الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يختلفون عنهم في المدارك وفي حدة الذهن. وهذا الاختلاف هو شيء واقعي بين العيون، يراه كل إنسان حين يزور بلاد العرب، وهو في حد ذاته شاهد على فساد نظرية المستشرقين في تقسيم العرب إلى مجموعتين.
وبعد، فهذه الطبيعة طبيعة جزيرة العرب؛ من جو وأرض، من انحباس مطر ومن ارتفاع في درجات الحرارة، ومن يبوسة في الهواء، وقلة في الرطوبة، ومن اختلاف في ضغط الجو اختلافًًا يخل بتوازنه فيثير فيه أعاصير وعواصف، تعتدي على حرمة التربة الهادئة الراقدة، فترتفع رمالها إلى ارتفاعات متباينة، وتلفح الأوجه والأجسام بـ"سموم" وبما شاكله من أهوية مزعجة تثير الغضب وتلهب العصب، وتجعل الجو داكنًا أظلم مغبرا. أضف إلى ذلك ما نراه من نور ساطع وأشعة لامعة تحمل أمواجًا غير مرئية تؤثر في خلايا البشرة وفي النفس، ثم هذه الرطوبة المفرطة المتحكمة في التهائم، وهذه الندرة في الأنهار، والإسراف في ظهور البوادي والصحاري، وتحكم الطبيعة تحكمًا جائرًا في توزيع النبات والحيوان على أهل جزيرة العرب، كل هذه الأمور وأمثالها أثرت أثرًا كبيرًا في نفس أهل جزيرة العرب، وفي شكل أجسامهم، وفي حالة معيشتهم، فجعلتهم يختلفون عن غيرهم بأمور، ويتباينون فيما بينهم بأمور، وذلك لاختلاف طبيعة أجزاء الجزيرة نفسها. ونحن لن نستطيع فهم العرب فهمًا صحيحًا دقيقًًا إلا إذا درسنا هذه الأمور المذكورة وأمثالها دراسة علمية دقيقة؛ وعندئذ فقط نستطيع فهم سبب تفشي البداوة بين العرب، وسبب تطبع العرب بطباع خاصة، واتسامهم بسمات وعلامات خاصة وبملامح ومظاهر جسمية متباينة، وأمثال ذلك مما تعرضت له في بحث الجنس والسامية، وفي بحث طبيعة العقلية العربية، وما قيل في حقها من أقوال، وما ورد في العرب من مدح أو ذم، ومن وصف صادق أو كاذب.
أركان القبائل:
يرجع كل العرب من حيث النسب إلى ركن من "أركان القبائل". فقد اصطلح علماء النسب على أن للنسب عند العرب بعد قحطان وعدنان أربعة أركان:
ربيعة ومضر ويمن وقضاعة1. وذلك على رأي من جعل قضاعة ركنًا قائمًا بذاته، ولا يمكن أن يخرج نسب عربي أصيل عن أصل من هذه الأصول.
وورد أن العرب في النسب على أربع طبقات: خندفي، وقيسي، ونزاري، ويمني2، ويمن هي قحطان. وكان العرب يتعززون بانتسابهم إلى اليمن، فكان من ينقلب على نسبه يتخذ لنفسه نسبًا يمانيًّا. "وأكثر العزوة لمن ينقلب عن نفسه إلى اليمن، لأجل أن الملوك كانت في اليمن مثل: آل النعمان بن المنذر من لخم، وآل سليح من قضاعة، وآل محرق، وآل العرنج، وهو حِمْيَر الأكبر ابن سبأ كالتبابعة والأذواء، وغيرهم. والعرب يطلبون العز ولو كان في شامخات الشواهق، وبطون الأمالق البوالق، فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمية وإباءة الدنية
…
"3.
ورجع بعض النسابين المعروفين نسب العرب إلى ثلاث جراثيم: نزار، واليمن، وقضاعة4. ويمثل رأيهم هذا رأي القائلين بالأركان الأربعة للقبائل بالضبط؛ لأن نزارًا هو في عرفهم والد ربيعة ومضر، وكل ما فعلوه هنا هو أنهم حذفوا اسمي الولدين وأحلوا اسم والدهما في محلهما.
