الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد وُجدتْ منه هذه الأفعال، فجرى مجرى المكْرَه في إلغاء أقواله، ومجرىَ المأذون له في صحَّة أفعاله، والله أعلم.
قاعدة
الحائض إذا انقطع دمُها فهي كالجُنُب
فيما يجبُ عليها ويحرُمُ، فيصِحُّ صومُها وغسْلها، وتجبُ عليها الصَّلاةُ، ولها أن تتوضأَ وتجلسَ في المسجد، ويجوزُ طَلاقها على أحد القولين، إلا في مسألة واحدة فإنها تخالفُ الجُنُبَ فيها وهي: جواز وطئها، فإنه يتوقَّفُ على الاغتسال، والفرق بينها وبين الجنب في ذلك: أن حَدَث الحَيْض أوجب تحريمَ الوطء، وحدثه لا يزول إلا بالغُسْل، بخلاف حدث الجَنَابة فإنه لا يوجِب تحريم الوطء، ولا يمكنُ ذلك فيه أَلْبتة.
واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي: نقضُ الشعر للغسْل، فإنه يجبُ على الحائِض في أحد القولين دون الجُنب، ولا حاجةَ إلى هذا الاستثناء، فتأملْه.
قاعدة
في المسائل التي يتعلَّق بها الاحتياطُ الواجب وترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، ومدارها على ثلاثة قواعد:(قاعدة): في اختلاطِ المباح بالمحظور حسّا: (وقاعدة): في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلَّف. (وقاعدة): في الشَّكِّ في العين الواحدة، هل هي قسمٌ من المباح أو من قِسْم المحظور؛ فهذه القواعد الثلاث هي معاقِدُ هذا الباب.
فأما القاعدة الأولى: وهي اختلاط المباح بالمحظور حِسًّا؛ فهي قسمان:
أحدُهما: أن يكون المحظور محرَّمًا لعينه، كالدَّم والبول والخمر والميتة.
والثاني: أن يكون محرَّمًا لكسبه
(1)
لا أنه حرامٌ في عينه، كالدِّرْهَم: المغضوب مثلًا، فهذا: القسم الثاني لا يوجبُ اجتنابَ الحلال ولا يُحرِّمه ألبتَّةَ، بل إذا خالط مالَه درهَمٌ حرامَ أو أكثر منه أخرجَ مقدارَ الحرام وحلَّ له الباقي بلا كراهة، سواء كان المخرَجُ عينَ الحرام أو نظيرَة؛ لأن التحريمَ لم يتعلقْ بذات الدرهم وجوهره، وإنما تعلَّقَ بجهة الكسب فيه، فإذا خرج
(2)
نظيرُه
(3)
من كلِّ وجه لم يبقَ لتحريم ما عَدَاه معنى، هذا هو الصحيحُ في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخَلْق إلا به.
وأما القسمُ الأول وهو: الحرام لعينهِ كالدَّمِ والخمر ونحوهما، فهذا إذا خالط حلالًا وظهر أثرهُ فيه حَرُمَ تناول الحَلال، ولا نقول: إنه صَيرَ الحَلالَ حرامًا، فإن الحلالَ لا ينقلبُ حرامًا ألبتة ما دام وصفه باقيًا، وإنما حَرم تناولُه لأنه تعذر الوصولُ إليه إلا بتناول الحرام فلم يَجز تناولُه، وهذه العلة بعينها منصوصةٌ للإمام أحمد، وقد سئل: بأي شيءِ يحرم الماءُ إذا ظهرتْ فيه النجاسة؛ فأجاب بهذا، وقال: حرَّم الله تعالى الميْتةَ والدَّمَ (ظ / 212 ب) ولحمَ الخِنزير، فإذا خالطتْ هذه الماءَ فمتناولُهُ كأنْ قَد تناوَل هذه الأشياء، هذا معنى كلامه، هذا (ق / 304 أ) إذا ظهر أثر المخالِط.
فلو استُهلِكَ ولم يظهرْ أثرُه، فهنا معتركُ النِّزال وتلاطم أمواج
(1)
(ق): "لسبيه".
(2)
(ق): "أُخْرج".
(3)
من قوله: "لأن التحريم:
…
" إلى هنا ساقط من (ظ).
الأقوال، وهي مسألةُ الماء والمانع إذا خالطته النجاسةُ فاستُهلكت ولم يظهر لها فيه أثر ألبتة، والمذاهب فيها لا تزيدُ على اثني عشر مذهبًا
(1)
نذكرُها في غير هذا الموضع إن شاء الله.
أصحُها: مذهبُ الطهارة مطلقًا، مائعًا كان ما خالطه أو جامدًا، ماء أو غيره، قليلًا كان أو كثيرًا، لبراهينَ كثيرةِ قطعيّة أو تكاد، تُذْكر هناك إن شاء الله
(2)
.
وعلى هذا فإذا وقعتْ قطرةٌ من لبن في ماء فاستُهْلِكَتْ وشَرِبه الرَّضِيعُ لم تنتشرِ الحرمة، ولو كانت قطرةَ خمر فاستُهلكت في الماء ألبتةَ لم يُحَدَّ بشربه، ولو كانت قطرةَ بول لم يُعَزِّر بشرُبِه، وهذا لأن الحقيقة لما اسْتهْلكت امتنع ثُبوت الاسم الخاص بها، فبقِيَ الاسمُ والحقيقةُ للغالب فيتعيَّنُ ثبوت أحكامِه؛ لأن الأحكام تتبعُ الحقائقَ والأسماء، وهذا أحدُ البراهين في المسألة.
فصل
(3)
وأما القاعدة الثانية: وهي اشتباه المُباح بالمحظور.
فهذا إن كان له بدل لا اشتباهَ فيه انتقَلَ إليه وترَكَه، وإن لم يكن له بَدَل ودعَتِ الضَّرُورة إليه، اجتهَد في المباح واتَّقى الله ما استطاع. فإذا اشتبه الماءُ الطاهر بالنجِس انتقلَ إلى بَدَلِهِ وهو التيمم، ولو اشتبها عليه في الشُّرب اجتهد في أحدهما وشَرِبَهُ.
(1)
(ع): "درهما"!!
(2)
انظر: "إعلام الموقعين": (2/ 11 - 14)، و"تهذيب السنن - مع المختصر":(1/ 56 - 74)، وليس فيها الأقوال المشار إليها هنا.
(3)
(ق): "مسألة"، وانظر مما سيأتي:(4/ 1340 - 1341).
وكذلك لو اشتبهت مَيتَة بمذكَّاةٍ انتقل إلى غيرهما، ولم يتحرَّ فيهما، فإن تَعَذَّرَ عليه الانتقال ودعتْهُ الحاجةُ اجتهدَ.
ولو اشتبهت أخته بأجنبية انتقلَ إلى نساءٍ لم يشتبهْ فيهنَّ، فإن كان بلدًا كبيرًا تحرَّى ونكحَ.
ولو اشتبه ثوبٌ طاهر بنجس انتقل إلى غيرهما، فإن لم يجدْ فقيل: يصلِّي في كل ثوب صلاةً ليؤديَ الفرض في ثوب مُتَيَقنِ الطَّهارة، وقيل: بل يجتهدُ في أحد الْثوبين ويصلِّي، وهو اختيار شيخنا أبي العباس
(1)
-قدَّس الله روحه-، قال: لأن اجتنابَ النجاسة من باب التروك، ولهذا لا تشترطُ له النيَّةُ
(2)
.
ولو صلَّى في ثوب لا يعلم نجاسَتهُ ثم عَلِمَها بعد الصَّلاة لم يُعِدْ الصلاة، فإن اجتهد فقد صلَّي ثوب يغلبُ على ظنه طهارته، وهذا هو الواجب عليه لا غير.
قلت: وهذا كما لو اشترى ثوبًا لا يعلم حالَه، جاز له أن يصَلِّيَ فيه اعتمادًا على غَلَبَةِ ظَنِّه، وإن كان نَجِسًا في نفس الأمر، فكذلك إذا أدّاه اجتهادُه إلى طهارةْ أحد الثوبين، وغلبَ على ظنه، جاز أن يُصَليَ فيه، وإن كان نَجسًا في نفس الأمر، فالمؤثِّر في بطلان الصلاة العلمُ بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة، بدليل ما لو جَهِلَها في الصلاة ثم علمها بعد الصَّلاة لم يعد الصلاة
(3)
، (ق / 304 ب) فهذا القول ظاهرٌ جدًّا، وهو قياسُ المذهب.
(1)
انظر: "الاختيارات الفقهية"(ص/ 5).
(2)
انظر: "مجموع الفتاوى": (18/ 258).
(3)
"لم يعد الصلاة" ليست في (ظ وع).
وقيل: يُرَاعَى في ذلك جانب المشَقَّةِ، فإذا كثرَتِ الثيابُ اجتهدَ في أحدِها، وإن قَلَّتْ صلى بعدد الثِّياب النَّجِسة وزاد صلاة، وهو اختيار ابن عَقِيل.
