يقتله على أن عفا عنه في قتله به وصحة عفوه عنه، ثالثهما: يغرم الدية في ماله للعتبي عن سَحنون قائلا: اختلف فيه بعض أصحابنا، والأحسن قتله؛ لأنه عفا عن شيء لم يجب له وبعض أصحابه، ونقل ابن رُشْد قائلاً: هو الأظهر.
قُلتُ: في النوادر عن أبي زيد عن ابن القاسممثل لفظ سَحنون، وقال الصقلي في كتاب الجعل والإجارة: روى ابن سَحنون عنه: ما قال لرجل: اقتلنى ولك ألف درهم، فقتله لا قوة عليه، ويضرب مائة ويحبس عاماً، ولا جعل له.
وقال يحيي بن عمر: للأولياء قتله وعلله بما تقدم، قال: ولو قال اقتل عبدي ولك كذا أو بغير شيء، فقتله ضرب مائة وحبس عامًا، وكذا السيد يضرب ويحبس، واختلف هل يكون له على القاتل قيمة العبد أم لا؟ والصواب لا قيمة عليه، كما لو قال: احرق ثوبي ففعل؛ لا غرم عليه.
قلت: ما نقله الصقلي عن سحنون خلاف ما تقدم عنه في العتبية، ولم يحك ابن رشد عنه خلافه.
الشيخ: روى ابن عبدوس: من قال لرجل: اقطع يدي، أو يدي، أو يد عبدي عوقب المأمور، إن فعل ولا غرم عليه في الحر، ولا في العبد.
ابن حبيب عن أصبغ: يغرم قيمة العبد لحرمة القتل، كما يلزم في دية الحر إذا قتله بإذن وليه، وفي دياتها إن قطع يده عمدًا فعفا عنه، ثم مات؛ فلأوليائه القود في النفس بقسامة، إن كان عفا عن اليد لا النفس، وفي صلحها إن صالحه على مال، ثم ترى فيها فمات فلأوليائه أن يقسموا ويقتلوا، ويردوا المال، وإن أبوا بقى لهم المال الذي أخذوا في قطع اليد، وكذا لو كانت موضحة خطأ؛ فلهم أن يقسموا، ويأخذوا الدية من العاقلة، ويأخذ الجاني ماله، ويكون في العقل كرجل من قومه، وليس للقاطع إن نكلوا عن القسامة أن يقول لهم: قد عادت الجناية نفسًا فاقتلوني، وردا المال، ولو لم يكن صلح، فقال ذلك وشاء الأولياء قطع اليد، فذلك لهم، ولهم أن يقسموا ويقتلوا.
وسمع اصبغ ابن القاسم: من صالح عن موضحه، ثم صارت منقلة لا يكون عقل ولا صلح إلا بعد البرء، فإن وقع هذا رجع بفضل المنقلة، فإن مات أقسموا أنه مات منها ورد الصلح، وأخذوا العقل كاملاً.
ابن رشد: قوله: رجع بفضل المنقلة صحيح اتفاقاً؛ لأنه إنما صالح عن الموضحة والعمد والخطأ سواء، بخلاف إذا صالح عن قطع يده، ثم تأكلت للعضد، حسبما مضى في رسم العرية من سماع عيسى.
قلت: فيه ليس له في تأكلها إلا ما اخذ؛ لأن عقل اليد قد صالح عليه، ولو تأكل الجرح إلى غير ما صالح عليه، كما لو صالح عن قطع أربع أصابع بديتها، ثم ذهبت الأصبع الخامسة بتأكل الجرح لاخذ ديتها، ولو صالح عن قطع أصبعين، ثم ذهبت بقية أصابع يده بتأكل الجرح، ففي الخطأ يرد ما أخذ، وتصير دية لليد على العاقلة، وفي العمد ياد المجروح بقية تمام دية اليد من مال الجارح.
