المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أعرابًا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب: هذا الجيل"1. أما لو سألتني - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١٦

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد السادس عشر

- ‌الفصل الثامن والعشرون بعد المئة: القصص

- ‌الفصل التاسع والعشرون بعد المئة: الطب والبيطرة

- ‌الفصل الثلاثون بعد المئة: الهندسة والنوء

- ‌مدخل

- ‌النوء والتوقيت:

- ‌الكسوف والخسوف:

- ‌التوقيت:

- ‌الفصل الحادي والثلاثون بعد المئة: الوقت والزمان

- ‌مدخل

- ‌الفصول الأربعة:

- ‌الشهور:

- ‌الأسبوع:

- ‌الأيام:

- ‌الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة: الأشهر الحرم

- ‌مدخل

- ‌الشهور الحل:

- ‌الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة: النسيء

- ‌مدخل

- ‌مبدأ النسيء:

- ‌الفصل الرابع والثلاثون بعد المئة:‌‌ التقاويموالتواريخ

- ‌ التقاويم

- ‌الفصل الخامس والثلاثون بعد المئة: اللغات السامية

- ‌الفصل السادس والثلاثون بعد المئة: العربية لسان آدم في الجنة

- ‌مدخل

- ‌المترادفات:

- ‌الفصل السابع والثلاثون بعد المئة: لغات العرب

- ‌الفصل الثامن والثلاثون بعد المئة: لغة القرآن

- ‌مدخل

- ‌القراءات السبع:

- ‌الفصل التاسع والثلاثون بعد المئة: العربية الفصحى

- ‌الفصل الأربعون بعد المئة: اللسان العربي

- ‌مدخل

- ‌العربية الشمالية والعربية الجنوبية:

- ‌أفصح العرب:

- ‌الفصل الحادي والأربعون بعد المئة: المعربات

- ‌مدخل

- ‌معرفة المعرب:

- ‌أقسام الأسماء الأعجمية:

- ‌إبدال الحروف:

- ‌الفصل الثاني والأربعون بعد المئة: النثر

- ‌مدخل

- ‌السجع:

- ‌الفصل الثالث والأربعون بعد المئة: الخطابة

- ‌فهرس الجزء السادس عشر:

الفصل: أعرابًا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب: هذا الجيل"1. أما لو سألتني

أعرابًا". "والعربية هي هذه اللغة". "والعرب: هذا الجيل"1.

أما لو سألتني رأيي في هذه الخطب التي دوّنها أهل السير والتواريخ والأخبار للوفود التي وفدت على الرسول لمبايعته، أو عن حديث الصحابة معه قبل الهجرة أو بعدها، فأقول لك بكل صراحة، إن هذه النصوص: نصوص كلام الرسول مع الصحابة، ونصوص كلام الصحابة معه، هي نصوص وردت إلينا بأفواه الرواة، كلامها كلامهم، وعباراتها عباراتهم، أما المعاني -أي: المضامين- فهي التي أخذت بالرواية، وفي بعضها زيادات أو نقصان، ظهرت بسبب طبيعة الاعتماد على الذاكرة لا الكتابة والتدوين. فنحن إذن أمام نصوص، لا يمكن أن نقول: إنها أصيلة؛ لأنها لم تؤخذ من محاضر جلسات، ولا من كتّاب كانوا يكتبون كل ما كان يقع ويحدث، وينقلون الكلام نقلًا أمينًا صادقًا، كما ينقل الشريط المسجل للأصوات، أصوات المتكلمين، وإنما رويت بعد الحادث بأمد، قد يكون قصيرًا وقد يكون طويلًا، وبعضها أحاديث شخصية، ليست مهمة، وقد تكون من الموضوعات، ولا غرابة في ذلك فكتب التراجم والحديث والسير، مليئة بتكذيب كثير من هذه الأمور، التي افتعلت، إما من الرواة أنفسهم، وإما من آلهم، وإما عصبية، أو عن مذهب وعقيدة.

1 اللسان "1/ 586 وما بعدها"، "عرب".

ص: 319

‌أفصح العرب:

وموضوع أفصح العرب موضوع لا أرى أنه قد كان لأهل الجاهلية علم به، إذ كان لكل قوم منهم لسان يستعزون به ويتعصبون له، يرون أنه لسانهم العزيز.

ولا يكون فصاحة إلا إذا كان هنالك لسان أدب رفيع، يكوّنه رجال الأدب من ناثرين وشعراء، يكون لسانًا مقررًا محترمًا يتبعه الجميع، تعقده وحدة شاملة وشعور بوجود أواصر دم وتأريخ واحد وثقافة واحدة، وقلم يكتب به، فإذا اجتمعت كل هذه وأمثالها وأضيفت إليها وجود حكومة كبيرة تتخذ ذلك اللسان لسانًا عامًّا لها، ثم تقوم بتشجيع الأدباء والعلماء وتحسن إليهم، صار ذلك اللسان اللسان المحظوظ المأثور المقدم على سائر الألسنة، وصارت اللهجات الأخرى،

ص: 319

ألسنة ثانوية بعده، تعدّ دون اللغة المذكورة في الرتبة والمنزلة والفصاحة، كما حدث في الإسلام، حيث اعتبر اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، لسان الإسلام والمسلمين، لسان الدين والدولة، به تكتب دواوين الدولة، وبه يؤلف العلماء ويكتب الأدباء، وينظم الشعراء، وبموجب قواعده المقررة يتعلم اللسان كيفية الكتابة والنطق، من خالفها أو أخذ بألفاظ خارجة على قواعد نحوها وصرفها عدّ عاميًّا جلفًا من سواد الناس وسوقتهم.

ومدار الفصاحة في نظر علماء العربية كثرة استعمال العرب للكلمة. سئل "أبا عمرو بن العلاء": "كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة؟ فقال: أحملُ على الأكثر، واسمي ما خالفني لغات. فما أكثرت العرب من استعماله من غيره، فهو فصيح. وأما الفصاحة في المفرد: فخلوصه من تنافر الحروف، ومن الغرابة، ومن مخالفة القياس اللغوي. والتنافر ما تكون الكلمة بسببه متناهية في الثقل على اللسان وعُسر النطق بها، مثل "الهعخ" و"مستشزر"1.

والغرابة أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفتها إلى أن ينقر عنها في كتب اللغة، أو أن تكون قليلة الاستعمال، وأضاف بعضهم إلى ما تقدم: ألا تكون الكلمة مبتذلة2. وآراء أخرى لا مجال للبحث عنها في هذا الكتاب، لعدم وجود مكان في حدوده.

وقد وضعت هذه الحدود في الإسلام، أما ما قبله فلا علم لنا برأي الجاهليين في الفصاحة وفي الفصيح، ولكننا نستطيع بالقياس إلى ما عندنا من كتابات، أن نقول: إن العرب الجنوبيين كانوا يدونون بلهجاتهم المعروفة، وهي: المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية، وفقًا لقواعد لهجاتهم وبألفاظهم، فهي بالنسبة لهم لغاتهم الفصيحة، لغة التدوين والكلام، ولما قضى السبئيون على استقلال حكومات معين وحضرموت وقتبان وأوسان، وتكونت منها حكومة واحدة، ضعفت الخصائص اللغوية التي ميزت لهجات هذه القبائل بعضها عن بعض، واندمجت

1 من قول امرئ القيس:

غدائره مستشزرات إلى العلا

المزهر "1/ 185".

2 المزهر "1/ 184 وما بعدها".

ص: 320

بلغة السبئيين التي صارت لغة الحكومة، وصار العرب الجنوبيون يكتبون بها إلى ظهور الإسلام. فهذه اللغة، هي اللغة الفصحى عندهم وقلمها هو المسند.

أما بالنسبة إلى العرب الآخرين، فالظاهر أن عربية "ال"، كانت قد تغلبت عند ظهور الإسلام على العربيات الأخرى، وفي ضمنها عربية الـ"هـ""ها"، وذلك بقوة وضخامة القبائل المتكلمة بها، وباستعمال حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة وحكومة كندة لها، مما حمل الخطباء والشعراء والكهنة والسحرة على النطق بها، وبلهجاتهم الخاصة بهم، وهي لهجات كانت متقاربة لكنها تختلف فيما بينها في استعمال بعض الألفاظ وفي كيفية النطق بالكلم، أي: في مخارج الحروف، وفي خصائص نحوية وصرفية، إلا أن هذه الفروق والاختلافات لم تخرجها مع ذلك عن وحدة اللغة، وهي كلها في نظر أصحابها عربية فصيحة، وقد كانت تتقارب باحتكاك القبائل بعضها ببعض، وبتوسع نفوذ ملوك الحيرة في جزيرة العرب، وبتنقل الشعراء والخطباء بين القبائل، يدعونهم إلى النصرانية التي كانت قد جاءت من الحيرة، بنصرانية شرقية عربية، متأثرة بالإرمية، لكنها اضطرت إلى التعرب بالتدريج، وبقي الحال على هذا المنوال إلى أن ظهرت كلمة الإسلام بلغة "ال"، فصارت بنزول الوحي بها أفصح ألسنة العرب، وصار قلمها قلم الإسلام المقرر. وبذلك نبذ المسند، وماتت الكتابة به منذ ذلك الحين، ومات التراث العربي الجنوبي بموت لسانه وقلمه.

