الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لجامع مولانا المؤيد رونق
…
منارته بالحسن تزهو والزّين «1»
تقول وقد مالت عن الوضع امهلوا «2»
…
فليس على حسنى أضر من العينى
فأجاب العينى:-[البسيط]
منارة كعروس الحسن قد جليت
…
وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا خطأ
…
ما أوجب الهدم إلا خسّة الحجر «3»
قلت: ساعده قوله خسّة الحجر ما كان وقع بسبب هدم المنارة المذكورة فإنه كان بنى أساسها بحجر صغير، ثم عمّروا أعلاها بالحجر الكبير فأوجب ذلك ميلها وهدمها بعد فراغها.
وقال الشيخ تقي الدين أبو بكر بن حجة فى المعنى:-[الطويل]
على البرج من بابى زويلة أنشئت
…
منارة بيت الله والمنهل المزجى
فأخنى بها البرج اللعين أمالها
…
ألا صرّحوا يا قوم باللعن للبرجى
وقيل إن ذلك كان فى السنة الماضية- انتهى.
[ما وقع من الحوادث سنة 822]
وأخذ السلطان فى تجهيز ولده الصارمى إبراهيم إلى أن تهيّأ أمره، وأنفق على الأمراء المتوجّهين صحبته. فلما كان بكرة يوم الاثنين ثامن عشر المحرم من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ركب المقام الصارمى إبراهيم بن السلطان من قلعة الجبل فى أمراء الدولة، ومعه عدة من أمراء الألوف المعينة صحبته إلى السفر، ونزل بمخيّمه من الرّيدانية خارج القاهرة. ثم خرجت أطلاب الأمراء المتوجّهة صحبته وهم: الأمير قجقار القردمى أمير سلاح، والأمير ططر أمير مجلس، وجقمق الأرغون شاوى الدّوادار الكبير،
وإينال الأرغزى، وجلبّان أمير آخور، وأركماس الجلبّانى، وهؤلاء من أمراء الألوف، وثلاثة من أمراء الطبلخانات، وخمسة عشر أميرا من العشرات، ومائتى مملوك من المماليك السلطانية، وأقام الصارمى إبراهيم بمخيّمه إلى أن ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إليه بالرّيدانية فى عشرينه وبات عنده بالرّيدانية، ثم ودعه من الغد وركب إلى القلعة.
ثم رحل المقام الصارمى إبراهيم من الرّيدانية بمن معه من العساكر فى يوم الجمعة ثانى عشرينه وسار إلى البلاد الشامية.
ثمّ شرع السلطان فى بناء القبّة بالحوش «1» السّلطانىّ من قلعة الجبل المعروفة الآن بالبحرة المطلّة على القرافة، وجاءت فى غاية الحسن.
وأما الصارمىّ إبراهيم فإنّه سار إلى أن وصل دمشق فى يوم الاثنين سادس عشر صفر بعد أن خرج إلى تلقّيه النواب والعساكر، وأقام بدمشق أيّاما وخرج منها يريد البلاد الحلبيّة إلى أن نزل على تلّ السلطان فى يوم الثلاثاء أوّل شهر ربيع الأوّل، فخرج إليه نائب حلب الأمير يشبك اليوسفى المؤيّدى بعساكر حلب، وتلقّاه ونزل بظاهر حلب.
ثم بدأ الطاعون بالدّيار المصريّة. هذا والعرض لأجناد الحلقة مستمر، فتارة يعرضهم السلطان وتارة الأمير مقبل الحسامى الدّوادار الثانى «2» ، وناظر الجيش علم الدين داود بن الكويز.
ثمّ فى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأوّل نزل السلطان من القلعة إلى جامعه بالقرب من باب زويلة واستدعى به قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقينى وخلع عليه خلعة القضاء بعد عزل القاضى شمس الدين الهروى، ونزل البلقينى بالخلعة من
باب الجامع الذي من تحت الربع «1» ، وشقّ القاهرة وكان له مشهد عظيم. هذا والطّاعون قد فشا بالديار المصرية وتزايد بها وبأعمالها.
فلما كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وعشرين المذكورة نودى فى الناس من قبل المحتسب الشيخ صدر الدين بن العجمى أن يصوموا ثلاثة «2» أيّام آخرها يوم الخميس خامس عشره ليخرجوا فى ذلك اليوم مع السلطان الملك المؤيّد إلى الصحراء فيدعو الله فى رفع الطاعون عنهم، ثم أعيد النداء فى ثانى عشره أن يصوموا من الغد، فتناقص عدد الأموات فيه، فأصبح كثير من الناس صياما، فصاموا يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس. فلمّا كان يوم الخميس المذكور نودى فى الناس بالخروج إلى الصّحراء من الغد، وأن يخرج العلماء والفقهاء ومشايخ الخوانق وصوفيّتها وعامّة الناس، ونزل الوزير بدر الدين حسن بن نصر الله، والتاج الشّوبكى أستادار الصحبة إلى تربة الملك الظاهر برقوق فنصبوا المطابخ بالحوش القبلى منها وأحضروا الأغنام والأبقار، وباتوا هناك فى تهيئة الأطعمة والأخباز، ثم ركب السلطان بعد صلاة الصبح ونزل من قلعة الجبل بغير أبّهة الملك بل عليه ملوطة «3» صوف أبيض بغير شدّ فى وسطه، وعلى كتفيه مئزر صوف مستدل «4» كهيئة الصّوفيّة، وعلى رأسه عمامة صغيرة ولها عذبة مرخاة من بين لحيته وكتفه الأيسر وهو بتخشّع وانكسار، ويكثر من التلاوة والتسبيح، وهو راكب فرسا بقماش ساذج ليس فيه ذهب ولا فضة ولا حرير.
هذا وقد أقبل الناس إلى الصحراء أفواجا، وسار شيخ الإسلام قاضى القضاة جلال
الدين عبد الرحمن البلقينى الشّافعى من منزله بحارة بهاء الدين «1» ما شيا إلى الصحراء فى عالم كثير.
ثم سار غالب أعيان مصر إلى الصحراء ما بين راكب وماش حتى وافوا السلطان بالصحراء قريبا من قبة النصر ومعهم الأعلام والمصاحف، ولهم بذكر الله تعالى أصوات مرتفعة من التهليل والتكبير.
فلما وصل السلطان إلى مكان الجمع بالصحراء ونزل عن فرسه وقام على قدميه وعن يمينه وشماله الخليفة والقضاة وأهل العلم، ومن بين يديه وخلفه طوائف من الصّوفيّه ومشايخ الزّوايا وغيرهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، فبسط السلطان يديه ودعا الله سبحانه وتعالى وهو يبكى وينتحب والجمّ الغفير يراه ويؤمّن على دعائه، وطال قيامه فى الدّعاء وكلّ أحد يدعو الله تعالى ويتضرّع إلى أن أستتمّ الدّعاء، وركب يريد الحوش «2» الظاهرى حيث مدّ الطعام والناس فى ركابه وبين يديه من غير أن يمنعهم من ذلك مانع، وسار حتى نزل بالحوش المذكور من التربة الظاهريّة، وقدّم له الأسمطة فأكل منها وأكل الناس معه.
ثم ذبح بيده قربانا- قرّبه إلى الله تعالى- نحو مائة وخمسين كبشا سمينا من أثمان خمسة دنانير الواحد.
ثم ذبح عشر بقرات سمان وجاموستين وجملين كل ذلك وهو يبكى ودموعه تنحدر على لحيته بحضرة الملأ من الناس.
ثم ترك القرابين على مضاجعها كما هى للناس وركب إلى القلعة، فتولّى الوزير التاج تفرقتها صحاحا على أهل الجوامع المشهورة والخوانق وقبّة الإمام الشافعى والإمام
الليث بن سعد والمشهد النّفيسى وعدة أخر من الزّوايا حملت إليها صحاحا، وقطع منها عدّة بالحوش فرّقت لحما على الفقراء، وفرّق من الخبز النقى فى اليوم المذكور عدّه ثمانية وعشرين ألف رغيف وعدّة قدور كبار مملوءة بالطعام الكثير، وأخذ الطعام الكثير، وأخذ الطاعون من يومئذ فى النقص بالتدريج.
