الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
منذ بدأ الاستدمار الغربى (ولا أقول الاستعمار) يعرف حقيقة القوة الإِسلامية الكامنة، ويعرف أن الحقيقة الإِسلامية لا تقهر بالمواجهة العسكرية أو السياسية أو الفكرية الواضحة
…
منذ هذا الوقت والحملات المغرضة الخفية والظاهرة، والصريحة والماكرة تترى على كل ما يتصل بالإِسلام
…
* إنهم يهاجمون -بالفكر الخبيث لا بالحجة- الإسلام عقيدة وشريعة.
* وإنهم يهاجمون -بالفكر الماكر- الإِسلام حضارةً وتاريخًا.
* وإنهم ليعملون على تشويه كل ما قدمناه للبشرية، مع أنهم -باعترافهم- عالة علينا، قد أخذوا مِنَّا الأخلاق والقيم والعلوم والفنون
…
فلم يعرفوا الفروسية، ولا الحمامات، ولا احترام المرأة والثقة بأنها إنسان كالرجل تمامًا، ولا الانضباط، ولا المدارس والجامعات
…
لم يعرفوا كل ذلك وغيره إلا من خلالنا، وعندما جلسوا تحت أقدامنا يتعلمون فى قرطبة وغرناطة وبجاية والقيروان وصقلية وبغداد ودمشق والقاهرة
…
حتى البابا سلفستر الثانى كانت مفخرته الكبرى أنه تتلمذ على المسلمين فى قرطبة، وتعلم لغتهم ودرس علومهم
…
ومع ذلك -وبحقد وغدر لا مثيل لهما فى التاريخ- ذهبوا يلتهمون كل ما لدينا، ويطورون عقولهم وحياتهم، وفى الوقت نفسه ينكرون أى فضل
لنا
…
اللهم إلا عدد قليل منهم؟ برىء -إلى حد ما- من هذه الآفة التى لا تليق بالحضارة ولا الإنسانية!!
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ الذى يمثل موقفًا شخصيا يمكن القول فيه بأنه دفاع عن الذات أمام الإِسلام -حتى ولو بالافتراء على الإسلام- بل تعدى الأمر ذلك إلى محاولة تشويه الإِسلام وحضارته وتاريخه، ليس أمام الأوربيين هذه المرة، بل أمام المسلمين أنفسهم
…
وهذه أخبث من الأولى؛ لأنها محاولة تعكير المنابع الإِسلامية، حتى يضل أصحابها عن طريقها، وتتهاوى علاقتهم بها.
وقد ظهرت طبقة من المستشرقين لا عمل لها -على الأقل خلال القرون الثلاثة الأولى لنشأة الظاهرة الاستشراقية- إلا تشويه الحضارة الإِسلامية والتاريخ الإِسلامى، والتركيز على الشخصيات الملحدة والمنافقة والقلقة والشعوبية فى هذا التاريخ
…
وفى المقابل محاولة تضخيم خلافات المسلمين مع بعضهم، حتى لكأنهم كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا ملائكة، أو قومًا بلا وجهات نظر وآراء.
وقد أخفوا الجوانب التى تغطى معظم المساحة، وهى مساحة الإشراق والعظمة فى تاريخنا الإِسلامى أفرادًا وحكومات وطبقات منسجمة متوازنة متكاملة.
ولم يتورعوا عن محاولة النيل من أعظم شخصية عرفها التاريخ (كما يقول منصفوهم وعلى رأسهم برناردشو ومايكل هارت ولوبون وغيرهم) وهى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذهبوا يلتمسون الثغرات -من وجهة نظرهم المريضة- فى شخصيات الصحابة والتابعين والدول الإِسلامية المتلاحقة.
وقد وضح أن الإِنفاق السخىّ الذى تبذله وزارات المستعمرات وإدارات
الاستخبار على كثير من المستشرقين والباحثين، وعلى بعض الجامعات، إنما كان أمرا مخططًا له، وداخلاً فى إطار خطة السيطرة على الشعوب الإِسلامية، وفصمها عن عناصر قوتها وركائز حضارتها، ومحاولة تمييع رؤيتها لأساسيات وجودها.
وهذا الكتاب الذى تقدمه رابطة الجامعات الإِسلامية اليوم للكاتب الهندى المسلم الدكتور محمد ياسين مظهرى (الأستاذ بجامعة عليكَرة الإِسلامية) ليس إلا حلقة فى سلسلة متابعته للحملات المغرضة على تاريخنا الإِسلامى
…
ونحن نتمنى أن يمدّ الكتّاب المسلمون -ومنهم المؤلف- الطرف إلى محاولات طوائف أخرى غير المستشرقين تشويه تاريخنا الإِسلامى، وعلى رأس هؤلاء المشوهين لتاريخنا المتجرئين عليه المفسرين له تفسيرًا خاصًا طائفة القرامطة التى انبعثت لها رءوس فتنة فى عصرنا من جديد، بعد أن كانت الفتنة نائمة (ولعن الله من أيقظها). وأبت هذه الرءوس إلا أن توقظها عن طريق الطعن فى الصحابة والهجوم على تاريخ المسلمين، وادعاء العصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثارة الفتن فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء الشيوعيون الذين يؤولون الوقائع وفق تفسيرهم اليسارى الطبقى المادى. ومع كل ذلك نقول مطمئنين: إن هذه الحملات المغرضة ليست بنت اليوم .. بل إنها موجودة منذ ظهر الإِسلام .. فالصراع بين الإِسلام والباطل سنة كونية .. وإن التجربة الحضارية الإِسلامية فى التاريخ لهى أقوى من أن تشوه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو بعض الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل .. فالحق هو الأقوى دائمًا .. ومن خلف كل الضبابيّات استطاع الإِسلام دومًا أن ينفذ بأشعته، وأن يهدى الذين لديهم بصائر .. أما العميان .. الرافضون -مبدئيًا- للحقيقة .. فلن ينتفعوا بهدى الإِسلام (ولا يزالون مُخْتَلفين إلَاّ من رَحِم ربُّك ولذلك خلقهم)
…
ومع هذا الخلاف
المستمر بين كتيبة الحق، وكتائب الباطل .. فالعاقبة -فى نهاية الصراع- للمتقين، (وإنَّ جُنْدَنا لهُمُ الغالبون) .. (ولقد كتبنا فى الزبور من بَعْدِ الذِّكْرِ أن الأرض يَرِثُها عِبادِيَ الصالحون).
صدق الله العظيم
رئيس رابطة الجامعات الإِسلامية
د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي