الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادي والأربعون بعد المئة: المعربات
مدخل
…
الفصل الحادي والأربعون بعد المئة: المعربات
والاختلاط بين الأمم، بمختلف وسائله، ومن ذلك الاتصال التجاري، يؤدي إلى حدوث تفاعل في اللغة، فقد يولد هذا الاحتكاك ألفاظًا جديدة يطلقونها على أشياء لم يكن لأهل تلك اللغة علم بها، وقد يضطر أصحابها إلى استعمال المسميات الجنوبية كما هي، أو بشيء من التبديل والتغيير ليناسب النطق بتلك اللغة. وقد وقع ما أقوله في كل اللغات، ويقع الآن أيضًا، وسيقع في المستقبل إلى ما شاء الله، لا استثناء في ذلك، ولا تفاضل، ولا امتياز. فاللغات كلها، ومنها اللغة العربية في جاهليتها وإسلاميتها، تخضع لهذا الحكم والقانون.
وليس الأخذ والعطاء دليلًا على وجود نقص في لغة ما، أو وجود ضعف في تفكير المتكلمين بها. فكل اللغات مهما بلغت من النمو والكمال والسعة، لا بد لها من أن تأخذ وأن تطور مدلول مفرداتها أو تضع مفردات جديدة لأمور لم تكن معروفة ومودودة عندها. ولا نعرف لغة ما من اللغات الميتة أو الحية، انفردت بنفسها انفرادًا تامًّا، فلم تأخذ شيئًا ولم تعط شيئًا.
والعربية بجميع لهجاتها وألسنتها مثل اللغات الأخرى، وفي جملتها اللغات السامية أخذت وأعطت، قبل الإسلام وبعد الإسلام، ولا تزال تأخذ وتعطي ما دام أصحاب اللسان العربي باقين في هذا الكون. والأخذ والعطاء ووضع مفردات جديدة في لغة ما، هما من دلائل الحيوية ومن أمارات القوة والتكامل في تلك
اللغة. ومن دلائل هذا الأخذ والعطاء، ما حدث في العصور الإسلامية: من أخذ وعطاء بين العربية واللغات الأعجمية، فطعمت العربيةُ الفارسيةَ والتركية والرومية وغيرها بمادة غزيرة من الكلمات، كما أخذت هي حاجتها منها. ومن دلائله أيضًا ما يقع اليوم من وضع المصطلحات لمعاني لا عهد للعربية بها من قبل كمخترعات تظهر دومًا ومعاني علمية ليس للعلماء عهد بها، ولا بد من وضع ما يقابلها في العربية، بوضع لفظ عربي، أو تعريب المصطلح وتكييفه وفق النطق العربي إن كان من غير الممكن إخضاعه للمفردات العربية.
وقد يزعج هذا الرأي فريقًا من الناس يذهبون إلى أن العربية لغة نقية صافية لم تتأثر بغيرها من اللغات، فلم تأخذ من اللغات شيئًا، ولم يدخل إليها لفظ أجنبي، أو أن ما دخل إليها من دخيل معرب هو قليل، وهم في منطقهم هذا محافظون متزمتون لا يعترفون بنظرية الأخذ والعطاء في اللغات. فإذا قلت لهم: إن اللفظة الفلانية لفظة معربة وأصلها أعجمي، أجابوك: ولكنها وردت في القرآن الكريم، ووردت في شعر فلان، وفلان من الشعراء الجاهليين. وإذا قلت لهم: ولكن دخولها العربية كان قبل الإسلام بزمن، وقبل ذلك الشاعر بزمن طويل، وأن الجاهليين نسوا أصلها واستعملوها استعمال الألفاظ العربية، فحكمها إذن حكم الألفاظ العربية في أيام ذلك الشاعر، وعند نزول الوحي، أجابوك أيضًا: وكيف نؤمن أنها معربة، أفلا يجوز أن تكون عربية في الأصل، وقد أخذها الأعاجم أنفسهم من العربية، ومن أين لك الدليل على العكس؟ وإذا ذكرت لهم أن اللفظة الفلانية عبرانية في الأصل أو سريانية أو كلدانية، قالوا: وكيف تثبت ذلك، وهذه اللغات والعربية كلها من أصل واحد ودوحة واحدة، فلمَ تحكم بأنها من أصل سرياني أو عبراني أو كلداني أو غير ذلك، ولا تحكم بأنها عربية أصيلة، وأن وجودها في تلك اللغات، هو بسبب اشتراكها والعربية في الأصل السامي. فهي في العربية أصيلة إذن، وهي في تلك اللغات أصيلة أيضًا وقديمة بسبب مشاركتها للعربية في الأصل السامي.
وقد فات مثل هؤلاء أن القدامى من العلماء لم يفتهم أمر هذه المعربات، فأشاروا إليها، ومنهم جمهور أصحاب كتب التفاسير والحديث والمعجمات، وأن من العلماء من ألّف في هذا الموضوع، فألّف أبو منصور المعروف بالجواليقي كتابًا في هذا
الباب دعاه: "المعرب من الكلام الأعجمي"1. ولم ينتقده مع ذلك علماء يومه، ولا من جاء بعده لإقدامه على تأليف كتابه هذا، ولم يقل أحد أنه كان جاهلًا أو متحاملًا على العربية، مسيئًا إليها، لأنه أنكر أصول الألفاظ المذكورة في مؤلفه، فعدّها أعجمية معربة مع أنها عربية أصيلة، لا شك في عربيتها ولا شبهة. قال "الجاحظ": "ألا ترى أن أهل المدينة لمّا نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمّون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق، ويسمّون المصوص المزور، ويسمّون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء"2. ونجد في تفسير "الطبري"، وهو من العلماء الثقات المحققين وفي تفاسير غيره من العلماء المدققين إشارات إلى أصول ألفاظ وردت في كتاب الله ذكروا أنها من المعربات، وقد نصوا على أصولها التي أخذت منها، حسب علمهم واجتهادهم في ذلك الوقت، لم يجدوا في ذلك بأسًا ولا انتقاصًا لحرمة القرآن، أو مسًا به.
وفي القرآن -كما يذكر العلماء- أكثر من مائة لفظة معربة، نصوا على أصولها حسب علمهم واجتهادهم واستفسارهم من الأعاجم، وهي كلمات دخل بعضها العربية قبل الإسلام بعهد طويل لعدم وجود مثيل لها في لغة العرب، فأخرجتها العرب على أوزان لغتها وأجرتها في فصيحها، فصارت بذلك عربية، وإنما وردت في القرآن لأنها كانت قد تعربت وجرت عند العرب مجرى الفصيح، ولم تكن لديهم ألفاظ غيرها3. وفي بعض هذه المعربات ألفاظ لم تكن مألوفة أو معروفة عند الوثنين؛ لأنها من ألفاظ أهل الديانات، ونظرًا لكونها تعبر عن أمور دينية ضرورية لا مثيل لها في العربية، وكان من اللازم تعليم الناس إياها، لذلك وردت في القرآن.
وقد رجع العلماء أصول المعربات الواردة في القرآن إلى لغات كانت شائعة آنذاك ومعروفة للعرب، أخذها العرب منها باحتكاكهم بأهلها، مثل اليونانية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والحبشية، والهندية، والقنبطية، والنبطية،
1 المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، لأبي منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، تحقيق أحمد محمد شاكر، القاهرة 1361.
2 البيان والتبيين "1/ 19".
3 الرافعي، تأريخ آداب العرب "2/ 58".
حتى ذهب "أبو ميسرة"، وهو من العلماء التابعين إلى أن "في القرآن كل لسان"، وروي مثله عن "سعيد بن جبير"، و"وهب بن منبه"1. ولو راجعنا أقوال العلماء في هذه المعربات التي درسوها وتحدثوا عنها لوجدنا أنهم قد أخطأوا في تشخيص الكثير منها، فلم يتمكنوا من الوقوف على أصولها، لعدم معرفة أكثر علماء العربية اللغات الأعجمية. نعم تمكن العارفون منهم بالفارسية من تشخيص المعربات عن الفارسية، غير أن منهم من زاد عليها وبالغ فيها، فأدخل في المعرب عن الفارسية ما ليس من الفارسية بشيء. وأدخل ألفاظًا عربية أصيلة في طائفة المعربات، مع أنها عربية جاهلية، وردت في نصوص المسند وفي النصوص الأخرى2، وسبب إدخالهم لها ضمن المعربات، هو عدم إحاطتهم باللهجات العربية الجنوبية، وباللهجات الجاهلية الأخرى. فتخبطوا في تعيين الأصول، فترى بعض منهم يرجع معربًا إلى أصل عبراني، وتجد آخر يرجعه إلى أصل يوناني، بينما يرجعه ثالث إلى أصل حبشي، وقع ذلك بسبب عدم وقوف العلماء على اللغات الأجنبية واكتفائهم بالاستفسار من الأعاجم، ممن لم يكن لهم علم بعلوم اللغات، وإنما كانوا يعرفون الكلام بها، إذ لم يكونوا من أصحاب التضلع والتخصص، كما أن عصبية البعض منهم للسانهم دفعتهم أحيانًا إلى الاختراع وصنع الأجوبة الكاذبة، يضاف إلى ذلك عامل الادعاء بالعلم والفهم، مما يحمل صاحبه على الوضع والكذب.
وبين الباحثين في المعربات الواردة في القرآن جدل في وجود المعرب فيه، منهم من قال بوجوده، ومنهم من رد القول به ومنعه، فقال:"إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية، فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية، فقد أكبر القول"، وقالوا:"ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد". وبالغ بعضهم في نفي المعربات، حتى قال: "كل هذه الألفاظ عربية صرفة، ولكن لغة العرب متسعة جدًّا، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر
1 السيوطي، الإتقان في علوم القرآن "2/ 106"، "تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم".
2 راجع الإتقان "2/ 108 وما بعدها"، حيث تجد أمثلة عديدة على ما أقول.
الجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح"1.
والذين ذهبوا إلى وقوعه فيه، يرون بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيًّا. وعلل بعضهم سبب وقوعه في القرآن بقوله:"إن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن، أنه حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالًا للعرب"، "وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلٌ إلى كل أمة، وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه} ، فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو"2. وقال "ابن سلام": "والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية؛ فهو صادق، ومن قال: أعجمية؛ فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون"3.
وقال "ابن النقيب": "من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المُنزلة، أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير"4. فهو من الذين يرون أن في القرآن كل لسان.
ولا يقوم جدل المانعين من وقوع المعرب في القرآن، أو القائلين به على أساس اختلافهم في وقوع المعرب في العربية، وإنما انصب كل اختلافهم على وقوع المعرب في كتاب الله. فالمانعون يقولون -كما رأينا- إن الله يقولو:{قُرْآنًا عَرَبِيًّا} 5 و {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ
1 السيوطي، الإتقان "2/ 105 وما بعدها".
2 السيوطي، الإتقان "2/ 106 وما بعدها".
3 المصدر نفسه "2/ 108".
4 السيوطي، الإتقان "2/ 108".
5 يوسف، الآية2.
