الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المثال السادس عشر:
قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] وهذا من أشكل مواضع الاستثناء، لأنَّ مملوكَتَهُ إذا كانت محصَنَةً إحصانَ التَّزويجِ فهي حرامٌ عليه، والإحصان هنا إحصانُ التَّزويج بلا ريْب، إذ لا يَصِحُّ أن يُرادَ به: إحصانُ العِفَّة، ولا إحصان الحُرِيَّة، ولا إحصان الإسلام، فهو إحصانُ التَّزويج قطعًا، فكيف يُستثنى من المحرَّمات به المملوكة؟! فقال كثير من الناس: الاستثناء هاهنا منقطع، والمعنى:"لكنْ ما مَلَكَتْ أيمانكم فهو لَكم حَلالٌ".
ورُدَّ هذا بأنه استثناءٌ من مُوْجب، والانقطاعُ إنما يقع حيث يقعُ التفريغُ، ورُدَّ هذا الرَّد بأن الانقطَاعَ يقعُ في الموْجب وغيره، قال تعالى:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الانشقاق: 24 - 25].
وقالت طائفةٌ: الاستثناءُ على بابه متَّصِل، وما مَلَكَتْ أيماننا مستثنى من المُزَوَّجات، ثم اختلفوا:
فقالت طائفة من الصَّحابة، منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين: إنه إذا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها، كان بيعُها طلاقًا، وتَحِلُّ للسَّيد لأنها ملكُ يمينه، واحتجَّ لهم بالآية، ورُدَّ هذا المذهب بأمور:
أحدها: أنه لو كان صحيحًا؛ لكان وطؤُها حلالاً لسيِّدها إذا زَوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمعَ ملكُ سيِّدها لها وحِلُّها للزوج، فكذلك يجتمعُ ملك مشتريها لها وحِلُّها للزَّوج، وتناول اللفظ لهما واحد.
الثاني: أن المشتريَ خليفَةُ البائعِ، فانتقل إليه بعقد الشِّراء ما كان
يملكُه بائعُها، وهو كان يملك رقَبَتَها مسلوبة منفعةِ البُضع ما دامت مُزَوَّجَةً، ونُقِلَ إلى المشتري ما كان يملكهُ، فملكها
(1)
المشتري مسلوبةَ منفعةِ البُضع، فإذا فارقها زوجها رجع إليه البُضع، كما كان يرجِعُ إلى بائعها كذلك، فهذا مَحْض الفقه والقياس.
الثالث: أنه قد ثبت في "الصحيحين"
(2)
أن عائشة رضي الله عنها اشترت بَرِيرَةَ وكانت مُزَوَّجَةً فعتقَتْها وخَيَّرَها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو بَطلَ النكاح بالشِّراء لم يخيِّرْها، وهذا مما أَخذ الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيَهُ، فإنه راوي الحديث، وهو ممن يقول: بيعُ الأمَةِ طَلاقُها.
وقالت طائفة أخرى: الآية مختصَّة بالسَّبايا، قال أبو سعيد الخُدْري: نزلت في سبايا أوْطَاس
(3)
. قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطءَ ما ملكوه من السَّبي، وإن كنَّ محصَنَاتٍ، ثم اختلف هؤلاء: متى يُبَاحُ وطءُ المَسْبيَّة؛ فقال الشافعي وأبو الخطَّاب
(4)
وغيرُهما: يُبَاحُ وطؤُها إذا تم استبراؤها، سواء كان زوجُها موجودًا أو مفقودًا، واحتجُّوا بثلاث حُجَج:
أحدها: أن الله سبحانه أباح وَطْءَ المَسْبِيَّات بمُلك اليمين مستثنيا لهن من المحْصَنات.
الثانية: ما رواه مسلم في "صحيحه"
(5)
من حديث أبي سعيد
(1)
(ق): "المشتري بملكه فيما ملكها".
(2)
البخاري رقم (2536)، ومسلم رقم (1504).
(3)
أخرجه مسلم رقم (1456).
(4)
الكلوذاني الحنبلي ت (510).
(5)
تقدم.
الخُدْري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنَيْن بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقي عدُوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سَبَايا، فكأن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرَّجوا من غِشْيانهنْ من أجل أزواجهنَّ من المُشركينَ، فأنزل الله عز وجل في ذلك:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضتْ عِدَّتُهُن.
وفي التِّرمْذي
(1)
عن أبي سعيد: أَصَبْنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواجٌ في قومهنَّ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهذا صريح في إباحتهنَّ، وإن كنَّ ذواتِ أزواجٍ.
وفى التِّرمذي
(2)
و"مسند أحمد"
(3)
من حديث العِرْبَاض بن سَارِيَةَ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ وطْءَ السَّبايا حتى يضعنَ ما في بطونهن"، فهذا التحريمُ إلى غاية، وهي: وَضْعُ الحمل، فلابُدَّ أن يحصلَ الحِلُّ بعد الغاية، ولو كان وجودُ أزواجهنَّ مانعًا من الوطء لكان له غايتان؛ إحداهما: عدمُ الزوج. والثانية: وضعُ الحمْل، وهو خلاف ظاهر الحديث.
قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البُضْعَ، لم يبقِ له حُرْمَةٌ ولا عِصْمة؛ إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكُهُ، فملكوا رقبةَ زوجته، فكيف يقال ببقاء
(4)
العِصمة فى ملك البُضع، لا سيَّما والمسلم يستحق
(1)
رقم (1132) وقال عَقِبه: "هذا حديث حسن".
(2)
رقم (1564) واستغربه.
(3)
(28/ 384 رقم 17153). وفى سند حديث العرباض مقال، لكن له شواهد يقوّى بها تقدم بعضها.
(4)
(ع): "بقاء".
ملك رقبته وأولاده وسائرَ أملاكه، فما بال ملكِ البُضع وحدَه باقيًا على العِصمة؟! فهذا لا نصَّ ولا قياس ولا معنى، قالوا: فقد أذِنَ النبي صلى الله عليه وسلم فى وطء السَّبايا بعد انقضاءِ عِدَّتِهنَّ مُطْلقًا، ولو كان بقاءُ الزوج مانعًا لم يأذَنْ فى وطْئِهِنَّ إلا بعدَ العلم بموته، وهذا المذهبُ كما تراه قوَّة وصحَّة.
وقال أصحابنا -القاضي وغيره-: إنما يباح وطؤُها إذا سُبيت وحدَها، فلو سُبيتْ مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤهَا، قالوا: لأنها إذا
(1)
سُبيتْ وحدَها فبقاء الزوج مجهولٌ، والمجهول كالمعدوم، فنُزِّلت منزلةَ من لا زوجَ لها، فحَلَّ وطؤُها، ولا كذلك إذا كان زوجُها معها.
ثم أوردوا على أنفسهم سؤالاً وهو: إذا سُبيتْ وحدَها وعُلِمَ بقاءُ زوجها فى دار الحرب؛ وهذا سؤال لا محيدَ لهَم عنه ولا يُنجيهم منه إلاّ قولُهم بالحِلّ، وإن عُلِمَ بقاء الزوج استنادًا إلى زوال عِصمة النكاح بالسِّباء، فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم، خالفوا النصوص خلافًا بيِّنًا، وإن أجابوا بالحِل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلَهم، حيث أسندوا الحِلَّ إلى كون المسبِية خالية من الأزواج تنزيلاً للمجهول منزلةَ المعدوم.
فقول أبي الخطاب أفقهُ وأصحُّ وعليه تتنزَّلُ الآية والأحاديث، ويظهرُ به أنَّ الاستثناءَ متَّصِلٌ، وأن الله تعالى أباحَ من المحصَناتِ مَنْ سباها المسلمون.
فإن قيل: فعلى ما قرَّرتموه يزول الإحصان بالسِّباء، فلا تدخلُ
(1)
من قوله: " سبيت مع
…
" إلى هنا ساقط من (ع).