* ومن هذا الباب: ما لو استيقظَ فرأى في ثوبه بَلَلًا واشتبه عليه: أمَنِيّ هو أم مَذْىٌ؟ ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة، إلا أن أصحابَ الإمام أحمد قالوا: إن سبق منه سببٌ يمكن إحالة كونه مَذْيًا عليه، مثل القُبْلَة والملاعبة والفِكْر مع الانتشار فهو مَذي، إذ الظاهر أن الذَّكَر بعد ذلك إنما انكسر به فهو المُتيَقَّنُ، وما زاد عليه فمشكوك فيه، فلا يجبُ عليه الغسْل بالشَك، وإن لم يتقدَّم منه شيء من ذلك فهو مَنِيٌّ في الحكم، إذ هو الغالب على النائم، ولم يتقدَّم سببٌ يعارضُهُ، والنوم في مظنَّة الاحتلام، وقد قام شاهدُ المظنَّةِ ظاهرًا فوجبَ القضاءُ
(1)
بموجب شهادته، وقوة هذا المسلك مما لا يخفى على مُنْصف.
* ومن هذا الباب: إذا اشتبهتْ عليه جهةُ القِبْلَة؛ ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: يجتهد ويصلِّي صلاة واحدة، هذا أصحُّ الأقوال، وهو المشهور في المذاهب الأربعة
(2)
.
والثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدِّيَ مُتَيقنًا، كما قالوا في الثياب النجِسَة، وكما قالوا فيمن فاتته صلاةٌ من يوم لا يعلمُ عينها: صلَّى خمسَ صلوات.
(1)
في (ظ): "القياس".
(2)
"في المذاهب الأربعة" في (ظ) بعد قوله: "أصح الأقوال".
والقول الثالث: أنه قد سقطَ عنه فرض الاستقبال في هذه الحال، فيصلي حيث شاءَ، وهذا مذهبُ أبي محمد بن حزم
(1)
، واحتجَّ بأن الله تعالى إنما فرضَ الاستقبال على العالِم بجهةِ الكعبة القادر على التَّوجه إليها، فأما العاجز عنها فلم يفرضِ الله عليه التَّوجُّهَ إليها قط، فلا يجوزُ أن يلْزَمَ بما لم يُلْزِمْا الله ورسولُه به، وإذا لم يكنْ التَّوَجه واجبًا عليه لأن وجوبَه مشروط بالقُدْرة، صلَّى إلى أيِّ جهة شاءَ، (ظ / 213 أ) كالمسافر المتطَوِّع، والزَّمِن الذي لا يمكنه التَّوَجُّه إلى جهة القِبلة.
قلت: وهذا القول أرجحُ وأصحّ من القول بوجوب أربع صلوات عليه، فإنه إيجابُ ما لم يوجبْهُ اللهُ ورسوله، ولا نظيرَ له في إيجابات
(2)
الشارع ألبتة، ولم يُعْرف في الشريعة موضعٌ واحد أوجب اللهُ على العبد فيه أن (ق / 305 أ) يوقعَ الصلاة ثم يُعيدها مرة أخرى، إلا لتفريط في فعلها أولًا كتارك الطُّمَأْنينة، والمصلِّي بلا وضوء، ونحوه، وأما أن يأمرَهُ بصلاة فيصليها بأمره، ثم يأمرُهُ بإعادتها بعينها؛ فهذا لم يقعْ قطُّ، وأصول الشريعة تردُّه، وقياسُ هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم = قياس لمختلَفِ فيه على مثلِهِ، وهل الكلام إلا في تَينَكِ المسألتين أيضًا؟! فلو أن حكمهما ثَبَتَ بكتاب أو سنَّة أو إجماع لكان في القياس عليهما ما فيه، بل لم يكنْ صحيحًا؛ لأن جهة الفرق إما مساويةٌ لجهة الجمع أو أظهر، وعلى التَّقديرين فالقياس مُنْتَفٍ.
يبقى النظرُ في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة
(1)
"المحلى": (3/ 228).
(2)
(ع): "إيجاب".
القلة على الآخر؛ فمن نصرَ التخيير احتجَّ بما في الترمذي و"سنن ابن ماجه" عن [عبد الله بن] عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم نَدرِ أين القبلَة، فصلَّى كلّ رجل على حِيَالِه، فلما أصبحْنا ذكرنا ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فنزل:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}
(1)
[البقرة: 115] قال الترمذي: "هذا حديث حسن، إلا أنه من حديث أشعث السَّمَّان، وفيه ضعف".
وروى الدَّارَقُطنيّ
(2)
من حديث عطاء، عن جابر، قال: كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مَسِير فأصابنا غيمٌ فتحيَّرنا فاختلفنا في القِبلة، فصلّى كل رجل منا على حِدَة، وجعل أحدنا يُخط بين يديه لنعلَمَ أمكِنتنا، فذكرنا ذلك للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فلم يأمرْنا بالإعادة وقال:"قَدْ أجْزأتكمْ صَلاتُكمْ"
(3)
، قال الدَّارقطني: رواه محمد بن سالم، عن عطاء. قال: ويروى أيضًا عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن عطاء، وكلاهما ضعيف. وقال العقيلي:"لا يروى من هذا الحديث من وجه يثبت"
(4)
.
واحتجوا أيضًا بما تقدَّم حكايته: أن اللهَ لم يأمرْ بالاستقبال إلا
(1)
أخرجه الترمذي رقم (2957)، وابن ماجه رقم (1030)، والدارقطني:(1/ 272) وغيرهم من حديث ابن ربيعة.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان
…
وأشعث يُضعف في الحديث" اهـ.
ونقل المزي في "التحفة": (4/ 228)، والعظيم أبادي في "التعليق المغني" عن الترمذي أنه قال: "ليس إسناده بذاك
…
" وهو مخالف لما نقله المؤلف هنا، ولما نقلناه عن "الجامع".
(2)
"السنن": (1/ 271).
(3)
وأخرجه الحاكم: (1/ 206).
(4)
"الضعفاء": (1/ 31).
من كان عالِمًاْ به قادرًا عليه، وأما العاجزُ الجاهلُ فساقطٌ عنه فرِض الاستقبال فلا يكلَّفُ به.
ومن نصر الاجتهادَ احتجَّ بأن اللهَ تعالى أوجبَ على العبد أن يتَّقيه ما استطاعَ، وهذا يقتضي وجوبَ الاجتهاد عليه في تقوى ربِّه تعالى، وتقْوَاه هي فعلُ ما أمر به وترك ما نهى عنه.
قالوا: وأيضًا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصَّلاة لم يَجُزْ له أن يستقبلَ أيَ جهةٍ شاء ابتداءً، بلْ ينظرُ إلى مطالع الكواكب ومساقِطِها وسُمُوت جهة القبلة، حتى إذا علم جهَتَها استقبلها، وهذا نوع اجتهاد، وأَدِلة الجهة متفاوتَةٌ في الخَفاء والظهور، فيجبُ على كلّ أحد فعلُ مقدوره من ذلك، فإن لم يُصبْها قطعًا أصابها ظنًا، وهو الذي يقدر عليه، فمتى تركَ مقدوره لم يكنْ قد اتَّقى الله بحسب استطاعَتِهِ.
وقولكم: إن الله إنما أوجَب الاستقبالَ على القادر عليه، العالمِ به، قلنا: الله سبحانه (ق / 305 ب) أوجبَ على كل عبد ما تؤدِّيه إليه استطاعته من طاعته، فإذا عَجَز عن هذا اليقين
(1)
وأدلة الجهة سقط عنه، ولكن من أين يسقطُ عنه يَذل وُسعه ومقدورِه اللَاّئق به؟!.
فصل
(2)
ومنْ هذا الباب: لو طلَّق إحدى امرأتيه بعينها، ثم اشتبهت عليه بالأخرى، فقيل: يَجب عليه اعتزالهما ويوقِف الأمرَ حتى يَتبَيَّنَ الحالَ: وعليه نفقتهما، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى
(1)
(ع): "هذا عن اليقين".
(2)
(ق وظ): "فائدة".
الروايتين، وهي اختيارُ صاحب "المغني"
(1)
.
وقيل: يُقْرِع بينهما، كما لو أَبْهَمَ الطلاق في واحدة لا بعينها، وهذا هو المشهورُ في المذهب، وهو اختيارُ عامَّة أصحاب أحمد، ونصَّ عليه الخِرقيُّ في "المختصر"
(2)
فقال: "ولو طلقَ واحدة من نسائه وأُنسِيَها أخرجَت بالقُرْعَةِ".
قال المانعون من القُرعة: في هذه الصّورة اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلا تحِل له إحداهما بالقُرْعة، كما لو اشتبهت أختُه بأجنبية، لم يكن له أن يعقدَ على إحداهما بالقُرعة.
قالوا: ولأن القرعةَ لا تُزيل التحريم من المطَلَّقة، ولا ترفعُ الطلاق عمن وقَع عليه، ولا تُزيل احتمالَ كون المطلَّقة غير مَنْ وقعت عليها (ظ / 213 ب) القرعة، بدليل أن التحريمَ لو ارتفع بالقُرعة لما عاد إذا ذَكَرها، فلما عاد التَّحريمُ بالذكر دل على أن القُرْعة لم ترفَعْ تحريم المطَلَّقة.
قالوا: وأيضًا القُرعة لا يؤمنُ وقوعها على غير المطلقة، وعدولُها عن المطلقة، وذلك يتضمنُ مفسدتين
(3)
: تحريم المحللة له بلا سَبَب، وتحليل المحرَّمة عليه، مع جواز كونها المطلقَة.
قالوا: وأيضًا فلو حلف لا يأكل تَمْرَة بعينها، ثم وقعت في تَمْر، فإنها لا تخرجُ بالقرعة. ولو حَلَفَ لا يكلمُ إنسانًا بعينه، ثم اختلطَ في آخرين لم يَخْرج بالقرعة، إلى أمثال ذلك من الصُّور، فهكذا هذا.