وَعَرَبِيٌّ} 1، فكل ما فيه هو عربي إذن، والذين يجيزونه، يقولون: إن هذه الأحرف أصولها أعجمية، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية؛ صادق2. فالخلاف إذن عقائدي لا صلة له باللغة، وبوقوع المعرب أو عدم وقوعه في العربية.
وهناك فريق آخر جماعته من المحدثين في الغالب ومن غير العرب، ذهب مذهبًا معاكسًا لمذهب من ذكرت تمامًا. تطرف في رأيه تطرفًا مسرفًا وبالغ في أحكامه مبالغة منكرة. رَجَع ألفاظًا عربية استعملها الجاهليون إلى أصول أعجمية، وادعى أنها من الألفاظ المعربة عن السريانية أو اليونانية أو اللاتينية أو العبرانية أو الفارسية، لمجرد ورودها أو ورود مشابه لها في تلك اللغات، وحجته في ذلك أن الجاهليين أميون أعراب وثنيون، وأن الألفاظ التي رأوا عجمتها هي ألفاظ حضارة لها مدلولات دينية أو سياسية أو اجتماعية أو حرفية أو غير ذلك، ولهذا لا يمكن أن تكون من صميم العربية، بل لا بد أن تكون طارئة عليها دخيلة في الأصل، ثم عربت، وفي هؤلاء المتعصب لجنسيته، مثل أن يكون سريانيًّا أو يهوديًّا، لهذا رجع تلك الألفاظ إلى لغته لتعصبه لها، والمتأثر بنظرية جهل الجاهليين وعدم وجود أي علم أو ثقافة لديهم، والمتعصب على الإسلام، لهذا رجع أكثر الألفاظ الحضارية إلى النصرانية أو اليهودية أو الفارسية، لإثبات أخذ الإسلام منها، وتعلم الرسول ديانته من تلك الديانات.
أما البحث العلمي الخالص، فهو ما كان بعيدًا عن كل الميول والاتجاهات والنزعات ودوافع التعصب، قائمًا على الحقائق والوقائع وفكرة البحث عن الحق للتوصل إليه. فالرأيان في نظري باطلان، بعيدان عن جادة العلم. وواجب الباحث في مثل هذه الأمور أن يتريث أولًا، وألا يبت في قرار إلا إذا كان متأكدًا من سلامة السبل التي سار عليها في الوصول إلى قراره، ولا سيما أن العربية والعبرانية والسريانية كلها من هذا الأصل الذي يطلق علماء الأجناس واللغات عليه:
1 فصلت، 44.
2 السيوطي، الإتقان "2/ 108".
الأصل السامي، وتشترك كلها أو أكثرها في كثير من الألفاظ، والحكم بأن هذه أخذت من هذه أو تلك، حكم فج ناقص إذ لم يستند إلى موارد ونصوص مرتبة ترتيبًا تأريخيًّا. ثم إن العربية ليست عربية واحدة؛ فإن هناك ألسنة عربية أخرى، مثل عربيات اليمن، وهي لهجات عربية قديمة ذات نصوص يعود تأريخ بعضها إلى ما قبل الميلاد، فلا يجوز التعميم بالاستناد إلى لغة القرآن الكريم وحدها، بل لا بد من تتبع ما جاء في اللغات العربية الأخرى. أضف إلى ذلك أن أهل اليمن كانوا أصحاب حضارة وحضارتهم أرقى وأعلى درجة من حضارة بعض الساميين.
ولذلك يدفعنا الواجب إلى دراسة ما جاء في نصوصهم من ألفاظ ومسمّيات وآراء ومقارنتها بما جاء في النصوص الواردة في اللغات السامية الأخرى، للحصول على رأي علمي في هذه الأمور. ولكننا مع ذلك نحن في وضع لا نتمكن فيه من البت في هذه الأمور، لأن ما لدينا من نصوص جاهلية أغلبه من النوع الذي عثر عليه على ظاهر الأرض، لأن الظروف لم تمكن العلماء حتى الآن من التنقيب تنقيبًا علميًّا عميقًا في باطن مواطن الآثار، لاستخراج المطمور من الكتابات والآثار الأخرى، والغالب أن يكون المطمور ذا أهمية كبيرة، وسيعين المؤرخين في كتابة الأجزاء المفقودة من تأريخ العرب قبل الإسلام. وقد يكون من بين ما يعثر عليه ما هو أقدم من النصوص التي بين أيدينا. وعلى هذه النصوص أن رتبت ترتيبًا زمنيًّا يوثق به، يمكن أن يكون اعتمادًا في تثبيت المفردات وفي تعيين زمن استعمالها في العربية وفي كونها عربية أصيلة أو معربة.
إن وجود المعربات دليل على اتصال الجاهليين بغيرهم، واتصال غيرهم بهم.
وعلى الروابط الفكرية التي كانت بين العرب وبقية الساميين، وبين العرب والشعوب الأخرى وجمعها وتصنيفها لذلك في مجموعات حسب الموضوعات يعطينا رأيًا عن النواحي التي تأثر بها الجاهليون في أمور الحياة. غير أن هذا العمل عمل شاق، ويجب أن يستند إلى معجمات جامعة مرتبة ترتيبًا تأريخيًّا، تذكر الكلمة، ثم تذكر أصلها ومن أي أصل أخذت وفي أي زمن كان ذلك، وأول من استعملها أو أقدم نص عربي وردت فيه، وفي أي معنى استخدمت، وهكذا. ولكننا لا نملك، ويا للأسف، مثل هذه المعجمات. وكل ما لدينا معجمات قديمة، لم تنته لهذه الأمور، ولم تميز الجاهلي من الإسلامي، ولا اللفظ الوارد في عربية القرآن الكريم من اللفظ الوارد في اللهجات العربية الأخرى. فذكرت الألفاظ.
الواردة في اللهجات العربية الأخرى على أنها مرادفات، ترد في عربيتنا على حين أنها مسميات للشيء ذاته في اللغات العربية الأخرى.
والذين يقولون بعدم وقوع المعرب في كلام العرب، كأنهم يتصورون أن العرب كانوا بمعزل عن العالم وانقطاع عن الناس. ولهذا لم يتأثروا بغيرهم، ولم يؤثروا في غيرهم، وأن عرقهم لذلك بقي صافيًا نقيًّا سليمًا، لم تدنسه أعراق أعجمية، ولم يمازج دمهم دمٌ غريب، ولم تدخل لغتهم لفظة غريبة، بل بقيت نقية صافية على ما خلقها الله يوم خلق اللغات. وقد تكون في اللغات الأخرى، كلمات دخيلة، أما العربية فحاشاها من ذلك!
وهؤلاء لا يدرون أنه قد كانت في سواحل جزيرة العرب قبل الإسلام مستوطنات يونانية، نشأت في مواضع عديدة من سواحل البحر الأحمر وسواحل البحر العربي والخليج العربي، وقد بقي أصحاب تلك المستوطنات في مستوطناتهم فلم يعودوا على ديارهم، ونسوا أصولهم وعاداتهم، وصاروا عربًا مثل سائر العرب، يرجعون أنسابهم إلى أصول عربية على عرف العرب والأعراب. وأن منهم من بقي عرقه الدساس يحنّ إلى أصله، فقد ذكر المؤلفون اليونان أن بعض القبائل العربية الساكنة على السواحل، كانوا يرحبون ببعض اليونان، لاعتقادهم أنهم يجمعهم وإياهم صلب واحد.
يضاف إلى ذلك الرقيق من الجنسين، وقد كانت بلاد العرب تجلب عددًا كبيرًا منه في كل عام، تشتريه من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشأم، وتوكل إليه القيام بأعمال مختلفة، ولا سيما الأعمال التي تحتاج إلى خبرة ومهارة فنية ودراية. ونحن نعلم أن العربي الصريح يأنف من الاشتغال بالحرف وزراعة الخضر، ولذلك وُكِلَ إلى هذا الرقيق أمر القيام بها، فأدخل إلى العربية كثيرًا من الألفاظ الخاصة بالزراعة وبالحرف، لم تكن معروفة في العربية، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.
يضاف إلى ذلك أيضًا، التجارة. فقد كان التجار من عرب وغرباء يتعاطونها في جزيرة العرب وفي خارجها، يصدرون منها حاصلاتها وما تجمع فيها من سلع مستوردة من سواحل أفريقية الشرقية والهند، ويأتون إليها بما تحتاج إليه قبائلها وأهل مدرها وأهل إفريقية من بضائع مصنوعة أو منسوجة من حاصل الانبراطوريتين
الساسانية والرومية والأرضين المصاقبة لهما. ومن الطبيعي أن يؤدي ذهاب التجار العرب إلى أسواق العراق وبلاد الشأم، واحتكاكهم بالفرس والروم، إلى الوقوف على أحوالهم والاتصال بهم والأخذ منهم والتأثر بثقافتهم وحضارتهم واقتباس ما يلائمهم منهم؛ ومن الطبيعي أن يؤثر التجار الروم والفرس بعض التأثير في نفوس زملائهم العرب في الأماكن التي ولجوها من جزيرة العرب، وأن ينقلوا إليهم شيئًا من آرائهم وأفكارهم وتجاربهم في الحياة، وأن يعطوهم شيئًا من مصطلحات لغتهم التي لا تعرفها العربية، ومن الأسماء الخاصة بالتجارة وبالبضائع التي يأتون بها إلى جزيرة العرب لبيعها في أسواقها.
وكان للمبشرين شأن مهم في نقل التراث اليوناني والإرمي إلى جزيرة العرب في أيام الجاهلية، وبجهادهم المضني المتواصل وعملهم المتوالي، دخلت النصرانية في أماكن متعددة قاصية من بلاد العرب، حتى تمكنوا من تنصير قبائل وأمراء ورؤساء قبائل، بطريقتهم الخاصة في الإقناع والتأثير، وبالتطبيب، وبالتقرب إلى ضعاف الحال من الناس. وقد اتبعوا في التبشير وفي إدارة المؤسسات التبشيرية النظم الإدارية والدينية المتبعة في الكنيسة، فجعلوا "بيث قطرايا"، أي "قَطَرًا" الموضع المعروف اليوم على ساحل الخليج، كرسيًّا لـ "مطرابوليطي"، يقيم فيه، ويشرف على إدارة خمسة أساقفة، يقيمون في "ديرين" و"مشمهيغ" أي:"سماهيج" وهجر وبلاد "مازون" و"حطا" المسماة "يبط أردشير"1، وهي الخط.
وفي موضع مثل نجران غلبت النصرانية على أهله، نظمت الكنيسة شئون المدينة، فتول رئيسها الديني، وهو بدرجة "أسقف"، الأمور الدينية، وتولى "السيد" أمور الحرب وإدارة المسائل الخارجية المتعلقة بعلاقة نجران بغيرها، وتولى "العاقب" الأمور الداخلية، وهم جميعًا يؤلفون معًا مجلس المدينة فيديرون معًا أمور الناس، وينظرون في كل ما يحدث بينهم من نزاع وخصومات. وهكذا نظمت العلاقات بين كنيسة المدينة وحكامها، وانسجم الحكم بين الجماعتين.