ورجع "المأمون" الخليفة العباسي، أصول العرب إلى: قيس ويمن وربيعة ومضر. فلما تعرض عربي بالمأمون وهو في زيارته لبلاد الشام، ولامه في تقديم أهل خراسان على العرب، بقوله:"يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم خراسان"، أجابه الخليفة:"أكثرت عليَّ يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيسًا عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد. وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط. وأما ربيعة فساخطة على ربها منذ بعث الله نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاربا، اغرب عني فعل الله بك......"5.
فأركان العرب في رأي المأمون أربعة: قيس ويمن وربيعة ومضر. وهي كتل
1 بلوغ الأرب "3/ 203".
2 نهاية الأرب "3/ 278".
3 نهاية الأرب "2/ 283".
4 الإنباه "63".
5 الإسلام والمشكلة العنصرية، لعبد الحميد العبادي "ص90 وما بعدها".
كانت على عادة العرب متنافسة متحاسدة متباغضة، ترى كل واحدة منها نفسها وكأنها أمة دون سائر الأمم، و"يمن" كناية عن العرب الجنوبيين من همدان وحمير وكندة وأمثالها، وأما قيس وربيعة ومضر، فكناية عن تكتلات وتجمعات العرب من غير اليمن.
وذهب "ابن حزم" إلى أن جميع العرب من أب واحد، سوى ثلاث قبائل هي: تنوخ، والعُتق، وغسان، فإن كل قبيلة منها مجتمعة من عدة بطون؛ وذلك أن تتوخًا اسم لعشر قبائل اجتمعوا وأقاموا بالبحرين، فسموا تنوخًا، والعتق: جمعٌ اجتمعوا على النبي، فظهر بهم فأعتقهم فسموا بذلك، وغسان عدة بطون نزلوا على ماء يسمى غسان فسموا به1.
ولما جاء "خالد بن الوليد" إلى العراق كان جيشه من "ربيعة" و"مضر"2 ومن قبائل يمانية، ومعنى هذا وجود ثلاثة أركان قبائل محاربة. ولما قال "خالد بن الوليد" لـ"عدي بن عدي بن زيد العبادي:"ويحكم! ما أنتم! أعرب، فما تنقمون من العرب؟ أم عجم، فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ قال عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما نقوله أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال: صدقت"3. ولا تعني جملة "بل عرب عاربة وأخرى متعربة" معنى: أن العرب عربان، عرب عاربة وعرب متعربة، على النحو المفهوم منها عند أهل الأخبار. بل هي تعبر عن واقع أصل أهل الحيرة، فقد كان أهلها بين عرب صرحاء وبين عرب متعربة أي جماعة لم تكن عربية في الأصل، وإنما كانت من أصل عراقي وفارسي أقامت في الحيرة، وتأثرت بأهلها العرب فتكلمت العربية حتى صارت العربية لسانها، فهي من العرب المتعربة. وقد كان كل عرب العراق على هذا النحو في ذلك الوقت، فهم بين عرب خلص وبين عرب متعربة، لم تكن أصولها من منبت عربي، وإنما دخلت في العرب فتطبعت بطباعهم وأخذت لسانهم حتى نسيت ألسنتها القديمة، وصارت من العرب.
1 بلوغ الأرب "3/ 191".
2 الطبري "3/ 347"، "مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة".
3 الطبري "3/ 361".
