الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر غزوة قبرس على حدتها
ولما كان يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بأخذ مدينة قبرس وأسر ملكها جينوس بن جاك، فدقّت البشائر بالقلعة لهذا الفتح ثلاثة أيام، وكان من خبر ذلك أن الغزاة لما ساروا من الثّغور المذكورة إلى جهة قبرس وصلوا إلى مدينة اللّمسون مجتمعين ومتفرّقين، فبلغهم من أهل اللّمسون أن متملك قبرس جاءه نجدة كبيرة من ملوك الفرنج، وأنه استعدّ لقتالهم كما تقدّم ذكره، ولما وصلوا إلى اللّمسون نازلوا قلعتها وقاتلوا من بها حتى أخذوها عنوة فى يوم الأربعاء سادس عشرين شعبان، ونهبوها وسبوا أهلها، وقتلوا جماعة كبيرة ممن كان بها من الفرنج، ثم هدموها عن آخرها، وساروا منها فى يوم الأحد أوّل شهر رمضان من سنة تسع وعشرين المقدم ذكرها بعد أن أقاموا عليها نحو ستة أيام، وساروا فرقتين فرقة فى البرّ وعليهم الأمير تغرى بردى المحمودى والأمير حسين بن أحمد المدعو تغرى برمش أحد مقدّمى الألوف ومن انضاف إليهم من أمراء الطبلخانات والعشرات والعساكر [المصرية والشاميّة]«1» من الخيّالة والرّجّالة، وفرقة فى البحر ومقدّمهم الأمير إينال الجكمىّ أمير مجلس، والأمير قرامراد خجا الشّعبانىّ أحد مقدّمى الألوف بمن انضاف إليهم من العساكر المصرية والشاميّة، وكان سبب مسير هؤلاء فى البحر مخافة أن يطرق الفرنج المراكب من البحر ويأخذوها ويصير المسلمون ببلادهم يقاتلونهم على هيئتهم، وكان ذلك من أكبر المصالح، ثم سار الذين فى البرّ متفرقين حتى صاروا بين اللّمسون والملّاحة وهم من غير تعبئة لقتال بل على صفة السّفار غير أنّ على بعضهم السلاح وأكثرهم بلا سلاح لشدّة الحر، وصار كلّ واحد من القوم يطلب قدّاما من غير أن يتربّص أحدهم لآخر، وفى ظنهم أن صاحب قبرس لا يلقاهم إلا خارج قبرس، وتأخّر الأمراء ساقة العسكر كما هى عادة مقدّمى العساكر،
والناس تجدّ فى السّير إلى أن يقاربوا قبرس [ثم]«1» يقفوا هناك يريحون [خيلهم]«2» إلى أن تكتمل العساكر وتتهيّأ الأطلاب للقتال ثم يسيرون جملة واحدة بعد التعبئة والمصاففة.
وبينما هم فى السير إذا هم بمتملك قبرس بجيوشه وعساكره ومن انضاف إليه من ملوك الفرنج وغيرها وقد ملأت الفضاء، وكان الذين وافاهم صاحب قبرس من المسلمين الذين سبقوا طائفة قليلة جدا وأكثرهم خيّالة من أعيان المماليك السلطانية، فعندما وقع العين على العين لم يتمالك المسلمون أن يصبروا لمن خلفهم حتى يصيروا جملة واحدة بل انتهزوا الفرصة وتعرّضوا للشهادة، وقال بعضهم لبعض: هذه الغنيمة، ثم حرّكوا خيولهم وقصدوا القوم بقلب صادق- وقد احتسبوا نفوسهم فى سبيل الله- وحملوا على الفرنج حملة عظيمة [وصاحوا الله أكبر]«3» وقاتلوهم أشدّ قتال، وأردفهم بعض جماعة وتخلّف عنهم أخر، منهم رجل من أكابر الخاصّكيّة أقام يستظلّ تحت شجرة [كانت]«4» هناك، وتقاتل المسلمون مع الفرنج قتالا شديدا، قتل فيه السّيفى تغرى بردى المؤيّدى الخازندار، وكان من محاسن الدنيا، لم ترعينى أكمل منه فى أبناء جنسه، والسّيفى قطلوبغا المؤيّدى البهلوان، وكان رأسا فى الصّراع، ومن مقولة تغرى بردى المقدّم ذكره فى الشجاعة