قال ابن رشد في سماع أصبغ: ولو مات من ذلك الجرح افترق العمد من الخطأ
على مذهب ابن القاسم في الخطأ يرد الأولياء على الجاني ما أخذوا منه، ويقسمون الدية على العاقلة، وهو معني قوله في هذا السماع: وفي العمد يخير ورثة القتيل بين التمسك بالصلح ورده، وفي رسم أسلم من سماع عيسى من الديات: لا يصح الصلح في الجراحات على الموت
ابن رشد: الصلح في الجراحات على تراميها للموت في الخطأ، فيما دون الثلث كالموضحة؛ لا تجو اتفاقًا، ويفسخ، فإن وقع برئ ففيه أرشه، وإن مات؛ فالدية على العاقلة بقسامة.
وفيما بلغ الثلث في منعه وجوازه نقلا ابن حبيب وغيره.
وفي العمد الذي الذي فيه القود سماع عيسى، وقول ابن حبيب مع قول صلحا.
قلت: فيها صلح المريض على أقل من أرش الجراح، أو من الدية جائز.
عياض: تأولها الأكثر على أن الصلح عن الجراحة فقط، لا على مال الموت، وتأولها ابن العطار على مآل الموت.
ابن رشد: وما لا قود فيه لا تجوز على تراميه للموت، قاله ابن حبيب، وعليه دون ترامية لما أجازة ابن حبيب، فيما فيه عقل مسمى، قال مرة عليه وعلى ما يترامى إليه دون الموت، ومرة عليه فقط، ومن نزي في جرحه فمات بعد صلحه عنه في تخيير الولى في إتمامه ونقضه برجوعه للقسامة على موته، فيقتل في العمد، ويأخذ الدية في الخطأ، ولو كره الجاني، ووقف إمضاء على رضى الجاني، ثالثها: في العمد ويلزم النقض في الخطأ.
لاصبغ وأشهب على أصله: فيمن نزر في قطع يده؛ فمات ليس لأوليائه إلا القسمامة للقتل، ولا قود لهم في الجرح إن أبوا القسامة؛ لأن الدم آل للنفس كحجته في الخطأ، أنه آل إلى العاقلة، قول ابن القاسم مع ظاهر قوله فيها، وسماعه يحيي على أصله فيمن نزى في قطع يده، فمات وارثه مخير في قطع اليد، وفي القسامة للقتل.
وفيها: من جنى خطأ وهو من أهل الإبل فصالح الأولياء عاقلته على أكثر من ألف دينار، جاز إن عجلوها، فإن تأخرت لم يجز؛ لأنه دين بدين وفي العمد جائز، لأنه
ليس بمال، ومثله في الموازية وازادوا ولو بذهب والجاني من أهل الورق أو الإبل، وإنما يتقى ما يدخل في الدية في الخطأ؛ لأنه دين ثابت.
الصقلي: إن قيل كيف صح لغو اعتبار الدية في العمد، على قول أشهب الذي رأي جبر الجاني على الدية، قيل قد قال أشهب له العفو في مرضه.
قلت: يرد بأن هذا بعض ما استشكل، والجواب أن الأصل الدم، والمال إنما هو بالجبر، وهو لم يقع وعدم وقوع السبب الخاص ملزوم، لعدم ثبوت مسببه، ولا سيما على القول بأن من ملك أن يملك لا يعد مالكًا.
ثم قال الالصقلي: في المدونة لابن القاسم عفو المريض عن قاتله العمد من رأس ماله، وقال أشهب في الثلث، فهو اختلاف قول، وفيها إن صالح أحد ولي القتيل عمداً على عرض أو مرض، فللآخر الدخول، ولو صالح أحد ولي القتيل القاتل على شيء.
ففي تخيير الآخر في الآخر في الدخول عليه فيه واختصاصه به، قولا ابن القاسم، وعلم فيها وفي كون قول أشهب فيها كابن القاسم، أو على نقل عياض عن الأشياخ وسحنون.
عياض: نوقض قولها ولا سبيل إلى القتل بقولها في الجنايات: إن عفا أحدهما على أخذ القاتل، وهو عبد وابن السيد من دفع نصف الدية للآخر، والعافي من جعل العبد بينهما ورده أن لهما القتل، فقال بعضهم: يمكن أن يكون اختلاف قول، وإن يفرق بأن جناية العبد متعلقة برقبته، إلا أن أن يفدية سيده، وفي الحرمتعلقة بذمته.