ثم قدم على السلطان الخبر فى ثانى عشرين شهر ربع الآخر برحيل المقام الصّارمى إبراهيم من مدينة حلب بعساكره والعساكر الشّاميّة، وأنه دخل إلى مدينة قيساريّة «1» فحضر إليه أكابر البلد من القضاة والمشايخ والصّوفيّة فتلقّوه فألبسهم الخلع، وطلع قلعتها يوم الجمعة، وخطب فى جوامعها للسلطان، وضربت السّكة باسمه وأنّ شيخ جلبى نائب قيسارية تسحب منها قبل وصول العساكر إليها، وأن ابن السلطان خلع على محمد بك بن قرمان وأقرّه فى نيابة السلطنة بقيسارية، فدقت البشائر بقلعة الجبل لذلك، وفرح السلطان بأخذ قيسارية فرحا عظيما فإن هذا شىء لم يتّفق لملك من ملوك التّرك بالديار المصرية سوى الملك الظاهر بيبرس، ثم انتقض الصلح بينه وبين أهلها حسبما ذكرناه فى ترجمته من هذا الكتاب- انتهى.
ولمّا استهل جمادى الأولى تناقص فيه الطّاعون «2» حتى كان الذي ورد اسمه فى أوله من الأموات سبعة وسبعين نفرا.
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى: وكان عدّة من مات بالقاهرة وورد اسمه الديوان- من العشرين من صفر وإلى سلخ شهر ربيع الآخر- سبعة آلاف وستمائة واثنتين وخمسين نفسا: الرجال [ألف]«3» وخمسة وستون رجلا، والنساء ستمائة وتسع وستون امرأة، والصغار ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعة وستون، والعبيد خمسمائة وأربعة وأربعون،
والإماء ألف وثلاثمائة وتسع وستون، والنصارى تسعة وستون، واليهود اثنان وثلاثون، وذلك سوى البيمارستان، وسوى ديوان مصر، وسوى من لا يرد اسمه الدّواوين، ولا يقصر ذلك عن تتمّة عشرة آلاف، ومات بقرى الشرقية والغربية مثل ذلك.
قلت: وقول الشيخ تقي الدين «ولا يقصر ذلك عن تتمّة عشرة آلاف» فقد مات فى طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة فى يوم واحد بالقاهرة وظواهرها نحو عشرة آلاف إنسان، واستمرّ ذلك أياما ما بين ثمانية آلاف وتسعة آلاف وعشرة آلاف حسبما يأتى ذكره إن شاء الله فى محله فى ترجمة الملك الأشرف برسباى الدّقماقى- انتهى.
وفى يوم الأحد ثانى جمادى الأولى المذكور ولد للسلطان الملك المؤيد ولده الملك المظفّر أحمد «1» من زوجته خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش.
ثم فى سابع جمادى الأولى استدعى السلطان بطرك النصارى وقد اجتمع القضاة ومشايخ العلم عند السلطان، فأوقف البطرك على قدميه ووبّخ وقرّع، وأنكر عليه السلطان ما بالمسلمين من الذّلّ فى بلاد الحبشة تحت حكم الحطّى «2» متملكها، وهدّد بالقتل، فانتدب له الشيخ صدر الدين أحمد بن العجمى محتسب القاهرة فأسمعه المكروه من أجل تهاون النّصارى فيما أمروا به فى ملبسهم وهيئاتهم، وطال كلام العلماء مع السلطان فى ذلك إلى أن استقرّ الحال بأن لا يباشر أحد منهم فى ديوان السلطان «3» ولا عند أحد من الأمراء، ولا يخرج أحد منهم عما ألزموا به من الصّغار، ثم طلب السلطان الأكرم فضائل النّصرانىّ كاتب الوزير- وكان قد سجن من أيام- فضربه السلطان بالمقارع «4» وشهّره بالقاهرة عريانا بين يدى المحتسب وهو ينادى عليه: هذا جزاء من
يباشر من النصارى فى ديوان السلطان، ثم سجن أيضا بعد إشهاره، وصمّم السلطان فى ذلك حتى انكفّ النصارى عن المباشرة فى سائر دواوين الدّيار المصرية، ولزموا بيوتهم، وصغّروا عمائمهم وضيّقوا أكمامهم، والتزم اليهود مثل ذلك، وامتنعوا جميعهم من ركوب الحمير، بحيث إنّ العامة صارت إذا رأوا نصرانيا على حمار ضربوه وأخذوا حماره وما عليه، فصاروا لا يركبون الحمار إلا بخارج القاهرة، وبذل النصارى جهدهم فى السّعى إلى عودهم إلى المباشرة وأوعدوا بمال كبير، وساعدتهم كتّاب الأقباط، فلم يلتفت السلطان إلى قولهم، وأبى إلا ما رسم به من المنع.