في المحصنات، فيجيء الانقطاعُ في الاستثناء.
قيل: لما كانت محصنة قبل السِّباء، صحَّ شمول الاسم: لها فأخرجت بالاستثناء.
فإن قيل: فما تقولون في الأمَة المزوَّجة إذا بيعتْ فإنها محصَنَةٌ قد ملكتْ نفسَها
(1)
، فهل هي مخصوصةٌ من هذا العموم أو غير داخلة فيه؟.
قيل: هاهنا مسلكان للناس:
أحدهما: أنها خُصَّت من العموم بالأدِلَّة الدَّالة على أن البيعَ لا يفسخُ النِّكاح، وأن الفرج لا يكون حلالاً لشخصين في وقت واحد.
والمسلك الثاني: أنها لم تدخلْ في المستثنى منه؛ لأن السَّيَد إذا زَوَّجَها فقد أخرج منفعة البُضْع عن ملكه، فإذا باعها فقد انتقلَ إلى المشتري ما كان للبائع، فملكها المشترى مسلوبةً منفعةَ البُضْع، فلم تدخل هذه المنفعةُ في ملكه بعقد البيع، فلم تتناوَلْها الآيةُ، وهذا المسلك ألطفُ وأدقُّ من الأول، والله أعلم.
* * **
(1)
من (ق).
فوائد شتى منقولة من خط القاضى أبي يعلى -رحمه الله تعالى-
فائدة
إسماعيل بن سعيد
(1)
عن أحمد: لا يجهرُ بالقراءة في صلاة الاستسقاء، ويصلِّي صلاةَ النَّاس، ليس فيها تكبيرٌ مثل تكبير العيدين.
وعنه محمد بن الحكم
(2)
والكَوْسج
(3)
والمرُّوْذِي
(4)
: يجهر بالقراءة فيها لحديث عبد الله بن زيد
(5)
، قال أبو حفص
(6)
: يحتملُ أن هذا القولَ هو المتأخرُ لأنه قد قيل: إن إسماعيل بن سعيد سماعه قديمٌ.
فائدة
قال أحمد: لا تعجبُني صلاةُ الخوفِ ركعةً لما روى أبو عياش
(1)
أبو إسحاق الشالنجى من أصحاب الإمام أحمد ت (230) عنده مسائل كثيرة حسنة مُشبعة. "طبقات الحنابلة": (1/ 273).
(2)
أبو بكر الأحول، من خواص أصحاب أحمد، ومات قبله سنة (223). "طبقات الحنابلة":(2/ 295).
(3)
هو: إسحاق بن منصور أبو يعقوب ت (251) ومسائله طبع أكثرها. "طبقات الحنابلة": (1/ 303).
(4)
هو: أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المرُّوذي -نسبة إلى مَرْو الرُّوْذ- وهو المقدَّم من أصحاب أحمد، ولازمه حتى مات وتولى إغماضه وغسله ت (275). "طبقات الحنابلة":(1/ 137).
(5)
"أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحوّل رداءَه، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة" أخرجه البخاري رقم (1022)، ومسلم رقم (893) وليس في رواية مسلم ذِكْر للجهر بالقراءة.
(6)
هو: عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو حفص البَرْمكي ت (387)، له تصانيف وفتيا واسعة. "طبقات الحنابلة":(3/ 273).
الزُّرَقِيُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعُسْفان ويوم بنى سُلَيْم
(1)
، وكذا روى جابر
(2)
وابن عباس
(3)
وابن أبي حَثْمَة
(4)
في ذات الرقاع، وكذلك أبو هريرة
(5)
في عام نجد أنه صلى ركعتين، وكذا روت عائشة
(6)
وابنُ عُمر
(7)
وأبو موسى
(8)
(9)
.
فائدة
ابن بختان
(10)
عن أحمد في القوم إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يُبادِرَهُم العدُوُّ يصلُّونَ على دوابِّهم، أو يؤخرون الصَّلاةَ إلى طلوع الشَّمس؟
قال: أيّ ذلك شاءوا فعلوا، والحجَّةُ فيه تأخير النبى صلى الله عليه وسلم أربع صَلَوات يومَ الخندق
(11)
.
(1)
أخرجه أحمد: (27/ 120 رقم 16580)، وأبو داود رقم (1236)، والنسائي:(3/ 176)، وابن حبان "الإحسان":(7/ 128) والحاكم: (1/ 337).
وصححه ابن حبان والحاكم، وجوَّد إسناده الحافظ في "الإصابة":(4/ 143).
(2)
أخرجه البخاري رقم (4136)، ومسلم رقم (843).
(3)
أخرجه البخاري رقم (944).
(4)
أخرجه البخاري رقم (4131)، ومسلم رقم (841).
(5)
أخرجه أبو داود رقم: (1240)، والترمذي رقم (3035)، والنسائى:(3/ 173 - 174).
(6)
أخرجه أبو داود رقم (1242).
(7)
أخرجه البخاري رقم (943)، ومسلم (839).
(8)
أخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف": (2/ 215) من فعله.
(9)
وانظر "المغني": (3/ 315).
(10)
هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان أبو يوسف، من أصحاب أحمد. "طبقات الحنابلة":(2/ 554)، وتحرف الاسم في (ق وظ) إلى:"حبان ولحيان"!.
(11)
أخرجه أحمد: (6/ 17 رقم 3555)، والترمذي رقم (179) والنسائي: =
وعنه أبو طالب
(1)
: إن كانوا منهزمينَ يصلُّون رُكبانًا، يومِئُونَ ولا يُؤَخِّروُنَ الصَّلاةَ على ما صلَّى النبِي صلى الله عليه وسلم، هذه الآيةُ نزلتْ بعدما صلَّى النَّبِى صلى الله عليه وسلم، والحجَّةُ قوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}
(2)
[البقرة: 239].
فائدة
نقل محمد بن الحكم
(3)
عن أحمد في رجل صلَّى ركعتينِ من فرض، ثم أقيمتِ الصَّلاةُ.
قال: إن شاءَ دَخَلَ مع الإمام، فإذا صلَّى معه ركعتينِ سَلَّم، وأَعْجَبُ إليَ أن يقطعَ الصَّلاةَ ويدخلَ مع الإمام، قال القاضي: وظاهرُ هذا: الدخولُ من غير تحريمة، غير أنه اختار القطعَ والدخولَ بتحريمةٍ.
فائدة
أبو طالب: سألتُ أحمد عن الرجل يدخلُ المسجدَ يظنُّ أنهم قد صلُّوا، فيصلِّي ركعتين، ثم تُقَامُ الصَّلاةُ. قال: قد اختلفوا فيها؛ بعضٌ قال: يمضِي لا يَدْخُلُ فرضٌ في فرضٍ، وبعضُهم قال: يُسَلِّمُ.
قلت: ما تقولُ؟ قال: ما يُبالي كيف، قلت: يُسَلِّمُ ويدخلُ معه؟ قال: نعم.
= (2/ 17) وغيرهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه انقطاع، وله شواهد يتقوَّى بها.
(1)
هو: أحمد بن حميد أبو طالب المُشكاني من خواص أصحاب أحمد ت (244). "طبقات الحنابلة": (1/ 81).
(2)
الآية ساقطة من (ظ).
(3)
(ق): "عبد الحكم" وهو خطأ وقد تكرر في (ق).
قال القاضي: وظاهرُ هذا أنه منع من الدخول لأنه قال: يستأنفُ، فإذا قلنا: لا يدخل معه فهل يمضي في صلاتِهِ أو يقطعُ؟. على روايتين: محمد بن الحكم عنه: إن شاءَ دخلَ معه وأعجبُ إليَّ أن يَقْطَعَ، وأبو طالب: يُسَلَّمُ ويدخل معه، والثانية: يمضي.