عياض: هذا غير بين، وما هو إلا اختلاف.
قلت: الأظهر تمام الفرق؛ لأن العافي في العبد لم يبق للآخر ما يتعلق به حقه من أمر مالي، لانحصار الأمر المالي في عين العبد، وقد أخذه فبقي حقه متعلقًا بما كان متعلقاً به بالأصالة، وهو الدم؛ فكان فكان له القتل، وكلما كان له كان للآخر تساويهما، والعافي في الحر أبقى للآخر، ما يتعلق به حقه من الأمر المالى، وهو منابه من الدية في ثمة القاتل.
وفي النوادر قال محمد: ما وجدت لتفريق ابن القاسم بين الحر والعبد حجة.
وفيها: إن أراد من أحاط الدين بما له بماله، أن يصالح على مال يعطيه عن قود عليه بلغه
ما به رده لك.
عياض: حمله بعضهم على ظاهره، وأن لهم رده؛ لأنهم لم يدخلوا عليه بخلاف نكاحه وتسريه.
وقال أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن: إنما هو ما لم يدفع ذلك قبل قيامهم بفلسه، وجعلوه كرهنة وقضائه بعضغرمائه.
وفيها: لا يجوز صلح جناية العمد على ثمرة لم يبد صلاحها، إن وقع بطل القود، ولمت الدية، ككناح بذلك، فبات بالبناء غيره يمضى كالخلع؛ لأنه أرسل بقدر ماله إرساله بغير شيء.
عياض عن القابسي: هذا على أحد قوليه يجبر القاتل على الدية، خلاف قوله الآخر.
وفيها من غيرها: ما صولح به من عمد دخل فيه سائر الورثة، وقضى منه دين القتيل.
وسمع يجيي ابن القاسم: إن صالح من قتل رجلين عمداً أولياء أحدهما؛ فلأولياء الآخر القود، فإن قتلوه بطل صلح الآخرين؛ لأنه إنما صالحهم للنجاة، ولم يزد ابن رشد فيها شيئًا، والعفو عن جناية الخطأ، ترك مال فيها من عفا عن قتله خطأ، فإن كانت قيمته قدر ثلثه جاز عفوه، وإلا جاز منه قدر الثلث، وفي أول وصاياها من أوصى لمن ضربه وعلم به ضربًا خطأ؛ جازت وصيته له في المال، والدية وعمدًا تجوز في المال دون الدية؛ لأن قبول الدية كمال لم يعلم به محمد، ولو قال إن قبل أولادي الدية فوصيتي فيها أو أوصى بثلثها، فلا وصية فيها محمد لا يعلم هل يكون أو لا؟
الصقلي: ولو أنفذت مقاتلة فقيل أولاده الدية وعلمها، فأوصى فيها دخلت فيها دخلت فيها وصايا.
وفيها لو صالح الجاني على العاقلة فيما عليها، فأبت لم يلمها، وقول ابن الحاجب وكذا العكس واضح؛ لأنها فيما يلزمه دونها كأجنبي.
وفيها إن ادعى الجاني عفو الولي استحلفه، فإن نكل حلف القاتل.
الصقلي: إنما يحلف القاتل يمينًا واحدةً؛ لأنها التي كانت على المدعى عليه.
عياض: يقوم منه إلزام اليمين في الدعوى المجردة، وفي دعوى المعروف في هبة ثمن المبيع والكراء والإقالة، وهو أصل متنازع فيه، ولهذا لم ير أشهب في دعوى العفو يمينًا، واختلف شيوخنا في التنازع فيه.
قيل: هو اختلاف من قوله، وقيل: اختلاف حال، فلا يلزم اليمين بمجرد الدعوى، وتلزم مع وجود التهمة.
قلت: تذكر قوله في أكرية الدور قوله: (بل أسكنتني باطلا).