وقد ذكر بعض المؤرخين أن العرب من "نزار" ملكتهم الفرس، وأن العرب من غسان ملكتهم الروم1، فجعل "نزارًا" في مقابل غسان، ولم يكن كل عرب العراق من "نزار"، يدلك على ذلك أن ملوك الحيرة على رأي أهل الأخبار من قحطان. والذي يلاحظ من كيفية توزيع القبائل على حسب رواية أهل الأخبار أن معظم قبائل العراق، هي من قبائل "نزار" أو من "ربيعة" و "مضر" بتعبير آخر. أما معظم قبائل بلاد الشام فهي من "يمن"، أي على عكس الحال في العراق، فهل يمثل هذا التقسيم توزيعًا تأريخيًّا صحيحًا، بمعنى أن أكثر قبائل العراق، قد وردت العراق من العربية الشرقية والعربية الوسطى، أي: من سواحل الخليج ونجد، وأن عرب بلاد الشام إنما جاءوا إلى هناك من اليمن، عن طريق الحجاز ونجد؟ أم أنه تقسيم سياسي اصطلاحي، نشأ قبل الإسلام بعهد طويل من المنافسة التي كانت بين العراق وبلاد الشام، المنافسة التي ظلت باقية في الإسلام، فقد كان بين العراق وبين بلاد الشام عداء وتباغض، لعوامل لا مجال للبحث فيها في هذا المكان؟. وقد استولت حكومات العراق من حكومات وطنية وأجنبية على بلاد الشام مرارا، مما ولد مرارة وأوجد حقدًا بين أهل العراق وأهل الشام، فانتقل ذلك إلى عرب القطرين أيضًا. فحارب عرب العراق عرب بلاد الشام، حتى وصل هذا العداء إلى دعوى وجود فرق بين أصل عرب العراق وأصل عرب بلاد الشام، فصارت أكثر قبائل العراق في عرف أهل الأنساب من ربيعة ومضر ونزار، وصار معظم بلاد الشام في عرفهم من اليمن، قياسًا على ما كان عليه العرب عند ظهور الإسلام من أنصار ومهاجرين، أو من يمن وعدنان، أو قحطان وعدنان وما شابه ذلك من أسماء. أما رأيي، فإن لأهل الأخبار يدًا طولى في هذا التقسيم الذي ظهر وأينع في الإسلام، وإن الجاهلية لم تكن تخلو من تجمعات وتكتلات قبلية، ولكنها كانت تختلف عن التجمعات التي أثارتها النعرة القبلية الجديدة التي برزت في الإسلام، والتي أثرت على ظهورها عوامل عديدة إلى أن ثبتت ودونت في كتب أهل الأنساب والأخبار.
وجعل بعض أهل الأخبار العرب يمنًا ونزارًا، وذكر أن اليمن أصحاب بحر وبني نزار أصحاب بر2. وقصدوا باليمن أصحاب الساحل، الذين عركوا البحر
1 المعاني الكبير "2/ 941 وما بعدها".
2 المعاني الكبير "2/ 640".
وخبروه، عكس "نزار"، عرب البر، وهم قوم لا علم لهم بالبحر، إنهم لم يتعودوا على ركوبه؛ إذ سكنوا البر ولم يعركوا البحر، فخافوا منه وتجنبوه.
والآراء المتقدمة في تقسيم العرب إلى أركان وكتل، هي آراء عربية محضة أخذت من واقع الحال، ولم تستمد من التقسيم المألوف للعرب إلى قحطانيين وعدنانيين، التقسيم المأخوذ من التوراة على نحو ما شرحت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب؛ وذلك لأن الحياة في بلاد العرب هي حياة تكتل وتحزب، فكان لا بد للقبائل من عقد أحلاف فيما بينها للمحافظة على نفسها من افتراس القبائل الكبيرة لها، ومن استذلالها وأخذ ما تملكه. وبهذه الأحلاف حافظت القبائل الضعيفة على حياتها، وحدَّت من طمع القبائل الضخمة في القبائل الهزيلة، وصار في الإمكان السيطرة على الأمن والتقليل من حمى غزو القبائل بعضها بعضًا.
وحاجة الأعراب إلى الأحلاف أكثر وأشد من حاجة الحضر إليها، وذلك بسبب أن الغزو في البادية ضرورة من ضرورات الحياة لفقر البادية وشحها؛ لانبساط أرضها وعدم وجود حواجز طبيعية تعوق الغزو وتحمي المغزو منه. فاضطرت القبائل إلى خلق حماية طبيعية لها هي الأحلاف، والأحلاف هي لغاية حماية المال والنفس في الغالب، ولكبح جماح المعتدين إذن. أما الأحلاف الهجومية التي تعقد لتحقيق أغراض هجومية مثل غزو حلف حلفًا آخر أو قبيلة ضخمة قبيلة ضخمة أخرى، فإنها لا تعمر طويلًا كما تعمر الأحلاف الدفاعية؛ لأن أسباب انعقادها تزول بتنفيذ ما اتفق عليه، وقد يتحطم الحلف بسبب ظهور اختلافات مصالح لم تكن في حسبان المتحالفين يوم عقدوا حلفهم، فيتصدع بنيان الحلف ويتهدم ويزول الحلف ليظهر محله حلف آخر جديد.