(1)
(10/ 522).
(2)
مع "المغني": (10/ 522).
(3)
(ع): "مقدمتين".
قالوا: وأيضًا فلا نعلمُ سَلَفًا باستعمال القُرْعة في مثل هذه الصورة.
قالوا: وأيضًا لو حَلَف لا يأكلُ تمرة فوقعت في تَمْر فأكل منه واحدة، فقد قال الخِرَقِيّ: لا تحِل له امرأته حتى يعلَم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرَّمَها مع أن الأصلَ بقاءُ النكاح، ولم يعارضه يقينُ التحريم، فهاهنا أولى
(1)
.
قالوا: وأيضًا فقد قال الخِرَقِى فيمن طلَّقَ امرأتَهُ ولم يَدْر أواحدة طَلَّقَ أو ثلاثًا: اعتزلَها وعليه نفقتها ما دامتْ في العِدَّة، فإن راجَعها في العِدَّة لم يَطَأْها حتى يَتَيَقنَ
(2)
كم الطّلاق، فلم يُبِح له وِطْأَها لاحتمال كون الطلاق ثلاثًا، والأصلُ عدمُه، واحتمال كون غير من خرجت عليها القرعة هي المطلقةَ كاحتمال كون هذه مطلقة ثلاثًا، بل هو هناك أقوي، فإن في صورة الشَّكِّ فْي عدد الطلاق لم يتيقنْ تحريصًا (ق/306 أ) يرفع النكاحَ، والأصلُ بقاء الحِلِّ، وفي المنْسِيَّة قد
(3)
تَيَقنَّا ارتفاع النكاح جملة عن إحداهما وأنها أجنبيةٌ، وحصل الشَّكُّ في تعيينها.
قالوا: ولا يصحُّ قياسُ هذه الصورة على ما إذا طلق واحدة مبهَمَةً، فقال: واحدة منكن طالِق، فإن
(4)
له أن يعَيِّنَها بالقرعة؛ لأن الطلاقَ هاهنا لم يثبتْ لواحدة بعينها، فإذا عَيَّنَتْها القرعة تعيَّنت لأن الشارع جعل القرعةَ صالحة للتعيين منشئة له، وفي مسألتنا المطلقة معيَّنة في نفسها لا محالة، والقرعة ترفعُ الطلاقَ عنها، ولا توقِعُهُ على غيرها كما تقدم.
(1)
"المعنى". (10/ 523).
(2)
(ق): "يتبين".
(3)
من قوله: "أقوى فإن
…
" إلى هنا ساقط من (ظ).
(4)
(ظ): "جاز".
وسرُّ المسألة: أن القرعةَ إنما تعملُ في إنشاء التَّعيين الذي لم يكنْ، لا في إظهار تعيين كائن
(1)
قد نُسي، فهذا ما احتج به من نصر هذا القول.
وأما من نصرَ القولَ بالقُرعة، فقالوا: الشارع جعل القرعةَ معيِّنة في كلِّ موضع تتساوى فيه الحقوق ولا يمكنُ التَّعيينُ إلا بها، إذ لولاها لزمَ أحدُ باطلين: إما الترجيحُ بمجرد الاختيار والشَّهوة، وهو باطلٌ في تصرَّفات الشارع، وإما التَّعطيلُ ووقف الأعيان، وفي ذلك من تعطُلِ الحقوق وتضرُّرِ المكلفين ما لا تأتي به الشريعةُ الكاملة، بل ولا السيَاسةُ العادلة، فإن الضَّرَر الذي في تعطيل الحقوق أعظمُ من الضَّرَر المقدَّر في القُرعة بكثير، ومحال أن تجيءَ الشريعةُ بالتزام أعظم الضَّرَرَيْنِ لدفع أدناهما.
وإذا عرِفَ هذا؛ فالحقُّ إذا كان لواحدٍ غير معين فإن القُرْعة تُعَيِّنُهُ، فيُسْعد اللهُ بها من يَشاء، ويكون تعيينُ القُرعة له هو غايةَ ما يقدرُ عليه المكلَّفُ، فالتعيينُ بها تعيينٌ لتعلُّق حكم الله لما عيَّنته، فهي دليل من أدلَّة الشرع واجبٌ العمل به، وإن كان في نفس الأمرِ بخلافه؛ كالبَيِّنة والإقرار والنكول فإنها أدلة منصوبة من الشَّارع لفَصْل النزاع، وإن كانت غيرَ مطابقة لمتعلِّقها في بعض الصور، فلهذا نصب الشارع القرْعة معيِّنةَ للمستحق قاطعةً للنزاع.
وإن تعلَّقت بغير صاحب الحقِّ في نفس الأمر، فإن جماعة المستحقِّين إذا استووا في سبب الاستحقاق لم تكن القُرعةُ ناقلةً لحق أحدهم ولا مُبْطِلَةً له، بل لما لم يكنْ
(2)
تعميمُهم كلُّهم ولا حرمانُهم
(1)
(ف وظ): "كامن".
(2)
كذا في (ع وق) ومعناه متَّجِه، و (ظ):"لما يمكن".
كلُّهمِ، وليس أحدُهم: أولى بالتَّعيين من الآخرين، جُعِلَتِ القُرعَةُ فاصِلة بينهم مُعَيِّنَة لأحدهم، فكأن المقرع يقول: اللَّهُمَّ قد ضاق الحقُّ عن الجميع وهم عبيدُك، فخصَّ من تشاءُ منهم به، ثم تُلقى القرعةُ فيسعدُ اللهُ بها من يشاءُ ويحكمُ بها على من يشاءُ.
فهذا سرُّ القرعة في الشرع، وبهذا عُلِمَ بطلان قول من شبهها بالقِمار، الذي هو ظلم وجَوْرٌ، فكيف يُلْحَق غايةُ الممكن من العدل (ق / 306 ب) والمصلحة بالظلم والجور، هذا من أفسد القياسْ وأظهره بطلانًا، وهو كقياس البيع على (ظ / 214 أ) الرِّبا، فإن الشريعةَ فرقت بين القُرعة والقمار، كما فرَّقَتْ بين الرِّبا والبيع، فأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا
(1)
، وأحل الشارع القرعةَ وحرم القمار. وقد قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} [آل عمران: 44] وقال تعالى
(2)
إخبارًا عن ذي النون: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141)} [الصافات: 141] وقد احتجَّ الأئمة بشرع من قبلنا، جاء ذلك منصوصًا عنهم في مواضعَ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا أراد سفرًا أقْرعَ بين نسائه، فأيتُهُنَّ خرجَ سهمُها خرجَ بها معه"
(3)
.
وثبت عنه في "الصحيح"
(4)
أيضًا: "أن رجلًا أعتقَ ستَّةَ مملوكين لا مالَ له سِوَاهم، فجزَّأهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أجزاء، وضرب عليهم
(1)
من قوله: "فإن الشريعة
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
(2)
من قوله: "وما كنت لديهم
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
(3)
أخرجه البخاري رقم (2593)، ومسلم رقم (2770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
أخرجه مسلم رقم (1668) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
بسهمي رِقٍّ وسهم حريَّةٍ، فأعتقَ اثنينِ وأرَقَّ أربعة"، وكلّ ما ذكروه في الطلاق فهو منتقَضٌ عليهم بهذه الصورة، بل القرعةُ في الطَّلاق أولى؛ لأن القُرْعَةَ هاهنا إنما هى لجمع الحرية في بعضهم، وقد كان في الممكن أن يعتقَ من كل واحد سُدسهُ، ويَسْتَسْعي في بقية نفسه -كما يقول أبو حنيفة- أو يترَكُ رقيقًا، ومع هذا فأقرعَ بينهم لجمع الحرية في اثنين منهم، وعين بها عبدين من الستة مع تشوُّفه إلى العتق، وحكمه له بالسّرَاية
(1)
في ملكه وملك شريكه، فما الظَّنّ بالطَّلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله ورسوله؟!.
ولأنَّا لو لم نستعملِ القرعةَ في المنسيَّةِ لزِم أحد محذورين:
إمّا إيقاع الطلاق على الأربع إذ أنسيت بينهنَّ وهذا باطلٌ، لأنه يتضمَّن
(2)
تحريمَ من لم يطلقها ولا حرمها الله عليه.
وإمّا أن يعطَلَ انتفاعُه بهنَّ ويتركهُنَّ معلقاتٍ أبدًا إلى الممات، ومع هذا نوجب عليه نَفَقَتَهن وكسوتَهن وإسكانَهُنَّ، ونقول: لا يحلّ لك قربان واحدة منهنَّ، وعليك القيامُ بجميع حقوقهنَّ، فهذا لو جاءَ به الشارع لقوبل بالسمع والطاعة، ولكن حكمة شرعِهِ ورحمتِهِ تأباه، ولا شاهدَ من شرعه له يُرَدُّ إليه ويُعْتبر به.
وأما القول بالقُرْعة؛ فقد ذكرنا من أصول شرعه ما يَدلّ عليه، وأنه أولى الأقوال في المسألة، وقد روى البخاري في "صحيحه"
(3)
: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عَرَضَ على قوم اليمينَ فأسرعوا، فأمرَ أن يسْهَمَ بينهم
(1)
(ع): "حكمه به فى السراية".
(2)
(ع): "لم يتضمن" وهو خطأ.
(3)
رقم (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
في اليَمين أيُّهم يحلف".