والفروسيّة، والسيفى إينال طاز البهلوان، والسّيفى نانق اليشبكىّ وهؤلاء الأربعة من الأعيان والأبطال المعدودة- عوّض الله شبابهم الجنة بمنّه وكرمه- ثم قتل من المسلمين جماعة أخر، وهم مع قلتهم ويسير عددهم فى ثبات إلى أن نصر الله الإسلام، ووقع على الكفرة الخذلان وانكسروا، وأسر متملك قبرس مع كثرة جموعه وعظم عساكره التى لا تحصر، وقلة عسكر المسلمين، حتى إن الذي كان حضر أوائل الوقعة أقل من سبعين نفسا قبل أن يصل إليهم الأمير إينال العلائى الناصرى أحد أمراء الطبلخانات [ورأس نوبة ثالث]«5» وهو الملك الأشرف إينال، والأمير تغرى برمش، ثم تتابع القوم طائفة بعد طائفة؛ كلّ ذلك بعد أن انكسرت الفرنج وأسر
صاحب قبرس، وقتل من قتل من المسلمين، ولمّا ترادفت عساكر الإسلام ركبوا أقفية الفرنج ووضعوا فيهم السّيف، وأكثروا من القتل والأسر، وانهزم من بقى من الفرنج إلى مدينة قبرس الأفقسيّة، ثم وجد المسلمون مع الفرنج طائفة من التركمان المسلمين قد أمدّ الفرنج بهم على بك بن قرمان- عليه من الله ما يستحقه- فقتل المسلمون كثيرا منهم.
واجتمع عساكر البرّ والبحر من المسلمين فى الملّاحة يوم الاثنين ثانى شهر رمضان، وتسلم الأمير تغرى بردى المحمودى صاحب قبرس، كل ذلك والمسلمون يقتلون ويأسرون وينبهون حتى امتلأت أيديهم وتغلّبوا عن حمل الغنائم.
وأما القتلى من الفرنج فلا تحصر ويستحى من ذكرها كثرة؛ حدثنى بعض مماليك الوالد ممن باشر الواقعة من أوّلها إلى آخرها وجماعة كبيرة من الأصحاب الثقات قالوا: كان موضع الوقعة أزيد من ألفى قتيل من قتلى الفرنج، هذا فى الموضع الذي كان فيه القتال، وأما الذي قتل من الفرنج بالضّياع والأماكن وبطريق قبرس فلا حدّ له ولا حساب، فإنه استمرّ القتل فيهم أيّاما، واستمروا على الملّاحة إلى يوم الخميس خامس شهر رمضان فساروا منها يريدون الأفقسيّة مدينة قبرس.
ولما ساروا وافاهم الخبر- بعد أن تقدّم منهم جماعة كبيرة من المطّوّعة والمماليك السلطانية إلى مدينة قبرس- بأن أربعة عشر مركبا من مراكب الفرنج مشحونة بالسلاح والمقاتلة أتت [المراكب]«1» لقتال المسلمين، منها سبعة أغربة، وسبعة مربّعة القلاع، فلاقاهم الأمير إينال الجكمىّ أمير مجلس، والأمير قرامراد خجا الشعبانى، والأمير طوغان السّيفى تغرى بردى أحد مقدّمى دمشق، والأمير جانى بك رأس نوبة السّيفى يلبغا النّاصرى المعروف بالثّور بعساكرهم وبمن انضاف إليهم من المطوّعة وغيرهم؛ وهؤلاء الأمراء الذين كانوا مقدّمى العساكر فى البحر بالمراكب، واقتتلوا مع الفرنج المذكورين أشدّ قتال حتى هزموهم وأخذوا منهم مركبا مربّعا من مراكب
الفرنج بعد أن قتلوا منهم عدّة كبيرة تقارب ما ذكرنا ممّن قتل بمكان الوقعة الأولى، وولت الفرنج الأدبار.
واستمرّ الذي توجّه من الغزاة إلى الأفقسيّة من المماليك السلطانية وغيرهم يقتلون فى طريقهم ويأسرون إلى أن وصلوا إلى المدينة ودخلوا قصر الملك ونهبوه.
ثم عادوا ولم يحرقوا بمدينة قبرس إلا مواضع يسيرة، ولم يدخل المدينة أحد من أعيان العسكر، وغالب الذي دخلها من المماليك السلطانية والمطّوّعة، وكان دخولهم وإقامتهم بها وعودهم منها فى يومين وليلة واحدة.
ثم أقام جميع الغزاة بالملّاحة وأراحوا بها أبدانهم سبعة أيّام، وهم يقيمون فيها شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح- ولله الحمد على هذه المنة بهذا الفتح العظيم الذي لم يقع مثله فى الإسلام من يوم غزاهم معاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنه فى سنة نيّف وعشرين من الهجرة.
ثم ركبت الغزاة المراكب عائدين إلى جهة الدّيار المصرية، ومعهم الأسرى والغنائم، ومن جملتها متملّك قبرس فى يوم الخميس ثانى عشر رمضان بعد أن بعث أهل الماغوصة يطلبون الأمان- هذا ما كان من أمرهم-[انتهى]«1» .
وجزيرة قبرس تسمّى باللغة الرّومية شبرا، والبحر يحيط بها مائتى ميل، والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والإصبع ست شعيرات مضموم بعضها إلى بعض، والفرسخ بهذا الميل ثلاثة أميال والبريد بهذا الفرسخ أربعة فراسخ، وجزيرة قبرس من الإقليم الرّابع من الأقاليم السبعة، وسلطانها يقال له أرادا شبرا: أى سلطان الجزيرة، وقبرس مدينة بالجزيرة تسمّى الأفقسيّة، ومسيرة جزيرة قبرس سبعة أيام، وبالجزيرة المذكورة اثنا عشر ألف قرية كبارا وصغارا، وبمدنها وقراها من الكنائس والدّيارات والقلالى والصوامع كثير، وبها البساتين المشتملة على الفواكه المختلفة، وبها
الرياحين العطرة كالخزام والياسمين والورد والسّوسن والنرجس والريحان والنسرين والأقحوان وشقائق النعمان وغير ذلك، وبمدن الجزيرة المذكورة الأسواق والخانات والحمّامات والمبانى العظيمة [انتهى]«1»
وأما أمر السلطان الملك الأشرف [برسباى]«2» فإنه لما بلغه خبر أخذ قبرس فى يوم الاثنين ثالث عشرين رمضان حسبما تقدّم ذكره كاد أن يطير فرحا، ولقد رأيته وهو يبكى من شدّة الفرح، وبكى الناس لبكائه، وصار يكثر من الحمد والشكر لله، ودقّت البشائر بقلعة الجبل وبسائر مدن الإسلام لما بلغهم ذلك، وارتجّت القاهرة وماجت الناس من كثرة السرور الذي هجم عليهم، وقرىء الكتاب الوارد بهذا النصر على الناس بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريّين بالقاهرة حتى سمعه كلّ من قصد سماعه «3» ، وقالت الشعراء فى هذا الفتح عدّة قصائد، من ذلك القصيدة العظيمة التى نظمها الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط أحد أعيان موقعى الدّست «4» بالديار المصرية، وأنشدها بين يدى السلطان بحضرة أرباب الدولة، والقصيدة ثلاثة وسبعون بيتا، أولها. [الكامل]
بشراك يا ملك المليك الأشرفى
…
بفتوح قبرس بالحسام المشرفى
فتح بشهر الصوم تمّ له فيا
…
لك أشرف فى أشرف فى أشرف
فتح تفتحت السماوات العلى
…
... من أجله بالنصر واللطف الخفى
والله حف جنوده بملائك
…
عاداتها التأييد وهو بها حفى
ومنها:
الأشرف السلطان أشرف مالك
…
لولاه أنفس ملكه لم تشرف
هو مكتف بالله أحلم قادر
…
راض لآثار النبوة مقتفى
حامى حمى الحرمين بيت الله وال
…
قبر الشريف لزائر ومطوف
وكلها على هذا النسق- انتهى.
قلت: وكل ذلك والنّصارى تكذب هذا الخبر وتستغربه من أسر متملّك قبرس وهزيمته على هذا الوجه، لأن أمر هذا النّصر فى غاية من العجب من وجوه عديدة.
أوّلها: قلة من قاتل الفرنج من المسلمين، فإنهم كانوا فى غاية من القلّة [ «1» بحيث إن العقل لا يقبل ذلك إلا بعد وقوعه فى هذه المرة «2» ] .
وثانيهما: أنه لم تتعب عساكر الإسلام ولا وقع مصاف.
وثالثها: أنه كان يمكن هزيمة صاحب قبرس من المسلمين بعد أيّام كثيرة من وجوه عديدة يطول الشرح فى ذكرها لا تخفى على من له ذوق.
ورابعها: أنه كان يمكن هزيمة الفرنج ولا يمكن مسك الملك وأسره أيضا من وجوه عديدة.
وخامسها: أن غالب العسكر إذا حصل لهم هزيمة يتحايون ويرجعون غير مرة على من هزمهم لا سيما كثرة عساكر الفرنج وقلة من حضر الوقعة من عساكر المسلمين فى هذه المرّة، فكان على هذا يمكنهم الكرّ على المسلمين بعد هزيمتهم غير مرّة.
وسادسها: أن الوقعة والقتال والهزيمة والقبض على الملك وتشتت شمل الفرنج والاستيلاء على ممالكهم كل ذلك فى أقل من نصف يوم؛ فهذا أعجب من العجب.
وما أرى إلا أن الله سبحانه وتعالى أعزّ الإسلام وأهله، وخذل الكفر وأهله بهذا النصر العظيم الذي لم يسمع بمثله فى سالف الأعصار، ولا فرح بمثله ملك من ملوك الترك، ولقد صار للملك الأشرف برسباى بهذا الفتح ميزة على جميع ملوك التّرك إلى يوم القيامة- اللهم لا مانع لما أعطيت.
ولما بلغ الملك الأشرف عود الغزاة المذكورين إلى جهة الدّيار المصريّة رسم فنودى بالقاهرة ومصر بالزّينة، ثم ندب السلطان جماعة كبيرة [من المماليك السلطانية]«1» بالتوجّه إلى الثّغور لحفظ مراكب الغزاة بعد خروجهم منها خوفا من أن يطرقهم طارق من الفرنج مما يأتى صاحب قبرس من نجدات الفرنج- وكان هذا من أكبر المصالح- ثم رسم السلطان لهم أن يأخذوا جميع المراكب من ثغر دمياط ويأتوا بها إلى ثغر الإسكندرية لتحفظ بها؛ وسبب ذلك أن الغزاة المذكورين كان منهم من وصل إلى ثغر الإسكندرية، ومنهم من وصل إلى ثغر دمياط، ومنهم من وصل إلى الطّينة؛ لكثرة المراكب ولاختلاف الأرياح.
وبينما السلطان فى انتظار المجاهدين قدم عليه السيّد الشريف بركات «2» بن حسن بن عجلان أمير مكّة منها، وقد استدعى بعد موت أبيه، فأكرمه السلطان وخلع عليه بإمرة مكّة على أنه يقوم بما تأخّر على أبيه من الذّهب، وهو مبلغ خمسة وعشرين ألف دينار، فإن أباه الشريف حسن بن عجلان كان قد حمل من الثلاثين ألف دينار- التى التزم بها قبل موته- خمسة آلاف دينار، ثم التزم بركات أيضا بحمل عشرة آلاف دينار فى كلّ سنة، وأن لا يتعرض السلطان لما يؤخذ من بندر جدّة من عشور بضائع التّجّار الواصلة من الهند وغيره، وأن يكون ذلك جميعه لبركات المذكور [انتهى]«3» .
ولما كان يوم عيد الفطر ابتدأ دخول «4» الغزاة إلى ساحل بولاق أرسالا كما خرجوا
منها، ووافق فى هذه الأيام وفاء النيل ستة عشر ذراعا، فتضاعف مسرّات الناس من كل جهة، واستمرّ دخولهم فى كل يوم إلى ساحل بولاق إلى أن تكامل فى يوم الأحد سابع شوّال ونزلوا بالميدان الكبير بالقرب من موردة الجبس، وأصبحوا من الغد فى يوم الاثنين ثامن شوّال- وهو يوم فطر السلطان؛ فإنّه كان يصوم الستة أيّام من شوّال- طلعوا إلى القلعة على كيفيّة ما يذكر، وهم جميع الأمراء والأعيان من المجاهدين والأسرى، والغنائم بين أيديهم، ومتملّك قبرس الملك جينوس بن جاك أمامهم وهو منكّس الأعلام، وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق لا يعلم عدّتهم إلا الله تعالى، حتى أتت أهل القرى والبلدان من الأرياف للفرجة، وركبت الأمراء من الميدان ومعهم غالب الغزاة، وساروا من أرض اللّوق «1» حتى خرجوا من المقس «2» ودخلوا من باب القنطرة، وشقوا القاهرة إلى باب زويلة، وتوجّهوا من الصّليبة «3» من تحت الخانقاه الشيخونية من سويقة منعم «4» إلى الرّميلة، والخلق فى طول هذه المواضع تزدحم بحيث إن الرجل لا يسمع كلام رفيقه من كثرة زغاريط النّساء، التى صفّت على حوانيت القاهرة بالشوارع من غير أن يندبهم أحد لذلك. والإعلان بالتكبير والتهليل، ومن عظم التهانى.
هذا مع تخليق الزّعفران والزينة المخترعة بسائر شوارع القاهرة حتى فى الأزقة- وفى الجملة كان هذا اليوم من الأيام التى لم نرها قبلها ولا سمعنا بمثلها- وساروا على هذه الصّفة إلى أن طلعوا إلى القلعة من باب المدرّج «5» ، وهم مع ذلك فى ترتيب فى مشيهم
يذهب العقل؛ وهو أنهم قدّموا أوّلا الفرسان من الغزاة أمام الجميع، ومن خلف الفرسان طوائف الرّجّالة من المطّوّعة وعشران البلاد الشّاميّة وعربان البلاد وزعر القاهرة، ومن خلف هؤلاء الجميع الغنائم محمولة على رءوس الحمّالين، وعلى ظهور الجمال والخيول والبغال والحمير، والتى كانت على الرءوس فيها تاج الملك وأعلامه منكّسة وخيله تقاد من وراء الغنائم، ثم من بعدهم الأسرى من رجال الفرنج، ثم من بعدهم السّبى من النساء والصّغار وهم أزيد من ألف أسير تقريبا سوى ما ذهب فى البلاد والقرى مع المطّوّعة وغيرهم من غير إذن مقدّم العساكر، وهو أيضا يقارب ما ذكر، ومن وراء الأسرى جينوس ملك قبرس وهو راكب على بغل بقيد حديد، وأركب معه اثنان من خواصّه، وعن يمينه الأمير إينال الجكمىّ أمير مجلس، وأمامه قرا مراد خجا الشّعبانىّ أحد مقدّمى الألوف أيضا، وعن يساره الأمير تغرى بردى المحمودىّ رأس نوبة النّوب، وأمامه الأمير حسين المدعو تغرى برمش أحد مقدّمى الألوف أيضا، وأمامهم أمراء الطبلخانات والعشرات على مراتبهم، وأمراء البلاد الشاميّة.
وساروا على هذه الصّفة حتى طلعوا إلى القلعة فأنزل جينوس عن البغل وكشف رأسه عند باب المدرّج، وقد احتاطه الحجّاب وأمراء جاندار، وقد صفت العساكر الإسلامية من باب المدرّج إلى داخل الحوش السلطانى.
فلما دخل جينوس من باب المدرّج قبّل الأرض، ثم قام ومشى ومعه الأمراء من الغزاة والحجّاب ورءوس النّوب وهو يرسف فى قيوده على مهل لكثرة الزّحام.
هذا وقد جلس الملك الأشرف بالمقعد الذي على باب البحرة المقابل لباب الحوش السّلطانى فى موكب عظيم من الأمراء والخاصّكيّة، وعنده الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة، وهو جالس فوق الأمراء، ورسل خوند كار مراد بن عثمان متملّك بلاد الرّوم، ورسل صاحب تونس من بلاد المغرب، ورسول الأمير عذرا أمير العرب بالبلاد الشّاميّة، وقد طال جلوس الجميع عند السلطان إلى قريب الظّهر، والسلطان يرسل إلى الغزاة رسولا بعد رسول باستعجالهم حتى اجتازوا بتلك الأماكن المذكورة؛ فإنها
مسافة طويلة، وأيضا لا يقدرون على سرعة المشى من كثرة ازدحام الناس بالطرقات، ثم ساروا من باب المدرج إلى أن دخلوا باب الحوش، فلمّا رأى متملك قبرس السلطان وهو جالس على المقعد المذكور فى موكبه وأمره من معه بتقبيل الأرض غشى عليه وسقط إلى الأرض، ثم أفاق وقبل الأرض وقام على قدميه عند باب الحوش تجاه السلطان على بعد، وسارت الغنائم بين يدى السلطان حتى عرضت عليه بتمامها وكمالها، ثم الأسرى بأجمعهم حتى انتهى ذلك كله، فتقدّمت الأمراء الغزاة وقبلوا الأرض على مراتبهم إلى أن كان آخرهم الأمير إينال الجكمىّ مقدّم العساكر.
