الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول في القرآن كلمة يصرف بها العرب عن محمد وما يقوله ويدعو إليه فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ في صلاته فاستمع إليه ففكر وقدر كما أخبر تعالى عنه في هذه الآيات وقال قولته الفاجرة الكافرة. إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر بعد أن وصف القرآن وصفا دقيقا بقوله ووالله إن لقوله لحلاوة وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه أي عليه فقالوا والله لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه فقال دعوني حتى أفكر ففكر وقال ما تقدم فنزلت هذه الآيات {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} إلى قوله {تِسْعَةَ عَشَرَ} .
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1-
المال والبنون والجاه من عوامل الطغيان إلا أن يسلم الله عبده من فتنتها.
2-
من أكفر الناس من يعاند في آيات الله يريد صرف الناس عنها وإبطال هدايتها.
3-
بيان ما ظفر به طاغية قريش الوليد بن المغيرة من لعنة وعذاب شديد.
4-
تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.
5-
تقرير البعث والجزاء.
وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
(31)
كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)
شرح الكلمات:
أصحاب النار: أي خزنتها مالك وثمانية عشر معه.
إلا ملائكة: أي لم نجعلهم بشراً ولا جناً حتى لا يرحموهم بحكم
الجنس.
وما جعلنا عدتهم: أي كونهم تسعة عشر.
إلا فتنة للذين كفروا: أي ليستخفوا بهم كما قال أبو الأشدين الجمحي فيزدادوا ضلالا.
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب: أي ليحصل اليقين لأهل التوراة والإنجيل بموافقة القرآن لكتابيهما التوراة والإنجيل.
ولا يرتاب: أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في حقيقة ذلك.
وليقول الذين في قلوبهم مرض: أي مرض النفاق.
ماذا أراد الله بهذا مثلا: أي أي شيء أراد الله بهذا العدد الغريب استنكاراً منهم.
كذلك: أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
وما هي إلا ذكرى للبشر: أي وما النار إلا ذكرى للبشر يتذكرون بها.
إذ أدبر: أي ولى ومضى.
إذا اسفر: أي أضاء وظهر.
إنها لأحدى الكبر: أي جهنم لإحدى البلايا العظام.
نذيرا للبشر: أي عذاب جهنم نذير لبني آدم.
لمن شاء منكم: أي أيها الناس.
أن يتقدم: أي بالطاعة.
أو يتاخر: أي بالمعصية.
معنى الآيات:
قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} هذه الآية نزلت رداً على أبي الأشدين كلدة الجمحي الذي قال لما سمع قول الله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال لقريش ساخراً مستهزئاً أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني انتم اثنين، ومرة قال أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعه بمنكبي الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله تعالى قوله {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً} أي لم نجعلهم بشراً ولا جناً حتى لا يرحموا أهل النار بخلاف لو
كانوا بشرا قد يرحمون بني جنسهم ولو كانوا جنا فكذلك، ولذا جعلهم من الملائكة فلا تتناسب بينهم وبين الإنس والجن والمراد بأصحاب النار خزنتها وهم مالك وثمانية عشر هؤلاء رؤساء في جهنم أما من عداهم فلا تتسع لهم العبارة ولا حتى الرقم الحسابي وكيف وقد قال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ، وقوله {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ1} أي كونهم تسعة عشر {إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ2 كَفَرُوا} ليزدادوا ضلالا وكفرا وقد تم هذا فإن أبا جهل كأبي الأشدين قد فتنا بهذا العدد وازدادا ضلالا وكفرا بما قالا، وقوله تعالى {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أي أخبرنا عن عددهم وأنه تسعة عشر ليستيقن3 الذين أوتوا الكتاب4 لموافقة القرآن لما عندهم في كتابهم. ويزداد الذين أمنوا إيمانا فوق إيمانهم عندما يرون أن التوراة موافقة للقرآن الكريم كشاهد له، وقوله {وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} أي حتى لا يقعوا في ريب وشك في يوم من الأيام لما اكتسبوا من المناعة بتضافر الكتابين على حقيقة واحدة. وقوله {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} أي وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا ليقول الذين في قلوبهم مرض وهو النفاق والشك والكافرون الكفر الظاهر من قريش وغيرهم ماذا أراد الله بهذا مثلا أي أي شيء أراده الله بهذا الخبر الغريب غرابة الأمثال قالوا هذا استنكارا وتكذيبا. فهذه جملة علل ذكرها تعالى لإخباره عن زبانية جهنم ثم قال وقوله الحق {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي مثل إضلال منكر هدا العدد وهدى مصدقه يضل الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. وقوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ 5جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} هذا جواب أبي جهل القائل أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر استخفافا وتكذيبا فأخبر تعالى أن له جنوداً لا يعلم عددها ولا قوتها إلا هو وقد ورد أن لأحدهم مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي الجبل عليهم، ولا عجب وأربعة ملائكة يحملون العرش الذي هو أكبر ممن السموات والأرضين فسبحان الخلاق العليم سبحان الله العزيز الرحيم سبحان الله ذي الجبروت والملكوت. وقوله تعالى وما هي6 أي جهنم إلا ذكرى للبشر أي تذكرة يذكرون بها عظمة الله
1 تقدير الكلام: ما جعلنا ذكر عدتهم لعلةٍ وغرض إلا لغرض فتنة الذين كفروا.
