الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بيته بيتًا للجميع ومضيفا لكل من يفد إليه من كبير أو حقير أو صغير، وأن يفتح قلبه للجميع.1
وعلى الرئيس أن يكون في مقدمة القوم في الحروب والغزو، وأن يكون شجاعًا لا يهاب الموت، حتى يكسب النصر لنفسه ولقومه، وعليه أن يكون قائد قبيلته وواضع خطط الحرب؛ لأنه رمز القبيلة ورمز النصر وباعث الهمم في نفوس أبنائه، وهو أب القبيلة، وإذا لم يكن قدوة لأبنائه في ساعات الشدة والخطر، فترت همم أبناء القبيلة، ولا يثير القبائل إلا الشعارات والنخوة وإلهاب المشاعر، حتى تندفع اندفاعًا في القتال. والرئيس هو روح القبيلة وشعارها، فإذا أصيب بمكروه أو جبن في القتال، وإذا خرَّ صريعًا في المعركة، هربت قبيلته في الغالب، وتراجعت القهقرى، إلا إذا وجد في القبيلة من يؤجج فيها نار الحماسة ويبث فيها العزيمة للوقوف والصمود. ويكون مثل هذا الرجل من الشجعان الأقوياء أصحاب الإرادة القوية الذين يعرفون نفسية قبيلتهم، وإلا فليس من السهل على رجل التأثير على قبيلة، وهي في مثل هذا الوضع.
ولأثر الرئيس في مصير الحرب، كان الفرسان يوجهون كل قوتهم نحو الرؤساء؛ لأنهم على علم بأنهم إن تمكنوا من الرئيس فقتلوه، غلبوا عدوهم في الغالب وقضوا عليه. فهو الروح المعنوية عند الأعراب، يليه حامل اللواء فإذا سقط حامل اللواء قتيلًا، أسرع من عُين ليكون خليفته في التقاط الراية وحملها، وإذا سقط هذا أيضًا أسرع من يأتي بعده، وهكذا. فإن سقوط الراية معناه هزيمة منكرة ستحيق بمن سقطت رايته؛ ولهذا كانوا يختارون رجالًا شجعانًا يولونهم أمر اللواء، بحيث إذا سقط أحدهم أخذ من يليه مكانه، وهكذا حتى النصر.
1 لامانس، مجلة المشرق، 1932م، عدد 2 "110".
صعوبة انقياد القبائل:
وليست قيادة القبيلة بأمر سهل يسير، لا سيما إذا كانت القبيلة قبيلة كبيرة ذات عشائر وأرهاط منتشرة في مواضع متباعدة. فإن رؤساء العشائر يستغلون فرصة ابتعادهم عن أرض الأم، ويعلنون انفصالهم عنها، وتوليهم أمرهم بأنفسهم،
فيحدث الانفصام والانقسام، وقد يعلن الرئيس حربًا على العشيرة العاقَّة المنشقة، ولهذا يعد سيد القبيلة الذي تجتمع له رئاسة قبيلة كبيرة من السادات المحظوظين، وحظه هو ثمرة ذكائه ومواهبه وقابلياته، ولا شك. ومن هؤلاء المحظوظين الذين دوَّن أهل الأخبار أسماءهم:"جَهْبل بن ثعلبة اليشكري"، سيد "بكر بن وائل"، فقد اجتمعت "بكر" حوله، و"عمرو بن شيبان بن ذهل"، و"عمرو بن قيس الأصم"، و"الكلح"، و"بشر بن عمرو بن مسعود"، و"همام بن مرة"، و"الحارث بن عباد"1، وقد اجتمعت حولهم "بكر بن وائل"، وانضوت تحت لوائهم، وذلك في مناسبات أشار إليها أهل الأخبار، مثل وقوع بعض الأيام. ولولا هذه الأيام، وتلك المناسبات التي اضطرت القبيلة إلى التكتل والتجمع فيها حول زعيم واحد ليخلصها من المخاطر، لما تجمعت حوله؛ لأن التجمع لا يلتئم مع طبع أهل البادية، الذين جبلتهم الطبيعة على التشتت والتفرق.