وفي "السنن" و"المسند" عن أبي هريرة: "أن رجلينِ تَدَارءا في دابة ليس لواحد منهما بيِّنَة، فأمرهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَسْتَهِما على اليَمين أَحَبّا أو كَرِها"
(1)
.
وفي "المسند" و "السنن" أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كرِهَ الاثْنان اليَمِينَ أو استَحَباها فَليَسْتَهِمَا عَلَيْها"
(2)
.
وفي "السنن" عن أم سلمة: أن رَجُلَيْن اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دَرست (ق/307 أ) ليس بينهما بَيِّنَةٌ، فقال:"إنكمْ تَختَصِمونَ إلَيَّ، وَإِنمَا أنا بشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْض، وَإِنّمَا أقضي بينكمْ عَلَى نحو مَا أسْمعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حق أَخِيهِ شيئًا فَلا يَأخذْهُ، فَإنما أَقْطَعُ لَه قِطْعَة مِنَ النَّارِ يَأتِي بِهَا أسْطَامًا فِي عُنقهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمَّا إذا قُلْتما فَاذْهَبا فَاقْتسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الحَق، ثمَّ اسْتَهِما عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيتحَلَّلْ كلّ واحدٍ مِنكمَا صَاحِبه"
(3)
.
وأقرع سعد يوم القادسيَّة بين المؤذِّنِينَ
(4)
.
فهذه قرعة في الحَضَانَةِ، وفي تخفيف السَّفينة، وفي السَّفَر بالزوجة،
(1)
أخرجه أبو داود رقم (3616)، وابن ماجه رقم (2329)، وأحمد: 16/ 228 رقم 10347)، وسنده صحيح.
(2)
أخرجه أحمد: (13/ 525 رقم 8209)، وأبو داود رقم (3617) من طريق أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ لأبي داود، وسنده صحيح.
(3)
أخرجه البخاري رقم (2458)، ومسلم رقم (1713).
(4)
أخرجه البيهقي: (1/ 438)، وسعيد بن منصور -كما في "التغليق":(2/ 265)، وعلقه البخاري بصيغة التمريض، وهو منقطع. انظر:"الفتح": (2/ 114).
والبَدَاءة بها في القَسم، وفي الحَلْف على الحَق، وفي تعيين الحق المُتنازع فيه، وفي الأذانِ، وفي العِتْق وجمع الحرية، وتكميلها في رقيةٍ كامَلة.
وصحَّ عن علي أنه سُئِلَ عن رجل له أربع نسوة طَلقَ إحداهنَّ ونكح ثم مات، لا يدري الشهود أيَّتَهُنَّ طَلَّقَ، فقال: أقرع بين الأربع وأنذر منهن واحدة، وأقسم بينهنَّ الميراث
(1)
.
فهذه قرعةٌ، إما في الطلاق وإما في الاستحقاق للمال، وأيًّا ما كان فالموانع التي ذكرتموها في الطلاق بعينها قائمةٌ في استحقاق المال سواء بسواء، فأيُّ فرقٍ بين تحريم مال أحلَّه الله تعالى وبين تحريم فرج أحلَّه اللهُ، فإن كانت القرعةُ تتضمَّن أحدَ الفسادين فهي متضمنَةٌ للآخر قطعًا، وإن لم تتضمنِ الآخرَ لم تتضمَّنْ ذلك.
وقولُكُم: المالُ أسهل، لا ينفعكم في دفع هذا الإلزام، والله أعلم.
قالوا: ونحن نجيبُ عن كلماتكم؛ أما قولكم: اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فَلَمْ يحل المشتبِهَة بالقرعة، كما لو اشتبهت قبلَ (ظ/ 214 ب) العقد أختُه بأجنبية.
فجوابه: أن الأصل قبل العقدِ التَّحريم، وقد شككنا في دفعه والأصل بقاؤه، فمعنا ثَمَّ أصل مستصْحَبٌّ لا يجوزُ تركُه إلا بسبب يزيلُه، ولا كذلك في مسألتنا إذ قد ثبتَ الحِل قطعًا، فنحن إذا أخرجنا المطلقة بالقرعة، بقيت الأخرى على الحِلِّ المستصحبِ قبل الطلاق، وقد شككنا في إصابة الطلاق لها، فنتمسكُ بالأصل حتى
(1)
ذكره ابن قدامة في "المغني": (10/ 523) عن علي، وأخرج البيهقي:(7/ 364) نحوه عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
يثبت ما يُزيلُهُ، وهذا واضح.
وقد اتفق على هذا الأصل -أعني استصحاب ما ثَبتَ- حتي يْثبتَ رفْعُهُ.
وأما قولكُم: القرعة لا تُزيل التَّحريم من المطلَّقَةِ؛ ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه، ولا تزيل احتمال كون المطلَّقة غير من وقعتْ عليها القرعة.
فجوابه: أنه منقوضٌ بالعِتْق، وما كان جوابكم عن العِتق فهو جوابُنا بعينه، ومنقوضٌ بالقُرْعة في المُلك المُطلق، فحق المالك في ملك المال كحقِّه في مُلك البُضْع، والعِتق بالقُرعة يتضمَّن إرقاقَ رقبة من ثَبتَ له الحُرِّيَّةُ، وسقوط الحجِّ والجهاد عنه، وثبوت أحكام العبيد له على تقدير (ق / 307 ب) كونه هو المعتَقَ في نفس الأمر، وإن كانت أَمَة تضمَّن إباحةَ فرجها لغير مالكها، ومع هذا فالقرعةُ معيِّنة للمعتق، فتعيِينها للمُطَلَّقةِ كذلَك أو أولى.
وجواب آخرُ: وهو أن القُرْعة لم تزلْ تحريمًا ثابتًا في المُطَلَّقة، وإنما عيَّنتْ حكمًا لم يكن لنا سبيل إلى تعيينه إلا بالقُرْعة، واحتمالُ أن كون غيرِ التي خَرَجَتْ لها القُرْعَةُ هي المطَلَّقَةَ في نفسِ الأمر، مما لم يُكَلفْنا به الشارع لتعذر الوصول إلى علمه فنزِّل منزلةَ المعدوم.
وهذا كما أن احتمالَ كون غيرِ الأمَةِ التي خرجت لها القُرْعَةُ هي الحُرَّةَ في نفس الأمر ساقط عنا لِتَعَذر علمنا به فنزَلَ منزلةَ المعدوم
(1)
.
وكذلك كوِن مالك المال الضائع موجودًا: في نفس الأمر لا يمنعُ
(1)
هذه الفقرة سقطت من (ق).
من نقله عنه إلى الملتقِط بعد حَوْلِ التعريف لتعذُّر معرفته، فنُزَلَ منزَلةَ المعدوم.
وكذلك حَكَمَ الصحابةُ -عمرُ وغيرُهُ- في المفقود: تَتَزوج امرأته، وإن كان باقيًا حيًا على وجه الأرض، وقد أُبيحَ فرجُ زوجته لغيره من غير طَلاق منه ولا وفاة لِتَعَذُرِ معرفته، فنزلَ منزلةَ المعدوم.
قولكم: لو ارتَفَعَ التحريمُ بالقُرعة لما عاد إذا ذَكَرَها.
قلنا: ارتفاعُ التحريمِ مشروط باستمرارِ النسيان، فإذا زال النِّسيان زال شرط الارتفاع، فالقرعةُ إنما صرنا إليها للضرورة، ولا ضرُورة مع التَّذكُر.
قولكم: القرعَة لا يؤمَن وقوعها على غير المطَلَّقة، وعدولها عن المطلقة، وذلك يتضمَّن مفسدتين
…
إلى آخره.
قلنا: منقوض بالعتق وبالملك المطْلَق، وأيضًا: لما كان ذلك مجهولًا معجوزًا عن علمه نزل منزلةَ المعدوم، ولم يضر كونُ المستحقِّ في نفس الأمر غيرَ المستحِق بالقُرْعة كما قدمنا من النظائر، فلسنا مؤاخَذِين بما في نفس الأمر ما لم نَعْلَمْ به.
وهذه قاعدة -أيضًا- من قواعد الشَّرع وهي: أن المؤاخذةَ وتَرَتُّب الأحكام على المكلف إنما هي على علمه لا على ما في نفس الأمر إذا لم يعلمْه، وعليها جل الشريعة في الطَّهارات والنَّجاسات والمعاملات والمناكحات والأحكام والشَّهادات، فإن الشاهد إذا عرف أن لِزيدٍ قِبَل عمْرو حقًا، وجبَ عليه أن يشهدَ به، وإن كان قد بريءَ إليه منه، ويحكُم به الحاكم، فالشريعة غير مُنكرٍ فيها ذلك، وهل تتمُّ مصالح العباد إلا بذلك؟!.
قولكم: لو حَلَفَ لاْ يأكل تمرة ولا يكلم إنسانًا، ثم اختلط المحلوفُ عليه بغيره لم يخرجْ بالقُرعة.