وبانتصار الإسلام على الشرك، والإسلام دين ودولة، دعوته إلى "أمة"، المواطنون فيها أخوة، وله لسان، هو اللسان الذي نزل به القرآن، صار هذا اللسان أفصح منذ ذلك الحين، بل لسان أهل الجنة، وصار من الواجب على المسلمين تثبيت قواعده ودراسته لفهم كتاب الله المنزل به، خدمة لدين الله الذي شرف هذا اللسان باتخاذه لسانًا له. ورعاية قلمه الذي ثبت كتاب الله، وقام العلماء بضبط قواعده وجمع مفرداته، والبحث في كل ما يتعلق باللسان من علم. قام بهذه المهمة علماء المصرين: البصرة والكوفة، وكان لا بد لهم من رسم حدود، ومن وضع قواعد في كيفية تثبيت العربية، وفيمن يصح أخذ هذه القواعد من ألسنتهم، إلى غير ذلك من أمور اتبعوها في جمع علوم العربية.

ص: 321

وحين شُرع بوضع قواعد العربية، كان الإسلام قد حطم حدود جزيرة العرب، وتخطاها، قد غلب الساسانيين، وأبعد الروم عن بلاد الشأم ومصر وما وراءها، وقد جمع العرب بالأعاجم، والعجم بالعرب، وشبك ألسنة الأعاجم بلسان العرب، ولسان العرب بألسنة العجم، واضطر العلماء إلى وضع قواعد فيمن يجب أخذ لسان العرب منهم من العرب، وفيمن لا يجوز الأخذ منهم، بسبب اتصالهم بالعجم، وما طرأ على لسان بعضهم من خبث نتيجة لهذا الاتصال.

فكانت تعاليمهم ألا تؤخذ العربية إلا من عرب بقوا بمعزل عن الأعاجم، فلا "يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، لمجاورتهم أهل الشأم، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من تغلب واليمن؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزد عُمان؛ لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وأهل الطائف، لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربية عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علمًا وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب"1.

وذكر أن قريشًا كانوا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وأجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، أما الذين نقل عنهم اللسان العربي من "قبائل العرب، هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمة، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"2.

وروي أن أفصح العرب عُليا هوازن، وسفلى تميم3.

وروى "الجاحظ" أن "معاوية" قال يومًا: "من أفصح العرب؟ فقال

1 المزهر "1/ 212".

2 المزهر "1/ 211".

3 المصدر نفسه.

ص: 322

قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانية الفُرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير. قال: من هم؟ قال: قريش"1.

وقد تحدث "الجاحظ" عن أثر المحيط في تكوين اللغة، فقال: "وكاختلاف ما بين المكّي والمدني، والبدويّ والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: إن هذيلًا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحُزون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار.

وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضًا في بعض الصور، فقد تخالفت عُليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرّع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة"2.

فرأى "الجاحظ" أن بين العدنانيين والقحطانيين فروقًا كبيرة في اللغة، غير أن بين كل مجموعة من هاتين المجموعتين فروقًا لغوية، كالذي أورده من أمثلة على الفروق التي تكون بين من ينزل الجبال، أو من ينزل السهول، وبين من ينزل النجود، ومن ينزل الأغوار، ثم الخلافات التي تقع بين بطون القبائل عند تشتتها وتفرقها. ثم تحدث عن لغة عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، ولغات أهل الحجاز، وهي قبائل تحدث عنها علماء اللغة.