فعنه أبو الحارث
(1)
-وقد سُئلَ عن رجل دخل في مسجد فافتتحَ صلاة مكتوبة، وهو يرى أن قد صلّوا، فلما صلَّى ركعة أو ركعَتينِ أقيمتِ الصَّلاةُ - قال: يُتم الصَّلاةَ التي افتتحها، ثم إن شاء صلَّى مع القوم، وإن شاء لم يدخلْ معهم.
قال أبو حفص: وكذا يقولُ فيمن افتتحَ تطوُّعًا ثم أقيمتِ الصَّلاةُ: إنه لا يقطعُها ولكن يتمُّها، ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم:"تَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ "
(2)
فوجب أن لا يخرجَ منها بغير التَّسليم الذي بعد التَّمام.
ابن مسعود: من دَخلَ فى صلاة فلا يَقطَعْ حتى يَفْرُغَ.
ووجه الأخرى، وأنه يخرجُ منها: أن صلاة الجماعة واجبةٌ، فإن قلنا: يمضي في صلاتِه، فَفَرَغ، ثم أدركَ الجماعةَ في المسجد، فهل يدخلُ معهم، أو يكونُ مخيَّرًا فى الدُّخول والانصراف؟
على روايتين:
(1)
هو: أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، من أصحاب الإمام أحمد له عنه مسائل كثيرة. "طبقات الحنابلة":(1/ 177).
(2)
أخرجه أحمد: (2/ 292 رقم 1006)، وأبو داود رقم (61)، والترمذى رقم (3)، وابن ماجه رقم (275) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال الترمذي: "هذا الحديث أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن" وصحح الحديث جمع من الأئمة، وله شاهد من حديث أبي سعيد.
إحداهما: يُخيَّرُ، وهو المنصوصُ في رواية أبي الحارث، والأخرى: يجبُ أن يُصَلِّيَ معهم إذا حضرَ في مسجدٍ أهلُه يصلُّون، وهو الأكثر في مذهبه، وبه وردت السّنَّةُ.
فإن أحرم بتَطَوّعُ، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، فهل يقطعُها ويدخل في الجماعة أو يتِمها؟
على روايتين، ولا فرقَ بين ركعتي الفجر وغيرها، كاختلاف قَوْليه فيمن انفردَ بصلاةِ فريضة، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ.
فإنْ دخل في تطوُّعٍ ثم ذكر أن عليه فريضةً، فعنه: يُعجِبُني أن ينصرفَ عن شَفْع ثم يقضي الفريضة.
قال أبو حفص: ويُخَرَّجُ عنه في هذه المسألة رواية أخرى، كما ذكرنا فيمن دخلَ في تَطَوُّع ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ، ووجهُهُ قوله صلى الله عليه وسلم:"فَلْيُصَلِّهَا إذا ذَكرَها"
(1)
.
فائدة
(2)
قال أبو الحارث: سئل أحمدُ عن العَشاءِ إذا وُضِعَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، قال: قد جاءت أحاديثُ، وكان القومُ في مجاعَةٍ، فأما اليومَ فلو قامَ رَجَوْت، وقال في روايةِ جماعةٍ: يبدأُ بالطَّعام.
فإن قلنا: يبدأُ بالطعام، فهل يتناولُ منه شيئًا أو يُتمُّ عشاءَه؟
حنبل
(3)
عنه: إذا كان الرجل قد أكلَ من طعامه لقمة أو نحو
(1)
أخرجه البخاري رقم (597)، ومسلم رقم (684) من حديث أنسِ رضي الله عنه.
(2)
"فائدة" من (ظ).
(3)
هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني، أحد أصحاب الإمام أحمد =
ذلك، فلا بأس أن يقوم إلى الصَّلاة فيصلِّيَ ثم يرجعُ إلى العَشاء لأن النبىَّ صلى الله عليه وسلم دُعِيَ إلى الصلاة، وقد كان يحتزُّ من كتِف الشَّاة فأَلقى السكينَ وقام
(1)
.
أحمد بن الحسين
(2)
: سألت أحمد: إذا حضر العَشَاءُ، وأقيمتِ الصلاةُ، قال: ابدأ بالعَشَاء. قلت: أنالُ منه شيئًا ثم أخرجُ إلى الصَّلاةِ
(3)
؛ قال: لا بل تَعَشَّ. قلت: أخافُ أن تفوتَني الصلاةُ جماعةً، قال: إن الرجلَ إذا تناولَ منه شيئًا ثم تركَه، فكان في نفسه شُغُلٌ من ترْكه الطَّعام إذا لم ينَلْ منه حاجَتَهُ، قلت: فيأتي على ما يُريد من الطعام ثم يُصَلِّي؛ قال: نعم، وإن خاف أن تفوتَه الصَّلاة ما دام في وقت.
حَرْب
(4)
: قلت لأحمد: الرجل يصلِّي بحضرة الطَّعام، قال: إن كان قد أكل بعضه فأُقيمتِ الصَّلاةُ، فإنه يُتمُّ أكلَهُ، وإن كان لم يأكُلْ فأحبُّ إلىَّ أن يُصلِّيَ، قال القاضي: وظاهرُ هذا الفرقُ بين أن يكون
= وابن عمه ت (273). "طبقات الحنابلة": (1/ 383).
(1)
أخرجه البخاري رقم: (208)، ومسلم رقم (355) من حديث عمرو بن أمية الضمرى.
(2)
هو: أحمد بن الحسين بن حسَّان السُّرَّمري، روى عن أحمد أشياء. "طبقات الحنابلة" ت (1/ 80).
(3)
من قوله: "إذا حضر
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
(4)
هو: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أخذ عن الإمام، وله عنه مسائل جيدة ت (280). "طبقات الحنابلة":(1/ 388) و"مسائله " ذكر زهير الشاويش أن عنده نسخة منها؛ ثم عثر بعضهم على قطعة منها وقدَّمها رسالة علمية بجامعة أم القرى، ثم عُثر على نسخة كاملة منها. في مكتبة خاصة، وهي نسخة جيدة قديمة، رأيتُ صورة منها، وقد قدم الشيخ عبد الباري الثبيتي رسالة علمية بالمدينة "جمع مسائل حرب الكرماني عن أحمد" ونوقشت.
ابتدأ فيستوفي طعامَهُ، وبين أن لا يبدأ فيؤخِّرَهُ
(1)
.
فائدة
إذا أقيمت الصَّلاةُ والإمامُ غيرُ حاضر، مثل أن يكون لم يخرجْ من بيته بعدُ، أو هو المؤذن، وهو في المنارة؛ فعلى روايتين: روى جماعة: لا يقوموا حتى يَرَوْهُ للحديث
(2)
.
وروى الأثرم
(3)
وغيره: أنه جائزٌ للمأمومين أن يقوموا قبل أن يَرَوا الإمامَ لحديث أبي هريرة: أُقيمتِ الصلاةُ وصَفَّ النّاسُ صفوفَهم وخرجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقام مَقَامَهُ ثم أومَأ إليهم بيدِهِ: "أن مَكَانَكُم "
(4)
، ولم يُنكرْ عليهم، فدلَّ على جوازه
(5)
.
وروى جعفر بن محمد
(6)
والمرُّوْذيُ وغيرهما عنه: أنه وسَّع العملَ بالحديثين جميعًا، فإن شاءوا قاموا قبل أن يَرَوْهُ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يَرَوْه.
فائدة
قال أحمد في رواية أبي طالب: إن انتظرَ الإمام المؤذِّنَ، فلا بأس
(1)
انظر مسائل عبد الله رقم (396).
(2)
يعنى حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت" أخرجه البخاري رقم (637)، ومسلم رقم (604).
(3)
هو: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم أبو بكر، له مسائل كثيرة عن الإمام ت (بعد 260). "طبقات الحنابلة":(1/ 162).
(4)
أخرجه البخاري رقم (275)، ومسلم رقم (605).