أما الحضر، فإن لهم من حماية أرضهم لهم، ومن طبيعة الحياة التي يحيونها ما يخفف من حاجتهم إلى الحلف القبلي، ويجعل أحلافهم أحلافًًا من طراز آخر. فقد منحت الطبيعة الحضر حجرًا صلدًا بنوا به أبراجًا وحصونًا ومعاقل حموا بها مستوطناتهم، من طمع الطامعين فيهم، ولا سيما من الأعراب الذين لا يسهل عليهم اقتحام الحصون ولا تهديمها لعدم وجود أسلحة تؤثر فيها، ومنحتهم تربة صار من الممكن عمل الآجر واللبن منها لبناء المحافد والآطام وما شاكل ذلك من وسائل الدفاع، كما أمدتهم بمواد بناء مكنتهم من إنشاء الحيطان والأسوار حولها،
وهي مانع يصد الأعراب عن الحضر. وهم بالإضافة إلى ذلك أقدر على الدفاع عن أنفسهم وعلى اللجوء إلى الحيل للتخلص من الأعراب؛ بسبب تحضرهم وتقدمهم في التفكير على عقلية الفطرة التي جبل البدو عليها. وغاية ما فعله الحضر من الأحلاف، هو تحالفهم مع من أحاط بهم من الأعراب لضمان عدم تحرشهم بهم أو لمنع الأعراب الآخرين من التحرش بهم، وعقد حبال مع القبائل لمرور تجارهم من أرضها بأمن وسلام مقابل هدايا أو أرباح أو أموال تعين، تدفع إلى ساداتها تأليفًا لقلوبهم وضمانًا منهم لهم بعدم تحرش أحد بهم.
ولما تقدم انحصرت الأحلاف الكبرى أو التكتلات القبلية الضخمة بالأرضين المكشوفة التي غلب عليها الطابع الصحراوي، وبين القبائل التي غلبت البداوة عليها. والأحلاف الكبرى، هي في نظري كناية عن النسب الأكبر عند العرب؛ فربيعة ومضر وإياد وأنمار وقضاعة، هي في الواقع تكتلات قبلية تكونت من قبائل غلبت البداوة على طبعها، وقد ظهرت خارج العربية الجنوبية، أي: خارج الأرضين التي غلب علي سكانها طابع الارتباط بالأرض والقرار. أما القبائل القحطانية، التي هي في التوراة كناية عن قبائل عربية جنوبية مستقرة، فكتل أخذت أسماءها من الأرضين التي كانت تحكمها أو من اسم القبيلة التي سميت باسمها، وبين أسماء القبائل وأسماء الأرضين صلة متينة، بحيث يصعب الحكم فيما إذا كانت الأرض قد أخذت اسمها من اسم القبيلة، أو أن القبيلة أخذت اسمها من اسم الأرض.
وقد لعبت فكرة "قحطان" و"عدنان" دورًا مهمًّا في حصر الأنساب عند العرب في الإسلام. يذكر الجاحظ أن رجلًا اسمه "شويس الساسي التميمي العدوي" المعروف بـ"أبي فرعون"، كان قد قدم البصرة، فذهب إلى رجل منها اسمه "كهمس" يلتمس العون منه، فأعطاه رغيفًا من الخبز الحواري، ثم ذهب إلى رجل آخر اسمه "عمر بن مهران"، فلم يعطه ما كان يريد، فضاق ذرعًا من هذا الرغيف، وذهب إلى حلقة "بني عدي" فوقف عليهم وهم مجتمعون، وأخرج الرغيف من جرابه وألقاه في وسط المجلس، وقال: يا بني عدي، استفحلوا هذا الرغيف؛ فإنه أنبل نتاج على وجه الأرض! ثم قال شعرًا سخر فيه من أهل البصرة، ومن تشدقهم في الانتساب إلى قحطان
أو عدنان، وفحش بهما ومن انتساب الناس إليهما، بينما الناس هنالك ما بين نبط أو خوزان.1
ومن أهم القبائل القحطانية التي كان لها شأن يذكر عند ظهور الإسلام وفي الإسلام، حمير وكهلان، ومن مجموعة حمير قضاعة، في رأي من جعل قضاعة من اليمن، ومن قضاعة كلب وأسد ومن أسد تنوخ. وأما مجموعة كهلان، فتتألف من الأزد وهمدان ومذحج وطيء، ومن الأزد: غسان والأوس والخزرج.
