الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ما وقع من الحوادث سنة 809]
ذكر سلطنة الملك الناصر فرج الثانية على مصر «1» ولما كان صبيحة يوم السبت خامس جمادى الآخرة، طلع الملك الناصر فرج إلى قلعة الجبل وملكها، وقبض على الأتابك بيبرس، ثم على من يأتى ذكره، ثم طلب الخليفة والقضاة فحضروا، وجدّدت له بيعة السّلطنة ثانيا، وثبت خلع الملك المنصور عبد العزيز، وتسلطن وعاد إلى ملك مصر، وخلع على الخليفة والقضاة، وتمّ أمره، وانفضّ الموكب، ونزل الجميع إلى دورهم، وسكن أمر الناس.
فلما كان يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة المذكورة، خلع السلطان على الأمير يشبك الشّعبانىّ الظاهرىّ الدّوادار- كان- باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، عوضا عن بيبرس ابن أخت السّلطان الملك الظاهر برقوق، وخلع على الأمير سودون الحمزاوىّ الظاهرىّ باستقراره دوادارا كبيرا، عوضا عن سودون الماردانىّ، وعلى الأمير جركس القاسمىّ المصارع باستقراره أمير آخور كبيرا، عوضا عن سودون تلى «2» المحمدىّ، ثم أمسك السلطان الأمير جارقطلو- رأس نوبة- وقانى باى- أمير آخور- وآقبغا- رأس نوبة- والثلاثة أمراء عشروات، وأمسك بردبك وصمغار- رأس نوبة- أحد أمراء الطبلخانات- ثم خلع على القاضى سعد الدين إبراهيم ابن غراب، واستقر رأس «3» مشورة، وأنعم عليه بإمرة مائة، وتقدمة ألف بالدّيار
المصريّة، وصار أميرا بعدما كان مباشرا، ولبس الكلفتاة «1» ، وتقلّد بالسيف، وكان فى أمسه قد ركب مع السلطان الملك الناصر بقرقل «2» وعليه آلة الحرب- كاملا- وصار بعد من جملة المقاتلين، وتزيّا بزىّ الأتراك، وطلع إلى الخدمة من جملة الأمراء، ثمّ نزل إلى داره بقماش الموكب- على عادة الأمراء- فلم يركب بعدها، ولزم الفراش حتى مات، حسبما يأتى ذكره فى محله.
وخلع السلطان على فخر الدين ماجد بن المزوّق- ناظر الجيش- باستقراره فى كتابة السرّ، عوضا عن سعد الدين بن غراب المذكور؛ بحكم انتقاله إلى إمرة مائة، وتقدمة ألف بالديار المصريّة، ثم أمر السلطان فكتب بتقليد الأمير شيخ المحمودىّ باستقراره فى نيابة دمشق على عادته، عوضا عن الأمير نوروز الحافظىّ، وأن يتوجّه نوروز المذكور إلى القدس بطّالا، وحمل التقليد والتّشريف إلى الأمير شيخ الأمير إينال المنقار شادّ «3» الشّراب خاناة، وكتب بتقليد الأمير جكم بنيابة حلب، عوضا عن علّان، وحمل إليه التقليد والتّشريف سودون السّاقى، وكتب للأمير دمرداش المحمدىّ نائب حلب- كان- بالحضور إلى مصر، ثم قبض السلطان الملك الناصر على سودون المحمدىّ المعروف بتلى الأمير آخور الكبير، وأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير سودون اليوسفىّ، ثمّ خلع السلطان على الأمير سودون من زادة باستقراره فى نيابة غزّة عوضا عن سلامش.
ثمّ فى حادى عشرين جمادى الآخرة المذكورة، خلع السّلطان على الأمير تمراز الناصرىّ باستقراره نائب السّلطنة الشّريفة بالدّيار المصرية، وكانت شاغرة سنين
عديدة، من يوم تركها سودون الفخرىّ الشيخونىّ، فى دولة الملك الظاهر برقوق، وخلع على الأمير آقباى أمير سلاح، واستقر رأس نوبة الأمراء، واستقرّ سودون الطّيّار أمير سلاح عوضا عن آقباى المذكور، واستقرّ يلبغا الناصرىّ أمير مجلس عوضا عن سودون الطّيّار.