وقد ذكر "الرافعي" أن "الفصاحة اشتهرت في مضر، حتى عُرفت اللغة بالمضرية، ومن أشهر قبائلها كنانة -ومن بطونها قريش- ثم تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وضبّة، ومزينة"3. وقال أيضًا: "وأفصح القبائل الذين

1 الجاحظ "3/ 213".

2 رسائل الجاحظ "1/ 10 وما بعدها"، "مناقب الترك".

3 الرافعي، تأريخ آداب العرب "1/ 125".

ص: 323

هم مادة اللغة فيما نص عليه الرواة: قيس، وتميم، وأسد، والعجز من هوازن الذين يقال لهم: عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجُشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف. قال أبو عبيدة: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر"، وكان مسترضعًا فيهم، وهم أيضًا الذين يقول فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم"1.

"وتلك القبائل كلها كانت تسكن في بوادي نجد والحجاز وتهامة، وقد بقيت معادن الفصاحة زمنًا بعد الإسلام، وإليها كان يرحل الرواة، حتى إن الكسائي لما خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، قال له رجل من الأعراب: تركت أسدًا وتميمًا وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة! فقال للخليل: من أين أخذت علمك؟ قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة. فخرج إليهم ولم يرجع حتى أنفد خمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب.

ولم تزل هوازن وتميم وأسد متميزة بخلوص النية وفصاحة اللغة إلى آخر القرن الرابع للهجرة"2.

وقد ترك الأخذ عن "حاضرة الحجاز" أي: مكة "لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم"3، فلم يأخذوا منهم. وقد قرأنا قبل قليل أسماء القبائل التي أدخلها علماء اللغة في القائمة السوداء المقاطعة التي لم يجوّزوا الأخذ منها، وذلك حين شروعهم بتدوين اللغة أيضًا للسبب المذكور وهو اتصالها بالأعاجم، وتأثر ألسنتها بلغات من اتصلت بهم من عجم.

واللغات في نظر "ابن جني" على اختلافها كلها حجة "ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال ما، ولغة تميم في تركه، كل منهما يقبله القياس، فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن

1 الرافعي، تاريخ آداب العرب "1/ 127 وما بعدها".

2 المصدر نفسه "1/ 128".

3 المزهر "1/ 212".

ص: 324

غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها، وأشد نسبًا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا"1.

أعود الآن فأكرر ما سبق أن قلته من أننا اليوم في حاجة ماسة، إلى وجوب تسجيل كل ما أورده علماء اللغة عن لغات العرب ولهجاتها، فصيحة كانت تلك اللغة أو رديئة، ولا سيما في الأمور التي شذت فيها هذه اللهجات بعضها عن بعض، في الشعر أو في النثر، تسجيل كل الأسماء الجاهلية التي عرف بها العرب قبل الإسلام، مع بيان أسماء الرجال الذين تسمّوا بها وأسماء القبائل التي هم منها، والمواضع التي كانوا بها، لنتعرف بذلك على أصول هذه القبائل، والأماكن التي جاءت منها، والثر الذي تأثرت به من القبائل المجاورة لها، فنحن نعرف اليوم، أن أهل العربية الجنوبية، كانت لهم أسماء وردت في المسند لم تكن شائعة بين العرب الشماليين، وقد كانت خاصة بهم، ثم نعرف اليوم أن الأسماء الواردة في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة المقاربة للإسلام، اختلفت بعض الاختلاف عن الأسماء القديمة المركبة المضافة، مما يدل على وقوع تغير في الذوق اللغوي عند العرب الجنوبيين قبيل الإسلام، وعلى الميل إلى اختزال الأسماء وتبسيطها، على نحو ما كان عند العرب الشماليين، ومثل هذه الدراسة، تكون ذات قيمة كبيرة في الوقوف على التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية التي مرت على جزيرة العرب قبيل ظهور الإسلام، وهذا التغير الذي أشير إليه هو شيء طبيعي، وقع قبل الإسلام، كما وقع في الإسلام، فقد ماتت الأسماء الجاهلية، مثل "امرؤ القيس"، و"معدي كرب"، "شرحبيل"، و"شرحئيل"، و"عبد عوف"، و"عبد مناة"، و"عبد أسد"، في الإسلام، وحلت محلها أسماء إسلامية، وماتت ألفاظ جاهلية، بسبب إماتة الإسلام لها، أو إعراضه عن استعمالها، أو بسبب تغير الذوق، فلم تعد تصلح للاستعمال، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين، ونشأت معان جديدة لألفاظ جاهلية قديمة لم تكن تعبر عن هذه المعاني قبل الإسلام.