وقد أدخل التبشير ألفاظًا يونانية وسريانية ترد في الديانة وفي الحياة اليومية إلى
1 أدي شير، تأريخ كلدور وآثور، المجلد الثاني، "المقدمة".
اللغة العربية، ولا سيما المصطلحات الخاصة بتنظيم الكنيسة وبالحياة النصرانية، كما كان لبعض الشعراء الجاهليين يد في إدخال بعض المصطلحات النصرانية إلى العربية، كالذي نجده في شعر "امرئ القيس" والأعشى وعدي بن زيد العبادي وغيرهم من كلمات ترد بكثرة عند النصارى، نتيجة اتصالهم واحتكاكهم بهم، فصارت بذلك تلك الكلمات من المعربات.
ويضاف إلى من ذكرنا اليهود. فقد كان لهم أثر في الجاهليين، في يهود العربية الغربية خاصة -أي: في الحجاز- في البقعة الممتدة من "يثرب" حتى بلاد الشأم، وفي اليمن. فقد سكن اليهود في هذه المواضع، وبنوا لهم مستوطنات فيها، واختلطوا بعربها، واحترفوا الحرف كما ذكرت ذلك في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب.
وقد كانت "مدراشات" اليهود في يثرب وفي المستوطنات اليهودية الأخرى تلقن اليهود أحكام دينهم، وتعلم أطفالهم القراءة والكتابة. وقد قصدها العرب وجلسوا فيها يستمعون إلى يهود، وقد شاهدها الرسول بعد هجرته إلى المدينة، وحضر جدلًا كان قد وقع بين جماعة من يهود، كما حضرها أبو بكر ونفر آخرون من الصحابة. وكان أحبارهم يدرسون فيها ويفتون، كما كانوا يقيمون الصلوات واحتفالات الأعياد في "الكنيس". ومن هؤلاء اليهود ومن "مدراشاتهم" انتقلت الألفاظ العبرانية إلى العربية فعربت، وفي جملة ذلك لفظة "مدراس"، و"سفر"، و"توراة"، و"تابوت"، و"حبر"، و"كاهن" وغير ذلك من مصطلحات، لأكثرها صلة بشئون الدين.
إن الحاجة، هي التي تحمل الناس على الأخذ والعطاء، وبها نفسر اقتباس العرب للمعربات، فأسماء بعض الآلات والأدوات والطرق الفنية والأنسجة الدقيقة المصنوعة من الحرير وأسماء المأكولات النفيسة وأسماء النبات التي هي من أصل شمالي وبعض المشروبات وما شابه ذلك، إنما دخلت العربية وعربت لأسباب عديدة، أهمها أن الحياة في جزيرة العرب حياة عادية، تكاد تجري على وتيرة واحدة، فلم تساعد على ظهور الأمور المذكورة، فاضطر الناس بحكم الحاجة إلى أخذها من غيرهم واستيراد أشياء مادية وغير مادية من جيرانهم، حتى في الأمور الفكرية والروحية، مثل المعربات الدينية، فإنها خضعت لحكم الحاجة، فالنصارى
العرب استعملوا معربات من أصل سرياني؛ لأنهم اضطروا إلى استعمالها؛ لأنها تعابير دينية لا وجود لها عند العرب الوثنيين أولًا، ثم هي مصطلحات رسمية كنسية، لم تتساهل الكنيسة في تغيير أسمائها، ولهذا استعملها العرب على النحو المرسوم، كما يستعمل الأعاجم المسلمون المصطلحات العربية؛ لأنها مصطلحات إسلامية ليس لها مقابل في لغتهم، أو لأنها مصطلحات دينية نحب المحافظة على تسميتها وإن وجد لها مقابل في لغات الأعاجم.
وأكثر المعربات الجاهلية، هي من أصل يرجع إلى لغة بني إرم أو إلى لغة الفرس، ثم تليها المعربات المأخوذة من لغات أخرى مثل اليونانية والعبرانية واللاتينية والحبشية والقبطية، وكثير من الألفاظ اليونانية إنما دخل إلى العربية عن طريق السريانية، فقد كان السريان قد أدخلوها في لغتهم؛ لأنها لم تكن معروفة عندهم، ومن لغتهم هذه تعلمها الجاهليون.
والمعربات السريانية الأصل، هي في الزراعة في الغالب، وفي التوقيت، ثم في موضوعات دينية وصناعية وتجارية وفي أمور أخرى. أما المعربات عن الفارسية فهي في موضوعات زراعية كذلك وفي أسماء المأكول والملبوس وأمور اجتماعية.
وأما المعربات عن العبرانية، ففي أمور خاصة بسكناهم بين العرب وبأمور دينهم وشئونهم. وأما المقتبس عن اليونانية فهو في أمور حِرْفية، وفي مصطلحات دينية ومصطلحات زراعية ومصطلحات تستعمل في شئون البحر وما شاكل ذلك.
وتفسير وجود المعربات السريانية والفارسية بنسبة تزيد على نسبة وجود المعربات الأخرى، هو أن المتكلمين بلغة بني إرم كانوا مزارعين في الغالب، وكانوا على اتصال بالعرب، وقد خالطهم العرب وعاشوا بينهم، واقتبسوا منهم، حتى أنهم كتبوا بلسانهم، ودخل الكثير منهم في دينهم، دين النصرانية، ولا سيما قبيل الإسلام. وقد كانت أحوالهم الاجتماعية مشابهة للأحوال الاجتماعية عند العرب، ولا سيما عرب بلاد الشأم والعراق، ووضع مثل هذا يؤدي بالطبع إلى الاقتباس والأخذ والعطاء. وأما الفارسية، فقد كان الفرس يحتلون بلاد العراق وكان لهم نفوذ على العربية الشرقية، وقد استولوا على اليمن قبيل الإسلام، ولهم تجارة مع أهل مكة وأماكن أخرى، وبحكم هذه الصلات دخلت في العربية ألفاظ فارسية وصارت في عداد المعربات.
ونحن إذا تتبعنا صورة توزع المعربات بين العرب، نجد أن توزيعها يختلف باختلاف الأمكنة، فهناك أمكنة تأثرت بالمعربات الفارسية بالدرجة الأولى، وهناك مواضع تأثرت بالمعربات السريانية في الأكثر، وهناك أقاليم تأثرت بالمعربات عن اليونانية أو الحبشية بالدرجة الأولى. ثم نجد ظاهرة أخرى في كيفية توزع المعربات وظهورها، هي ظاهرة الحاجة والظروف السائدة في مكان ما. فيمكننا إذن إرجاع تأثر لهجات العرب الجاهليين بالمؤثرات اللغوية الأعجمية إذن إلى عاملين: عامل الاختلاط بالأعاجم عن طريق الجوار أو السكن معهم في موضع واحد، واستخدامهم لهم ومجيء الأجانب من تجار ومبشرين إليهم، وعامل الحاجة التي كانت تدفع إلى أخذ أشياء غير معروفة في بلاد العرب، فتدخل العربية بأسمائها الأعجمية، فإذا انقضى زمن عليها، تدخل في ضمن اللسان العربي وتعرب، حتى ليخيل إلى من لا يعرف أصلها أنها عربية الأصل والنجار.
ولما تقدم نرى أن المعربات عن السريانية والفارسية هي أظهر وأبرز في لهجات عرب العراق من المعربات الأخرى، وأن المعربات عن السريانية واليونانية، اللاتينية أبرز وأوضح في لغة عرب بلاد الشأم من المعربات المنقولة عن الفارسية أو الحبشية.
وأن المعربات عن الحبشية واللهجات الإفريقية، هي أوضح وأكثر ظهورًا في لهجات العرب الجنوبيين من المعربات الأخرى، وذلك بسبب اختلاط العرب الجنوبيين بأهل الساحل الإفريقي الشرقي ووجود جاليات إفريقية في العربية الجنوبية وجاليات عربية جنوبية في السواحل الإفريقية المقابلة منذ أيام ما قبل الميلاد، فأدى هذا الاختلاط والتجاور إلى الأخذ والعطاء في اللغة. كما نجد المعربات عن الهندية والفارسية والإرمية ظاهرة بارزة على ألسنة أهل الخليج، لاتصالهم بالهند وبفارس وبالعراق.
وأما مثال ظهور المعربات بسبب الحاجة، فهو ما نجده في لهجة أهل يثرب وما حولها من مؤثرات فارسية وسريانية في الزراعة بصورة خاصة وفي نواح أخرى من نواحي الحياة الاجتماعية، فقد استعمل أهل المدينة ألفاظًا فارسية في لهجتهم، بسبب حاجتهم وظروفهم. فأرضهم أرض خصبة ذات آبار ومياه، ولما كانوا في حاجة إلى أيدي عاملة لتشغيلها لاستغلال مواردها استعانوا بالرقيق، وكان معظم الرقيق الذي جيء به، من رقيق العراق الذي يرجع إلى أصل فارسي، أو نبطي متأثر بالفارسية، لرخص ثمنه بالنسبة إلى رقيق الروم، ولفطنته ولمهارته في الحرف
بالنسبة لرقيق أفريقية، وعن طريق هذا الرقيق دخلت المعربات الفارسية والنبطية المستعملة في الزراعة وفي أمور أخرى عرف بها الفرس والنبط
لى "يثرب"1.
أما أهل مكة، فلم تظهر المعربات الزراعية عندهم، لعدم وجود حاجة لهم إليها، بل استخدموا معربات أخرى في الأمور التي كانوا بحاجة إليها، والتي لم يكن لها وجود عندهم، وقد دخلت إليهم من أماكن مختلفة، كان لهم تعامل معها، ومن الرقيق والتجار الغرباء الذين كانوا يعيشون بها.
ولبعض المحدثين بحوث في الدخيل من السريانية على العربية، من جملتها بحث للمستشرق "فرنكل" Frankel، دعاه "الألفاظ الآرامية الدخيلة على العربية" Die Aramaischen Fremdworter im A rabischen وكتابه هذا هو أشهر كتاب ألّفه المستشرقون في هذا الباب. كما أن لآباء الكنيسة الشرقيين مؤلفات وبحوثًا في الألفاظ السريانية في العربية، وضعوها بالعربية، نشر بعضها في مجلة المشرق، ونشر بعض آخر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ونشر بعضه في كتب، مثل كتاب:"غرائب اللغة العربية"، تأليف الأب رفائيل نخلة اليسوعي، وفيه باب خاص بالكلمات الدخيلة في العربية الداخلة فيها من الآرامية والعبرانية والفارسية واليونانية ومن التركية واللاتينية والإيطالية والفرنسية ومن لغات أخرى2.
وفي بعض هذه البحوث تسرع في الأحكام، إذ فيها ألفاظ نسبت إلى أصل سرياني، وهي من الألفاظ الواردة في اللهجات العربية القديمة، وفيها مما يرد في العربية وفي اللغات السامية الأخرى، لأنه من المشترك الذي يرد في أصول الساميات.