وأما البلاد الشّاميّة، فإنه لمّا بلغ أعيان الأمراء بها عود الملك الناصر فرج إلى ملكه، وتولية شيخ ثانيا نيابة دمشق عوضا عن نوروز، فرحوا بذلك فرحا عظيما، ودقّت البشار لذلك أياما، وخرج نوروز الحافظىّ، وعلّان جلّق «1» من حماة، وتوجّها إلى حلب بمن معهما، وكان الأمير دمرداش المحمّدىّ قد فرّ منها، وتوجّه إلى بلاد التّركمان، فمضيا إليه، ثم فارقاه وعادا إلى جهة أخرى حسبما يأتى ذكره، وأقام بحلب الأمير دقماق المحمّدىّ، فلما قدم جكم إلى حلب امتنع دقماق بحلب، وقاتله وانكسر، وأخذ دقماق وقتل بين يدى جكم صبرا- على ما يأتى ذكره فى محلّه.
وأما السّلطان الملك الناصر فرج، فإنه لمّا كان يوم الخميس رابع شهر رجب، قبض على الأمير أزبك الرّمضانىّ، وقيّده وبعثه إلى الإسكندرية فسجن بها، ثم ورد عليه الخبر بأنّ الأمير جكم سار إلى حلب ومعه الأمير شيخ نائب الشام، ونوروز بحلب، فلمّا وصلا إلى المعرّة كتب إليهما نوروز يعتذر بأنّه لم يعلم بولاية الأمير جكم لحلب، وخرج بمن معه منها إلى البرّيّة، فدخل جكم حلب من غير قتال، وعاد شيخ إلى الشّام، فلما بلغ السلطان ذلك كتب إلى الأمير جكم بنيابة طرابلس مضافا على ما بيده من نيابة حلب بمثال سلطانى من غير تقليد، وتوجّه بالمثال الأمير مغلباى، وكتب إلى نوروز بالحضور إلى القدس- بطّالا- كما كتب له أولا، وكتب إلى الأمير بكتمر جلّق نائب طرابلس بأن يكون أميرا كبيرا بدمشق.
وأمّا جكم فإنّه لمّا استقرّ بحلب ما زال يكاتب نوروزا وعلّان [جلّق]«2»
حتى قدما عليه، فأكرمهما وصارا من جملة أصحابه، ثمّ وقع له مع شيخ وغيره أمور نذكرها فى محلّها.
وفى يوم الاثنين أول شعبان، استدعى السّلطان الملك الناصر أبا الفضل العبّاس ولد الخليفة المتوكل على الله أبى عبد الله محمد، وبايعه بالخلافة بعد موت أبيه المذكور، ولبس التّشريف، ولقّب بالمستعين بالله، ونزل إلى داره. وكانت وفاة المتوكل على الله فى سابع عشرين شهر رجب، ثمّ كتب السّلطان باستقرار الأمير طولو من علىّ باشاه فى نيابة صفد عوضا عن بكتمر الرّكنىّ، المعروف بكتمر باطيا، وجهّز تشريف طولو على يد الأمير آقبردى رأس نوبة، وكتب باستقرار الأمير دمرداش المحمّدىّ فى نيابة حماة، ثم ورد الخبر بوصول الأمير علّان جلّق إلى دمشق مفارقا لجكم نائب حلب. ومات سعد الدين إبراهيم بن غراب فى يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان- كما سيأتى ذكره فى الوفيات- ثم أمسك السلطان الأمير إينال الأشقر وأرسله إلى سجن الإسكندرية لأمر بلغه عنه، ثمّ فى أواخر شهر رمضان قبض على الأمير سودون الماردانىّ من بيت بالقاهرة، فقيّد وحمل إلى سجن الإسكندرية، ثمّ كتب السلطان أمانا لكلّ من جمق، وأسنباى، وأرغز، وسودون اليوسفىّ، وبرسباى الدّقماقىّ، أعنى الملك الأشرف، وجهّزه إليهم بالشام، ثمّ قبض السلطان على الوزير فخر الدين ماجد بن غراب فى سابع ذى القعدة، وسلّمه إلى جمال الدين يوسف البيرىّ الأستادار، ثم كتب السلطان إلى الأمير نوروز لحافظىّ- وهو عند جكم بحلب- أنه قد قدّمت مكاتبة السلطان له أنّه يتوجّه إلى القدس بطّالا، وأنه أيضا ساعة وصول هذا المرسوم إليه يحضر إلى الدّيار المصريّة، فلم يلتفت جكم إلى مرسوم السلطان، ونهر القاصد، وخشّن له فى الكلام.