2 روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن فتنة بمعنى ضلالة للذين كفروا يريد أبا جهل وذويه، وقيل إلا عذاباً كقوله تعالى {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} .
3 قوله ليستيقن الذين أوتوا الكتاب. علة ثانية لفعل وما جعلنا والاستيقان قوة اليقين والمراد من الاستيقان قوة اليقين.
4 أوتوا الكتاب هم اليهود. فقد روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا لا ندري حتى نسأل.
5 هذه الجملة كلمة جامعة لإبطال التخرصات التي يتخرصها المبطلون الضالون وإضافة الرب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف وفيها الإيماء بنصره صلى الله عليه وسلم بتلك الجنود التي هم جنود ربه عز وجل.
6 جائز أن يكون الضمير (وما هي) عائد إلى عدة الملائكة التسعة عشر وجائز أن يكون عائداً إلى الآيات القرآنية أو إلى سقر أو إلى جنود ربك وهذا من الإعجاز القرآني وأن الكلمة الواحدة تدل على ما لا يدل عليه عشرات الكلمات.
ويخافون بها عقابه. وقوله {كَلَّا1 وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} أي كلا أي ليس القول كما يقول من زعم من المشركين أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم حتى يجهضهم عنها. والقمر والليل إذا أدبر ولى ذاهبا والصبح إذا أسفر أي أضاء وأقبل {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} أي أقسم تعالى بالقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر على أن جهنم2 لإحدى الكبر أي البلايا العظام {نَذِيراً لِلْبَشَرِ} أي بني آدم، وقال نذيرا ولم يقل نذيرة وهي جهنم لأنها بمعنى العذاب أي عذابها نذير للبشر. وقوله {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ} في طاعة الله ورسوله حتى يبلغ الدرجات العلا، ومن شاء {أَو يَتَأَخَّرَ} في معصية الله ورسوله حتى ينزل الدركات السفلى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1-
بيان الحكمة من جعل عدد الزبانية تسعة عشر والإخبار عنهم بذلك.
2-
موافقة التوراة والإنجيل للقرآن من شأنها أن تزيد إيمان المؤمنين من الفريقين.
3-
في النار من الزبانية ما لا يعلم عددهم إلا الله تعالى خالقهم.
4-
جهنم نذير للبشر أي عذابها نذير للبشر لمن شاء أن يتقدم بالطاعة أو يتأخر بالمعصية.
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ
1 حرف ردع وإبطال والغالب أنها تقع بعد كلام من متكلم واحد ومتكلم وسامع فتفيد الردع عما تضمنه الكلام السابق ذهب ابن جرير إلى أنها هنا للردع وإبطال ما زعمه المشركون من القدرة على الزبانية كما في التفسير. وعليه فالوقف عليه مستحسن ومنهم من جعلها افتتاح كلام نحو ألا وعليه فالوقف لا يحسن عليها بل على القمر.
2 القول بأنها سقر أقرب من جهنم لتقدم ذكر سقر بلفظها والأمر واسع.
كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)
شرح الكلمات:
كل نفس: أي مأمورة منهية.
رهينة: أي مرهونة مأخوذة بعملها في جهنم.
إلا أصحاب اليمين: أي المؤمنين فهم ناجون من النار وهم في جنات النعيم يتساءلون عن المجرمين.
ولم نك نطعم المسكين: أي بخلا بما أتاهم الله.
وكنا نخوض: أي في الباطل وفيما يكره الله تعالى مع الخائضين.
نكذب بيوم الدين: بيوم المجازاة والثواب ولا نصدق بثواب ولا عقاب.
حتى أتانا اليقين: أي الموت.
عن التذكرة معرضين: أي الموعظة منصرفين لا يسمعونها ولا يقبلون عليها.
حمر مستنفرة: أي كأنهم حمر وحشية مستنفرة.
فرت من قسورة: أي هربت من أسد أشد الهرب.
بل يريد كل أمرىء منهم: أي ليس هناك قصور في الأدلة والحجج التي قدمت لهم بل يريد كل واحد منهم.