قلت: ولعلّ الله أن يسامح الملك المؤيّد بهذه الفعلة عن جميع ذنوبه، فإنها من أعظم الأمور فى نصرة الإسلام، ومباشرة هؤلاء النصارى فى دواوين الديار المصرية من أعظم المساوئ الذي نوّل منه التعظيم إلى دين النصرانية؛ لأن غالب الناس من المسلمين يحتاج إلى التّردّد إلى أبواب أرباب الدّولة لقضاء حوائجهم، فمهما كان لهم من الحوائج المتعلقه بديوان ذلك الرئيس فقد احتاجوا إلى التواضع والترقق إلى من بيده أمر الديوان المذكور، نصرانيا كان أو يهوديا أو سامريا «1» ، وقد قيل فى الأمثال «صاحب الحاجة أعمى لا يريد إلا قضاءها» فمنهم من يقوم بين يدى ذلك النّصرانى على قدميه والنصرانى جالس ساعات كثيرة حتى يقضى حاجته بعد أن يدعو له ويتأدب معه تأدبا لا يفعله مع مشايخ العلم، ومنهم من يقبّل كتفه ويمشى فى ركابه إلى بيته إلى أن تقضى حاجته، وأما فلاحو القرى فإنه ربما النّصرانىّ المباشر يضرب الرجل منهم ويهينه ويجعله فى الزّنجير «2» ، ويزعم بذلك خلاص مال أستاذه، وليس الأمر كذلك وإنما يقصد التحكّم فى المسلمين لا غير، فهذا هو الذي يقع للأسير من المسلمين فى بلاد الفرنج بعينه لا زيادة على ذلك غير أنه يملك رقّه.
وقد حدثنى بعض الثقات من أهل صعيد مصر قال: كان غالب مزارعى بلدنا أشرافا علويّة، والعامل بالبلد نصرانيا، فإذا قدم العامل إلى البلد خرجت الفلاحون لتلقيّه، فمنهم من يسلّم عليه السلام المعتاد، ومنهم من يفشى السلام عليه ويمعن فى ذلك، ومنهم من يمشى فى ركابه إلى حيث ينزل من البلد، ومنهم من يقبّل يده- وهو الفقير المحتاج أو الخائف من صاحب البلد- ويسأله إصلاح شأنه فيما هو مقرّر عليه من وزن الخراج حتى يسمح له بذلك، فلما منع الملك المؤيد هؤلاء النّصارى عن المباشرة بطل ذلك كلّه؛ فيكون الملك المؤيد على هذا الحكم فتح مصر فتحا ثانيا، وأعلى كلمة الإسلام وأخذل كلمة الكفر، ولا شىء عند الله أفضل من ذلك.
ولما لم يجب النصارى إلى عودهم إلى ما كانوا عليه من المباشرات بالديار المصرية وأعياهم أمر السلطان وثباته، وانقطع عنهم ما ألفوه من التحكّم فى المسلمين- ويقال:
إنّ العادة طبع خامس- شقّ عليهم ذلك، فتتابع عدّة منهم فى إظهار دين الإسلام وتلفظوا بالشهادتين فى الظاهر والله سبحانه وتعالى متولى السرائر.
قال المقريزى- بعد أن ذكر نوعا مما قلناه بغير هذه العبارة- قال: فصاروا من ركوب الحمير إلى ركوب الخيل والتعاظم على أعيان أهل الإسلام والانتقام منهم بإذلالهم وتعويق تعاملهم ورواتبهم حتى يخضعوا لهم ويتردّدوا إلى دورهم ويلحّوا فى السّؤال- فلا قوة إلا بالله- انتهى كلام المقريزى باختصار.
قلت: ويمكن إصلاح هذا الشّأن الثانى أيضا- إن صلح الراعى ونظر فى أحوال الرّعيّة وانتصر لدينه- بسهولة، هو أنه يكفّ من كان قريب عهد منهم من دين النصرانيّة عن المباشرة- انتهى.