ثمّ فى سابع من ذى الحجّة، خلع السلطان على القاضى فتح الدين فتح الله بإعادته إلى وظيفة كتابة السّر، بعد عزل فخر الدين بن المزوّق عنها، ثم أفرج السّلطان عن فخر الدين بن غراب، وخلع عليه، واستقرّ وزيرا ومشيرا وناظر الخاص- على عادته أوّلا- بعد أن حمل عشرين ألف دينار.
وكان فى هذه السّنة- أعنى سنة ثمان [وثمانمائة]«1» - الطاعون العظيم بصعيد مصر، حتى شمل الخراب غالب بلاد الصعيد، ثمّ بلغ السّلطان أنّ جكم من عوض نائب حلب قد عظم أمره، وأنه قد بدا منه أمور تدلّ على المخالفة، فكتب السّلطان بعزله عن نيابة حلب وطرابلس، وولاية الأمير دمرداش نيابة حلب عوضه، وتولية الأمير علّان اليحياوىّ [جلّق]«2» ، نيابة طرابلس عوضه، وتولية الأمير عمر الهيدبانىّ نيابة حماة، وتوجّه بتقاليدهم ألطنبغا شقل مملوك الأمير شيخ المحمودىّ نائب الشام، ولم يرسل السلطان إليهم أحدا من أمراء مصر لضعف حالهم وعدم موجودهم، وقبل أن يصل إليهم الخبر بذلك اقتتل الأمير شيخ مع الأمير جكم بأرض الرّستن «3» - فيما بين حماة وحمص- فى خامس من ذى الحجة قتالا عظيما، قتل فيه الأمير علّان اليحياوىّ جلّق، والأمير طولو من علىّ باشاه نائب صفد، وجماعة كبيرة فى الواقعة، وأما علّان وطولو فإنه قبض عليهما فقدّما بين يدى الأمير جكم؛ فأمر بضرب رقابهما، فضربت أعناقهما بين يديه، وضرب عنق طواشى كان فى خدمة الأمير شيخ معهما.
قلت: وهذا ثالث أمير قتله الأمير جكم من أعيان الملوك من خشداشيّته فى هذه السنة- أعنى: دقماق المحمّدىّ نائب حلب، وعلّان هذا نائب حلب أيضا، وطولو نائب صفد- انتهى. وانهزم الأمير شيخ المحمودىّ نائب الشام ومعه الأمير دمرداش نائب حلب إلى دمشق، فلم يقدر شيخ على الإقامة بدمشق خوفا من نوروز الحافظىّ، وخرج من دمشق ومضى إلى الرّملة «4» يريد القدوم إلى القاهرة، ودخل نوروز إلى دمشق، وملك المدينة من جهة جكم بعساكره فى يوم الاثنين سابع عشرين
ذى الحجة المذكورة، ثمّ دخل جكم دمشق بعده فى يوم الخميس سلخ ذى الحجة، ونادى جكم فى دمشق بالأمان، وأنه لا يشوّش أحد على أحد، وكان جكم قد شنق رجلا من عسكره بحلب؛ كونه رعى فرسه زرعا، وشنق آخر على شىء وقع منه فى حقّ بعض الرعيّة، ثم لما قدم دمشق شنق بها أيضا جنديا بعد المناداة على شىء من ذلك، فخافته عساكره وانكفّوا عن مظالم الناس، وعن شرب الخمر، حتى لهجت النّاس بقولهم: جكم حكم وما ظلم، وعظم أمر جكم بالبلاد الشامية إلى الغاية.
ولما بلغ خبر هذه الواقعة المصريين خارت قواهم وتخوّفوا من جكم، وخرج البريد من يومه يطلب الأمير تغرى بردى- أعنى الوالد- من برّيّة القدس، فحضر إلى القاهرة، وجلس رأس الميسرة، بعد أن بنى السلطان على ابنته- كريمة «1» مؤلف هذا الكتاب «2» - ثم جهّز السلطان تشريفا للأمير شيخ فى حادى عشر المحرم من سنة تسع وثمانمائة بنيابة الشام على عادته، وأمدّه بمال وسلاح، وقبل خروج القاصد إليه قدم الخبر بوصول شيخ المذكور إلى مدينة بلبيس، فخرج إليه المطبخ السّلطانىّ وتلقّته الأمراء.
ثم قبض السلطان على الأمير كزل العجمىّ حاجب الحجاب- وكان أمير حاجّ المحمل- لما فعله مع الحجّاج فى هذه السّنة؛ فإنه أخذ من الحاج على كلّ جمل دينارا وباعهم الماء الذي يردونه، فصادره السلطان وأخذ منه نحو المائتى ألف درهم، ففر فى سلخه، فأخذ له حاصل كبير «3» أيضا.
وأما جكم، فإنّه أقام بدمشق مدة وقرّر أمورها، وجعل على نيابتها الأمير نوروزا الحافظى، وكان الأمير سودون تلّى المحمّدى الأمير آخور- كان- فى سجن الأمير شيخ، ففرّ منه ولحق بالأمير نوروز الحافظىّ، ثم ورد الخبر من قضاة حماة أنه سمع طائر يقول:
«اللهمّ انصر جكم» وهذا من غريب الاتّفاق، وهذا والناس فى جهد وبلاء من غلوّ الأسعار بالديار المصرية، لا سيّما لحم الضأن والبقر وغيره، فإنه عزّ وجوده البتة، ثم خرج الأمير الكبير يشبك الشّعبانىّ وغالب الأمراء إلى ملاقاة شيخ، ودمرداش، ومعهما خير بك نائب غزّة، وألطنبغا العثمانى حاجب حجّاب دمشق، ويونس الحافظىّ نائب حماة- كان- وسودون الظريف نائب الكرك- كان- وتنكزبغا الحططىّ فى آخرين، وطلع الجميع إلى القلعة، وقبلّوا الأرض بين يدى السلطان، فأكرمهم السلطان غاية الإكرام، ثم نزلوا إلى القاهرة، وعقيب ذلك ورد الخبر بأخذ عسكر جكم مدينة صفد، والكرك، والصّبيبة وغيرها.
ثمّ فى سادس صفر من سنة تسع وثمانمائة المذكورة، خلع السّلطان على الأمير شيخ المحمودىّ بنيابة الشام على عادته، وعلى الأمير دمرداش بنيابة حلب على عادته، وأخذ السّلطان فى تجهيز أمر السّفر إلى البلاد الشّامية.
ثم فى حادى عشرين صفر من سنة تسع المذكورة، حمل السلطان الملك الناصر أخاه الملك المنصور عبد العزيز، وأخاه إبراهيم- ابنى الملك الظاهر برقوق- إلى سجن الإسكندرية صحبة الأمير قطلوبغا الكركىّ، والأمير إينال حطب العلائىّ، ورسم لهما أن يقيما باسكندريّة عندهما، وقد تقدّم ذكر ذلك فى أواخر ترجمة الملك المنصور عبد العزيز.
ثمّ أنعم السّلطان على الأمير شيخ بأشياء كثيرة، فتجهّز شيخ المذكور وخرج من الديار المصرية فى يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول، وخلع السلطان على الأمير دمرداش المحمّدى نائب حلب أيضا خلعة السّفر، وخرج صحبة الأمير شيخ، وتوجّها بجماعتهما ونزلا بالرّيدانيّة «1» ثم لحق بهما الأمير سودون الحمزاوىّ الدوادار الكبير،
والأمير سودون الطّيّار أمير سلاح بطلبهما «1» ومماليكهما وهؤلاء كالجاليش «2» . وأقام الجميع بالرّيدانيّة إلى أن رحلوا منها، وبعد رحيلهم نزل السّلطان بعساكره وأمرائه من قلعة الجبل، ونزل بمخّيمه من الرّيدانيّة خارج القاهرة، فى ثامن شهر ربيع الأول المذكور من سنة تسع وثمانمائة، وهذه تجريدة الملك النّاصر الثالثة إلى البلاد الشّاميّة، فإنّ الأولى كانت من سنة اثنتين لقتال تنم، والثانية فى سنة ثلاث لقتال تمر لنك، وهذه الثالثة.