فيقال: هذه المسألة ليست منصوصًا عليها، ولا يُعْلَم فيها إجماع البتة فإن كانت مثلَ مسألتنا سواءٌ، فالصوابُ التسَّوِيَة بينهما، وإن كان بينهما فرقٌ بطَلَ الإلحاقُ فبطَلَ الإلزام بها على التقديرين، نعم غايةُ ما يفيدُكم إلزام المفرِّق بينهما بالتناقض
(1)
، وأنه يجبُ عليه التسويَةُ بينهما في الحُكْم، وهذا ليس بدليل مثبت
(2)
لكم حَكمَ المسألة، إذ مُنازعُكم يقول: تنَاقضِي في الفرق بينَ المسألتين ليس بدليل على صحَّة ما ذهبتم (ق / 308 أ) إليه، فإن كان التفريق باطلًا جاز أن يكون الباطل في عدم القول بالقُرعة في مسألة الإلزام، ولا يتعين أن يكون الباطلُ القولَ بها في المسألة المتنازع فيها فهذا جواب إجماليٌّ كاف، فكيف والفرق بينهما في غاية الظُّهور؟! فإنه إذا حلفَ لا يأكلُ تمرةً بعينها، ثم وقعت في تمر (ظ/215 أ) فأكل منه واحدة، فإنه لا يحنث حتى يأكلَ الجميع، أو ما يُعْلَم بهْ أنه أكلها، وما لم يتيقن أكلُها لم يتيقن حِنْثهُ، فلا حاجة إلى القُرْعة، وكذلك مسألةُ كلامِ رجل بعينه.
فإن قيل: فهل يأمنونَه بالإقدام على الأكل مع الاختلاط؟.
قيل: الورع أن لا يقدمَ على الأكل، فإن أكل لم يحنَثْ حتى يتيقن أَكْلُهُ لها.
(1)
(ظ): "إلزام المفرق بينهما وإن كان بينهما فرق بطل التقديران بالتناقض" وهو تكرار عن السطر قبله!.
(2)
(ظ): "يثبت".
قولكم: لا سَلَفَ بالقُرْعَة في هذه الصُّورة.
فيقال: سبحان الله تعالى! وأيُّ سلف معكم؟ يوقفُ الرجلُ عن جميع زوجاته وجعلهن معلَّقات لا مزَوَّجات ولا مُطَلَّقات إلى الموت، مع وجوب نفقتهن وكسوتهن وسُكناهن عليه؟.
وينبغي أن يُعْلمَ: أد القول الذي لا سَلَفَ به الذي يجِبُ إنكاره: أن تكون المسألة قد وقعت في زمن السلف، فأفتَوْا فيها بقول أو أكثرَ من قول، فجاء بعضُ الخلف فأفتى فيها بقول لم يقلْه فيها أحدٌ منهم، فهذا هو المنكر.
فأما إذا لم تكنِ الحادثةُ قد وقعتْ بينهم وإنما وقعتْ بعدَهم، فإذا أفتى المتأخرون فيها بقول لا يُحْفَظُ عن السَّلف لم يُقلْ: إنه لا سَلَفَ لكم في المسألة، اللهم إلا أن يفتوا في نظيرها سواء بخلافِ ما أفتى به المتأخِّرونَ، فيقال حينئذٍ: إنه لا سَلَفَ لكم بهذه الفتوى، وليس هذا موضعَ بسط الكلام في هذا الموضع، فإنه يستدعي تحريرًا أكثرَ من هذا.
وأما قولكم: لو حَلَفَ لا يأكل تمرةً وقعتْ في تمر، فأكَلَ منه واحدةً، فإن الخِرَقِيَّ يحرم عليه امرأتَه حتى يعلمَ أنها ليست التي حلف عليها
(1)
، مع أن الأصلَ بقاءُ النكاح فهاهنا أولى.
قلنا: الخِرَقي لم يصرح بالتَّحريم، بل أفتى بأنه لا يقربُ زوجَتَهَ حتى يَتبَيَّنَ الحال، وهذا لا ينتهضُ للتحريمِ، ولفظ الخِرقي في "مختصره"
(2)
(1)
(ظ): "التي وقعت عليها اليمين".
(2)
مع "المغني": (10/ 523).
هكذا: "وإذا حَلَفَ بالطَّلاق أن لا يأكلَ تمرةً، فوقعت في تمر، فإن أكلَ منه واحدةً مُنِعَ من وطء زوجته، حتى يعلمَ أنها ليستِ التي وقعتْ عليها اليمينُ، ولا يتحَقَّقُ حِنْثَهُ حتى يأكُلَ التمرَ كُلَّه" هذا لفظه.
وآخر كلامه يدلُّ على أن منعه من وَطْئِها إنما هو على سبيل الوَرعَ، فإنه لا يحَرِّمُها عليه بحنث مشكوكٍ فيه، وهذا ظاهرٌ.
وأما مسألة من طلَّقَ ولم يدرِ أواحدة طَلَّقَ أم ثلاثًا فالاحتجاجُ بها في غاية الضعف. وكذلك الإلزامُ بها، فإنَّ الخِرَقِيَّ بناها على كونِ الرَّجعيَّةِ مُحَرَّمَة، ولهذا صرَّح في "المختصر"
(1)
بذلك في تعليل المسألة فقال: "وإذا طلَّقَ فلم يدرِ أواحدة طلق أم ثلاثا أعتزلَها، وعليه نفقتُها ما دامتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها في العِدَّةِ لم يطأْها حتى يَتَيَقَّن كم الطلاقُ؛ لأنه متيقِّنٌ للتحريم شاكٌّ في التَّحليل".
فالخِرَقيُّ يقول: هو قد تيَقَّنَ وقوعَ التحريم
(2)
وشكَّ، هل الرجعةُ رافعةٌ له أمْ لا؟ وعيره ينازعُه في إحدى المقدمتين، ويستفصلُ في الأخرى فيقول: لا نسلِّمُ أن الرجعية محرَّمَةٌ فلم يتيقن تحريمًا ألبتة، وعلى تقدير أن تكون محرَّمَة، فالتحريم المُتَيَقَّنُ أيّ تحريم يعنون به؛ تحريمًا تُزيله الرجعة أو تحريمًا لا تُزْيله؟ الأول: مُسَلَّم ولا يفيدُكم شيئًا، والثاني: ممنوعٌ، وعلى التقديرين فلا حُجَّة لكم في هذه المسألة ولا إلزامَ، فإنها ليست منصوصةً ولا متفقًا عليها، ولا تَلْزمُه أيضًا، فإنه بناها علي أصله من كون الرجعية محرَّمَةً، فقد تَيَقَّنَ تحريمَها، وشكَّ في رفع هذا التحريم بالرَّجعة، ولا كذلك فيمن
(1)
المصدر نفسه: (10/ 514).
(2)
(ظ): "الطلاق".
خرجت القرعةُ على سواها، فإنه لم يُتَيَقَّنْ تحريمُها، وإزالة التحريم بالقُرعة، فافترقا.
وأما قولكم: لا يصحُّ قياسُها على ما إذا طلَّقَ واحدةً مبهمةً حيث يُعَيِّنها بالقُرعة؛ لأن الطلاق لم يثبت لواحدةٍ بعينها، فيعينها بالقُرعة بخلاف المنسيَّة.
قلنا: لا ريْبَ أن بين المسألتين فرقًا، ولكن الشأن في تأثيره ومنعه من إلحاق إحداهما بالأخرى، فإن صحَّ تأثيرُ الفرق بَطَلَ هذا الدليل المعين، ولا يلزمُ من بطلانِ دليل معيَّن بطلانُ الحكم، إلا أن لا يكونَ له دليلٌ سواه، ونحن لم نحتجَّ بهذا الدليل أصلًا حتى يلزمُ بطلانُ ما ذكرناه، وإن بَطَلَ تأثير الفَرْق وجب إلحاقُ إحدى الصورتين بالأخرى.
ونحن نبيَن -بحمد الله- أن هذا الفرقَ مُلْغًى، فنقول: إذا قال لنسائه: "إحداكُنَّ طالق"، فإما أن يُنفذَ الطلاق على واحدة منهن عقِبَ إيقاعه، أو لا يَقَعُ إلا بتعيينه، والثاني: باطل؛ لأن التعيينَ ليس بسبب صالحٍ للتطليق، فلا يصحُّ إضافةُ الطلاق إليه، فتعيَّنَ أن الطلاقَ استندَ إلى إيقاعه أولًا، فقد وقع بواحدة منهن ولابُدَّ، والأقوال هنا ثلاثة:
أحدها: أنه يملكُ تعيينَ المُطَلَّقة فيمنْ شاء، وهذا قولُ الشافعي وأبي حنيفة.
والثاني: أنه تطلق عليه الجميعُ، وهذا قول مالك ومَنْ وافقه.
والثالث، أنه يخْرِجُ المُطَلَّقَةَ بالقُرْعة، وهذا مذهبُ أحمد، وهو قول عليٍّ وابن عباس ولا يعرفُ لهما مخالفٌ في الصحابة، وبه قال
الحسن البصري وأبو ثَوْر وغيرُهما، وهو الصحيحُ من الأقوال، فإن طلاقَ الأربع -مع كون اللَّفظ غيرَ صالح له والإرادةُ غيرَ متناوِلة له- مخالِفٌ للأصول، وإيقاعٌ للطلاق من غير سَبَبِهِ، وقد تقدّم الكلامُ على مأخذ هذا القول وما فيه فلا نعيدُه، وعلى هَذا القول فلا قرعةَ ولا تعيينَ، وإنما الكلامُ على قولي القرعة والتَّعيين، فنقول: القولُ بالقرعة أصحُّ، وإذا كان القولُ بها أصَحَّ في هذه المسألة، فالقولُ بها في مسألة المنسيَّة أولى، فهذانِ مقامانِ بهما يتمُّ الكلام في المسألة، فأما المقامُ الأول: فيدلُّ عليه أن القرعة قد ثبَتَ لها اعتبارٌ في الشرع -كما قدَّمناه- وهي أقربُ إلى العدل، وأطيبُ للقلوب، وأبعدُ عن تهمة الغَرَض والميلِ بالهوى، إذ لولاها لزمَ أحد الأمرين؛ إما الترجيحُ بالمَيْل والغَرَض، وإما التَّوَقُّفُ وتعطيلُ الانتفاع، وفي كلٍّ منهما من الضَّرَر ما لا خفاءَ به، فكانت القُرْعَةُ من محاسن هذه الشَّريعة وكمالها وعموم مصالحها.