ثم قدم الخبر على السّلطان بتوجه ابن السلطان من مدينة قيساريّة إلى مدينة قونيّة «1» فى خامس عشر شهر ربيع الآخر بعد ما مهّد أمور قيسارية ونقش اسم
السلطان على بابها، وأن الأمير تنبك ميق نائب الشّام لمّا وصل إلى العمق حضر إليه الأمير حمزة بن رمضان بجماعة من التّركمان وتوجّه معه هو وابن أوزر إلى قريب مصيصه «1» وأخذ أدنة «2» وطرسوس فسرّ السلطان بذلك سرورا عظيما.
ثم نادى محتسب القاهرة على النّصارى واليهود بتشديد ما أمرهم به من الملبس والعمائم وشدّد عليهم فى ذلك، فلما اشتدّ الأمر عليهم سعوا فى إبطال ذلك سعيا كبيرا فلم ينالوا غرضا.
ثم قدم الخبر على السلطان بأن ابن السلطان وصل إلى نكدة «3» فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر فتلقّاه أهلها وقد عصت عليه قلعتها، فنزل عليها وحاصرها وركب عليها المنجنيق، وعمل النّقّابون فيها، وأن محمد بن قرمان تسحّب من نكدة فى مائة وعشرين فارسا هو وولده مصطفى.
كلّ ذلك والسلطان ملازم الفراش من ألم رجله، والأسعار مرتفعة.
ثم فى ثانى عشر جمادى الآخرة ورد الخبر بأن ابن السلطان حاصر قلعة نكدة سبعة وعشرين يوما إلى أن أخذها عنوة فى رابع عشر جمادى الأولى، وقبض على من كان فيها وقيّدهم، وهم مائة وثلاثة عشر رجلا.
ثم توجّه فى سادس عشر جمادى الأولى إلى مدينة لارندة «4» .
ثم فى سابع عشرين جمادى الأولى ركب السلطان من القلعة وأراد النّزول بدار ابن
البارزىّ على النيل ببولاق فلم يطق ركوب الفرس وحركته؛ لما به من ألم رجله، فركب فى محفّة إلى البحر، وحمل منها إلى الدّار المذكورة وصارت الطبلخاناة تدقّ هناك، وتمدّ الأسمطة وتعمل الخدمة على ما جرت به العادة بقلعة الجبل، ونزل الأمراء فى الدّور التى حول بيت [ابن]«1» البارزىّ وغيرها، واستمرّ السلطان فى بولاق إلى أن استهلّ شهر رجب الفرد فى بيت ابن البارزىّ وهو يتنقّل منه- وهو محمول على الأعناق- تارة إلى الحمّام التى بالحكر وتارة يوضع فى الحرّاقة وتسير به على ظهر النيل، فيسير فيها إلى رباط الآثار «2» .
ثم يحمل من الحرّاقة إلى [رباط]«3» الآثار المذكور، ثم يعود إلى بيت ابن البارزىّ، وتارة يسير فيها إلى القصر ببرّ الجيزة بحرىّ ممبابة، وتارة يقيم بالحرّاقة وهو بوسط النيل نهاره كلّه.
وقدم عليه الخبر فى ثانى عشر شهر رجب المذكور أن ابن السلطان لما تسلّم نكدة استناب بها على بك بن قرمان.
ثم توجّه بالعساكر إلى مدينة أركلى «4» فوصلها ثم رحل منها إلى مدينة لارندة فقدمها فى ثانى عشرين جمادى الآخرة، وبعث بالأمير يشبك اليوسفىّ نائب حلب فأوقع بطائفة من التّركمان، وأخذ أغنامهم وجمالهم وخيولهم وموجودهم، وعاد فبعث الأمير ططر والأمير سودون القاضى نائب طرابلس، والأمير شاهين الزّردكاش نائب حماة، والأمير مراد خجا نائب صفد، والأمير إينال الأرغزى، والأمير جلبّان رأس نوبة
سيدى [المقام الصارمى إبراهيم]«1» وجماعته من التّركمان، فكبسوا على محمد بن قرمان «2» بجبال لارندة فى ليلة الجمعة سادس جمادى الآخرة، ففرّ محمد بن قرمان منهم فأخذ جميع ما كان فى وطاقه «3» من خيل وجمال وأغنام وأثقال وقماش وأوانى فضة وبلّور، وعاد الأمراء بتلك الغنائم، فاقتضى عند ذلك رأى ابن السلطان ومن معه الرجوع إلى حلب «4» ، فعادوا فى تاسع شهر رجب، فجّهز السلطان إلى ولده بحلب ستة آلاف دينار ليفرقها على الأمراء، ورسم له بأن يقيم بحلب لعمارة سورها، وسار البريد بذلك.