وأقام السلطان بالرّيدانيّة إلى يوم ثانى عشر شهر ربيع الأول، فرحل منها بعساكره إلى جهة الشّام، بعد أن خلع على الأمير تمراز الناصرىّ نائب السلطنة الشّريفة بالديار المصرية باستقراره أيضا فى نيابة الغيبة «3» بالقاهرة، وأنزل السلطان بقلعة الجبل جماعة أخرى من الأمراء ممن يثق بهم، وكذلك بالقاهرة.
قال المقريزىّ- رحمه الله: ولم يحمد رحيل السّلطان الملك النّاصر من الرّيدانيّة فى يوم الجمعة، فقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله أنه قال: ما سافر أحد يوم الجمعة إلّا رأى ما يكره. وسار السلطان بعساكره حتى دخل دمشق فى يوم الاثنين سابع شهر ربيع الآخر من السنة بتجمّل عظيم، ونزل بدار السّعادة «4» بعد أن زيّنت له دمشق، فأقام بدمشق إلى يوم سابع عشره، فرحل من دمشق بعساكره يريد حلب، وسار حتى دخل حلب فى يوم سادس عشرينه، وقد فرّ منها جكم وعدّى الفرات خوفا من الملك النّاصر فرج، ومعه الأمير نوروز الحافظىّ وتمربغا المشطوب، فى جماعة أخر، فنزل السلطان
بالقلعة من حلب، وبعث بجماعة فى طلب جكم ورفقته، فتوجّهوا فى أثره، ثمّ عادوا بعد أيام بغير طائل، وخرج السّلطان من حلب عائدا إلى الدّيار المصريّة يريد الشّام فى أوّل جمادى الآخرة، بعد ما ولّى الأمير جركس القاسمىّ المصارع الأمير آخور الكبير نيابة حلب عوضا عن جكم من عوض، وولّى الأمير سودون بقجة نيابة طرابلس. وجدّ السلطان فى سيره بعد خروجه من حلب حتى قدم دمشق فى خامس جمادى الآخرة، وبعد خروج السلطان من حلب بيوم ثارت طائفة من المماليك ومعهم عامّة حلب على جركس المصارع، ثمّ قدم الأمير نوروز الحافظىّ إلى نحو حلب، ففرّ منها جركس المصارع يريد دمشق ونوروز فى أثره، فعثر نوروز بحلم «1» الملك النّاصر- وكان تخلّف عن السّلطان لسرعة سير السّلطان- فقطعه نوروز ووقع النهب فيه، ولحق الأمير جركس السلطان ودخل معه دمشق، فنزل السّلطان فى دار السعادة، ونادى بالإقامة فى دمشق شهرين، وكان الأتابك يشبك الشّعبانىّ قدم دمشق، وهو متمرّض فى أمسه، ومعه الأمير دمردش المحمّدىّ، وبشباى رأس نوبة النّوب، وورد الخبر على السّلطان بنزول نوروز على حماة، وبقدوم جكم إلى حلب.
فلمّا بلغ السّلطان ذلك خرج من دمشق فى يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، بعد ما أمر العسكر أنّ من كان فرسه عاجزا فليتوجّه إلى القاهرة، وألّا يتبع السلطان إلّا من كان قويّا، فتسارع أكثر العسكر إلى العود لجهة الديار المصريّة، ولم يتبع السّلطان من عسكره إلا القليل، وسار الملك النّاصر حتى وصل إلى منزلة قارا «2» ، ثمّ عاد مجدّا فدخل دمشق وقد تمزّق عسكره، وتأخّر جماعة كبيرة من الأمراء مع شيخ نائب الشّام، ثم قدموا دمشق، ثم خرج الأمير شيخ فى ثالث عشرينه من دمشق ومعه دمرداش المحمّدىّ،
وألطنبغا العثمانىّ فى عدّة من الأمراء إلى جهة صفد، وسار السّلطان ويشبك، ومعهما جميع الأمراء إلى جهة مصر، فدخل السلطان إلى القدس، وقد تخلّف عنه الأمير سودون الحمزاوىّ الدّوادار الكبير بدمشق، ومعه عدّة من الأمراء مغاضبين للسّلطان لأمر اقتصى ذلك، ثمّ خرج الحمزاوىّ من دمشق يريد صفد، وأخذ كثيرا من الأثقال السّلطانيّة واستولى على صفد.