وذكر أهل الأخبار أن "خالد بن جعفر بن كلاب"، و"عروة الرحال بن عتيبة بن جعفر"، و"الأحوص بن جعفر"، و"عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، هم أربعة اجتمعت عليهم "هوازن"، ولم تجتمع "هوازن" كلها في الجاهلية إلا على هؤلاء الأربعة، وهم كلهم من "بني جعفر بن كلاب"2، مما يدل على صعوبة انقياد عشائر "هوازن" لزعامة رجل واحد. وهذا مثل واحد من أمثلة صعوبة انقياد القبائل لرئاسة رئيس؛ لأن الانقياد لرئيس واحد، معناه في نظر رؤساء العشائر، خضوعهم لغيرهم واستذلالهم له وتنازلهم عن حريتهم وعن استقلالهم في إدارة شئون عشائرهم لغيرهم ولو كان هذا الرئيس منهم، أضف إلى ذلك الخسائر المادية التي قد يصابون بها من هذا الانقياد.
وقد عرفت قبائل "ربيعة" خاصة بتخاصمها وبتباغضها وبتحاسد رؤسائها؛ لذلك لم تقبل في الغالب بتملك رئيس منها عليها. بل كان سادتها يراجعون التبابعة -على ما يقوله أهل الأخبار- لتمليك سيد منهم عليهم، كانوا يراجعون اليمن كلما اختلفوا فيما بينهم على تمليك ملك عليهم. وقد ذكر أهل الأخبار أن من جملة
1 المحبر "ص254".
2 المحبر "253 وما بعدها".
أسباب تعيين والد الشاعر "امرئ القيس" الكندي ملكًا على بني أسد وتعيين أعمامه ملوكًا على القبائل الأخرى، هو تناحر سادات ربيعة فيما بينهم، وتباغضهم وتفرق كلمتهم، حتى كان كل واحد منهم يرى أنه أولى من غيره بالملك، فدبَّ الخلافُ بين القبائل، وتطاول السفهاء على الأشراف وأهل البيوتات، وعندئذٍ وجد سادات القبائل أن الأمن لا يرجع إليهم إلا بذهابهم إلى كندة لتنصيب ملوك منها عليهم. فكان ما كان من تنصيب والد الشاعر على "بني أسد" وتنصيب أعمامه على القبائل الأخرى، إلا أن الأمن لم يستتب ولم يستقر طويلًا بين هذه القبائل المتنازعة، إذ قرر الرحيل عنها -وعاد الخصام داء "ربيعة"- إلى وطنه، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة على ما يقوله أهل الأمثال.
وقد أشار أهل الأخبار إلى رجال ذكروا أنهم تمكنوا من حكم معد وربيعة، ومعنى ذلك أنهم كانوا من ذوي الشخصيات القوية، وبذلك تمكنوا من فرض أنفسهم على هذه القبائل المتباغضة. من هؤلاء: حذيفة بن بدر، وهو من سادات غطفان وبيتهم، وهو والد "حصن" أبي عيينة، وقد أدرك "عيينة" النبي، فأسلم ثم ارتد، وأسلم بعد ذلك على يد أبي بكر1. وقد قاد "حذيفة" "بني فزارة" و"مرة" يوم النسار، ويوم الجفار، وفي حرب داحس حتى قتل فيها يوم الهباءة. وقد عرف بـ"رب معد"2، وما كان ليعرف بذلك لو لم يكن من أصحاب القوة والمكانة حتى ساد قبائل معد.
ومن سادات "ربيعة""الأفكل"، و"عمرو بن جعيد" من "بني الديل"، وكان ذا بغي، فسارت إليه "بنو عَصَر" فقتلوه3، و"الحارث الأضجم بن عبد الله بن ربيعة بن دوفن"، من "بني دوفن"، قديم السؤدد فيهم كانت تجبى إليه إتاوتهم4، و"عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم بن النمر بن قاسط"، وكان سيد "النمر بن قاسط" في الجاهلية وصاحب مرباعهم5.
1 ابن دريد، الاشتقاق "173".
2 المحبر "249"، "461"، جمهرة "243".
3 الاشتقاق "197".
4 الاشتقاق "193"، "جمهرة "275".
5 الاشتقاق "202"، جمهرة "283".