ثم ركب السلطان فى رابع عشر شهر رجب من بيت ابن البارزىّ ببولاق بالحرّاقة إلى بيت التاجر نور الدين الخروبى ببرّ الجيزة تجاه المقياس، وكان فى مدّة إقامته فى بيت ابن البارزىّ قد أحضر الحراريق من ساحل مصر «5» إلى ساحل بولاق «6» وزيّنت بأفخر زينة وأحسنها، وصار السلطان يركب فى الحرّاقة الذّهبيّة وبقية الحراريق سائرة معه مقلعة ومنحدرة، وتلعب بين يديه، كما كانت العادة فى تلك الأيام عند وفاء النيل، ودوران المحمل فى نصف شهر رجب.
ولما كان أيّام دوران المحمل على العادة فى كل سنة رسم السلطان إلى معلّم الرّمّاحة «7» أن يسوقوا المحمل بساحل بولاق، وكان ساحل بولاق يوم ذاك برّا وسيعا ينظر الجالس فى بيت ابن البارزىّ مدد عينه من جهة فم الخور، «8»
فتوجّه المعلّم بالرّمّاحة هناك فى يوم المحمل، وساقوا بين يديه كما يسوقون فى بركة الحبش «1» أيّام أزمانهم وبالرّميلة «2» فى يوم المحمل، وتفرّجت الناس على المحمل فى بولاق، ولم يقع مثل ذلك فى سالف الأعصار، فصار الشخص يجلس بطاقته فيتفرّج على المحمل وعلى البحر معا، فلمّا كان قريب الوفاء ركب فى الحرّاقة الذهبيّة والحراريق بين يديه بعد أن أقاموا بالزّينة أيّاما والناس تتفرّج عليهم، وسار حتى نزل بالخرّوبيّة فأرست الحراريق المزينّة على ساحل مصر بدار النّحاس «3» ، كما هى عادتها فى السنين الماضية إلى أن كان يوم الوفاء وهو يوم سادس عشر رجب ركب السلطان من الخرّوبيّة فى الحرّاقة، وسار إلى المقياس ومعه الأمراء وأرباب الدّولة حتى خلّق المقياس على العادة.
ثم سار فى خليج السّدّ حتى فتحه، وركب فرسه فى عساكره وعاد إلى القلعة، فكانت غيبته عن القلعة فى نزهته ثلاثين يوما بعد ما انقضى للناس بساحل بولاق فى تلك الأيّام من الاجتماعات والفرج أوقات طيّبة إلى الغاية لم يسمع بمثلها، ولم يكن فيها- بحمد الله- شىء مما ينكر كالخمور وغيرها، وذلك لإعراض السلطان عنها من منذ لازمه وجع رجله.
ثم قدم الخبر على السّلطان بوصول ولده المقام الصارمى بعساكره إلى حلب فى ثالث شهر رجب، وأن الأمير تنبك العلائى ميق نائب الشام واقع مصطفى وأباه محمد ابن قرمان وإبراهيم بن رمضان على أدنة فانهزموا منه أقبح هزيمة.
ثم فى عشرين شعبان تزايد ألم السلطان ولم يحمل إلى القصر السلطانى، ولزم
الفراش، واشتد به المرض، وخلع على التاج ابن سيفه باستقراره أمير حاج المحمل، ثم نصل السلطان من مرضه قليلا فركب فى يوم سابع عشرين شعبان من القلعة ونزل للفرجة على سباق الخيل، فسار بعساكره سحرا ووقف بهم تحت قبّة النّصر «1» وقد أعدّ للسباق أربعين فرسا فأطلق أعنتها من بركة الحاج فأجريت منها حتى أتته ضحى النهار، فحصل له برؤيتها النّشاط، ورجع من موقفه إلى تربة الملك الظّاهر برقوق، ووقف قريبا منها دون الساعة، ثم بعث المماليك والجنائب والشطفة «2» إلى القلعة وتوجّه إلى خليج الزّعفران «3» ، فنزل بخاصته وأقام به إلى آخر النهار، وركب إلى القلعة.