وربيعة من القبائل العربية الكبيرة العدد، وقد سبق أن تحدثت عنها في مواضع من الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. وقد عرفت "ربيعة" بـ"ربيعة الفرس"، ويعلل أهل الأخبار اشتهارها بذلك بقولهم:"وربيعة الفرس، هو ابن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة. وإنما قيل له ربيعة الفرس؛ لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه مضر الذهب، فسمي مضر الحمراء. وأعطي أنمار أخوهما: الغنم، فسمي أنمار الشاة2. وذكروا أيضا: أن نزارًا لما حضرته الوفاة، آثر إيادًا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء، فسمي مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموا ربيعة الفرس، وأعطى أنمارًا جارية له تسمى: بجيلة فحضنت بنيه، فسمي بجيلة أنمار"3. وذكر أيضًا أن نزارًا لما حضرته الوفاة قسم ماله بين بنيه، "وهم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار، وقال: يا بني، هذه القبة، وهي من أدم، حمراء وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لربيعة، وهذه الخادمة وما أشبهها من المال لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه". ولما مات توجهوا إلى "الأفعى بن الأفعى الجرهمي" وكان ملك نجران، وصادفوا في طريقهم أعرابيا ضل بعيره، فوصفوه له، فقال لهم: دلوني عليه. ولما حلفوا له أنهم لم يروه وإنما وصفوه من أثره، لم يصدقهم بل أخذهم إلى "الأفعى" ليحلفوا أمامه أنهم لم يروه، فلما بلغوه قصوا قصتهم مع الأعرابي، وذكروا أنهم إنما وصفوه من أثره على الأرض، فحكم لهم "الأفعى" بأنهم صادقون، وأنهم لم يشاهدوه، ثم احتفل بهم بعد أن عرفهم وجرب ذكاءهم، وحكم بأن لمضر القبة الحمراء والدنانير
1 كتاب البغال، من رسائل الجاحظ "2/ 314 وما بعدها".
2 تاج العروس "5/ 343"، "ربع".
3 نهاية الأرب "16/ 10".
والإبل، وهي حمر فسميت: مضر الحمراء، وأن لربيعة الخباء الأسود من دابة ومال، فصارت له الخيل، وهي دهم، فسميت ربيعة الفرس. ثم قال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، فهو لإياد، فصارت له الماشية البلق من الخيل وغيرها، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض1.
و"مضر" من القبائل الكبيرة، وقد عرفت بـ"مضر الحمراء" كما ذكرت. وفسر علماء اللغة والنسب اشتهار "مضر" على نحو ما ذكرت قبل قليل، وفسره بعضهم بقوله: ومضر الحمراء؛ لأنه أعطي الذهب من ميراث أبيه، وأخوه ربيعة أعطي الخيل، فلقب بالفرس، أو لأن شعارهم في الحرب الرايات الحمر2. وقال بعض علماء اللغة: وإنما سمي مضر بمضر: "لولعه بشرب اللبن الماضر أو لبياض لونه"، و"العرب تسمي الأبيض أحمر؛ فلذلك قيل مضر الحمراء"3. وذكر بعض أهل الأخبار أن مضر مضران: مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء لسكناها المظال4.
ويظهر من هذه التفسيرات، أن "مضر" كانت قد نعتت بـ"الحمراء" قبل ظهور الإسلام. وأن "ربيعة" كانت قد عرفت بـ"ربيعة الفرس"، ولعل هذا بسبب أن "مضر" كانت إذ ذاك قبائل ذات إبل وتجارة ومال، ومنها "قريش" التي عرفت بتجارتها وبما جمعته من مال، فقالوا "مضر الحمراء". وأما "ربيعة"، فكانت قبائل متبدية غازية محاربة، لها خيل وفرسان؛ لهذا عرفت بـ"ربيعة الفرس".
وقد أشار الشاعر "لبيد" إلى ربيعة ومضر في شعره، حين تعرض لذكر الموت، فقال:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما
…
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر5
1 الدميري، حياة الحيوان "1/ 31""الأفعى".
2 تاج العروس "3/ 158"، "حمر".
3 تاج العروس "3/ 44"، "مضر".
4 نهاية الأرب "916".
5 ديوان لبيد "1/ 28"، "2/ 1".