وأما نوروز فإنه جهّز عسكرا عليهم الأمير سودون تلّى المحمّدىّ، وأزبك الدّوادار «1» فى آخرين، فساروا إلى جهة الرّملة، ثمّ قدم على الأمير نوروز الحافظىّ الأمير إينال باى بن قجماس والأمير يشبك بن أزدمر، وكانا مختفيين بالقاهرة من يوم خروج الملك النّاصر فرج وعوده إلى ملكه، واختفيا حتى خرجا صحبة السلطان إلى البلاد الشّامية، فلما عاد السّلطان إلى نحو الدّيار المصريّة توجّها إلى نوروز بدمشق، وتوجّه معهما الأمير سودون المحمّدىّ لصعف أصابه، فأكرمهما الأمير نوروز غاية الإكرام، وأنعم عليهما بأشياء كثيرة، وكتب للأمير جكم بقدومهما.
وأمّا السلطان الملك النّاصر، فإنه سار من القدس حتى دخل إلى القاهرة فى حادى عشر شهر رجب بغير طائل، وقد تلف له ولعساكره مال كبير، وزيّنت القاهرة لقدومه، وخرج أعيان المصريّين لتقّيه، ثمّ بعد قدومه بسبعة أيام وصل دمرداش نائب حلب، وسودون من زادة نائب غزّة إلى القاهرة، واستمرّ سودون الحمزاوىّ وشيخ نائب الشّام بصفد، وأخذ [سودون]«2» الحمزاوىّ يسعى فى الصّلح بين شيخ ونوروز، ولا زال فى ذلك حتى أجاب نوروز، وكتب فى هذا المعنى إلى جكم، فبينما هم فى ذلك خرج سودون الحمزاوىّ يوما من صفد ليسير، فقام شيخ وركب واستولى على قلعة صفد، وأخذ جميع ما للحمزاوىّ، وبلغ ذلك الحمزاوىّ
فهرب ونجا بنفسه فى قليل من أصحابه، وتوجّه إلى دمشق فرحّب به نوروز، غير أنّ نوروزا كان مشغولا بعمارة قلعة دمشق، فلم ينهض بالخروج معه لقتال شيخ.
وأمّا الملك النّاصر، فإنّه فى يوم الجمعة رابع شعبان، مسك الوزير فخر الدين ماجد بن غراب وسلّمه لجمال الدين الأستادار، ليصادره ويعاقبه، واستقرّ جمال الدين فى وظيفتى الوزير وناظر الخاصّ مضافا إلى الأستاداريّة، وهذا أوّل ابتداء تحكّم جمال الدين فى الناس، ثم قبض على الأمير خير بك نائب عزّة، وقدم به إلى القاهرة مقيّدا، ثمّ عيّن السلطان جماعة من الأمراء للتجريدة بالبلاد الشّامية ومقدّمهم الأمير تمراز النّاصرىّ النائب، وآقباى، وغيرهما، وخرجوا من القاهرة فى عاشر شهر رمضان، فورد الخبر بأن عسكرا من الشام أخذ غزّة، وأن يشبك بن أزدمر أخذ قطيا «1» ، وأخربها وعاد إلى غزّة، فأقام تمراز بمن معه على مدينة بلبيس أياما، ثم عاد هو وآقباى بمن معهما إلى القاهرة فى سابع شوّال.