وفي كتاب الجعل، يقول رب الثوب للصانع: عملته لي باطلاً، وفي العارية: من ادعى أن رب الدابة أعارها إياه.
الشيخ لا شهب في الموازية: لا يمين على الولي؛ لأن الخلف في الدم، إنما هو خمسون يمينًا؛ فهذا يريد أن يوجب عليه مع البينة قسامة، أو مع القسامة قسامة أخرى، ولو رضي بيمين واحدة، لم يكن له ذلك، أرأيت لو استحلفة، فلما قام ليقتل قال: عفا عني؟ قلت: هذا يرد تعليل قوله بعدم توجه دعوى المعروف.
وفيها: إن ادعى القاتل بينة غائبة تلوم له الإمام، لم يقيدها الصلي ولا عياض.
وفي الرجم منها: إن ادعى القاذف أن المقذوف عبد، وزعم بينة له إن قربت تلوم له الإمام، وإن بعدت له؛ لم يلتفت، لقوله فعلى تقييدها بها يكون وفاقًا على قول ابن الهندي لا يتلوم له إلا بعد حلفه في الحقوق، يحلف هنا وفي صلحها من ثبت له دم عمدًا أو جراحاته، فادعى صلح الجاني، فأنكره فلا قود له، وله عليه اليمين.
اللخمي: لاصبغ في الواضحة: من قال: لا تعفوا عن قاتلي، فإن ثبت دمه ببينة؛ فلا عفو، وإن كان بقسامة؛ فلهم العفو لإمكان كونه لشبهة دخلت عليهم.
قلت: في النوادر قبل هذا النوادر قبل هذا الفرع عن أشهب: من قال دمي عند فلان فاقتلوه، ولا تقبلوا منه دية فليس لهم أخذ الدية، وإن أقسموا ثم عفا بعضهم، لم يجز عفوه، وإن نكل بعضهم؛ فلا قسامة فيه.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: لمن صالح قاتل وليه على خروجه من هذا البلد، فإن
وجده فيه قتله.
ابن رشد زاد ابن حبيب، فإن شرطوا إن لم يفعل أو فعل؛ فعاد فجاورهم فله الدية فإن ثبت الدم حين الصلح جاز في القود والدية، وإن لم يثبت لم يجز إلا أن يقولوا، فإن لم يفعل أو فعل فعاد، فنحن على حجتنا في الدم، وكذا الجراحات وارث القاتل بعض الدم يسقط قوده به
وفيها: إن ورث القاتل أحد ورثة القتيل، بطل قوده؛ لأنه ملك من دمه حصة.
الصقلى: قال أشهب: إلا أن يكون من الأولياء الذين من قام بالدم، فهو أولى، فإن للباقي أن يقتلوا، وقول بعض الفاسيين، هو وفاق لابن القاسم، لقوله في البنين والبنات: تموت واحدة منهن.
قال ابن شاس في أربعة إخوة: قتل الثاني الكبير، ثم الثالث الصغير، يسقط قتل الثاني لإرثه نصف دمه الواجب للصغير، وله قتل الثالث بالصغير، فإن عفا؛ فله عليه الدية يقاصه بنصفها.
ابن عبد السلام: إن قتله دفع لوارثه نصف الدية، إن كان هناك من يحجبه وانظم، وإن لم يكن فأظن في منعه إرثه خلافاً في المذهب.
قلت: قال الباجي عن ابن القصار: لو قتل إمام عدل موروثه بقصاص أو زني أو حد ثابت بإقرار أو بينة؛ فإن أصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل، وأرى من لا تلحقه تهمة يرث، كقتل الخطأ.
ابن شاس: قال خلف بن زرقون: سألت عنها ابن سَحنون، وابن عبدوس قالا: ترى أن يعفى عنهما جميعاً؛ لأن قتل كل منهما يوجب إرث الباقي وإياه؛ فيرث دم نفسه فلا يقتل، وكل واحد يطلب قتل الآخر قبله، فلا بد أن يعفى عنهما، ويرث أحدهما دية أبيه، والآخر دية أمه.