(5)
وانظر "الفتح": (2/ 141).
(6)
لم أعرف من هو؛ لأن جماعة من أصحاب أحمد كل واحد منهم يقال له جعفر بن محمد، انظر "طبقات الحنابلة":(1/ 333 - 342).
قد فعل ذلك عمر، وإن لم ينتظرْه فلا بأس. ووجهه: قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم: "لا تَسْبِقْني بآمِين "
(1)
، فدلَّ على أنه لم يَنتظِرْه.
فائدة
(2)
عبد الله
(3)
والكوْسَجُ قالا: كان أبو عبد الله يضَعُ نعليه بين يديه، ولا يجعلُهما بين رجليه، يعني: في الصَّلاة، إمامًا كان أو غيرَ إمام. قال عبد الله: قال
(4)
أبي: يُصَلِّي الفريضةَ والتَّطَوُّع ونعلُه بين يديه.
ونقل حنبل وأحمد بن علي
(5)
: يجعلُهما عن يساره.
وجْهُ الأولى: أنه لا يؤذي بهما أحدًا، وقد أشار إلى ذلك فى الحديث
(6)
. ووجهُ الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى يوم الفتح بمكَّةَ فوضَعَ نعليه عن يَساره
(7)
.
(1)
أخرجه أحمد: (6/ 15)، وأبو داود رقم (937)، وأعله أبو حاتم بالإرسال "العلل ":(1/ 116).
والصحيح أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال كما أخرجه الحاكم: (1/ 219)، والبيهقي في "الكبرى":(2/ 23، 56).
(2)
"فائدة" ليست في (ع).
(3)
هو: عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ت (290). "طبقات الحنابلة": (2/ 5 - 20).
(4)
(ظ): "كان"، ولكلِّ وجه يصح.
(5)
هو: أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس النخشبي الأبَّار ت (290).
"طبقات الحنابلة": (1/ 127) ومن تلاميذ الإمام آخر يُسمَّى: أحمد بن علي له رواية عن الإمام.
(6)
أخرجه أبو داود رقم (654 و 655)، والحاكم: (1/ 260، وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7)
أخرجه أحمد: (24/ 113 رقم 15392)، وأبو داود رقم (648)، والنسائى: =
فائدة
قال في رواية علي بن سعيد
(1)
-في الرجل الجاهل يقومُ خلفَ الإمام، فيجيءُ من هو أعلمُ بالسُّنَّة منه، فيؤخرُه أو يدفعُهُ ويقومُ في مقامِهِ-: لا أرى ذلك، فذُكر له حديثُ قيس بن عُبَادٍ حين أخَّرَهُ أُبَىُّ ابن كعب
(2)
؛ فقال: إنما كان غلامًا
(3)
.
قال القاضي: إنما لم يَجُزْ تأخيرُه؛ لأنه كبيرٌ قد سبق إلى ذلك الموضِع. وأجاب أحمدُ عن حديث أُبىٍّ بأن قَيْسًا كان غلامًا.
قلت: وقد يؤخذُ من كلام أحمد جوازُ تأخير الصَّبِيِّ، وصلاةُ الرجل مكانَهُ، وقد قال أحمد في رواية الميمونى
(4)
: يلي الإمامَ الشيوخُ وأصحابُ القرآن ويؤخَّرُ الغلامُ والصِّبيانُ. وقال في رواية أبى طالب - في الصَّفِّ يكون طويلاً فيكون في آخره صَبِيٌّ، فيجيء رجلٌ فيقوم خلف الصبي-: لا بأسَ هو مُتَصِلٌ بالصَّفِّ.
قال بعض أصحابنا: وهذا يدُل على أنه إذا كان في الصَّفِّ خَلَلٌ
= (2/ 74)، وابن ماجه رقم (1431) وغيرهم من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه. وسنده صحيح.
(1)
هو: علي بن سعيد بن جرير أبو الحسن النسوي، له عن أبي عبد الله جزءان مسائل ت (257). "طبقات الحنابلة":(2/ 126).
(2)
أخرجه أحمد: (35/ 186 رقم 21264)، وعبد الرزاق رقم (2460)، والنسائي:(2/ 88)، ابن خزيمة رقم (1573) وابن حبان "الإحسان":(5/ 558) وغيرهم، وهو حديث صحيح.
(3)
وعليه بوَّب ابن حبان.
(4)
هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن مِهران الميموني الرَّقي أبو الحسن، من خواص أصحاب الإمام ت (274). "طبقات الحنابلة":(2/ 92).
مقامَ رجُلٍ لا يُبطِلُ الموقفَ؛ لأن الصبيَّ لا يصافُّ الرجلَ، وقد حكم باتصاله بالصَّفِّ، فإن كان قد امتلأ الصفُّ، وفيه صبيٌّ، فجاء رجلٌ، فللرجل إذا جاء أن يؤخِّرَهُ ويقومَ مقامَهُ لأنه أولى بالتَّقدِمَةِ.
فائدة
قال المرُّوْذي
(1)
: كان أبو عبد الله يقومُ خلفَ الإمام، فجاء يومًا، وقد تجافَى النَّاسُ أن يُصَليَ أحدٌ فى ذلك الموضع، فاعتزل وقامَ في طرف الصَّفِّ، وقال: قد نهى أن يتَّخِذَ الرجل مُصَلاه مثل مَرْبَض البعيرِ
(2)
.
فائدة
قال أحمد فى رواية ابنه عبد الله
(3)
: لو أن جاهلاً صلَّى برجل فجعله عن يساره؛ كان مخالفًا للسُّنة، وردَّ إليها وجازتْ صلاتُه -في رواية جعفر بن محمد في الرجُل يقيمُ الصَّلاةَ وليس معه إلا غلامٌ: لا يَؤُمُّهُ في الفريضة، وإنما أمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابنَ عباس في تطوُّع صلاة الليل
(4)
. وكذلك حديث أنس إنما هو تطوّعٌ
(5)
. وروى هذه
(1)
"فائدة" ليست في (ع) ثم العبارة فيها: "قال أحمد قال المرّوْذي ".
(2)
أخرجه أحمد: (24/ 292 رقم 15532)، وأبو داود رقم (862)، والنسائي:(2/ 214)، وابن ماجه رقم (1429) وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن شبل -رضى الله عنه- وفى سنده ضعف. وإن صححه الحاكم في "المستدرك ":(1/ 229)!.
(3)
لم أجده في الرواية المطبوعة.
(4)
أخرجه البخاري رقم (117)، ومسلم رقم (763) من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما.
(5)
أخرجه البخاري رقم (727)، ومسلم رقم (658).
أيضًا عنه حَرْب وابن سِنْدي
(1)
.
قال بعض أصحابنا: وَجْه ذلك أنه لا يصِحُّ أن يكونَ إمامًا في هذه الصلاة، فلم تنعقد به، كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة، ولا يلزم إذا صلَّى بامرأة أن تنعقدَ الجماعة؛ لأنها تَصِحُّ أن تكونَ إمامةً فيها في حقّ النساء.
فائدة
(2)
اختلف أصحابنا في علَّة منع البالغ من مصَافَّة الصَّبيِّ؛ فقال أبو حفص: يُخشى أن لا يكونَ مُتَطَهرًا، يعني: فيصيرُ
(3)
البالغ فذًّا. وقال غيرُه: لمَّا لم يَجُزْ أن يَؤُمَّهُ لم يَجُزْ أن يُصَافَّهُ كالمرأة، وعكسُه صلاة النافلة لما جاز أن يَؤمَّهُ، جاز أن يُصَافَّهُ.