وأما تعيينُ المُطَلَّقةِ بعد إبهامها، وانتظارُ ما يعيُّنه النَّصيب والقسمة التي لا تتطرَّقُ إليها تهمةٌ ولا ظِنَّةٌ، فليس ذلك إلى المكلَّف، بل إليه إنشاءُ الطلاق ابتداءً في واحدة منهنَّ، وأما يكونَ إليه تعيينُ من جعل طريقَ تعيينه خارجًا عن مقدوره، وموكولًا إلى ما يأتي به القَدَر ويُخْرِجُهُ النَّصِيبُ المقسوم المغيَّبُ عن العباد = فكَلَاّ.
وسرُّ المسألة: أن العبدَ له التَّعييِنُ ابتداءً، وأما تعيينُ ما أبهمه أولًا فلم يُجْعَلْ إليه ولا مَلَّكهُ الشارعُ إياه.
والفرقُ بينهما: أن التعيينَ
(1)
الابتدائيَّ تعلَّقُ به إرادتُه وباشرَه
(1)
من قوله: "ابتداء، وأما
…
" إلى هنا ساقط من (ظ).
بسبب الحُكْم، فتعيَّنَ بتعيينه وبمباشرته بالسبب، وأما التَّعيينُ بعد الإبهام فلم يُجْعَلْ إليه؛ لأنه لم يُبَاشِرْه بالسبب، والسبب كان قاصرًا عن تناوله معينًا، وإنما تناوله مُبْهمًا، والمكلَّفُ كان مخيَّرًا بين أن يوْقِعَ الحُكْمَ معيَّنًا فيتعين بتعيينه، أو يوقِعَهُ مبهمًا فيصيرَ تعيينُهُ إلى الشارع.
(1)
.
وسر ذلك: أن الحكم قد تعلَّق في المبهم بالمشترك، فلابُدَّ من حاكم مُنَزَّهٍ عن التُّهمة، يُعَيِّنُ ذلك المشتركَ في فردٍ من أفراده.
والمكلَّفُ ليس بمُنَزَّهِ عن التُّهمة، فكانت القُرعة هي المعَيِّنَةَ، وأما إذا عيَّنه ابتداءً فلم يتعلَّقَ الحكمُ بمشترك، بل تعلَّق بما اقتضاه تعيينُه وغرضُه، فأنفذه الشارعُ عليه.
فهذا مما يدلُّك على دِقَّة فقه الصحابة رضي الله عنهم وبُعد غَوْر مداركهم، ولهذا أفتى عليٌّ وابنُ عباس بالقرْعة ولم يجعلا التَّعْيينَ إليه، ولا يُحفظُ عن صحابيٍّ خلافَهما.
وإذا ثَبَتَ أن القُرْعَة في هذه الصُّورة راجحةٌ على تعيين المكلَّف، تبين بذلك تقريرُ المقام الثاني، وهو أن القولَ بها في مسألة المنسيَّة أولى؛ لأنها إذا عَمِلَتْ
(2)
في محلٍّ قد تعلق الحكمُ فيه بالمشترك، وهو إحدى الزوجات؛ إذ كلُّ واحدة منهنَّ يصدُق عليها أنها أحدها، وهذا هو مأخذُ من عمَّم الوقوع = فَلأَنْ تعملَ في محلٍّ تعلَّقَ الحكمُ فيه ببعض أفراده أولى، فإن الحُكْمَ في الأول كان صالحًا لجميع الأفراد لتَعَلُّقه بالقَدْر المشترك، ومع هذا فالقُرْعَةُ قطعتْ هذه الصلاحيَّهَ وخصَّتْها بفردٍ بعينه، والحكمُ في الثانية
(1)
من قوله: "والمكلف كان
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
(2)
(ع وظ): "علمت".
إنما تعلَّقَ بفردٍ بعينه، لكنه جهِلَ فاستفيدَ علمُهُ من القُرعة، ولما جُهِلَ صار كالمعدوم؛ إذ المجهولُ المطلَقُ في الشريعة كالمعدوم، وليس لنا طريِقٌ إلى اعتباره موجودًا إلا بالقُرْعة.
فإذا قطعتِ القُرْعَةُ الحقَّ المشتركَ من غير المُعَيِّن، فَلأَنَ تُعَيِّنَ مجهولًا لا سبيلَ إلى تعيينه إلا بها أولى وأحرى.
وإن شئتَ قلتَ: إخراجُ المجهول أيسر من تعيين المُبْهَمِ، وأوسعُ طريقًا، وأقلُّ مانعًا؛ لأن المبهم لم تثبتْ له حقيقةٌ معيَّنَةٌ بعد، ولا سيَّما: إذا كان مشتركًا بين أفراد تقتضيه اقتضاء واحدًا، فليس ثبوت التعيين لفرد أولى من ثبوته لغيره، والمجهولُ قد ثبتَتْ له حقيقةٌ أولًا ثم جُهِلَتْ، فيكفي في الدلالة عليها أيُّ دليل وُجِدَ، وأيُّ علامةٍ أمكنت، فإنها علامةٌ ودليلٌ على وجودها لا عِلَّةٌ لآنيتَها، وتعَيّن
(1)
المبهَم ليس دليلًا محضًا بل هو كالعِلَّةِ لآنيته وثُبوته، فإذا صلحت القرعةُ لتعيين المُبهم؛ فَلأَنْ تَصْلُحَ للدَّلالةِ على المجهول بطريق الأولى. ونحن لا ندَّعي -ولا عاقلٌ- أن القُرعة تجعلُ المخرج بها هو متعلَّق الحكم في نفس الأمر، يل نقولُ: إن القرعة تجعل المخرجَ بها متعلَّقَ الحكم ظاهرًا وشرعًا، وهو غايةُ ما يقدرُ عليه المكلَّف، ولم يكلِّف اللهُ علمَ الغيب ولا موافقةَ ما أن نفس الأمر، بل القرعةُ عندنا لا تزيد على البَيِّنةَ والنُّكول والأمارات الظاهرة التي هي طرقٌ لفصل النزاع.
فصل
(2)
وأما القاعدة الثالثة: وهي قاعدةُ الشَّكِّ: فينبغي أن يُعْلَمَ أنه ليس
(1)
كذا في (ق)، وبقية النسخ محتملة الرسم.
(2)
(ق): "فائدة".
في الشَّريعة شيءٌ مشكوكٌ فيه ألبتةَ، وإنما يعرض الشَّكُّ للمكلَّف لتعارُض أمَارتين فصاعدًا عنده، فتصيرُ المسألة مشكوكًا فيها بالنسبة إليه، ففي شَكِّيةٌ عنده، وربما تكون ظَنِّيَّةً لغيره أو له في وقت آخر، وتكون قطعيةً عند آخرين، فكون المسألةِ شكيَّة أو ظنيَّة أو قطعية ليس وصفًا ثابتًا لها، بل هو أمرٌ يعرِض لها عند إضافتها إلى حكم المكلَّف، وإذا عُرِف هذا فالشَّكُّ الواقعُ في المسائل نوعانِ:
أحدهما: شكٌّ سببه تعارُض الأدلة والأمارات، كقولهم في سؤُر البغل والحمار مشكوكٌ فيه فيُتوضأ به ويُتَيَمَّمُ، فهذا الشَّكُّ لتعارض دليلي الطهارة والنجاسة
(1)
، وإن كان دليلُ النجاسة لا يقاوِمُ دليل الطهارة، فإنه لم يقم على تنجيس سؤرهما دليلٌ، وغاية ما احتجَّ به لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحُمُر الأهلية:"إنها رِجْسٌ"
(2)
، والرِّجْسُ هو: النَّجَسُ، وهذا لا دليلَ فيه؛ لأنه إنما نهاهم عن لحومها، وقال:"إنها رجسٌ" ولا ريب أن لحومَها
(3)
ميتة لا تعمل الذَّكاةُ فيها، ففي رِجْسٌ، ولكن من أين يلزم أن تكونَ نَجِسَةً في حياتها حتى يكون سُؤْرُها نَجِسًا؟ وليس هذا موضعَ المسألة.
ومن هذا: قولهم للدم الذي تراه المرأة بين الخمسينَ سنة إلى الستِّين: إنه مشكوكٌ فيه، فتصومُ وتصلِّي وتقضي فرضَ الصوم لتعارض دليلي الصِّحَّة والفساد، وإن كان الصحيحُ أنه حيْضٌ، ولا معارضَ
(4)
(1)
(ظ): "الظاهر عن الصحابة"!.
(2)
أخرجه البخاري رقم (2991) و (4198) وغيرها، ومسلم رقم (1940) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
(ظ): "شحومها".
(4)
(ق وظ): "تعارض".
لدليل كونه حيضًا أصلًا لا من كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا معقول، فليس هذا مشكوكًا فيه، والمقصودُ التمثيل.
القسم الثاني: الشكُّ العارض للمكلَّف بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه وخفائِها لنسيانه وذهولِه، أو لعدم معرفته بالسَّبب القاطع للشَّكِّ، فهذا القسمُ واقعٌ كثيرًا في الأعيان والأفعال، وهو المقصودُ بذكر القاعدة التي تضبطُ أنواعه.