قُلتُ: لا يبعد إجراء القولين على جواز المقاصة، ولزومها في الديتين والذي في الموازية لا قود بينهما؛ لأن لكل واحد منهما حقاً في أبيه وأمه، ويسجنان عاماً، ويجلدان مائة مائة.
قال ابن الحاجب إثر ذكره هذه المسئلة، وتتميمها بقوله: ويجب لأحدهما دية الأب وللآخر دية الأم ما نصه.
وفي كون إرثه على نحو المال، أو على نحو الاستيفاء قولان، لابن القاسم وأشهب.
قال ابن عبد السلام: معنى الضمير من قوله إرثه، عائد على الدم، ومعنى قول ابن القاسم: إن ولي الدم إن مات تنزل كل ورثته منزلته دون خصوصية لعصبته على زوي فروضه، فترث البنات والزوجات والأمهات، ولهن العفو والقصاص، كما لو كانوا كلهم عصبة؛ لأنهم ورثوه عمن كان ذلك له.
ومعنى قول أشهب: إنه لا يرثه من ورثه ولي الدم إلا من يرثه من المقتول نفسه، فلو ترك ولي الدم ابناً وبنتاً وأما وزوجة، لم يكن للبنت والزوجة حظ، كما لم يكن لبنت القتيل وزوجته مع ابنه شيء.
قُلتُ: في رجمها من قتل، وله أم وعصبة، فماتت الأم فورثتها مكانها إن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، ولا عفو للعصبة دونهم، كما لو كانت الأم باقية، وفي دياتها إن مات وارث المقتول الذي له القيام بالدم فورثه مقامه في العفو والقتل، وإن مات من ولاة الدم رجل وورثته رجال ونساء، فللنساء من القتل والعفو ما للذكر؛ لأنهم ورثوا الدم عمن له ذلك.
وذكر الشيخ عن المجموعة مثل ذلك، من رواية ابن القاسم، وابن وَهْب قال: وقال أشهب: يقوم مقام هذا الميت من ورثته من له القيام بدمه، كأنه مقتول، فلو ترك ولي القتل بنين وبنات، فأمر الدم للبنين دون البنات.
قُلتُ: ففهم شارحا ابن الحاجب: أن مراد ابن القاسم بالنساء الوارثات ما يشمل الزوجة، وكذا الزوج في الرجال، وليس الأمر كذلك؛ بل لا مدخل للأزواج في الدم
بحال، وفي النوادر ما نصه.
ومن كتاب ابن المواز: إن ترك القتيل عمدًا بالبينة أمًا ونتًا وعصبة، فماتت الأم أو البنت أو العصبة؛ فورثته في منابه إلا الوج والزوجة، فإن اختلف ورثة هذا الميت ومن بقي من أولياء القتيل، فلا عفو إلا باجتماعهم انتهى.
قلت: وذكر ابن القاسم في المجموعة: من قتل رجلاً عمدًا، فكان ولي الدم ولد القاتل، فقد كره مالك القصاص منه، وقال يكره أن يخلفه في الحق، فكيف يقتله؟، واستثقل في كتاب القذف أن يحده، وكره في كتاب المديان أن يحلف، قيل لأي عمران: هل يجري في مسألة القتل ما جرى في مسألة الإحلاف؟ قال: لا؛ لأن النفس أعظم حرمة؛ لأنه لو حذفه بحديدة، لم يقتص منه، كما يقتص من الأجنبي.
قلت: يفرق بأنه لم يرد القتل الموجب للقود في حذفه ابنه، وههنا صدر منه ما يوجب القود.
وللشيخ عن أشهب في المجموعة: ليس له قتله وفي ذلك الدية.
وفي المواية لأشهب: من قتل زوجته وابنها، ابنه ليس له قتل أبيه، وله الدية على عاقتله.
وقال أكثر العلماء: لا يقتل الأب بابنه، وإن عمد قتله، ولم يتعقب الشيخ قوله، وله الدية على عاقلته، وهو مشكل والصواب كونها في ماله.