وإذا ثبت ذلك؛ فالإمامُ مخيَّرٌ بين أن يقفَ في وسطهما، الرجلُ عن يمينهِ والصَّبيُّ عن يساره، وبين أن يقفا جميعًا عن يمينه إن كانت الصَّلاة فرضًا، وإن كانت نافلةً جاز أن يقفا خَلْفَهُ، نصَّ عليه، فقال: إذا كان رجل وغلام لم يُدْرِكْ في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما كما فعل ابن مسعود في الفريضة، قيل له: حديث أنس: "أمَّنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واليتيم"
(4)
قال: ذلك في التطوُّع.
قال أبو حفصٍ: واحتجَّ أبو عبد الله في أن الرجل يقفُ على يمين
(1)
هو: حُبَيش بن سِنْدي، من كبار أصحاب الإمام، له عنه مسائل.
"طبقات الحنابلة": (1/ 390).
(2)
"فائدة" ليست في (ع).
(3)
(ق): "فيكون".
(4)
تقدم قريبًا.
الإمام، والغلامُ عن يساره، بما رواه
(1)
: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: دخلت أنا وعمي عَلْقَمةُ على عبد الله بن مسعود بالهَاجرة، قال: فأقام الصَّلاةَ الظُّهْر، فَقمنا خلْفَهُ، فأخذ بيدي ويدِ عمي، ثم جعل أحدَنا عن يمينه والآخرَ عن يَساره، ثم قام بيننا، فصَفَّنا صفًا واحدًا، ثم قال: هكذا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصنَع إذا كانوا ثلاثة.
وحجَّتُهُ في التَّطَوع من أنهما يقفان خلفَ الإمام: ما رواه أحمد
(2)
: حدثنا عبد الرزَّاق، عن مالك، أخبرني إسحاق بن عبد الله ابن أبي طَلْحة، عن أنس، فذكر الحديث، وفيه:"فقمتُ أنا واليتيمُ وراءَه".
قال أبو حفص: على أن حديث أنس لم يقطعْ به أبو عبد الله، قال في رواية عبد الله
(3)
: كان قلبي لا يجسُرُ على حديث إسحاق؛ لأن حديث موسى -يعني خلافَهُ- ليس فيه ذكر اليتيم، إنما فيه أنَّ أنسًا قام عن يمين النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال أحمد
(4)
، حدثنا حجَّاج بن محمد، قال: حدثنا شعبةُ قال: سمعت عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، يحدث عن أنس: أنه كان هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأمُّهُ وخالَتُهُ [فصلّى بهم، فجعل أنسًا عن
(1)
في "المسند": (7/ 395 رقم 4386) وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق، وأخرجه مسلم رقم (534) وغيره من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة به.
(2)
فى "المسند": (20/ 113 رقم 12680)، وسنده صحيح، وتقدم تخريجه من الصحيحين.
(3)
رقم (543)، وفيها: "لأن حديث شعبة
…
".
(4)
في "المسند": (25/ 322 رقم 13019). وأخرجه مسلم رقم (660).
يمينه، وأمه وخالته]
(1)
خَلْفَهما.
قال شُعْبة: وكان عبد الله بن المختار أشَبَّ مني.
فائدة
الأفضلُ إذا كانا رجلينِ أن يُصَلِّيا خلْفَه، نصَّ عليه، لحديث جابر وجبَّار
(2)
. فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطَهُم، فإن أبا عبد الله قال: لم يبلغْ عبدَ الله هذه الأخبارُ.
وقدْ سَهَّل أبو عبد الله في ذلك قال: وأرجو أن يكون الإمام في الثلاثة واسعًا، وأحبّ إلىَّ أن يتقدَّمَ، كما فعل عمر.
وروى عنه المرُّوْذيّ في الرجل يجيءُ والإمام في التّشَهُّدِ وإلى لِزْقِه
(3)
رجلٌ هل يقومُ معه أو يجذبه؛ قال: أعجبُ إلىَّ أن يتقدَّمَ الإمامُ ويجذبَ الرجلَ.
قال أبو حفص: قوله: "يتقدَّم الإمام" لِيَقِلَّ تأَخرُ المأموم، ويقرُبُ الإمامُ من السُّتْرَةِ، وقد أجاز جذب الرجلِ لِيُصِحَّ مقامَهُ معه خَلْفَ الإمام.
وأكثرُ الروايات عنه أنه كرِهَ أن يجذبَ رجلاً؛ لأنه يؤخِّرهُ عن موقفه، وإن
(4)
اختار هو ذلك.
وقال في رواية أبي طالب: إذا صلَّى الإمام مع رجل، وجلسَ وجَاءَ رجلٌ، فلْيَجْلِسْ عن يساره حتى يقومَ؛ لأن تأخيرَ الجالس يثقُلُ
(1)
ما بين المعكوفين ساقط من جميع الأصول، والاستدراك من "المسند".
(2)
أخرجه مسلم رقم (3010) في حديث جابر الطويل.
(3)
(ق): "وإن ألزقه"!.
(4)
الأصول: فإن، ولعل الصواب ما أثبت.
عليه، وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجلٌ موسع.
فائدة
اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علُو؛ فنقل عنه صالحٌ أنه أجاز ذلك على الضَّرورة، إذا كان موضعًا ضيقًا.
وقال في الرجل يُصلّي فوق البيت بصلاة الإمام: إن كان في موضع ضيِّق يوم الجمعة، كما فعل أنس.
ونقل حَرب وحَنبل وأبو الحارث الجوازَ مطلقًا: أن يصلىَ المأمومُ وهو يسمعُ قراءةَ الإمام في دار أو فوق سطح أو فى الرَّحَبة، أو رجل منزلُه مع المسجد يُصَلي على سطحه بصلاة الإمام، أو على سطح المسجد بصلاة الإمامِ أسفلَ، وذكَر الآثارَ بذلك عن أبى هريرة رضي الله عنه وابن عمرَ وابن عباس
(1)
.
واختلف قوله إذا كان بينهم نَهرٌ أو طريقٌ أو حائطٌ، فنقل حربٌ عنه أنه أجاز للمرأة أن تُصَلِّي فوقَ بيتٍ بصلاة الإمامِ، وبينها وبين الإمام طريق، ولفظه: أرجو أن لا يكونَ به بأسٌ، وذَكر حديثَ أنس أنه كان يفعل ذلك
(2)
. فقيل: إذا كان وحدَه؟ قال: لا، مَن صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وحدَهُ أعادَ.
(1)
انظر الآثار في ذلك فى "مصنف عبد الرزاق": (3/ 81 - 83)، و"مصنف ابن أبي شيبة":(2/ 35 - 36).
(2)
أخرج عبد الرزاق: (3/ 83) والبيهقي: (3/ 111): أن أنس بن مالك صلى الجمعة في دار حميد بن عبد الرحمن بصلاة الوليد بن عبد الملك وبينهما طريق. وأخرج ابن أبي شيبة: (2/ 35): أن أنسًا كان يجمع مع الإمام وهو فى دار نافع بن عبد الحارث -بيت مشرف على المسجد له باب إلى المسجد- فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام.
ونقل أبو طالب المنعَ -فقال في الرجل يُصَلِّي فوق سطح بصلاة الإمام- قال: إذا كان بينهَما طريقٌ أو نَهَرٌ فلا، قيل: أنس صلَّى، قال: أنسٌ صلَّى يومَ الجمعة في غُرْفَةٍ بعدما كَبِرَ، ويوم الجمعة لا يكونُ طريقٌ، يمتلئُ من الناسِ.
ونقل ابنُ الحَكَم جواز ذلك للضرورة، قال: إذا كان موضِعَ ضَرورة أجزأَ عنه، يُروَى عن أنس، فأما التراويحُ فتجوز فوقَ سطحٍ، وإن كان بينَهما طريقٌ نصَّ عليه، وقال: ذلك تَطوُّع.
قال أبو حفص: ويومَ الجمعة جائز أن يُصَلِّيَ النَّاسُ في (ق/39؛ أ) طاقاتِ باب خُرَاسانَ وخارج الطاقات، نصَّ عليه.