والضابطُ فيه: أنه إن كان للمشكوكِ فيه حالٌ قبل الشَّكِّ استصحبها المكلَّفُ وبنى عليها حتى يَتَيَقَّنَ الانتقالَ عنها، هذا ضابطُ مسائله.
فمن ذلك: إذا شكَّ في الماء هل أصابته نجاسةٌ أم لا؟ بنى على يقين الطَّهارة.
ولو تَيَقَّنَ نجاسَتَهُ ثم شكَّ هل زالت أم لا؟ بنى علي يقينِ النَّجاسةِ.
الثالثة: إذا أحدثَ ثم شَكَّ هل تَوَضَّأَ أم لا؟ بنى علي يقين الحَدَث. ولو توضَّأَ وشَكَّ في الحدث بنى علي يقين الطَّهارة. وفروعُ المسألة مبنيةٌ على هذا الأصل.
الرابعة: إذا شكَّ الصائمُ في غروب الشمس لم يَجُزْ له الفطر، ولو أكلَ أفطرَ، ولو شَكَّ في طُلوع الفجر جاز له الأكلُ، ولو أكل لم يُفْطِرْ.
الخامسة: لو شكَّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا وهو منفردٌ بنى على اليقين، إذ الأصلُ بقاءُ الصلاةِ في ذمته، وإن كان إمامًا فعلى غالب ظَنِّه؛ لأن المأمومَ يُنَبِّهُهُ، فقد عارَضَ الأصْلَ هنا ظهورُ تنبيهِ المأموم على الصَّوابِ. وقال الشافعي ومالك: يبني على اليقين مطلقًا؛ لأنه الأصلُ.
السادسة: إذا رمى صيدًا فوقعَ في ماء فشَكَّ هل كان موتُه بالجُرح أو بالماء؟ لم يأكلْه؛ لأن الأصل تحريمُه، وقد شكَّ في السَّبب المُبيح. وكذلك لو خالَط كلبُهُ كلابًا أُخَرَ ولمِ يَدْرِ أصادَةُ كلْبُهُ أو غيره لم يأكلْهُ؛ لأنه لم يَتَيَقَّنْ شروط الحِلّ في غير كلبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنك إنما سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ ولم تُسَمِّ على غَيْرِهِ"
(1)
.
السابعة: إذا شكَّ هل طاف ستًّا أو سبعًا أو رمى سِتَّ حَصَيَاتٍ أو سبعًا
(2)
بنى على اليَقِينِ.
الثامنة: إذا شكَّ هل عمَّ الماءُ بَدَنَهُ وهو جُنُبٌ أم لا؟ لَزِمَهُ يقينُ تعميمِهِ ما لم يكنْ ذلك وَسْواسًا.
التاسعة: إذا اشترى ثوبًا جديدًا أو لَبيسًا وشَكَّ هل هو طاهرٌ أو نَجِسٌ؛ بنى الأمرَ على الطهارة، ولم يلزمْهُ غسله.
العاشرة: إذا أصابه بَلَلٌ ولم يدرِ ما هو؟ لم يجِبْ عليه أن يبحَثَ عنه، ولا يسأل من أصابه به، ولو سألَه لم تجب إجَابتُه على الصحيح، وعلى هذا لو أصاب ذيلَهُ رطوبةٌ بالليل أو بالنهار لم يجِبْ عليه سَمُّها ولا تَعَرُّفُها، فإذا تَيَقَّنَها عَمِلَ بموجب يقينه.
الحادية عشرة: إذا كان عليه حق لله عز وجل من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام، وشكَّ هل أتى به أم لا؟ لزمه الإتيانُ به.
(1)
أخرجه البخاري رقم (175)، ومسلم رقم (1929) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(2)
"أو رمى ست حصيات أو سبعًا" سقطت من (ع).
الثانية: عشرة: إذا شكَّ هل مات مُوْروثُهُ فَيَحِلَّ له مالُهْ أو لم يَمُتْ؟ لم يَحِلَّ له المالُ حتى يَتيقَّنَ موتَه.
الثالثة عشرة: إذا شكَّ في الشَّاهد هل هو عدْلٌ أم لا؟ لم يحكمْ بشهادتِهِ؛ لأن الغالبَ في الناس عدمُ العَدَالَةِ، وقولُ من قال: الأصلُ في الناس العدالةُ كلامٌ مستدرَكٌ، بل العدالةُ طارئةٌ متجدِّدَةٌ
(1)
الأصلُ عدمُها، فإن خلاف العدالة مستندُهُ جهلُ الإنسانِ وظلمُهُ، والإنسانُ خُلِقَ جهولًا ظلومًا، فالمؤمنُ يكمل بالعِلم والعدل، وهما جمَاعُ الخير، وغيرُه بقي على الأصل، فلا الأصلُ في الناس العدالةَ ولا الغالبُ.
الرابعة عشرة: إذا شكُّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا؟ بنى على اليقين وألغى المشكوكَ فيه، واسْتُثنى من هذا موضعين:
أحدهما: أن يقعَ الشَّكُّ بعد الفَرَاغ من الصَّلاة فلا يلْتَفَتْ إليه، الثانى: أن يكون إمامًا فيبني على غالب ظنه.
فأما الموضعُ الأوَّلُ؛ فهو مبنيٌّ على قاعدة الشَّكِّ في العِبَادة بعد الفَراغ منها، فإنه لا يؤثِّرُ شيئًا، وفي الوضوءِ خلافٌ. فمن ألحقه بهذه القاعدة نَظَرَ إلى أنه قد انقضى بالفراغ منه، ومن نظر إلى بقاء حكمه وعمله، وأنه لم يفعل المقصودَ به، ألحقه بالشَّكِّ في العبادة قبلَ انقطاعها والفراغ منها.
وأما الموضعُ الثاني؛ فإنما استُثني لظهور قَطْع الشَّكِّ والرجوع إلى الصَّواب بتنبيه المأمومين له، فسكوتُهم وإقرارُهم دليلٌ على
(1)
(ظ): "حادثة تتجد".
الصواب، هذا ظاهرُ مذهب أحمد، ومذهبُ الشافعي أنه يبني على اليقين مطلقًا إمامًا كان أو منفردًا ولا يلتفتُ إلى قول غيره. ومذهبُ مالك أنه يبني على اليقين إلا أن يكونَ مستنكحًا
(1)
بالشَّكِّ، فإنه لا يلتفتُ إليه ويلْهى عنه، فإن لم يُمْكِنْهُ أن يَلْهَى عنه بنى على أول
(2)
خواطرِه، ومذهبُ أبي حنيفة أنه إن عَرَضَ له ذلك في أول صلاته أعادها، وإن عَرَضَ له فيما بعدَها بنى على اليقين.
الخامسة عشرة: إذا شكَّ هل دخل وقتُ الصلاة أو لا؟ لم يصَلِّ حتى يَتَيَقَّنَ دخولَه، فإن صلَّى مع الشَّكِّ ثم بان أنه صلَّى في الوقت، فقد قالوا: يُعيدُ صلاتَهُ، وعلى هذا إذا صلَّى وهو يَشُكُّ هل هو محدِثٌ أو مُتَطَهِّرٌ، ثم تيقَّنَ أنه كان متطهرًا، فإنه يعيدُها أيضًا، وكذلك إذا صلَّى إلى جهةٍ وشكَّ هل هي القِبلة أو غيرها، ثم تبيَّنَ له أنها جهةُ القبلة.
ولا كذلك إذا شَكَّ في طهارة الثوب والبَدَن والمكان، فصلَّى فيه ثم تَيَقَّنَ أن ذلك كان طاهرًا، لأن الأصل هنا الطهارة وقد تيقنه آخرًا، فتوسُّطُ الشَّكِّ بين الأصل واليقين لا يؤثر بخلاف المسائل الأُوَلِ؛ لأن الأصلَ فيها عدمُ الشُّروط
(3)
فالشَّك فيها مستنِدٌ إلى أصل يوجِبُ عليه حكمًا لم يأتِ به.
والذي تقتضيه أصولُ الشَّرْع وقواعدُ الفقهِ في ذلك هو التَّفرِقة بين المعذورِ والقادِرِ، فالمعذورُ لا يجبُ عليه الإعادةُ إذا لم يْنُسب إلى تفريط، وقد فعلَ ما أدَّاه إليه اجتهادُهُ وأصابَ، فهو كالمجتهد المُصيب.
(1)
أي: مغلوبًا.
(2)
كذا في (ق) وهو الموافق لما في "مواهب الجليل": (1/ 255)، و (ع وظ):"أنزل".
(3)
كذا في النسخ، والمطبوعات:"الشكّ".
وعلى هذا؛ فإذا تحرَّى الأسيرُ وفعل جهدَه فصام شهرًا يظنُّهُ رمضانَ وهو يشُكُّ فيه، فبان رمضانَ أو ما بعدَه، أجزأه مع كونه شاكًّا فيه.
وكذلك المصلِّي إذا كان معذورًا محتاجًا إلى تعجيل الصلاة في أوَّل وقتها؛ إنها لسَفَرٍ لا يمكنه النزولُ في الوقت ولا الوقوف، أو لمرضٍ يُغمَى عليه فيه، أو لغير ذلك من الأعذار، فَتَحَرَّى الوقتَ وصلَّى فيه مع شكِّه، ثم تبيَّن له أنه أوقع الصلاةَ في الوقت، لم تجِبْ عليه الإعادة، بل الذي يقوم عليه الدليلُ في مسألة الأسير أنه لو وافق شعبان لم تجبْ عليه الإعادةُ وهو قول الشافعي؛ لأنه فعلَ مقدورَةُ ومأمورَهُ، والواجبُ علي مثله صومُ شهر يظنُّه رمضان، وإن لم يَكُنْهُ
(1)
، والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز.