وقد رأيت اختيار ألفاظ في الزراعة أو ألفاظ لها علاقة بها، من القائمة التي أوردها "الأب رفائيل نخلة اليسوعي"، للألفاظ الآرامية الداخلة في العربية، وذلك للوقوف عليها، ولتكوين فكرة عنها، وبعض هذه الألفاظ هو في رأيي مما استعمله العرب قبل الإسلام، ووارد في النصوص الجاهلية، فمن الصعب إرجاعه إلى أصل آرامي من غير نص أو دليل منطقي مقبول وبعضه من النوع الوارد في العربية وله أصل عربي، فلا يمكن أن يقال: إنه من أصل آرامي،
1 البيان والتبيين "1/ 10".
2 المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1960.
لمجرد وجود مرادف له أو لفظ مقارب له، وبعض آخر هو من الألفاظ التي ترد في كثير من اللغات السامية فلا يجوز تخصيصه بالسرياني، وإرجاع أخذ العرب له من هذا الأصل.
ومن اللهجات في الزراعة وما يتعلق بها وبالفواكة والحبوب والأزهار وما شاكل ذلك: "آس" وهو من أصل سرياني هو "أسو"، و"أب" بمعنى ثمرة من "أبو"، و"أرف"، و"أرفي" من أصل سرياني كذلك بمعنى قسم الأرض وحددها، ومن يمسح الأرض ويحددها. و"أكّار" بمعنى حرّاث، أي: من يحرث الأرض من أصل Akoro، و"أنبوب"، من "أبوبو" Aboubo بمعنى قصبة وأنبوب أجوف وما بين عقدتين من القصب، و"أندر" بمعنى بيدر، من "ادرو" Edro و"باسور" بمعنى عنب غير ناضج، و"باكورة" ويراد بها أول الثمر من "Bakorto" و"بطيخ"، أي: البطيخ من Fatiho، و"بور" صفة للأرض من "بورو" Bouro و"بيب"، بمعنى قناة ومجرى الماء إلى الحوض من أصل "بيبو" bibo، و"بيدر" من bay-edro و"تبن" من "تبنو"، و"تخم" بمعنى حدّ من أصل "تحومو" thoumo و"ترعة"، بمعنى قناة عميقة من "ترعتو" و"توت" من "توتو" touto و"ثوم" من toumo و"جبن" من أصل goubno والجريب من gribo، و"جرام" بمعنى نواة من أصل garmo، و"الجرن" ويراد به حجر منقور للماء وغيره من Gourno، و"الحب" بمعنى الجرة الكبيرة من "حبو" Houbo و"حمص" من "حمصو" Hemso و"حندقوق" من Handqouqo، و"خبيص"،بمعنى حلوى مخبوصة، من طحين وسمن وعسل وأصلها "حبيصو" Habiso، و"الخردل" من "حردلو" Hardlo، و"خس" من "خسو" Haco، و"الخوص" الذي يكون على السعف من "حوصو" Houso، والخوخ من Hougo و"الدبرة" البقعة المزروعة، أي: الحقف من "دبرو" dabro و"دبس" أي: الدبسن من debcho و"دبق" من debeq و"درس"، كأن نقول: درس الحنطة من drach و"دقلة" أي: نخلة من deqlo و"رُب" وهو ما يخثر من عصير الثمار من أصل Raubo و"رحى" من Rahyo و"رمّان" من أصل Roumono و"ريحان" من Rihno و"زبن" بمعنى باع الثمر على شجره، Zaban بمعنى باع
و"زبون" بمعنى مشتري من Zobouno و"زفت" من أصل Zefto و"زق" من Zeqo و"زمارة"، قصبة يزمر بها Zamorto و"زيت" من Zayto و"زيتون" من Zaytouno و"سكة" مثل سكة المحراث من Sekto و"سكر" ما يسد به النهر، من Chakro و"سلاء" أي: شوك النخل من Salwo و"سمّاق" من أصل Sawmoqo، وسنبل الحنطة من Seblo و"سنبل" بمعنى نبات طيب الرائحة من Sanboul و"شتلة" ما قلع من النبات ليغرس في مكان آخر من أصل Chetlo، و"شرعوف" نبات وثمر من أصل Sour'afo و"شالم" و"شولم" و"شيلم" من Chaylmo و"صعتر" من Setro و"صفصاف" من Safsofo و"مطمورة"، وهي حفرة تحفر في الأرض يوسع أسفلها لحفظ الحبوب. من Matmourto و"عذق" أي: عنقود عنب أو نخل من "عدق" daq و"عفص" من 'afso، و"عقار" خمر ونبات يتداوى به، وقد سمى العرب الخمر دواء من أصل egro، و"عنب" من enbo، و"عنقر" جذر القصب من eqoro بمعنى جذور و"عود" وهو العود الذي يتبخر به من ouda و"غابة" من أصل obto بمعنى غابة كثيرة الأشجار، وغدير بمعنى نهر وبركة يتركها السيل من gadiro، و"غرب" نوع من الحور من أصل "arbo" و"فجل" من fouglo، وفدان من أصل fadno، و"فرث"، من ferto و"الفروج" من Farougo، و"الفرخ" من farahto و"فرع" بمعنى غصن من "فرعو" Fer'o، و"فقح" مثل "فقح النبات" بمعنى: أزهر من أصل "فقح" fqah، و"فقاح النبات" أي: زهره من أصل "فقحوا" fagho، و"فُل" وهو زهر يشبه الياسمين من "فلو" Falo، و"قثاء" من qtouto، و"قش" من Qecho، و"قصر" وهو ما يبقى في الغربال من النفاية، من أصل "قصرو" qisro أي: قشرة الحنطة، و"القطران" وهو سائل زيتي يستخرج من بعض الأشجار من أصل "قطرون" qotron، و"القفيز" وهو مكيال من "قفيزو" qfizo، و"قفص" من "قفسوا" Qafso، و"قلة" بمعنى جرة كبيرة من "قلتو" qoulto، و"قمح" أي: حنطة، من "قمحو" qamho، و"كاث" وهو ما ينبت مما انتثر من الزرع المحصود من koto و"كدّاس" الحب المحصود المجموع من
"كديخو" qdicho، و"كرّ" بمعنى حمل ستة أوقار حمار، أو ستون قفيزًا من "كورو" kouro، و"كرب" من أصل "كرب" krab، و"كُراث" من karoto، و"كرخ" بمعنى أجرى وحول من "كرخ" krak، و"كرفس" من "كرفسو"، krafso و"كزبرة" من "كوزبرتو" kouzbarto، و"كمثرى" من "كومترو" Komatro، و"معين" نعت للماء الجاري على وجه الأرض من "مينو" m'ino، و"نجر" من "نجر" Nagr ومنها النجار، و"نشوق" من "نسكو" Nosko و"نطر" بمعنى حرس من "نطر" Ntar ومنها الناطور أي: الحارس، و"نُطّار" وهو ما يكون على هيأة رجل ينصب بين الزرع لإخافة الطيور وإبعاد الحيوانات المضرة به من "نوطورو" notoro، و"نيطل" بمعنى دلو من "نطلو" notlo، ونعناع من mon'o، و"نورج" سكة المحراث من "نورجو" Norgo، و"نير" وهي خشبة معترضة في عنقي ثورين يجران محراثًا من "نيرو" Niro، و"هرطمان" من qourtomo، وبل ووابل بمعنى المطر الشديد من "يبل" Yiabl، و"ورد" من "وردو" Wardo، و"وسق" بمعنى حمل بغير من "وسقو" Wasqo، و"يتوع"، كل نبات له لبن، أي: سائل أبيض في داخله يشبه اللبن من "يتوعو" Yatou'o1.
وقد وردت لفظة "الأب" في القرآن الكريم" {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ} 2.
وقد ذكر أن "عمر" قال: "قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف"3، وقد اختلف المفسرون في المراد منها، مما يدل على أن اللفظة لم تكن معروفة عندهم معرفة واضحة، وفي كلام عمر:"إن هذا لهو التكلف"، أو قوله:"ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا"4 دلالة على عدم وضوح معناها عنده وعند الناس. وهي بمعنى "ثمرة" في الإرمية من
1 غرائب اللغة "من الصفحة 172 إلى الصفحة 210".
2 عبس، الآية31.
3 تفسير الطبري "30/ 38"، تفسير الألوسي "30/ 47"، تفسير ابن كثير "4/ 472 وما بعدها".
4 تاج العروس "1/ 142"، "أب".
Ebo، وقد ذهب العلماء إلى أن "الأبَّ" ما تنبت الأرض للأنعام والماشية1، فهي في معنى آخر، يخص العشب والكلأ وما تنبته الأرض ليعلفه الحيوان في رأي غالبية العلماء، غير المعنى الوارد لها في السريانية.
وأما "الأرف"، فبمعنى تقسيم الأرض وتحديدها، ويقال لمن يمسح الأرض ويعين حدودها "أرفوا" Arfo في الآرمية2، وقد ذكر علماء اللغة أن الأرف الحدود بين الأرضين، أو معالم الحدود بين الأرضين. "وفي حديث عثمان رضي الله عنه، الأرف تقطع الشفعة، وهي المعالم والحدود. هذا كلام أهل الحجاز، وكانو لا يرون الشفعة للجار"3.
وأما "الأكار" فيذكر علماء اللغة أنها من أصل "أكر"، بمعنى "حفر"، والأكار بمعنى الحفار والحرّاث والزراع. ومن ذلك حديث "أبي جهل: فلو غير أكار قتلني"، أراد به احتقاره وانتقاصه4. وتقابل هذه اللفظة لفظة "أكورو" Akoro في الأرمية التي هي "أكار"5.
وبين الألفاظ التي ذكرتها ألفاظ لا يوجد دليل على أنها معربة من أصل إرمي لأننا نجد أن لها جذرًا عربيًّا، وهي ليست من المسميات التي لم يعرفها العرب حتى نقول: إنها استوردت من الخارج، أو أن الحاجة حملت العرب على تعلمها من الرقيق الذي كان عندهم أو من المبشرين أو التجار الغرباء.
وأما المعرب عن الفارسية مما يخص الزراعة، فأكثره في أسماء أثمار أو أزهار أو روائح وعطور، مثل "الخربز" بمعنى البطيخ، من أصل "خربوزة".
وفي الحديث عن أنس قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرطب". وفي حديث عن عائشة: "يأكل البطيخ بالرطب"6. و"السيسنبر"
1 الموارد المذكورة.
2 غرائب اللغة "172".
3 تاج العروس "6/ 39"، "أرف".
4 تاجر العروس "3/ 17"، "أكر".
5 غرائب اللغة "173".
6 الجواليقي: المعرب "ص137"، فتح الباري "9/ 496"، عون المعبود "3/ 427 وما بعدها".
نوع من الريحان1، و"الجل" بمعنى الورد2، و"الجلاب" أي: ماء الورد. وقد وردت اللفظة في حديث عائشة عن الرسول3. وذلك دليل على أن اللفظة كاتب معروفة قبل أيام الرسول. ويلاحظ أن لفظة "بطيخ" هي من الألفاظ المعربة كذلك، عربت من أصل "فطيخو" بلغة بني إرم4.