قال أبو حفص: إذا فعلَ الرجل مثل فعل أبي بَكْرَةَ
(1)
مع العلم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بَكْرَةَ، فروايتان: إحداهما: يعيدُ، وعنه أنه أجاز للرجل أن يُكَبِّرَ ويركَعَ فيما دونَ الصَّفِّ، ثم يمشي حتى يدخلَ في الصف
(2)
، إذا علم أنه لا يُدْرِكُ، فقال في رجل كَبَّر قبل أن يدخلَ في الصَّفِّ وركَعَ ثم مشى حتى دخل في الصَّفِّ فقال: يجوز له ذلك، قد رُوِيَ
(3)
أن أبا بَكْرَةَ ركع دونَ الصَّفِّ، ولم يأمرْه أن يُعِيدَ. وقد رُوِيَ أيضًا عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصَّفِّ
(4)
.
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: أرى إذا عَلِمَ أنه يدركُ الركوع
(1)
في صلاته خلف الصف، أخرجه البخاري رقم (783).
(2)
"ثم يمشي حتى يدخل في الصف" سقطت من (ق).
(3)
(ع): " فروى".
(4)
أخرج الأثرين ابن أبي شيبة: (1/ 229)، وعبد الرزاق:(2/ 282 - 283)، والبيهقي في "الكبرى":(2/ 90).
لم يركعْ دونَ الصَّفِّ، وإذا علم أنه لا يدركُ ركَعَ، واثنان أحَبُّ إليَّ أن يُكَبِّرا جميعًا، ويَدِبَّا إلى الصَّفّ
(1)
.
قال أبو حفص: ووَجْه هذه: ما روى عبد الله بن أحمد: حدثنا زكريا بنُ يحيى، حدثنا إبراهيمُ بن سعد الزُّهْرىُّ، عن قَبيصَةَ بن ذُؤَيْب، قال: رأيتُ زيدَ بن ثابت يدخلُ المسجدَ والقوم ركوعٌ فيركعُ ثم يَدِبُّ حتى يَصلَ إلى الصَّفِّ، وعن ابن مسعود مثله
(2)
.
ابن جُرَيْج، عنْ عطاء، أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: إذا دخلَ أحدُكُم المسجد والناس ركوعٌ فليرْكَعْ حين يدخلُ، ثم لْيَدِبَّ راكعًا حتى يدخل في الصَّفِّ فإن ذلك من السّنة، قال عطاء: وقد رأيتُه هو يفعلُ ذلك
(3)
.
قال أبو حفص البرمكيُّ: وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بَكرَةَ: "لا تَعُد"، نهيٌ عن شدة السَّعْي
(4)
، بدليل قول ابن الزبيرِ: فإنَّ
(5)
ذلك من السُّنة.
فائدة
قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم
(6)
-في رجل مكفوف
(1)
"مسائل ابن هانئ": (1/ 46)، وفيها:"ويدنوا إلى الصف".
(2)
تقدم (3/ 969).
(3)
أخرجه عبد الرزاق -مختصرًا-: (2/ 284)، وابن خزيمة رقم (1571)، والحاكم:(1/ 214) وصححه.
(4)
وقال الشافعي رحمه الله: "قوله: "لا تعد" يشبه قوله: "لا تأتوا للصلاة تسعون" يعني -والله أعلم- ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك لما في ذلك من التعب، كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة" اهـ نقله البيهقي في "الكبرى": (2/ 90).
(5)
من قوله: "للناس: إذا
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
(6)
هو: إسحاق بن إبراهيم بن هانئٍ النَّيسابوري أبو يعقوب، له مسائل عن أبى =
دخل في الصَّفِّ، فلما أراد أن يركَعَ الْتَزَقَ الذين كانوا معه في الصَّفِّ بصَفِّ آخر، وبقيَ هو وحدهَ-: يُعِيْدُ
(1)
.
وقال في رواية مهنَّأَ
(2)
في رجل صلَّى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصَّفِّ، ثم زحموه فصلَّى الركعةَ الأخرى خلفَ الصفِّ وحده: يُعِيدُ الركعة التي صلَّى وحدَهُ.
قال في رواية الحسن بن محمد
(3)
: إذا ركعَ ركعةً وسجدَ، ثم دخل في الصَّفِّ، يُعِيدُ الركعةَ التي صلَاّها، ولا يعيدُ الصَّلاةَ كُلَّها.
وقال في رواية مهنأ -في رجل ركع ركعة وسجدتين دونَ الصَّفِّ، ثم جاء الناسُ فقاموا إلى جنبه في الثلاث (ظ/171 ب) رَكَعات-: يعيدُ الصَّلاة كلَّها، ثم قال: لو ركع ركعةً وحدَها ولم يسجدِ السجدتينِ لم يكنْ عليه إعادة؛ لأن أبا بَكْرَةَ ركعَ دون الصَّفِّ ولم يسجدْ.
قال أبو حفص: اختلف قولُ أبي عبد الله في رجل يصلِّي خلف الصَّفِّ ركعةً كاملةً، ثم يدخل الصفَّ أو ينضافُ إليه قومٌ، هل يُعيدُ تلك الركعةَ وحدَها أو الصَّلاة كلَّها؟.
قال أبو حفص: والأصحُّ عندي أنه يعيدُ ما صلَّى خلْف الصَّفِّ
= عبد الله مشهورة ت (275). "طبقات الحنابلة": (1/ 284).
(1)
"مسائل ابن هانئ": (1/ 86).
(2)
هو مهنَّا -بهمزة في آخره والعامة تتركها- ابن يحيى الشامى السُّلَمي أبو عبد الله من كبار أصحاب الإمام. "طبقات الحنابلة": (2/ 432)، و"توضيح المشتبه":(8/ 297).
(3)
هو: الحسن بن محمد الأنماطي البغدادي، له مسائل صالحة عن أبي عبد الله. ويمكن أن يكون السجستاني. انظر "طبقات الحنابلة":(1/ 371).
حسْبُ، فيعيدُ الركعةَ
(1)
أو الركعتين، ولا يُعيد ما صلّى (ق/239 ب) مع غيره. قال: لأنَّ تكبيرة الإحرام لم تَفْسُدْ؛ لأنة لا يختلفُ قولهْ أنه إذا كبَّر وحدَه أنها صحيحة.
قال القاضي: وتحريرُ
(2)
قول أبي حفص: أنه صلَّى بعضَ الصلاة منفردًا فلم تبطل جميعُها، كالتكبيرة والرُّكوع من غير سجود، ووجهُ: البُطلان: أن القياس يقتضي بُطلانَ الصلاة في التكبيرةِ والرُّكوع؛ لأن ما يفسدُ جميعَ الصَّلاة يُفسِدُ بعضَها كالحَدَث
(3)
؛ وإنما أجار أحمد: ذلك القَدْر لحديث أبي بَكْرَة.
قال أحمد: إذا صلَّى بين الصَّفَّين وحدَه يُعَيدها؛ لأنه فذٌّ، وإن كان بين الصَّفَّين.
وقال في الرجل ينتهي إلى الصَّفِّ الأول وقد تمَّ: يدخلُ بين رجلين إذا علم أنه لا يَشُقُّ عليهم، وذلك أنهم قد أُمِروا أن لا يكون بينهم خَلَلٌ، ويكرهُ أن يَمُدَّ رجلاً من الصَّفِّ إليه، نصَّ عليه، قال: أما أنا فأستقبحُ أن يَمُدَّ رجلاً، يدخلُ مع القوم، أو يُنْتَزع
(4)
رجلٌ من الصَّفِّ فيركع معه.
قال بعض أصحابنا: ويقرُبُ من هذه المسألة أنه يُبَاحُ تَخَطِّي رقابِ النَّاسِ إذا تركوا قدَّامَه فرجةً في رواية. وقال في رواية المرُّوْذيِّ: إذا جاءَ وليس يُمكنُهُ الدخولُ في الصَّفِّ، هل يمَدُّ رجلاً
(1)
من قوله: "وحدها أو
…
" إلى هنا ساقط من (ظ).