ثمّ قدم الخبر على الملك الناصر بأن الأمير جكم من عوض نائب حلب تسلطن بقلعة حلب فى يوم حادى عشر شوال من سنة تسع وثمانمائة المذكورة، وتلقّب بالملك العادل أبى الفتح عبد الله جكم، وخطب باسمه من الفرات إلى غزّة- ما عدا صفد- فإن بها الأمير شيخا المحمودىّ، وقد استولى عليها من سودون الحمزاوىّ حسبما تقدّم ذكره، وأنه لم يخطب باسم جكم، وأنه مستمرّ على طاعة السّلطان، وأن الأمير نوروزا نائب الشّام باس الأرض لجكم، وخلع على بكتمر جلّق بنيابة صفد بأمر الملك العادل جكم، ثمّ قدم بعد ذلك عدّة كتب من أمراء الشّام على السّلطان يرغّبون السّلطان فى الخروج إلى البلاد الشّامية، ثم قدمت عدّة كتب من جكم إلى عربان مصر وفلّاحيها بمنعهم من دفع الخراج إلى السلطان وأمرائه وأجناده، وتحذيرهم من ذلك حتى يقدم جكم إلى مصر، ثم ورد الخبر من البلاد الشّامية أنه فى ثامن عشر شوال وصل إلى دمشق
قاصد الملك العادل جكم، وعلى يده مرسوم جكم بأنّ الأمير سودون الحمزاوى يكون دوادارا بالدّيار المصرية على عادته، وأن الأمير إينال باى بن قجماس يكون أمير آخور كبيرا على عادته؛ وأن الأمير يشبك بن أزدمر يكون رأس نوبة النّوب على عادته، وأن الأمير نوروزا مستمرّ على نيابة دمشق، وجىء له بالخلعة فلبسها نوروز، وقبّل الأرض، ودقت البشائر لذلك- بدمشق- أياما، وزيّنت المدينة.
فلما بلغ السّلطان ذلك أراد الخروج إلى البلاد الشّامية فكلمه أمراؤه فى تأخير السفر حتى يخفّ الطاعون من الدّيار المصريّة، فإنه كان فشا بها وكثر، فلم يلتفت السلطان لذلك، وشرع فى أوّل ذى الحجة فى الاهتمام إلى سفر الشّام هو وعساكره، ثم فى خامس عشرين ذى الحجة المذكورة علّق السلطان جاليش «1» السفر، وصرفت النّفقة للمماليك السّلطانية فى تاسع عشرين، لكل مملوك ثلاثون مثقالا وألف درهم فلوسا، فتجمّع المماليك تحت الطّبلخاناة السلطانيّة وامتنعوا من أخذها، فكلّمهم بعض الأمراء على لسان السّلطان فى ذلك، فرضوا، وبينما السلطان فى ذلك ورد عليه الخبر بقتل الأمير جكم بآمد «2» ، من ديار بكر بن وائل، فى سابع عشر ذى القعدة من سنة تسع وثمانمائة المذكورة.
وسبب قتلة جكم المذكور أنه لما تسلطن بمدينة حلب، ووافقه وأطاعه غالب نوّاب البلاد الشّاميّة، وعظم أمره، وكثرت عساكره، وخافه كلّ أحد حتى أهل مصر، وتهيّأ الملك النّاصر إلى الخروج من مصر لقتاله، ابتدأ جكم بالبلاد الشّاميّة، واستعد لأخذها، على أن الدّيار المصريّة صارت فى قبضته، وأعرض عنها حتى ينتهى من بلاد الشرق، وجعل تلك الناحية هى الأهم، وخرج من مدينة حلب بعساكره إلى نحو الأمير عثمان بن طرعلىّ المعروف بقرايلك، صاحب آمد، وغيرها