وقليل منه ما يخص آلات الزراعة أو الأرض، مثل "بستان" والجمع "بساتين"5، وذلك لأن غالبية الذين كانوا يفلحون الأرض ويزرعونها في العراق وفي بلاد الشام، هم من بني إرم أو من المتكلمين بلغتهم، وباحتكاك العرب بهم تعلموا أسماء الآلات والأدوات وطرق الاستفادة من الأرض، فدخلت إلى العربية. أما الفرس في العراق، فلم يكونوا يباشرون زراعة الأرض وفلاحتها في العراق، وإنما كان "مرازبتهم" وأثرياؤهم يمتلكون الأرضين الواسعة، ويسخرون أهل البلاد في استغلالها لهم، ولهذا لم تترك لغتهم أثرًا كبيرًا يشبه الأثر "الإرمي" من ناحية الزراعة في العربية.
أما المعربات في الزراعة عن اليونانية، فأقل عددًا، إذ لم يكن العرب على اتصال مباشر بالمزارعين اليونان، لهذا لم يأخذوا عنهم كثيرًا. والمعروف من المعربات في هذا الباب هو في أسماء نمر نبات أو بذور، أو ما يتعلق بحاصل عنب، مثل الخمور، فقد كان أهل الحجاز يستوردون الخمور من بلاد الشأم، وقد تعلمها أهل هذه البلاد من الروم بأسمائها اليونانية. ولما أخذها العرب من بلاد الشام، حرفوا الأسماء بعض التحريف لتلائم المنطق العربي.
ومن هذه المعربات: "الاسفنط": وهي أجود الخمر المطيب من عصير العنب، من أصل "افسنتين" Apsinthion، كان الخمر يطيب به6.
و"خندروس"، ويراد بها نوع حنطة، أو حنطة مجروشة من أصل7 Khandhros، و"خندريس" ويراد بها خمر معتقة، ونعت لخمر مصنوعة من
1 الجواليقي "ص80، 105"، غرائب اللغة "ص235".
2 الجواليقي "ص115"، غرائب اللغة "ص223".
3 الجواليقي "ص106" فتح الباري، لابن حجر "1/ 317"، المزهر "1/ 276".
4 غرائب اللغة "174".
5 الجواليقي "ص53".
6 الجواليقي "ص18"، غرائب اللغة "ص252".
7 غرائب اللغة "ص257"، "وأخبرنا عن يعقوب أن "الخندرس": القديمة، يقال: حنطة خندرس، أي: قديمة"، الجواليقي "ص125".
الكرم اسمه1 Kantharios. و"زنجبيل"، وهي من أصل zinguiveri. ومن الألفاظ الواردة في القرآن الكريم. وقد ذكرت في شعر منسوب إلى الأعشى2.
و"القرنفل"، من أصل3 Kariofillon. و"كافور" من Kafoura. وفي السريانية4 qafouro. و"المسطار"، ويراد بها الخمر التي اعتصرت من أبكار العنب حديثًا5، وأصلها "مسطس6 " Moustos. و"نرجس" من أصل7 Narkisos.
وبلاد الشام أكثر شهرة من العراق في الأعناب، وهي مادة صالحة لصنع أنوع متعددة من الخمور. أما أهل العراق، فقد استخرجوا خمرهم من التمر، فلم يعرف لهذا السبب بتنويع الخمور. وقد استغل سكان جزيرة العرب التمور أيضًا لاسخراج الخمور منها، وذلك في الأماكن التي تكثر فيها النخيل، وتقل أشجار الكروم. ولاتصال الحجاز ببلاد الشام بالقوافل الكبيرة، كانت الخمور من أهم السلع التي تستوردها القوافل من تلك البلاد.
ومن الألفاظ الآرامية التي دخلت في العربية، ولها معان دينية لفظة "أبل" بمعنى تنسك من "ebal"، و"تأبل" بمعنى "حزن" من "etebal"، و"أبيل" بمعنى راهب من "أبيلو""abilo" الإرمي بمعنى ناسك وراهب8. وقد جعلها "الجواليقي" فارسية الأصل9، وهو خطأ منه. و"الباعوث"، صلاة لثاني عيد الفصح في بعض الطوائف من أصل "bo' outo" بمعنى صلاة وطلب10.
و"برخ" بمعنى زيادة ونماء من "يرختو" bourhto بمعنى بركة وعطية11.
و"البيعة" من "بيعتو"12 Bi'to. و"الدنح"، ويراد بها عيد الغطاس،
1 غرائب اللغة "ص257".
2 الجواليقي "ص174"، غرائب اللغة "ص259".
3 غرائب اللغة "ص265".
4 غرائب اللغة "ص267"، الجواليقي "ص285 وما بعدها".
5 الجواليقي "ص321".
6 غرائب اللغة "ص269".
7 غرائب اللغة "ص271".
8 غرائب اللغة "ص172".
9 الجواليقي "ص30".
10 الجواليقي "ص57"، غرائب اللغة "ص173".
11 الجواليقي "ص81 وما بعدها"، وغرائب اللغة "ص174".
12 الجواليقي "81"، غرائب اللغة "ص175".
من أصل "دنحو"1 denho. و"دير" أي: بيت الرهبان، من أصل دار2.
و"ديراني" نسبة إلى "دير"، من أصل3 Dayronoyo. و"ربّاني"، بمعنى عالم بشريعة اليهود، وحاخام أي: معلم من أصل "ربونو"4 Rabono. و"روح القدس" من "روح قدشو"5 Rouhqoudcho. و"مزمور" من
"مزمورو"6 Mazmouro. و"سُلاق" عيد صعود السيد المسيح، من Souloqo أي: صعود7. و"صلاة" من "صلوتو"8 slouto. و"قس""قسيس" من "قشيشو"9 Qachicho. و"القوس" ويراد بها الصومعة، من أصل kaucho، بمعنى عزلة10. و"ناقوس" من أصل11 noqoucho.
وهناك ألفاظ أخرى لها معان دينية، لم تكن شائعة معروفة إلا بين النصارى، لذلك لم أرَ حاجة إلى الإشارة إليها، ثم إن من الصعب البرهنة على أنها كانت مستعملة عند النصارى الجاهليين.
وبعض الألفاظ المذكورة معروف، وقد ذكر في الحديث، وهذا مما يدل على شيوعه عند أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، وبعضه مما ورد في القرآن الكريم من آيات تعرضت للنصرانية في ذلك العهد.
وباتصال العرب باليهود في الحجاز، دخلت في العربية ألفاظ ومصطلحات دينية، عُربت، مثل:"آمين" من أصل "آمن"12، و"إسرائيل" و"إسرائين" من "يسرائيل""ي س ر ال"13، و"تابوت""ت ب 5"14
1 الجواليقي "ص144"، الآثار الباقية "ص292 وما بعدها"، غرائب اللغة "ص181".
2 الجواليقي "ص187"، غرائب اللغة "ص182".
3 غرائب اللغة "ص182".
4 غرائب اللغة "ص182".
5 غرائب اللغة "ص184".
6 غرائب اللغة "ص185".
7 الجواليقي "ص196"، غرائب اللغة "ص188".
8 غرائب اللغة "ص193".
9 غرائب اللغة "ص201".
10 الجواليقي "ص278"، غرائب اللغة ص202".
11 الجواليقي "ص339"، غرائب اللغة "ص208".
12 غرائب اللغة "ص211".
13 الجواليقي "ص13 وما بعدها"، غرائب اللغة "ص211".
14 غرائب اللغة "ص211.
بمعنى صندوق خشب و"تلمود"1 و"توراة" من "تورا" بمعنى تعليم وشريعة2، و"جهنم" من "جي هنم"، بمعنى وادي هنم، وهو جنوب أورشليم، أي: القدس، وقد كثر فيه قبل الميلاد إحراق الأطفال تضحية لإله العمونيين3. و"حبر" من "حبر" "ح ب ر" بمعنى "الرفيق" في الأصل، ثم خصصت4 بعالم. و"إسرافيل" من "سرافيم""س ر ف ي م"، ملك من الملائكة الكبار5. و"سبت" اسم يوم، من "شبث" بمعنى يوم الراحة، واستراح6. و"سبط"، قبيلة من قبائل اليهود الاثني عشر، من "شبط"7، و"مِدراس"، بمعنى عهد تدرس فيه التوراة، من "مدرش"، "مدراش"، أي بحث وشرح نص8.
ولفظ "نبي""نابي" Nabi المستعملة في عربيتنا من الألفاظ الواردة في التوراة، وردت "300" مرة في مواضع مختلفة منها9. وترد في لغة بني إرم أيضًا، حيث وردت على هذه الصورة:10 Nbiyo. وقد ذكر علماء اللغة أنها من المعربات11.
وأخذت العربية من العبرانية ألفاظًا قليلة ذات صلة بالحرف، مثل "تابوت" بمعنى صندوق من "تبا" Teba، ويراد بها معنى صندوق في العبرانية12.
و"فطيس" من "بطيش" Pattich بمعنى مطرقة13. و"قدوم" من "قردم" "قردوم" qardom بمعنى فأس، و"كرزن" من "كرزن" بمعنى فأس كبيرة14.
1 غرائب اللغة "ص211".
2 غرائب اللغة "ص211".
3 الجواليقي "ص107"، غرائب اللغة "ص211".
4 ولفنسون، اليهود في جزيرة العرب "ص20".
5 الجواليقي "ص8"، غرائب اللغة "ص212".
6 غرائب اللغة "ص212".
7 غرائب اللغة "ص212".
8 غرائب اللغة "ص213".
9 Hastings، p. 767
10 غرائب اللغة "206".
11 الرافعي، تأريخ آداب العرب "1/ 205".
12 غرائب اللغة "ص211".
13 غرائب اللغة "ص212".
14 المصدر نفسه.
وقد احترف اليهود الحدادة والصياغة والنجارة في الحجاز، وتكسبوا منها، ورآهم الجاهليون، وهم يعملون بآلاتهم، فتعلموا منهم أسماء الآلات المذكورة وغيرها، واستعملوهاعلى النحو المذكور.
ويلاحظ أن الباحثين في المعربات من المستشرقين والشرقيين، رجعوا أصول ألفاظ يهودية إلى السريانية، وهي يهودية في الأصل، وقد أخذتها السريانية من العبرانية بواسطة النصرانية، بدليل ورودها في اليهودية قبل ظهور النصرانية بزمن.
أما المجوسية، ديانة الفرس، فلم نترك أثرًا يذكر في العربية من ناحية المعربات ذات المعاني الدينية، لقلة اتصال العرب بها، وعدم اهتمام المجوس بنشر دينهم، وقلة عددهم في جزيرة العرب. ولهذا كانت أكثر الألفاظ الدينية التي عرفها الجاهليون، قد دخلت فيهم من اليهودية والنصرانية، بسبب اتصال اليهودية والنصرانية بالجاهليين اتصالًا مباشرًا.
ولفظة "المجوسية" نفسها هي من الألفاظ المعربة، فهي من أصل Magush في الفارسية القديمة، Mugh في الفارسية الحديثة، و Maghos في اليونانية، وقد انتقلت من الإرمية إلى العربية1. وفي الحديث:"كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يمجسانه -أي: يعلمانه دين المجوسية"2. وذكر أن اللفظة قد وردت في بيت شعر جاهلي هو:
أحار أريكَ برقًا هبَّ وهنًا
…
كنار مجوس تستعر استعارا
يقال: إن صدر البيت لامرئ القيس وعجزه للتوأم اليشكري، "قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس مِعَنّا عريضًا ينازع كل من قال: إنه شاعر، فنازع التوأم اليشكري، فقال له: إن كنت شاعرًا فملّط أنصاف ما أقول وأجِزها، فقال: نعم، فقال امرؤ القيس:
أصاح أرك برقًا هب وهنًا
فقال التوأم:
كنار مجوس تستعر استعارا
1 Shorter Ency.، P. 298 غرائب اللغة "269".
2 تاج العروس "4/ 245"، "مجس".