أن يؤتى صحفا منشرة: أي يصبح وعند رأسه كتاب من الله رب العالمين إلى فلان آمن بنبينا محمد واتبعه.
إنه تذكرة: أي عظة وعبرة.
فمن شاء ذكره: أي قرأه واتعظ به.
هو أهل التقوى: أي هو أهل لأن يتقي لعظمة سلطانه وأليم عقابه.
وأهل المغفرة: أي وأهل لأن يغفر للتائبين من عباده والموحدين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ} أي يوم القيامة {رَهِينَةٌ} بمعنى مرهونة محبوسة أي كل نفس مأمورة منهية بمعنى مكلفة بخلاف نفوس غير المكلفين من أطفال ومجانين وقوله {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} فإنهم قد فك رهنهم وهم في جنات النعيم يتساءلون فيما بينهم عن أصحاب الجحيم وكيف حالهم ثم يتصلون بهم وهم في جنات النعيم والمجرمون في سواء الجحيم، ويتم الاتصال برؤية الشخص وسماع كلامه وفي الصناعات الحديثة اليوم ما جعل هذا أمراً معقولا فيقولون لهم {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} أي أدخلكم في سقر فأجابوهم قائلين {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} فذكروا لهم أعظم الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والتخوض مع أهل الباطل في كل شر وفساد والتكذيب بيوم القيامة وأنه لا حساب ولا جزاء أي لا ثواب ولا عقاب وأنهم مع هذه الجرائم الموجبة للسلوك في سقر لم يتوبوا منها حتى أتاهم اليقين الذي هو الموت فإن من مات دخل الدار الآخرة من عتبتها وهي القبر فلذا قالوا حتى أتانا اليقين أي الموت. وقد يقال ألم يكن هناك شفعاء من الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء يشفعون؟ والجواب هو في قوله تعالى {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي لم تكن لهم شفاعة لأنهم ملاحدة مجرمون. وقوله تعالى {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي فما لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث والجزاء عن التذكرة التي يذكرون بها في آيات هذه السورة وغيرها معرضين إنه أمر عجيب أي شيء يجعلهم يعرضون عنها هاربين منها فارين {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ} وحشية {مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} أي فرت هاربة أشد الهرب من أسد من أسود الصحراء الطاغية إن فرارهم من هذه الدعوة وإعراضهم عنها ليس عن قصور في أدلتها وضعف في حجتها بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى كتاباً من الله يأمره فيه بالإيمان واتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو العناد والمكابرة وصاحبهما غير مستعد للإيمان بحال من الأحوال. وهذه الآية كقوله تعالى:{حَتَّى1 تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ} هذا معنى قوله تعالى {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً} . وقوله تعالى {كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} أي ليس الأمر كما يقولون ويدعون بل إن علة إعراضهم الحقيقية هي عدم خوفهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} أي ألا إن هذا القرآن تذكرة فمن شاء ذكره أي قرأه فاتعظ به فآمن بالله
1 الآية من سورة الإسراء وهي (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه) إذ روي أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان ونؤمر فيه بأتباعك.
واتقاه فإنه ينجو ويسعد في جوار مولاه ومن لم يشأ ذلك فحسبه سقر وما أدراك ما سقر. وقوله تعالى {وَمَا يَذْكُرُونَ1 إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} أي ما يذكر من يذكر إلا بمشيئة الله فلا بد من الافتقار إلى الله وطلب توفيقه في ذلك إذ لا استقلال لأحد عن الله ولا غنى بأحد عن الله بل الكل مفتقر إليه ومشيئته تابعة لمشيئته وقوله {هُوَ2 أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} لقد3 صح أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية فقال قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
1-
فكاك كل نفس مرهونة بكسبها هو الإيمان والتقوى.
2-
بيان أكبر الجرائم وهي ترك الصلاة ومنع الزكاة والخوض في الباطل وعدم التصديق بالحساب والجزاء.
3-
لا شفاعة يوم القيامة لمن مات وهو يشرك بالله شيئا.
4-
مرد الانحراف في الإنسان إلى ضعف إيمانه بالبعث والجزاء.
5-
الله جل جلاله هو ذو الأهلية الحقة لأمرين عظيمين التقوى فلا يتقى على الحقيقة إلا هو والمغفرة فلا يغفر الذنوب إلا هو اللهم اغفر ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
1 قرأ نافع وما تذكرون بالتاء على الالتفاف، وقرأ حفص وما يذكرون بالياء على الغيبة.
2 تعريف جزيء الجملة مفيد للقصر أي الله وحده المتأهل للتقوى والمغفرة لا سواه.
3 الحديث رواه الترمذي وقال فيه حسن غريب ونصه: قال الله تعالى "أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له".
سورة القيامة
مكية وآياتها أربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