فإن قيل: فما تقولونَ في مسألة الصلاة إذا بان أنه صلَاّها قبلَ الوقت؟.
قيلِ الفرقُ بين المسألتين: أن الصوم قابلٌ لإيقاعه في غير الوقت للعُذر، كالمريض والمسافر والمُرضع والحُبلى، فإن هؤلاء يسوغُ لهم تأخيرُ الصوم ونقلُه إلى زمن آخَرَ نظرًا لمصلحتهم، ولم يُسَوَّغْ لأحدٍ منهم تأخير الصَّلاة عن وقتها ألبتَّةَ.
فإن قيل: فقد سُوِّغَ تأخيرُها للمسافر والمريض والممطور من وقتِ أحدهما إلى وقت الأخرى.
قيل: ليس بتأخير من وقت إلى وقت، وإنما جَعَلَ
(1)
(ع): "يمكنه"، و (ظ):"يظنه".
الشارعُ وقتَ العبادتين في حقِّ المعذور وقتًا واحدًا، فهو مصَلٍّ للصلاة في وقتِها الشرعي الذي جعله الشارعُ وقتًا لها بالنسبة إلى أهل الأعذار، فهو كالنائم والناسي
(1)
إذا استيقظ وذكر، فإنه يصلِّي الصلاة حينئذٍ؛ لكون ذلك وقتها
(2)
بالنسبة إليهما، وإن لم يكُنْ وقتًا بالنسبة إلى الذَّاكر المستيقظِ، على أن للشَّافعي قَوْلينِ في المسألتينِ، والله أعلم.
فصل
(3)
ابن عُيَيْنَةَ، عن محمد بن المنكدر قال: إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم
(4)
.
وقال سهل بن عبد الله: من أراد أن ينظرَ إلى مجالس
(5)
الأنبياء فلينظرْ إلى مجالس العلماء، يجيءُ الرجلُ فيقول: يا فلان أيْشٍ تقولُ في رجلٍ حَلَفَ على امرأته بكذا وكذا، فيقول: طلقت امرأتُه، وهذا مقامُ الأنبياء، فاعرِفوا لهم ذلك
(6)
.
قال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ أحدُهم عن المسألةِ فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّل، ما منهم من أحدٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفُتْيا.
(1)
(ق): "الساهي".
(2)
من قوله: "لها بالنسبة
…
" إلى هنا ساقط من (ظ).
(3)
(ق): "فوائد"، وهذا الفصل انتقاه المصنف من كتاب "أدب المفتي والمستفتي":(ص/ 71 - 85) لابن الصلاح.
(4)
أخرجه البيهقي في "المدخل إلى السنن": (ص/438).
(5)
(ع وظ): "محاسن" وكذا ما بعدها.
(6)
انظر: "صفة الصفوة": (4/ 66).
وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كلِّ ما يستفتونه فهو مجنون.
وعن ابن عباس نحوه
(1)
.
وقال حصَيْنٌ الأسديُّ: إن أحدَكم ليُفْتي في المسألة لو وَرَدَتْ علي عمر بن الخطاب لجمع لها أهلَ بَدْر، وعن الحسن والشَّعْبي مثله
(2)
.
وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصَّفَّار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: سمعت محمد بن عَجْلانَ يقول: إذا أخطأ العالمُ لا أدري أُصِيبَت مقاتِلُه
(3)
.
وروي ذلك بنحوه عن ابن عباس
(4)
.
وذكر أبو عُمر
(5)
، عن القاسم بن محمد، أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أُحسنُه، فجعل الرجلُ يقول: إنى دُفِعتُ إليك لا أعرفُ غيْرَك، فقال القاسم: لا تنظرْ إلى طول لحيتي وكثرة النَّاس حولي، واللهِ لا أُحسِنُه، فقال شيخ من قُرَيْش جالس إلى جنبه: يا ابنَ أخي الزمْها فواللهِ ما رأيتُ في مجلسٍ أَنبل منك
(6)
اليوم، فقال القاسم: والله لأَنْ يُقْطَعَ لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلمَ بما لا أعلمُ.
(1)
هذه الآثار أخرجها ابن عبد البر في "جامع بيان العلم": (1/ 1120 - 1125) وغيره.
(2)
أخرجه البيهقي في "المدخل": (ص / 434).
(3)
أخرجه البيهقي في "المدخل": (ص/ 436).
(4)
أخرجه ابن عبد البر: (2/ 840).
(5)
في "الجامع": (2/ 837).
(6)
(ع): "أمثل منك".
وذكر أبو عمر
(1)
عن ابن عُيَيْنَةَ وسُحنون: "أجسرُ النَّاسِ على الفُتْيا أَقَلُّهم علمًا".
وكان مالك يقول: من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيبَ فيها أن يعوضَ نفسه على الجنَّة أو النَّار، وكيف يكونُ خلاصُه في الآخرة.
وسُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألةٌ خفيفةٌ سهلةٌ، فغضب وقال: ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ، ألم تسمعْ قوله جل ثناؤه:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5] فالعلمُ كلُّه ثقيلٌ وخاصَّة ما يسأل عنه يومَ القيامة.
وقال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعُبُ عليهم المسائلُ ولا يُجيبُ أحدُهم في مسألة حتى يأخذَ رأيَ أصحابه
(2)
، مع ما رُزقوا من السَّداد والتوفيق مع الطهَّارة، فكيف بنا الذين غطَّتِ الخطايا والذنوبُ قلوبَنا؟!.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالك يسألُه عن شيء أيامًا ما يُجيبهُ، فقال: يا أبا عبد الله إني أريدُ الخروجَ، وقد طال التَّرَدُّدُ إليك، فأَطْرَق طويلًا، ثم رفع رأسه، وقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلمُ فيما أحتسبُ فيه الخيرَ، ولستُ أُحْسِنُ مسألتَك هذه
(3)
.
وسُئِلَ الشافعيُّ عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تجيبُ يرحمُك اللهُ؟ فقال: حتى أدريَ الفضل في سكوتي أو في الجواب.
(1)
في "الجامع": (2/ 1124 - 1125).
(2)
(ع وظ): "صاحبه".
(3)
أخرجه البيهقي فى "المدخل": (ص/ 437).
وكان سعيد بن المُسَيِّب لا يكادُ يُفْتي فُتْيا، ولا يقولُ شيئًا، إلا قال: اللَّهُمَّ سَلِّمْني وسلِّم مني
(1)
.
وقال سُحْنون: أشقى النَّاس من باعْ آخِرَتَهُ بدُنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، قال: ففَكَّرتُ فيه فوجدته المُفتي، يأتيه الرجل قد حَنث في امرأته ورقيقه، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانثُ فيستمتعُ بامرأته ورقيقِه وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا
(2)
.
وجاء رجلٌ إلى سُحْنون فسألَه عن مسألة، فأقام يتردَّد إليه ثلاثةَ أيام فقال: مسألتي أصلحك اللهُ اليوم ثلاثةَ أيام؟ فقال له: وما أصنع؟ مسألة
(3)
معضِلةٌ، وفيها أقاويلُ، وأنا متحيِّرٌ في ذلك، فقال: وأنْت أصلحك اللهُ لكلِّ مُعضِلة! فقال سحنونٌ: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذُلُ لحمي ودمي للنَّار، ما أكثرَ ما لا أعرفُ. إن صبرْتَ رجوتُ أن تنقلبَ بمسألتك، وإن أردتَ أن تمضيَ إلى غيري فامْضِ تُجَابُ في مسألتِكَ في ساعةٍ، فقال: إنما جئْتُ إليكَ فلا أستفتي غيرَك، قال: فاصبِرْ، ثم أجابه بعدَ ذلك.
وقيل له: إنك تسألُ عن المسألة، لو سئل عنها أحدٌ من أصحابك لأجاب فيها فتتوقَّفُ فيها، فقال: إن فتنة الجواب بالصَّواب أشدُّ من فتنة المال.
وقال بعضُ العلماء: قَلَّ من حَرَصَ على الفتوى، وسابق إليها وثابر عليها، إلا قلَّ توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا
(1)
المصدر نفسه: (ص/ 439).
(2)
بنحوه في "السير"(12/ 66).
(3)
(ظ): "ما أصنع بمسألتك؟ مسألتك
…
".
لذلك غَيْرَ مختار له ما وجد مندوحةً عنه، وقدر أن يُحِيلَ بالأمر فيه على غيره، كانت المعونَةُ له من الله أكثرَ، والصلاحُ في جوابه وفتاويه أغلبَ.
وقال بِشرٌ الحافي: من أحبَّ أن يُسألَ فليس بأهل أن يسْأَلَ.
وذكر أبو عمر
(1)
، عن مالك قال: أخبرني رجلٌ أنه دخل على ربيعةَ فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيكَ أمصيبةٌ دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، ولكن اسْتُفْتِيَ من لا علمَ له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيمٌ.
قال ربيعة: ولَبَعْضُ من يُفتي هاهنا أحقُّ بالسَّجن
(2)
من السُّرَّاق.
* * *
(1)
في "الجامع": (2/ 1225).
(2)
(ظ): "بالحبس".