ثم فى سلخ شعبان ركب السلطان أيضا من قلعة الجبل إلى بركة الحبش وسابق بالهجن، ثم عاد إلى القلعة.
ثم فى يوم الخميس أوّل شهر رمضان قدم الخبر أن ابن السلطان رحل من حلب فى رابع عشرين «4» شعبان، وأنّ محمد بن قرمان وولده مصطفى وإبراهيم بن رمضان وصلوا إلى قيساريّة فى سادس عشرين «5» شعبان وحصروا بها الأمير ناصر الدين محمد ابن دلغادر نائبها فقاتلهم حتى كسرهم «6» ونهب ما كان معهم، وقتل مصطفى وحملت رأسه، وقبض على أبيه محمد بن قرمان- فسجن بها، ثم قدم رأس مصطفى ابن محمد بن على بك بن قرمان إلى القاهرة فى يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان، فطيف به بشوارع القاهرة على رمح ثم علّق على باب النّصر أحد أبواب القاهرة، وقدم
الخبر أيضا بمسير ابن السلطان من حلب وقدومه إلى دمشق فى خامس شهر رمضان، فأرسل السلطان الإقامات إلى ولده إلى أن كان يوم سابع عشرين شهر رمضان المذكور من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة فركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى لقاء ولده المقام الصّارمى «1» إبراهيم وقد وصل إلى قطيا، فسار السلطان إلى بركة الحاج، واصطاد بها، ثم ركب ومضى إلى جهة بلبيس فقدم عليه الخبر بنزول ابن السلطان الصالحيّة- فتقدّم الأمراء عند ذلك وأرباب الدّولة حتى وافوه بمنزلة الخطّارة «2» ، فلما عاينته الأمراء ترجّلوا عن خيولهم وسلّموا عليه واحدا بعد واحد حتى قدم عليه القاضى ناصر الدين بن البارزىّ كاتب السّرّ نزل له المقام الصّارمىّ عن فرسه ولم ينزل لأحد قبله؛ لما يعلمه من تمكّنه وخصوصيته عند أبيه الملك المؤيّد، وركب الجميع فى خدمته وعادوا بين يديه إلى العكرشة «3» والسلطان واقف بها على فرسه، فنزل الأمراء المسافرون وقبّلوا الأرض بين يدى السلطان، ثم قبّلوا يده واحدا بعد واحد إلى أن انتهى سلامهم نزل المقام الصارمى عن فرسه وقبّل الأرض، ثم قام ومشى حتى قبّل الرّكاب السّلطانى، فبكى السلطان من فرحه بسلامة ولده، وبكى الناس لبكائه، فكانت ساعة عظيمة.
ثم سارا بموكبيهما الشامى والمصرى إلى سرياقوس وباتا بها ليلة الخميس تاسع عشرين شهر رمضان المذكور، وتقدّمت الأثقال والأطلاب ودخلوا القاهرة، وركب السلطان آخر الليل ورمى الطّير بالبركة، فقدم عليه الخبر بكرة يوم الخميس بوصول الأمير تنبك ميق نائب الشام، وكان قد طلب، فوافى ضحى، وركب فى الموكب السلطانى، ودخل السلطان من باب النصر فشقّ القاهرة- وقد زينت لقدوم ولده- والأمراء عليها
التشاريف، وعلى المقام الصارمى أيضا تشريف عظيم إلى الغاية وخلفه الأسراء الذين أخذوا من قلعة نكدة وغيرها فى الأغلال والقيود، وهم نحو المائتين كلهم مشاة إلا أربعة فإنهم على خيول، منهم نائب نكدة وثلاثة من أمراء ابن قرمان، وكلهم فى الحديد، فسار الموكب إلى أن وصل السلطان وولده إلى القلعة «1» ، فكان يوما مشهودا إلى الغاية لم ينله أحد من ملوك مصر، فلهجت الناس بأن الملك المؤيّد قد تمّ سعده، كل ذلك والسلطان لا يستطيع المشى من ألم رجله.