كذلك، نحن في حاجة إلى تدوين شعر الشعراء على حسب القبائل التي ينتمي إليها قالة الشعر، لنتمكن بذلك من دراسة خصائص شعر كل قبيلة، وما ورد

1 المزهر "1/ 257".

ص: 325

فيه من لغتها، على أن نهتم بصورة خاصة، بالأصول الأولى لهذا الشعر، أي: بأقدم الروايات التي ورد فيها، ثم ندون إلى جانبها الروايات المختلفة التي ورد فيها على ألسنة علماء الشعر واللغة، والتعديلات التي أدخلها العلماء عليه، لنرى ما فعله العلماء في الشعر الجاهلي، وطبيعة ذلك الشعر بالنسبة إلى اللغات، وخصائص كل شعر.

ونجد في كتاب "الإكليل" ملاحظات ثمينة تفيدنا كثيرًا في دراسة اللهجات العربية الجنوبية، وقد أخذها من كلام الناس في أيامه. من ذلك ما ذكره في كتابه "الإكليل" من قوله نقلًا عن كلام "أبي نصر": إن "حمير تطرح مثل هذه الألف في كلامها، فنقول: إذا أردت أن تقول للرجل: اسمع واذهب: سِمَع وذِهَب، وغِضَب في أغضب وشرب في أشرب"1. وهي لغة لا تزال تستعمل في بعض القبائل اليمانية2. ومن ذلك استعماله لفظة "القدمان" في قوله: "وقرأ زبر حمير القديمة ومساندها الدهرية، فربما نقل الاسم على لفظ القدمان من حمير، وكانت أسماء فيها ثقل فخففتها العرب وأبدلت فيها الحروف الذلقية، وسمع بها الناس مخففة مبدلة. فإذا سمعوا منها الاسم الموفر، خال الجاهل أنه غير ذلك الاسم، وهو هو"3. ولفظة "القدمان" من الألفاظ العربية الجنوبية التي ترد بكثرة في كتابات المسند، ترد مع أسماء بعض الأشهر التي يتكرر اسمها، على نحو قولنا في العربية: "ربيع الأول" و"ربيع الثاني"، و"جمادى الأولى" و"جمادى الآخرة"، فيستعملون "قدمن" "قدمان" للأول، أي: الأقدم والمتقدم، ويستعملون "اخرن" "اخران" للثاني، أي: الآخر والمتأخر، وتعني "قدمان" القدامى والقدماء كذلك.

ونجد في ثنايا كتابه مصطلحات وألفاظًا أخرى من هذا القبيل استعملها هو، أو نقلها عن غيره، أو من الكتب، وهي ترجع إلى اللهجات العربية القديمة، وقد لا نجد لها وجودًا في معاجم اللغة. كذلك يجب البحث في كتب "سعيد بن نشوان" الحميري وفي كتب غيره من المؤلفين من أهل العربية الجنوبية إلى يومنا هذا، لنلتقط ما قد يكون في ثناياها من كلم عربي جنوبي قديم، ومن

1 الإكليل "2/ 48".

2 المصدر نفسه "هامش رقم4".

3 الإكليل "1/ 13".

ص: 326

أمثلة وجمل، وأسماء أشهر وغير ذلك، إضافة إلى دراسة لهجات الأحياء منهم، ووجوب الحفر حفرًا علميًّا في مواضع الآثار لاستخراج ما فيها من نفائس مكتوبة أو غير مكتوبة لتعيننا في الوقوف على أصول لغة العرب الجنوبيين قبل الإسلام.

ولا بد لنا اليوم من وجوب القيام بمسح لغوي جغرافي، للغات جزيرة العرب ولقبائل العراق وبلاد الشأم، لمعرفة ما تبقى عندها من أثر للهجاتها القديمة. مسح عام لكلامها الذي تنطق به، ولشعرها الذي تنظمه في الوقت الحاضر، وللأسماء الغريبة التي تتسمى بها، ومسح مثل هذا سيعين الباحثين كثيرًا في الوقوف على أسرار اللهجات العربية قبل الإسلام.

ص: 327