ثم أمر السلطان بإحضار متملّك قبرس فتقدّم ومشى وهو بقيوده ورأسه مكشوفة، وبعد أن مشى خطوات أمر فقبّل الأرض، ثم قام، ثم قبّل الأرض ثانيا بعد خطوات، وأخذ يعفّر وجهه فى التّراب، ثم قام فلم يتمالك نفسه- وقد أذهله ما رأى من هيبة الملك وعزّ الإسلام- فسقط ثانيا مغشيا عليه، ثم أفاق من غشوته وقبّل الأرض، وأوقف ساعة بالقرب من السلطان بحيث إنه يتحقّق شكله، هذا والجاويشيّة تصيح والشّبابة السلطانية تزعق والأوزان يضرب على عادته «1» ، ورءوس النّوب والحجّاب تهول الناس بالعصى من كثرة العساكر، والناس بالحوش المذكور، هذا مع ما الناس فيه من التّهليل والتّكبير بزقاقات القلعة، وأطباق المماليك السلطانية وغيرها.
ثم أمر السلطان بجينوس المذكور أن يتوجّه إلى مكان بالحوش السلطانى، فمروا به فى الحال إلى المكان المذكور.
ثم طلب السلطان مقدّمى عساكر الغزاة من أمراء مصر والشام والخاصّكيّة المقدّم كل واحد منهم على مركب، وكانوا كثيرا جدا؛ لأن عدّة مراكب الغزاة المصريين والشاميين زادت على مائة قطعة، وقيل مائتان، وقيل أكثر أو أقل ما بين أغربة، وقراقير، وزوارق وغير ذلك، فأوّل من بدأ بهم السلطان وخلع عليهم أمراء الألوف
بمصر والشام، وخلع على كل واحد منهم أطلسين متمّرا «1» ، وقيّد له فرسا بقماش ذهب، وهم الأمير إينال الجكمى أمير مجلس، والأمير تغرى بردى المحمودىّ الناصرى رأس نوبة النّوب، والأمير قرا مرادخجا الشّعبانى الظاهرى برقوق أمير جاندار والأمير حسين بن أحمد المدعو تغرى برمش البهسنىّ التّركمانىّ أحد مقدّمى الألوف، والأمير طوغان السّيفى تغرى بردى أحد مقدّمى الألوف بدمشق، ثم أمراء الطبلخانات والعشرات من أمراء مصر والشام على كل واحد فوقانى حرير كمخا «2» أحمر وأخضر وبنفسجىّ بطرز زركش على قدر مراتبهم، وكذلك كل مقدّم مركب من الخاصّكيّة والأجناد وغيرهم، فكان هذا اليوم يوما عظيما جليلا لم يقع مثله فى سالف الأعصار، أعزّ الله تعالى فيه دين الإسلام وأيّده وخذل فيه الكفر وبدّده.
ثم انفض الموكب ونزل كلّ واحد إلى داره، وقد كثرت التهانى بحارات القاهرة وظواهرها لقدوم المجاهدين حتى إن الرّجل كان لا يجتاز بدرب ولا حارة إلا وجد فيها التخليق بالزّعفران والتهانى، ثم أمر السلطان بهدم الزينة فهدمت، وكان لها مدّة طويلة.
ثم أصبح السلطان من الغد وهو يوم الثلاثاء تاسع شوّال جمع التّجّار لبيع الغنائم من القماش والأوانى والأسرى.
ثم أرسل السلطان يطلب من متملك قبرس المال، فقال: مالى إلا روحى وهى بيدكم، وأنا رجل أسير لا أملك الدرهم الفرد، من أين تصل يدى إلى مال أعطيه لكم؟
وتكرّر الكلام معه بسبب ذلك وهو يجيب بمعنى ما أجاب به أوّلا، حتى طلبه السلطان بالحوش- وكان به أسارى الفرنج- فلما حضر بين يدى السّلطان وقبّل الأرض وأوقف وشاهده الأسرى من الفرنج فى تلك الحالة صرخوا بأجمعهم صرخة واحدة، وحثوا
التراب على رءوسهم، والسلطان ينظر إليهم من مجلسه بالمقعد الذي كان جلس به من أمسه، وسبب صراخ الأسرى وعظيم بكائهم أنه كان فيهم من لا يصدق أنّ ملكهم قد أسر لكثرتهم وتفرقهم فى المراكب، والاحتفاظ بهم، وعدم اجتماع بعضهم على بعض، فكان إذا قيل لبعضهم إن ملككم معنا أسيرا يضحك، ثم يقول: أين هو؟ فإذا قيل له بهذه المركب ويشار إلى مركب الأمير تغرى بردى المحمودىّ يهزأ بذلك ويتبسم، فلما عاينوه تحقّقوا أسره فهالهم ذلك، وقيل إنّ بعض سبى الفرنج سألت من رجل من المسلمين- لما كسروا الصليب الكبير الذي يعرف به جبل الصليب ببلادهم، وكان هذا الصليب معظما عندهم إلى الغاية- وقالت: نحن إذا حلف منا رجل أو امرأة على هذا الصّليب باطلا أوذى فى الوقت، وأنتم قد كسر تموه وأحرقتموه ولم يصبكم بأس، ما سبب ذلك؟ فقال لها الرجل: أنتم أطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخفّ بعقولكم، ونحن قد هدانا الله للإسلام وأنزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا، فعند ما كسرناه بعد أن ذكرنا اسم الله تعالى عليه فرّ منه الشيطان وذهب إلى لعنة الله، فقالت المرأة: هو ما قلته، وأسلمت هى وجماعة معها- انتهى.
ولما أوقف جينوس المذكور بالحوش بين يدى السلطان، وأوقف معه جماعة من قناصلة الفرنج ممن كان بمصر وأعمالها، وتكلم الترجمان معه فيما يفدى به نفسه من المال وإلا يقتله السلطان، صمم هو على مقالته الأولى، فالتزم القناصلة عنه بالمال لفدائه من غير تعيين قدر بعينه
…
، ولكنهم أجابوا السلطان بالسمع والطاعة فيما طلبه، وعادوا بجينوس إلى مكانه من الحوش والترسيم عليه، وكان الذي رسم عليه السّيفى أركماس المؤيدى الخاصكى المعروف بأركماس فرعون، وأقام جينوس بمكانه إلى يوم الأربعاء، فرسم له السلطان ببدلتين من قماشه، وأمر له بعشرين رطل لحم فى كل يوم، وستة أطيار دجاج، وخمسمائة درهم فلوسا برسم حوائج الطعام، وفسح له فى الاجتماع بمن يختاره من الفرنج وغيرهم، وأدخل إليه جماعة من حواشيه لخدمته، كلّ ذلك والسلطان مصمم على طلب خمسمائة ألف دينار منه يفدى بها نفسه وإلّا يقتله، والرسل
تتردّد بينهم من التراجمين والقناصلة إلى أن تقرر الصلح بعد أيّام على أنه يحمل مائتى ألف دينار يقوم منها بمائة ألف دينار عاجلة، وإذا عاد إلى بلاده أرسل بالمائة ألف دينار الأخرى، وضمنه جماعة فى ذلك، وأنه يقوم فى كل سنة بعشرين ألف دينار جزية، واشترط جينوس مع السلطان أن يكف عنه طائفة البنادقة «1» وطائفة الكيتلان «2»
من الفرنج، فضمن له السلطان ذلك، وانعقد الصلح ثم أطلقه من السجن بعد أيام كما سنذكره فى يومه.
هذا ما كان من أمر صاحب قبرس وغزوه [انتهى]«3» .
وأما أمور المملكة فإنه لما كان يوم الخميس حادى عشر شوّال المذكور سافر الشريف بركات [بن حسن]«4» من القاهرة إلى مكّة المشرفة أميرا بها مكان والده [حسن]«5» .
ثم فى يوم الاثنين خامس عشر شوّال خلع السلطان على الأمير إينال «6» الجكمى أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن الأتابك يشبك الأعرج، وكانت شاغرة عنه من يوم صار أتابك العساكر لغيبة إينال هذا فى الجهاد، وخلع على الأمير جرباش الكريمى قاشق حاجب الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضا عن إينال الجكمىّ، وخلع على الأمير قرقماس الشعبانى الناصرى باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية عوضا عن جرباش المذكور.
ثم فى ثامن عشره خلع السلطان على الشّريف خشرم بن دوغان بن جعفر الحسينى باستقراره أمير المدينة النبويّة عوضا عن الشريف عجلان بن نعير بن منصور بن جمّاز، على أنه يقوم بخمسة آلاف دينار، ووقع بسبب ولاية خشرم هذا بالمدينة حادثة قبيحة،