من ديار بكر، وكان قرايلك المذكور يومئذ نازلا بآمد، فسار جكم حتّى نزل على البيرة، وحصرها وأخذها، وقتل نائبها الأمير كزل، فأتته بها رسل قرايلك يرغب إليه فى الطّاعة، ويسأله الرجوع عنه إلى حلب، وأنه يحمل إليه من الجمال والأغنام عدّة كبيرة، ويخطب له بديار بكر، فلم يقبل جكم ذلك، وسار حتى نزل قرب ماردين «1» ، فأقام هناك أياما حتى قدم عليه الملك الظّاهر مجد الدين عيسى الأرتقىّ صاحب ماردين، ومعه حاجبه فيّاض بعساكره، فاستصحبه جكم معه إلى نحو مدينة آمد، وقد تهيأ قرا يلك لقتال جكم المذكور، فعبّأ جكم عساكره، ومشى على آمد، فالتقاه قرايلك بظاهرها، وتقاتلا قتالا شديدا قاتل فيه جكم بنفسه، وقتل بيده إبراهيم بن قرايلك، ثمّ حمل على قرايلك بنفسه، فانهزم قرايلك بمن معه إلى مدينة آمد وامتنعوا بها، وغلّقوا أبوابها، فاقتحم جكم فى طائعة من عسكره القرايلكيّة، وساق خلفهم حتى صار فى وسط بساتين آمد، وكان قرايلك قد أرسل المياه على أراضى آمد حتى صارت ربوا، يدخل فيها الفارس بفرسه فلا يقدر على الخلاص، فلما وصل جكم إلى ذلك الموضع المذكور أخذه الرّحم هو ومن معه من كلّ جهة، وقد انحصروا من الماء الذي فاض على الأرض، وجعلها ربوا، فصاروا لا يمكنهم فيه الكرّ والفرّ، فصوّب عند ذلك بعض التّراكمين من القرايلكيّة على جكم، وهو لا يعرفه، ورماه بحجر فى مقلاع أصاب جبهته وشجّه، وسال الدّم على ذقنه ووجهه، وجكم يتجلّد ويمسح الدّم عن وجهه، فلم يتمالك نفسه وسقط عن فرسه مغشيّا عليه، وتكاثر التّركمان على رفقته فهزموهم بعد أن قتلوا منهم عدّة كبيرة، فنزل بعض التّراكمين وقطع رأس جكم، وجال العسكر واضطرب أمر جيش جكم ساعة، ثم انكسروا لفقد جكم، وقد عاينت أنا موضع قتل جكم بظاهر مدينة آمد لما نزل السّلطان
الملك الأشرف برسباى عليها فى سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة، عرّفنى ذلك الأمير السّيفىّ صربغا أمير آخور الوالد، فإنه كان يوم ذاك صحبة جكم فى الواقعة المذكورة- انتهى.
ثم أخذ التّركمان فى الأسر والقتل والنّهب فى عساكر جكم وعساكر ماردين حتى إنه لم ينج منهم إلّا القليل، فلما ذهب القوم نزل قرايلك وتطلّب جكم بين القتلى حتى ظفر به، فقطع «1» رأسه، وبعث به إلى السلطان الملك النّاصر إلى الدّيار المصريّة، وقتل فى هذه الواقعة مع الأمير جكم من الأعيان: الملك الظّاهر عيسى صاحب ماردين، وكان من أجلّ الملوك، والأمير ناصر الدين محمد بن شهرىّ حاجب حجّاب حلب، والأمير قمول نائب عين «2» تاب، وصارو سيّدى، وفرّ الأمير تمربغا المشطوب. وكمشبغا العيساوىّ، حتى لحقا بحلب فى عدّة يسيرة من المماليك، وكانت هذه الواقعة فى سابع عشر ذى القعدة من سنة تسع وثمانمائة- انتهى أمر جكم وقتلته.
وأما أمر الأمير شيخ المحمودىّ نائب الشّام- كان- فإنه فى ذى القعدة أيضا ركب من صفد يريد الأمراء الذين من جهة نوروز وجكم. وقد وصلوا من دمشق إلى غزّة، وهم إينال باى بن قجماس، وسودون الحمزاوىّ، ويشبك ابن أزدمر، ويونس الحافظىّ نائب حماة- كان- وسودون قرناص فى آخرين، فسار شيخ بمن معه وطرقهم بغزّة على حين غفلة فى يوم الخميس رابع ذى الحجة، فركبوا وقاتلوه قتالا شديدا، قتل فيه إينال باى بن قجماس، ويونس الحافظىّ، وسودون قرناص، وقبض شيخ على سودون الحمزاوىّ، بعد ما قلعت عينه، وهرب يشبك بن أزدمر إلى دمشق، وقبض شيخ على