(2)
(ق): "يجوز" و (ظ): "تجويز".
(3)
(ع): "الحديث".
(4)
(ق وظ): "ينزع".
يصلي معه؟ قال: لا، ولكن يزاحِمُ الصَّفَّ ويدخُلُ.
قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمدَ جواز جَرِّ الرَّجُل في رواية المرُّوْذي، فإن صحَّ النقلُ كان في المسألة روايتان
(1)
، روي عن أبي أيوبَ قال: تحريكُ الرَّجُلِ من الصَّفِّ ظلمٌ.
قلت: وفي "المُدَوَّنة"
(2)
قال مالكٌ: هو خطأٌ منهما.
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة يُنْكِرُه أيضًا ويقول: يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ فذًّا، ولا يجذبُ غيرَه، قال: وتصحّ صلاتُه في هذه الحالة فذًّا، لأن غايةَ المُصَافَّةِ أن تكونَ واجبةً فتسقط بالعُذْر
(3)
.
فائدة
قال مهنَّاٌ: رأيتُ أحمدَ إذا قام إلى الصلاة يفرِّجُ بين قدميه، وإذا انحدرَ للسُّجود ضمَّ قَدَمَيْهِ.
قال القاضي: إنما قلنا: يُفَرِّجُ بين قدميه، لما روى حَرْب: ثنا أبو حفص، ثنا أبو
(4)
عاصم، عن ابن جُريْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تقاربَ ولا تباعُدَ
(5)
.
وكيع، عن عُيَيْنةَ بن عبد الرحمن بن جَوْشن
(6)
، قال: قال: كنت
(1)
انظر "الإنصاف"(2/ 289).
(2)
(1/ 102) بنحوه.
(3)
انظر "مجموع الفتاوى": (20/ 558 - 559).
(4)
(ق): "روى ابن حرب ثنا أبو الأحوص، ثنا ابن عاصم"!.
(5)
لم أجده، وذكره الموفَّق بن قدامة في "المغني":(2/ 396) ولم يَعْزه. وانظر ما أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 110) في صفة وقوف ابن عمر.
(6)
وقع هذا السند محرفًا في النسخ، وصوَّبناه من المصادر.
مع أبي في المسجد -يعني مسجدَ البصرة- فنظر إلى رجلٍ قائمًا يُصَلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وأَلْزَقَ إحداهُما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركتُ في المسجد ثمانيةَ عَشَرَ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رَأَيْتُ أحدًا منهم صنَعُ هكذا
(1)
قطُّ.
ولأنه أمكنُ للقيام في الصَّلاة، وضَمُّ القدمين عند الانحدار للسُّجود أمكنُ للانحدار.
قال في رواية (ق/ 240 أ) حرب وقد سأله: الرجلُ يصُفَّنَّ بين قدميه أحبُّ إليك، أو يعتمدُ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مرّةً؟.
قال: يُرَاوِحُ بين قدميه أحبُّ إليَّ، يعتمدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً؛ لما روى الأعمشُ، عن المِنهال، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: رأى عبدُ الله رجلاً يُصَلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو رَاوَحَ هذا بين قدمه كان أفضلَ
(2)
.
ولأنه أَرْوَح للمُصَلِّي، وقد رفع النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَشَقَّة عن المصلِّي بقوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ
(3)
، وكان يتوقَّى بالثَّوب في الصَّلاة حرَّ الأرض وبَرْدَها
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 109) بالإسناد نفسه.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة: (2/ 109) بالإسناد نفسه.
(3)
أخرجه البخاري رقم (533)، ومسلم رقم (615) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرج البخاري رقم (385)، ومسلم رقم (620) من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال:"كنا نصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكَّن جبهتَه من الأرض، بسط ثوبَه، فسجدَ عليه".
وأخرج الإمام أحمد: (4/ 164 رقم 2320) وغيره: عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به، يتقّي بفضوله حرَّ الأرض وبَرْدَها. وفي سنده مقال.
وقال حنبل: رأيته يُرَاوحُ بين قدميه في الصلاة التَّطَوُّع؛ فإذا كانت المكتوبةُ قام منتصِبًا لا يتحرَّكُ منه شيء.
* وقال أحمد بن الحسن الترمذي
(1)
: رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاةَ رفع يديهِ قريبًا من شَحْمة أذنيهَ ونشرَ أصابِعَهُ.
وقال أبو داود
(2)
: سمعت أحمد بن حنبل سُئِلَ: تذهبُ إلى نشر الأصابع إذا كَبَّرْتَ؟ قال: لا.
قال أبو حفص: لعلَّ أبا عبد الله أرادَ بالنَّشْرِ الذي لم يذهبْ إليه التَّفْرِيقَ الذي كان يقولُ به أوَّلاً، والنَّشْرُ الذي ذهبَ إليه آخرًا هو مَدُّ اليَدَيْنِ وقد قال صالح
(3)
: سألتُ أبي عن رفع اليدين في التَّكبيرة الأولى فقال: يا بنىَّ كنتُ أذهبُ إلى حديث أبي هريرة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كَبَّرَ نشَرَ أصَابعَهُ
(4)
، فظننتُ أنه التَّفريقُ، فكنت أفرِّقُ أصابعي، فسألت أهلَ العربية فقالوا: هو الضَّمُّ، وهذا النَّشْرُ: ومدَّ أبي أصابِعَهُ مدًّا مضمومةً، وهذا التَّفريقُ: وفرَّق بين أصابِعِه.
قال أحمد
(5)
: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزُّبير، حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن (ظ/172 أ) عَمْرو بن عطاء، عن محمد بن
(1)
هو: أحمد بن الحسن الترمذي أبو الحسن، نقل عن الإمام مسائل كثيرة ت (بعد 242). "طبقات الحنابلة":(1/ 76).
ووقع في النسخ: "أحمد بن الحسين" والتصويب من المصادر.
(2)
"مسائل أبي داود": (ص/ 30).
(3)
لم أعثر عليه في "مسائل صالح".
(4)
أخرجه الترمذي رقم (239) وضعَّفه، وكذا ضعفه أبو داود في "مسائله لأحمد":(ص/ 383 - ط ابن تيمية)، وأبو حاتم في "العلل":(1/ 160).
(5)
في "المسند": (16/ 295 رقم 10391) وغيره وسنده صحيح.
عبد الرحمن بن ثَوْبانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة رَفَعَ يَدَيْهِ مدًّا.
وروى يحيى بن اليَمان، عن ابن أبي ذئبٍ، عن سعيد بن سَمْعانَ، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتحَ الصلاةَ فَرَّج بين أصابِعِهِ
(1)
.
وقد ضعَّفه أحمد فقال أحمد بن أَصْرمَ
(2)
: إن أبا عبد الله سُئِل عن ابن سمْعانَ الحديث فقال: ليس بشيء، والحديثُ عندَه حديثُ أبي هريرة أنه كان يرفع يديه مدًّا
(3)
.
قال أحمد في رواية الفضل بن زياد
(4)
-وقد سأله عن رجل بُلِيَ بأرض يُنْكِرُون فيها رفعَ اليدين في الصلاة، وينسبُونه إلى النَّقص-: يجوزُ له تركُ الرَّفع؛ قال: لا يتركُ ذلك، يُداريهم
(5)
. إنما قال: يُدارِيهم؛ لأنه لا طاقةَ (ق/240 ب) له بهم، وأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عائشة بالرِّفق.
قال: في رواية ابن مُشَيْش
(6)
: رفعُ اليدين في الصلاة من السُّنَّة. وهذا يدلُّ علي أنَّ الهيئاتِ في الصّلاة يُطلقُ عليها اسم السُّنَّة.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
هو: أحمد بن أصرم بن خزيمة أبو العباس المزني ت (285).