فقال امرؤ القيس:
أرِقت له ونام أبو شريح
فقال التوأم:
إذا ما قلتُ قد هدأ استطارا"
على آخر الشعر1. وإذا صح هذا التمليط، تكون هذه اللفظة قد وردت فيه لأول مرة في شعر جاهلي.
ومن الألفاظ التي لها صلة بالمجوسية لفظة "موبذ" و"موبذان"، بمعنى الرئيس الديني للمجوس. من أصل "موبد"، بمعنى كاهن ورجل دين عند الفرس القدماء2.
وفي باب المأكولات والمشروبات وما يتعلق بهما، نجد المعربات عن الفارسية أبرز وأظهر من المعربات المأخوذة من لغة بني إرم، أو من لغة الروم واللغات الأعجمية الأخرى فـ"الباذق"، وهو ضرب من الأشربة، من أصل فارسي، هو "باذه""باده" بمعنى خمر، أي: شراب مسكر3. ولفظة "باطية" ويراد بها إناء زجاج للشراب، من أصل "بادية" أي: جرة4. و"البالغاء"، بمعنى الأكارع من أصل "بابها" بمعنى أرجل5. و"الجلاب" أي: ماء الورد، من أصل "كُلْ آب"، و"كُلْ" بمعنى ورد، و"آب" بمعنى ماء6. و"الجوزينج" "الجوزينق" من الحلاوات، وتعمل من الجوز. من أصل "كوزينة"7.
و"الخربز" البطيخ، من أصل "خربوزة"8 و"الخشكنان"9، و"الخشكار"،
1 اللسان "6/ 213 وما بعدها"، "مجس".
2 غرائب اللغة "246".
3 المعرب، للجواليقي "ص81"، غرائب اللغة "ص217"، الخفاجي، شفاء الغليل وما دخل في كلام العرب من الدخيل.
4 المعرب "ص83"، غرائب اللغة "ص218"، الدراسات الأدبية، 1953، الجزء "2 و3"، "ص9"، التبادل اللغوي بين العربية والفارسية، لجلال الدين همايوني، السنة الثانية 1961م، "ص375"، "صور من التعريب ونقل المعاني من الفارسية إلى العربية".
5 المعرب "ص51"، غرائب اللغة "ص218".
6 المعرب "ص106"، ابن حجر، الفتح "1/ 317"، غرائب اللغة "ص223".
7 المعرب "ص99"، غرائب اللغة "ص224".
8 المعرب "ص137"، "غرائب اللغة "ص225".
9 المعرب "ص134".
أي خبز مصنوع من قشر الحنطة والشعير، من أصل "خشك"، بمعنى يابس وآرد، بمعنى طحين1. و"خوان" بمعنى مائدة2، و"دوق" بمعنى لبن استخرج زبده، من أصل "دوغ"، بمعنى لبن حامض3 و"فالوذج" "الفالوذ" "الفالوذة"، نوع من الحلواء، من أصل "فالوده" "بولاد"4.
ويذكر أهل الأخبار: أن عبد الله بن جدعان كان يطعم العرب هذا الطعام، فمدح5. و"القند"، السكر6، و"الكعك"، من أصل "كاك"7.
و"اللوزينج" نوع من الحلواء، من أصل لوزينه"8، و"الأنبار" أهراء الطعام، واحدها "نَبْرٌ"، و"أنابير" جمع الجمع9، من أصل "أنباشتن" بمعنى خزن10. و"الدّرمك"، وهو الدقيق الأبيض، أي: لباب الدقيق، و"الجردق"، و"السميذ"11.
و"السكباج"، وهو لحم يطبخ بخل، من أصل "سركه باجة"، و"السكبينج" دواء، وصمغ شجرة بفارس، و"السكرجة" قصاع يؤكل فيها صغار12، و"الزيرباج"، و"الإسفيداج، و"الطباهج"، و"النفرينج" من ألوان الطبيخ13.
وسبب ذلك أن الفرس كانوا أرفع مستوى من بني إرم في الحياة الاجتماعية، وأكثر تقدمًا في الحياة البيتية منهم، فتفننوا في المأكل والملبس، وتنوعوا في المطبخ وافتنّوا في تنويع الأكل، وأوجدوا لكل طعام اسمًا، لم تعرفه لغة بني إرم،
1 غرائب اللغة "ص226".
2 المعرب "ص129"، غرائب اللغة "ص226"، الخفاجي "ص87 وما بعدها".
3 المعرب "ص155"، غرائب اللغة "ص229".
4 المعرب "ص247"، غرائب اللغة "ص239".
5 مجمع الأمثال "2/ 73".
6 المعرب "ص261"، غرائب اللغة "ص241".
7 المعرب "ص297"، غرائب اللغة "ص243".
8 المعرب "ص299"، غرائب اللغة "ص244".
9 المعرب "ص20"، غرائب اللغة "ص217".
10 غرائب اللغة "ص217".
11 المزهر "1/ 275".
12 تاج العروس "2/ 59"، "سكبج".
13 المزهر "1/ 276".
لأنهم لم يكونوا يعرفون تلك الأطعمة، وباحتكاك العرب بالفرس وببني إرم الذين اقتبسوا من الفرس بعض تلك المأكولات تعلموا منهم أنواع الأطعمة، وأخذوا منهم أسماءها أيضًا، ودخلت على بعضها الصنعة، لتحويلها وفق قواعد النطق العربي.
وينطبق ما قلته عن المعربات الفارسية في الأكل والمشروبات وما يتعلق بهما، على المعربات من الفارسية في العطور والروائح والطيب وما يتعلق بها، وعلى بعض العوائد الاجتماعية، ولا سيما بين العرب الذين كانوا على اتصال مباشر بالفرس.
فقد تأثروا بحكم هذا الاتصال بهم، واقتبسوا منهم بعض عوائدهم، مثل استخراج ماء الورد المسمى "جلاب"، وهو "ماء الورد" للتطيب به1. وقد وردت لفظة "الجل"، ومعناها الورد في بيت شعر للأعشى2. وكذلك "الجلسان"، وقد ذكر أن "الجلسان" من "كلشان""كلشن"، أي: ما ينثر من الورد على الحاضرين في العرس، وذكر أنها الورد، أو قبة يجعلون عليها الورد3.
و"القمقم"، قنينة لماء الزهر أو نحوه "قمقمة"4. وتعني لفظة كوكوميون Koukkoumion، وهي "قمقم" وعاء من نحاس لتسخين الماء في اليونانية5.
ولعل إحدى اللغتين قد استعارتها من الأخرى. وقد رجع بعض علماء اللغة اللفظة إلى الرومية، أي: اليونانية، وذكر أن اللفظة وردت في بيت شعر لعنترة6.
و"مسك" من "مشك"7. و"نافجة" وعاء المسك، من أصل "نافه" من "ناف" بمعنى سرة8.
واستعارت العربية من الفارسية ألفاظًا من الألبسة والأنسجة والخياطة، وذلك
1 المعرب "ص106".
2 وشاهدنا الجل والياسمين والمسمعات بقصابها.
المعرب "ص115".
3 المعرب "ص105 وما بعدها، غرائب اللغة "ص223".
4 المعرب "ص260"، غرائب اللغة "ص241".
5 غرائب اللغة "ص226".
6
وكأن ربا أو كحيلا معقدا
…
حش الوقود به جوانب قمقم
المعرب "ص260".
7 المعرب "ص325"، غرائب اللغة "ص245".
8 المعرب "ص341"، غرائب اللغة "ص246".
مثل "إبريسم" وهي من أصل "أبريشم"1 و"استبرق" من أصل "استبرك"، أي: ثوب حرير مطرز بالذهب2. وقد ذكر علماء اللغة أنها من "استفره" و"استروه"3. و"بركان""برنكان"، كساء، من "برنيان"4.
و"تخريص""دخريص" من أصل "تبريز"5، وورد أن "البنيقة" معربة كذلك من أصل "بنيك" في معنى "التخريص" و"الدخريص"6. و"جربان" ويراد بها جيب القميص من أصل "كريبان"7، و"الجوالق"، من أصل "كوال" "جوال"، ومعناها عدل كبير منسوج من صوف أو شعر8.
و"الخسرواني"، وهو الحرير الرقيق الحسن الصنعة، وهو منسوب إلى الأكاسرة، أي: الملوك9. و"الدخدار" وهو الثوب، من أصل "تخت دار"10.
و"الديباج" من أصل "ديوباف" أي: نساجة الجن11، و"السبيج"، وهو قميص بلا كمين ولا جيب، من أصل شبي"، أي: ليلى12. و"سربال"، من أصل "سر بال"13. و"سروال"14. و"الشوذر" الملحلفة والإزار، من أصل "جادر"15. و"الطيلسان" من "طيلسان" "تالسان"16.
و"الفرند"، الحرير من "برند"17. و"الكرباس"، ثوب خشن من "كرباس"18.
1 غرائب اللغة "ص216"، المعرب "ص27".
2 غرائب اللغة "ص216".
3 المعرب "ص15".
4 المعرب "ص56"، غرائب اللغة "ص218".
5 المعرب "ص87، 143"، غرائب اللغة "ص221".
6 المعرب "143".
7 المعرب "ص99"، غرائب اللغة "ص222".
8 المعرب "ص110"، غرائب اللغة "ص224".
9 المعرب "ص135"، غرائب اللغة "ص225".
10 المعرب "ص141"، غرائب اللغة "ص227".
11 المعرب "ص140"، غرائب اللغة "ص229".
12 المعرب "ص182 وما بعدها"، غرائب اللغة "ص233".
13 غرائب اللغة "ص233".
14 المعرب "ص196"، غرائب اللغة "ص234".
15 المعرب "ص205"، غرائب اللغة "ص237".
16 المعرب "ص227"، الجمهرة، لابن دريد "3/ 413"، غرائب اللغة "ص239".
17 المعرب "ص243"، غرائب اللغة "ص239 وما بعدها".
18 المعرب "ص294"، غرائب اللغة "ص242".
وقد عرف الجاهليون ألقاب بعض القادة العسكريين والإداريين في الانبراطوريتين اليونانية والفارسية، فأدخلوها في العربية؛ لأنها ألقاب رسمية نعت بها أولئك الموظفون الكبار، وعرفوا بعض الرتب الكنسية كذلك. فمما دخل إلى العربية من اليونانية واستعمل عند الجاهليين لفظة "بطريق"، من أصل1 Patrikios. وقد وردت في بعض الرسائل المنسوبة إلى الغساسنة، ويراد بها درجة قائد في الانبراطورية البيزنطية. ولفظة "أسقف"، وقد ورد في كتب السير: إن وفد نجران حين قدم على الرسول، كان يتألف من رؤساء المدينة أصحاب الحل والعقد، ويلقبون بـ"السيد" و"العاقب" و"الأسقف". والسيد عندهم صاحب رحلتهم، والعاقب أميرهم وصاحب مشورتهم الذي يصدون عن رأيه، والأسقف حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم2. ولفظة "أسقف" هذه من أصل يوناني هو3 Episkopos.
وأما "قيصر" التي يراد بها في العربية "انبراطور" الروم، أي: ملكهم، فإنها من أصل لاتيني هو "سيسر" Casar. وترد في كتب السير في معرض الكلام على الكتب التي أرسلها الرسول إلى الروم والفرس والحبشة وبعض الأمراء4.
ومن المصطلحات المأخوذة من الفارسية في هذا الباب، "الأسوار"، وهو الرامي، وقيل: الفارس، وقائد الفرسان5، من أصل "أسب سوار"، و"اسب" الحصان، و"سوار" على ظهر أي راكب، ومعناها راكب الحصان أي: فارس6، وتجمع "أسوار" على "أساورة". وترد في الكتب أحيانًا مضافة "أساورة الفرس"، وتجمع على "أساور" و"أساورة" أيضًا، وقد وردا جميعًا في الشعر7.
وأما "الأشائب"، ومفردها "أشابة"، فمعناها الأخلاط من الناس من
1 غرائب اللغة "ص255".
2 طبقات ابن سعد "1/ 257".
3 غرائب اللغة "ص252".
4 طبقات ابن سعد "1/ 259".
5 الجواليقي "ص20 وما بعدها"، الجمهرة "2/ 215"، اللسان "7/ 51".
6 غرائب اللغة "ص216".
7 الجواليقي "ص20 وما بعدها".
أصل "آشوب". وذكر أنها عربية خالصة، من "أشب الشيء" بمعنى خلطه1.
وترد لفظة "أنبار" و"الأنبار"، وتعني: أهراء الطعام ويقال للواحد: "نبر" أيضًا وأما "الأنابير" جمع الجمع. وقد اشتهر موضع "الأنبار" على نهر الفرات على مقربة من الفلوجة، وكان مأهولًا بالعرب عند ظهور الإسلام، وقد ذكرت في الجزء الأول من هذا الكتاب أن بعض أهل الحجاز ينسب أخذ أهل مكة الكتابة إلى قوم منهم ذكروا أنهم تعلموها من أهل الأنبار2.
و"الإيوان" في العربية، الرواق. وهو مكان متسع من بيت تحيط به ثلاثة حيطان، من أصل "أيوان"3 eyvan. وأما "الدهقان"، فحاكم إقليم، من "ده" بمعنى ضيعة و"خان" بمعنى رئيس قبيلة، وذلك في الفارسية القديمة. وقد وردت اللفظة في بيت شعر للأعشى. وتجمع على "دهاقين"4.
وأما "كسرى"، فملك من ملوك الفرس، وهو "خسرو" Khosrw في الفارسية. ولكن الجاهليين جعلوا اللفظة لقبًا لملوك إيران، يقابل "شاه" أي: الملك، وصارت عندهم مثل:"قيصر" للروم، وتُبَّع لليمن، والنجاشي للحبشة5. وأما "المرزبان"، فالرئيس من الفرس، وتفسيرها "حافظ الحدّ" في مقابل حاكم ووالي ولاية، وتجمع على "المرازبة"6.
وأما لفظة "الهربذ" وتجمع على "الهرابذة"، فخادم النار عند المجوس. وقيل: رئيس خدام النار الذين يصلون بالمجوس، وقد تكلمت بها العرب قديمًا. وقد وردت هذه اللفظة في بيت شعر لامرئ القيس7. وأما "موبذ" و"موبذان" فحاكم المجوس، بمثابة القاضي عند المسلمين، من "موبد" وهو الكاهن ورجل دين عند المجوس8.
1 الجواليقي "ص27". غرائب اللغة "ص216".
2 الجواليقي "ص20، 29". غرائب اللغة "ص217".
3 الجواليقي "ص19"، غرائب اللغة "ص217".
4 الجواليقي "ص146"، اللسان "17/ 21"، غرائب اللغة "ص229".
5 الجواليقي "271، 282"، غرائب اللغة "ص242".
6 الجواليقي "ص317"، غرائب اللغة "ص245".
7 الجواليقي "ص351"، غرائب اللغة "ص248".
8 غرائب اللغة "ص246".
أما أسماء النقود، فإنها معربات يرجع أصلها إلى الفارسية أو اليونانية أو اللاتينية. فقد كان الجاهليون يتعاملون مع الفرس والأرضين الخاضعة للإنبراطورية الرومية، ولهذا تعاملوا بنقود هاتين الإنبراطوريتين. وهي نقود مضروبة من المعادن. وتعاملوا بها في بلادهم أيضًا كما نتعامل نحن بالنقود الأجنبية فـ"النّمّيّ" مثلًا هي فلوس رصاص كانت تتخذ أيام ملك بني المنذر، يتعاملون بها في الحيرة، هي من أصل رومي، أي: يوناني، هو noummiyon. وقد وردت في بيت للنابغة:
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها
…
من الفصافص بالنّمّيّ سفسير1
وقد نسب هذا البيت لأوس بن حجر أيضًا2.
فيظهر من ذك أن "بني المنذر" كانوا قد أخذوا اللفظة من اليونانية، أي: من نقود نحاس ضربها الروم، فضربوها هم في الحيرة، وتعامل بها الناس.
وأما "الدينار"، وهو نقد كان معروفًا متداولًا بين الجاهليين، مستعملًا في أسواق مكة وبقية مواضع الحجاز وجزيرة العرب عند ظهور الإسلام. وقد ذكر في القرآن الكريم3، فإنه نقد روماني يساوي عشرة دراهم، ويعرف بـ denarius في اللاتينية4.
وأما "الدرهم" فاسم نقد يوناني، يسمى دراخمي dhrakhmi في اليونانية، وقد شاع استعماله إذ ذاك. وقد وردت التسمية في بيت شعر هو:
وفي كل أسواق العراق إتاوة
…
وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم5
ويفيد هذا البيت أن الحكومة كانت تأخذ إتاوة من الأسواق من التجار والباعة، وأن ما يباع يدفع عنه مكس، قدره درهم6.
1 الجواليقي "ص185"، اللسان "15/ 343"، غرائب اللغة "ص271".
2 الجواليقي "ص185، 330".
3 آل عمران، الآية 75 {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَار} .
4 الجواليقي "ص139"، غرائب اللغة "ص278"، "وقيل: أصله بالفارسية دين آراي: الشريعة جاءت به"، المفردات في غريب القرآن "ص171".
5 الجواليقي "ص148".
6 "الدرهم الفضة المطبوعة المتعامل بها"، المفردات في غريب القرآن "ص168".
ولفظة "مكس"، هي أيضًا من الألفاظ المعربة، عربت من أصل "مكسو" Makso في لغة بني إرم1.
و"الدانق" نقد أخذت تسميته من الفارسية، من "دانك"2. وقد بقي مستعملًا في الإسلام. وقد عرف الخليفة "أبو جعفر المنصور" بـ "الدوانيقي" نسبة إلى هذا النقد.
وأما "الفلس" وتجمع على "فلوس"، فإنه نقد من نحاس، وأصله في اليونانية "فولس"3 follis. وقد عبر عنه بمعنى نقود أيضًا، فقيل في العامية:"فلوس"، وقصد بها نقود.
ومن المعربات المستعملة في تقويم النقد وفصحة، لفظة "شقل" بمعنى الوزن4، أي: وزن النقد لمعرفة مقدار معدنه المؤلف منه. ولفظة "قسطار"، ومعناها ناقد الدراهم، أي: الناقد الماهر العارف بالنقد، من أصل لاتيني هو5 quaestor.
وتظهر هذه المعربات أن أهل الحجاز ونجد والعرب الشماليين كانوا قد استعملوا النقد البيزنطي والساساني في أسواقهم وفي تجارتهم، وكانوا عالة على الأعاجم في استعمال النقد. وذلك مما يدل على أن تعاملهم التجاري مع الإنبراطوريتين كان وثيقًا. وقد بقيت هذه النقود الأعجمية مستعملة في الإسلام كذلك، وبقيت أسماؤها حية حتى بعد تعريب النقد، ولا يزال اسم الدينار والدرهم والفلس إلى هذا اليوم.
أما العرب الجنوبيون، فكان لهم نقد خاص بهم. تحدثت عنه في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام. وقد ذكرت أن بعض العلماء رجع تأريخ أقدم نقد عربي جنوبي عثر عليه سنة "400" قبل الميلاد6. ويظهر أن أهل الحجاز لم يتعاملوا به كثيرًا، بدليل عدم وجود ذكر له في المؤلفات الإسلامية، وفي الأخبار الواردة عن أيام الرسول. وقد ذكرت أن أسماء تلك النقود أسماء
1 غرائب اللغة "ص206".
2 الجواليقي "ص145"، غرائب اللغة "ص227".
3 غرائب اللغة "ص263".
4 غرائب اللغة "ص191".
5 الجواليقي "ص263"، غرائب اللغة "ص279".
6 الجزء الثامن "ص200 وما بعدها".
عربية جنوبية لا صلة لها بأسماء النقود التي تحدثت عنها، ومن تلك الأسماء:
"بلط" ويجمع على "بلطات"، وهو اسم نقد من ذهب. و"خبصت""خبصة"، نقد من نحاس، و"رضى"، قيل: إنها اسم نقد، وقيل: إنها صفة للنقد. بمعنى رضية وصحيحة غير مزيفة ولا منقوصة، لأن النقد كان على أساس الوزن والنوع في ذلك العهد. وذكرت أيضًا بعض الألفاظ التي استعملوها في الصيرفة وفي نقد النقود.
ومن الألفاظ اللاتينية التي دخلت إلى العربية "لبرجد"، وهو ثوب مزدان بالذهب، وثوب غليظ مخطط من أصل1 Paragauda. و"برذون" من أصل burdo و Burdonis2، و"دينار" من أصل denarius، وهو نقد من المعدن3، و"سجل" وقد تحدثت عنها4 و"سجلاط" من أصل "سجلاّطس" sigillatun، ثياب كتّان موشاة، وكأن وشيها خاتم وتزدان بصورة صغيرة5.
و"سجنجل"، وتعني المرآة، أو سبيكة فضة مصقولة، استعملت استعمال المرآة، من أصل sexaangulus التي تعني "المسدس الزوايا" في اللاتينية. وقد وردت في بيت لامرئ القيس6. و"الصراط"، بمعنى الطريق، من أصل لاتيني هو strata بمعنى طريق كبير مبلط7. وقد عرف الرومان ببراعتهم في شق الطرق العسكرية لاستعمالها في التجارة وفي الأغراض العسكرية. و"الصاقور" الفأس لكسر الحجارة، من أصل لاتيني هو8 securis.
ويظهر أثر الأخذ من اليونانية واللاتينية والفارسية والآرمية في المكاييل والموازين كذلك، وذلك عند عرب الحجاز ونجد والعراق وبلاد الشأم. أما عرب الجنوب فقد كانت لهم أسماء للمكاييل والموازين خاصة بهم، اختلفت عن الأسماء المستعملة عند العرب الشماليين المذكورين وذلك كما تحدثت عنها في الموضوع الخاص بالمكاييل
1 غرائب اللغة "ص277".
2 غرائب اللغة "ص277".
3 الجواليقي "ص139"، غرائب اللغة "ص278".
4 "والسجيل، حجر وطين مختلط، وأصله فيما قيل فارسي"، المفردات في غريب القرآن "ص223".
5 الجواليقي "ص184"، غرائب اللغة "ص278".
6 الجواليقي "ص179"، غرائب اللغة "ص278".
7 غرائب اللغة "ص278".
8 غرائب اللغة "ص278".
والموازين عند الجاهليين في الجزء الثامن من كتابي: تأريخ العرب قبل الإسلام1.
ومن هذه المعربات "المُدّ"، وهو نوع مكيال للحبوب، وهو من أصل لاتيني هو2 Modius و"الجريب"، من أصل إرمي هو "جريبو"3 Gribo.
و"الرطل" من أصل يوناني هو:4 Litra، و"الأوقية" من أصل يوناني هو5 Uncia، Ounguiya، و"مثقال" من أصل matqolo، وهو وزن في الإرمية6. و"قيراط"، وهو جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء، أو حبة واحدة من أربعة وعشرين حبة وكان القدماء يزنون بالحب. واللفظة من أصل يوناني هو7 keration. و"قنطار"، وهو مئة رطل، من أصل لاتيني هو8 Centenarum pondus. و"الكر"، وهو ستة أوقار حمار، وهو مكيال لأهل العراق، وقد ورد ذكره في الحديث، هو "كرو" Keureo في لغة بني إرم9. وغير ذلك من أسماء ذكرتها في الجزء الثامن من هذا الكتاب.
ولا حاجة بنا إلى إعادة ذكرها.
وأخذت العربية من اللغة "السنسكريتية" بعض الألفاظ الخاصة بالمحاصيل الخاصة بالهند، مثل الفلفل وبعض الأسماء المتعلقة بالتوابل والعقاقير والأطياب والجواهر10.
وقد أشار علماء اللغة إلى ألفاظ شائعة على الألسنة، لكنها أعجمية الأصل تأتي في نوع المعرب. ذكر "الثعالبي" أمثلة منها في كتابة "فقه اللغة"، وقال عنها: إنها "أسماء فارسيتها منسية وعربيتها محكية مستعملة، هي: الكف،
1 "الصفحة 410 وما بعدها".
2 غرائب اللغة "ص280".
3 غرائب اللغة "ص176".
4 غرائب اللغة "ص258".
5 العرب قبل الإسلام "8/ 414"، Ency. Islam، II، P. 1025
6 غرائب اللغة "ص176".
7 غرائب اللغة "ص267".
8 غرائب اللغة "ص279".
9 العرب قبل الإسلام "8/ 419".
غرائب اللغة "ص203".
10 الرافعي، تأريخ آداب العرب "1/ 205".
الساق، الفرش، البزّاز، الوزّان، الكيّال، المسّاح، البيّاع، الدلاّل، الصرّاف، البقال، الجمّال، الحمّال، القصاب، البيطار، الرائض، الطرّاز، الخراط، الخياط، القزّاز، الأمير، الخليفة، الوزير، الحاجب، القاضي، صاحب البريد، صاحب الخبر، السقّاء، الساقي، الشرّاب، الدخل، الخرج، الحلال، الحرام" إلى غير ذلك من ألفاظ تجدها في كتابه وفي كتب اللغة التي نقلت منه1.
وفي بعض الذي ذكره، ما هو فارسي حقًّا، أو من مصدر أعجمي آخر، لم يعرفه "الثعالبي"؛ لأنه لم يعرف من اللغات الأعجمية غير الفارسية، فنسب أصل تلك الألفاظ إليها، ولكن البعض الباقي هو عربي، ما في أصله العربي من شك، ولا يمكن أن يكون من المعربات.
ونجد في المعاجم وفي كتب اللغة كلامًا عن هذه المعربات، ففي كتاب "المزهر" وكتب اللغة المعتبرة صفحات نص فيها على الألفاظ المعربة من مختلف اللغات2.
فلا أرى بي حاجة هنا إلى ذكر تفاصيل أخرى عن الألفاظ المعربة بتفصيل كل ما نص عليه العلماء من المعربات. ولكني أود أن أبين أن علماء اللغة لم يكونوا على علم باللغات الأعجمية، ولذلك لم يتمكنوا من رجع المعربات إلى أصولها الحقيقية، فأخطأوا في ذكر الأصول. ونظرًا إلى أن فيهم من كان يتقن الفارسية فقد رجع أصول كثير من الألفاظ إلى أصل فارسي، لأنه وجد أن الفرس نطقوا بها، ولم يعلموا أنهم أخذوها هم بدورهم من غيرهم، فصارت من لغة الفرس، أو أنهم وجدوا بعض الألفاظ قريبة من أوزان الفارسية للكلمات، فظنوا أنها فارسية، مع أنها من أصل آخر. وفعل بعض منهم ذلك عصبية منهم إلى الفارسية؛ لأنهم من أصل فارسي، فتمحلوا لذلك تكثيرًا لسواد المعربات من لغة الفرس وتعصبًا لهم3.
وفي شعر الأعشى معربات عديدة مقتبسة من الفارسية، قد يكون أخذها من عرب الحيرة وبقية عرب العراق، وقد يكون أخذها من الفرس مباشرة لاتصاله
1 المزهر "1/ 123".
2 المزهر "1/ 275 وما بعدها".
3 الرافعي، تأريخ آداب العرب "1/ 206".
واختلاطه بهم في العراق، واقتبسها إما ليحكي عما شاهده ورآه في العراق، فاستعمل الألفاظ الفارسية الشائعة هناك، وإما أن يكون قد تعمد إدخالها في شعرها لُيري الناسَ أنه حاذق بثقافة الفرس واقف على حضارتهم ولغتهم، كالذي يفعله بعض من يدرس في بلاد الغرب من استعماله ألفاظًا أعجمية في لغته ليلمح للناس بأنه قد تثقف بثقافة الأجانب، وتلك في نظره ميزة يفتخر بها على الناس.
وقد زعم أن الأعشى رحل إلى بلاد بعيدة، فبلغ عمان وحمص وأورشليم وزار الحبشة وأرض النبيط وأرض العجم، وقد ذكر ذلك في بيتين من الشعر1. وإلى زيارته هذه للعراق ولأرض العجم ينسب أهل الأخبار ورود الألفاظ الفارسية في شعره.
وفي بعض المعجمات وكتب اللغة مثل لسان العرب والمعرب للجواليقي، أبيات للأعشى يرد فيها وصف لأحوال الفرس وعرب العراق، وقد استعمل فيها ألفاظًا فارسية لها مناسبة وصلة بذلك الوصف. منها ما يتعلق بالملابس، ومنها ما يتعلق بالأشربة والخمور والأفراح، ومنها ما يتعلق بالمناسبات مثل الغناء والأعياد2.
وشاعر آخر نجد في شعره معربات فارسية، هو "عدي بن زيد العبادي".
وهو من أهل الحيرة، المقربين إلى ملوكها وإلى الفرس، الحاذقين بالعربية وبلغة الفرس. وقد كان كاتبًا باللغتين، كما كان أبوه بليغًا باللسانين، وتولى رئاسة ديوان العرب عند الأكاسرة. وهو نصراني، ولهذا استعمل في شعره ألفاظًا نصرانية اقتبست من السريانية، وأشار بحكم نصرانيته على عادات نصرانية، كما كان حضريًّا مترفًا غنيًّا أدخل إلى بيته وسائل الترف والراحة المعروفة في ذلك اليوم، ولهذا فإن لجمع شعره جمعًا تامًّا ونقده وتحليله واستخراج صحيحه من منحوله أهمية كبيرة في إعطاء رأي عن الحياة الفكرية والثقافية لعرب العراق قبيل الإسلام.
وبعد، فإن اللغة التي بحثت عن وجود المعربات فيها، هي اللغة العربية التي
1
وطوفت للمال آفاقه
…
عمان فحمص فأوريشلم
أتيت النجاشي في داره
…
وأرض النبيط وأرض العجم
راجع ديوان الأعشى، المعرب "ص32".
2 المعرب "ص16، 18، 53، 72، 79" ومواضع أخرى.
نزل القرآن بها. أما اللهجات والألسنة العربية الجنوبية، فإن أثر هذه المعربات فيها كان قليلًا، ونجد في كتاباتها ألفاظًا عربية جنوبية، مكان تلك المعربات.
ومعنى هذا بُعد تلك اللهجات عن المؤثرات الأعجمية الشمالية. وسبب ذلك رقي المتكلمين بها، وتقدمهم في الحضارة بالقياس إلى بقية سكان جزيرة العرب وإلى ابتكارهم أنفسهم لكثير من الأشياء، فكان من الطبيعي أن تكون أسماؤها بلغة الصانعين لها.
ولدي ملاحظة، هي أن وجود المعربات في العربية الحجازية، يدل دلالة صريحة واضحة، على أن المتكلمين بها كانوا قد تأثروا بالحضارات الشمالية أكثر من تأثرهم بإخوانهم العرب الجنوبيين، وأن اتصالهم الفكري كان بالشمال أكثر منه بالجنوب، ولا يقتصر هذا التأثر على المعربات فقط، بل يشمل كل المؤثرات الثقافية الأخرى، كالذي رأيناه في مواضع متعددة من الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب. فكأننا أمام ثقافتين مختلفتين وشعبين متباينين، بالرغم من اتصال حدود الحجاز باليمن، وقرب المسافة بينهما، حتى اللغة نجد بونًا شاسعًا بينها وبين اللغات العربية الجنوبية، وهذا ما حمل بعض العلماء على القول: ما لغة حمير بلغتنا، ولا لسانهم بلساننا، ففرق بين اللسانين.
أما "أمية بن أبي الصلت" فقد وردت في شعره معربات من أصل سرياني في الغالب، يظهر أنه أخذها من المنابع النصرانية التي قيل: إنه وقف عليها. فقد ذكر أنه كان قد قرأ كتب أهل الكتاب، ووقف على أخبارهم وعقائدهم، وإن اتصاله بهم أثر في رأيه الذي كونه لنفسه في الأديان. وأرى أن من اللازم توجيه العناية لدراسة ما تبقى من شعره للوقوف على أصوله، وعلى درجة تأثره بالتيارات الفكرية والآراء الدينية لأهل الكتاب، وعلى الألفاظ المعربة عن السريانية أو غيرها التي ترد في شعر هذا الشاعر، وذلك بعد التأكد من صحة الشعر.
ومن المعربات الواردة في شعر "أمية" لفظة "تلاميذ" جمع تلميذ، وذلك في هذا الشعر المنسوب إليه:
والأرض معقلنا وكانت أمّنا
…
فيها مقامتنا وفيها نولد
وبها تلاميذ على قذفاتها
…
حُبسوا قيامًا فالفرائص ترعد