وأصبح يوم السبت أوّل شوال صلّى صلاة العيد بالقصر لعجزه عن المضىّ إلى الجامع؛ لشدة ألم رجله وامتناعه من النهوض على قدميه.
ثم فى ثالث شوال خلع على الأمير جقمق الأرغون شاوىّ الدّوادار الكبير باستقراره فى نيابة الشام عوضا عن تنبك العلائى ميق [بحكم عزله]«2» ، وخلع على الأمير مقبل الحسامىّ الدّوادار الثانى باستقراره دوادارا كبيرا على إمرة طبلخاناه «3» ، وأنعم السلطان بإقطاع جقمق الدّوادار على الأمير تنبك ميق.
ثم فى رابع شوال المذكور خلع السلطان أيضا على الأمير قطلوبغا التّنمىّ أحد مقدّمى الألوف بالديار المصرية واستقرّ فى نيابة صفد عوضا عن الأمير قرامراد خجا، ورسم بتوجّه قرامراد خجا إلى القدس بطّالا، وأنعم بإقطاع قطلوبغا التّنمىّ على الأمير جلبّان الأمير آخور الثانى، وأنعم بإقطاع جلبّان ووظيفته على الأمير آقبغا التّمرازىّ، فتجهّز جقمق بسرعة وخرج فى يوم سابع عشره من القاهرة متوجّها إلى محلّ كفالته بدمشق.
ثم فى يوم الجمعة حادى عشرينه نزل السلطان إلى جامعه بالقرب من باب زويلة وقد هيّئت به المطاعم والمشارب فمدّ بين يديه سماط عظيم فأكل السلطان منه والأمراء
والقضاة والعسكر، وملئت الفسقيّة التى بصحن الجامع سكّرا مذابا، فشرب الناس منه، ثم أحضرت الحلاوات؛ كل ذلك لفراغ الجامع المذكور ولإجلاس قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الدّيرى الحنفى فى مشيخة الصّوفيّة وتدريس الحنفية، وفرشت السّجادة لابن الدّيرى فى المحراب، وقرّر خطابة الجامع المذكور للقاضى ناصر الدين محمد بن البارزىّ كاتب السرّ، ثم عرض السلطان الفقهاء وقرّر منهم من اختاره فى الوظائف والتصوّف، ثم استدعى قاضى القضاة شمس الدين بن الديرى وألبسه خلعة باستقراره فى المشيخة، وجلس بالمحراب والسّلطان وولده الصّارمى إبراهيم عن يساره، والقضاة عن يمينه، ويليهم مشايخ العلم وأمراء الدولة، فألقى ابن الديرى درسا عظيما وقع فيه أبحاث ومناظرات [بين الفقهاء]«1» والملك المؤيد يصغى لهم ويعجبه الصواب من قولهم، ويسأل عما لا يفهمه حتى يفهمه.
قلت: هذا هو المطلوب من الملوك، الفهم والذّوق لينال كلّ ذى رتبة رتبته، وينصف أرباب الكمالات- بين يديه- من كلّ فن، فوا أسفاه على ذلك الزمان وأهله.
واستمرّ البحث بين الفقهاء إلى أن قرب وقت الصلاة ثم انفضّوا، واستمر السلطان جالسا بمكانه إلى أن حان وقت الصلاة، وتهيأ السلطان وكلّ أحد للصلاة، فخرج القاضى ناصر الدين بن البارزىّ من بيت الخطابة وصعد المنبر وخطب خطبة بليغة فصيحة من إنشائه، ثم نزل وصلّى بالناس صلاة الجمعة، فلما انقضت الصلاة خلع السلطان عليه باستقراره فى خطابة الجامع المذكور ووظيفة خازن الكتب.
ثم ركب السلطان من الجامع المذكور وعدّى النيل إلى برّ الجيزة فأقام به إلى يوم الأحد ثالث عشرينه، وعاد إلى القلعة، ثم ركب من القلعة فى يوم الأحد أول ذى القعدة للصيد وعاد من يومه.
وفى يوم ثالثه سار الأمير الكبير ألطنبغا القرمشى والأمير طوغان الأمير آخور الكبير للحج على الرّواحل من غير ثقل.