"طبقات الحنابلة": (1/ 48).
(3)
انظر "مسائل أبي داود - الفقهية": (ص/384).
(4)
هو: الفضل بن زياد أبو العباس القطان البغدادي، من خواص أصحاب الإمام وكان يصلّي به. "طبقات الحنابلة":(2/ 188).
(5)
وجاءت هذه الرواية -أيضًا- عند صالح في "مسائله" رقم (161، لكن فيها "وينسبونه إلى الرفض" بدل "النقص".
(6)
هو: محمد بن موسى بن مُشَيْش البغدادي، من كبار أصحاب الإمام. "طبقات الحنابلة":(2/ 365).
قال أبو حفص: فأما حديث أحمد بن يونُسَ، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنه كان لا يرفعُ يديه، فإن أبا عبد الله قيل له: إن مجاهدًا قال: ما رأيتُ ابن عمر رفعَ يديه إلا في افتتاح الصَّلاة، قال: هذا خطأٌ نافعٌ وسالمٌ أعلمُ بحديث ابنِ عمر، وإن كان مجاهدٌ أقدمَ، فنافعٌ أعلمُ منه
(1)
.
قال بعضُ أصحابنا: وهذا من أحمد يدلُّ على أصلينِ؛ أحدهما: أن روايةَ الأعلم مقدَّمةٌ على رواية غيره. والثاني: أن رواية مَنْ يختصُّ بالصُّحبة أولى من غيره.
فائدة
اختلف قولُ أحمد في رفع اليدينِ فيما عدا المواضع الثلاثة؛ فأكثرُ الروايات عنه أنه لم يَرَ الرفعَ عند الانحدار إلى السجود، ولا بينَ السجدتين، ولا عند القيامِ من الرَّكعتين، ولا فيما عدا المواضع الثلاثةِ في حديث ابن عمر
(2)
.
ونقل عنه ابنُ أصرم، وقد سئل عن رفع اليدين فقال: في كلِّ خفضٍ ورفعٍ.
قال ابن أصرم: ورأيتُ أبا عبد الله يرفعُ يديهِ في الصَّلاة في كل خَفْض ورَفعْ.
ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سُئِلَ عن رفع اليدينِ فقال: يرفع يديه في كلِّ موضعٍ إلَاّ بينَ السَّجدتينِ.
(1)
انظر "مسائل ابن هانئ": (1/ 49 - 50).
(2)
الذي أخرجه البخاري رقم (735)، ومسلم رقم (390).
ونقل عنه المزُوْدْيُّ: لا يعجبُني أد يرفعَ يديه بين السّجدتين
(1)
، فإن فعلَ فهو جائزٌ.
عَمْرو بن مرة
(2)
، عن أبي البَخْتَرِي، عن عبد الرحمن اليَحْصُبي، عن وائل بن حُجْر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير
(3)
.
وقد حكى أحمدُ لفظَ هذا الحديث في موضع آخَرَ أنه كان يرفعُ يديه كلما كبر
(4)
.
قال أبو حفص: وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصَّلاة في كل خَفْض ورفع.
أحمد
(5)
، عن ابن فُضَيْل، عن عاصم بن كُلَيْب، عن محارب بن دِثَار، عن ابن عُمَرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهض من الركعتين رفع يديه.
(1)
من قوله: "ونقل عنه
…
" إلى هنا ساقط من (ع).
(2)
قال الإمام أحمد: (31/ 141 رقم 18848): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عَمْرو بن مرة
…
بالإسناد نفسه.
(3)
في سنده اليحْصُبي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان، وأصل حديث وائل بن حجر صحيح أخرجه مسلم رقم (401).
(4)
أخرجه أحمد: (31/ 153 رقم 18861)، ولفظه: "
…
وكان يرفع يديه كلما كبَّر ورَفَعَ وَوَضَع بين السجدتين
…
" من حديث وائل رضي الله عنه وسنده ضعيف، لانقطاعه، فعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، ولضعف أشعث بن سَوَّار الراوي عن عبد الجبار.
لكن أخرجه أبو داود رقم (723)، وابن حبان "الإحسان ":(5/ 173، بسندٍ صحيح، وانظر "التمهيد": (9/ 227)، في تصحيح حديث ابن عمر في ترك الرفع بين السجدتين على حديث وائل هذا.
(5)
في "المسند": (10/ 405 رقم 6328) وغيره، وسنده جيد.
قال أحمد: لا بأس بحديثه، يعني عاصم بن كليب.
رِفْدَةُ بن قُضَاعة، عن الأَوْزَاعي، عن عبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر اللَّيثي، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة
(1)
. قال أحمد ويحيى بن معين: ليس بصحيح ولا يعرف عُبَيْد بن عُمَيْر يُحدِّث عن أبيه شيئًا ولا عن جده. وقال أحمد: لا أعرف رِفْدَةَ
(2)
.
وجهُ (ق/ 141 أ) الثالثة: حديث ابن عمر: "ولا يرفعُ بين السَّجدتين" بعد ذكر المواضع الثلاثة.
* واختلف قولُه في حدِّ الرفع، فعنه: أنه اختار إلى منكبيه، وعنه: إلى فروع أذنيه.
وجهُ الأولى: حديث ابن عمر. وَجْه الثانية: حديث مالك بن الحُوَيْرث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يَدَيْه إلى فروع أذنيه
(3)
.
وكيع، عن فِطْر، عن عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه قال: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين افتتح الصَّلاة حتى جاوزت إبهاماه شحمةَ أذنيه
(4)
.
(1)
أخرجه ابن ماجه رقم (861). وانظر "المجروحين": (1/ 304).
(2)
نقل هذا النص مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال": (4/ 395) عن رواية مهنَّأ عن أحمد ويحيى.
(3)
أخرجه مسلم رقم (391).
(4)
أخرجه أحمد: (31/ 142 رقم 18849) وغيره بالإسناد نفسه، لكن عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه.
لكن لفظ الحديث: "حتى حاذت إبهامه
…
" وليس فيه "جاوزت".
وكيع، في أبيه، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البَرَاء بن عازِب، قال: كأني أنظر إلى إبهامَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاذتا شحمةَ أُذُنَيْهِ في الصَّلاة
(1)
.
قال أبو حفص: الأمر عند أبي عبد الله واسعٌ إلى أيِّ موضع رَفَع، ما لم يُجاوزِ الأذنينِ ولم يُقَصِّر عن المَنْكِبَيْنِ.
الحسن بن محمد الأنماطي
(2)
: رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسَهُ من الركوع لا يرفعُ يديه حتى يستتِمَّ قائمًا.
والحُجَّة فيه: حديث أبي حُمَيْد فيقول: سمع الله لمن حَمِدَه، ثم يرفعُ يديه
(3)
.
أبو داود
(4)
: قلت لأحمد: افتتح الصَّلاةَ ولم يرفعْ يديه أيعيدُ؟. قال: لا.
حُجَّته (ظ/172 ب): أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعَلِّمْهُ الأعرابي
(5)
، ولا
(6)
نعلمُ أحدًا قالَ بالإعادَةِ إلاّ محمد بن سيرين، فإن أحمد ذكر عنه أنه
(1)
أخرجه أحمد: (30/ 615 قم 18674)، وأبو داود رقم (749) بنحوه. وفي سنده يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.
(2)
وقع في النسخ: "الحسين"، والتصويب من مصادر الترجمة، انظر "طبقات الحنابلة":(1/ 371).
(3)
أخرجه أبو داود رقم (730)، والترمذي رقم (304)، والنسائي:(3/ 2) وغيرهم وأصله في البخاري رقم (828).
(4)
"مسائل أبي داود": (ص/ 46).
(5)
أخرجه البخاري رقم (793)، ومسلم رقم (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المسيء صلاته.
(6)
(ق): "ولم".