الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقفون بمُزْدلفة، فقال:"خَالَفَ هَدْينا هَدْيَ المُشْرِكينَ"
(1)
، وكالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قبلَ طلُوع الشَّمس، فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرقَ الشمسُ، فَقَصَد مخالَفَتهم وصارت سنَّة إلى يوم القيامة، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشرع: أنَّ الأحكامَ المشروعة لهذه الأسباب في الأصل لا يشترطُ في ثبوتها قيامُ تلك الأسباب؛ فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأمورًا بها في صلاة الخوف هو الواقعَ، لم يلزمْ مه سقوطُ الأمر بها عند زوال تلك الأسباب، وفَتحْ هذا الباب يفضي إلى إسقاطِ كثيرٍ من السُّنن، وذلك باطلٌ.
فائدة
(2)
الخلافُ في كون عائشة أفضلَ من فاطمة
أو فاطمة أفضلُ، إذا حُرِّرَ محلُّ التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل
(3)
لا يستقيمُ.
فإن أُريْدَ بالفضل كثرةُ الثواب عند الله؛ فذلك أمر لا يُطَّلَعُ عليه إلا بالنَّصَّ؛ لأنه بحَسْب تفاضُل أعمال القلوب لا بمجرَّد أعمال الجوارح، وكم من عامِلَين أحدُهما أكثرُ عملًا بجوارحه، والآخرُ أرفعُ درجة منه في الجنة.
وإن أُريْدَ بالتفضيل التفضيل بالعلم؛ فلا ريبَ أن عائشة أعلمُ وأنفعُ للأمَّة، وأدَّت إلى الأمَّة من العلم ما لم يؤَدِّ غَيْرُها، واحتاج إليها خاصُّ الأمَّةِ وعامَّتها.
(1)
أخرجه البخاري رقم (1665)، ومسلم رقم (1219) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
(ق): "مسألة".
(3)
"صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل" سقطت من "ظ".
وإن أريد بالتفضيل شرَف الأصل وجلالة (ظ/ 188 ب) النَّسَب؛ فلا ريب أن فاطمةَ أفضل، فإنها بضعةٌ من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك اختصاصٌ لم يَشْرَكْها فيه غيرُ إخوتها.
وإن أريد السيادةُ؛ ففاطمةُ سيّدَةُ نساء الأمَّة
(1)
.
وإذا ثبتتْ
(2)
وجوهُ التفضيل وموادُّ
(3)
(ق/270 أ) الفضل وأسبابُه؛ صارَ الكلامُ بعلمٍ وعدل، وأكثرُ الناس إذا تكلَّم في التفضيل لم يفصِّلْ جِهَات الفضل ولم يوازن بينها، فيبخسُ الحق، وإن أنْضَافَ إلى ذلك نوع تعصُّبٍ وهوىً لمن يُفَضَلُهُ تكلَّمَ بالجهلِ والظلمِ.
وقد سُئل شْيخُ الإسلام ابن تيميَّة عن مسائلَ عديدةٍ من مسائلِ التَّفضيل فأجاب فيها بالتَّفصيل الشافي:
فمنها: أنه سئِل عن تفضيل الغَنِيِّ الشَّاكر على الفقير الصابر أو بالعكس؟ فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلُهما أتقاهما لله تعالى، فإن استويا في التَّقوى استويا في الدَّرَجة
(4)
.
ومنها: أنه سئل عن عشْر ذي الحِجَّة والعشر الأواخر من رمضانَ أيُّهما أفضل؟ فقال: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضانَ، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة.
(1)
أخرجه البخاري رقم (3624)، ومسلم رقم (2450) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
(ق): "تبينت".
(3)
كذا في (ع وق)، و (ظ):"موارد".
(4)
تكلم شيخ الإسلام على هذه المسألة في "الفتاوى": (11/ 21، 122، 195) وغيرها، وله فيها مصَّنف مفرد، ذكره ابن رُشيق ضمن مؤلفاته، انظر "الجامع لسيرة شيخ الإسلام":(ص/ 249).
وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجوابَ وجده شافيًا كافيًا، فإنه "لَيْسَ مِن أيام العَملُ فِيها أحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أيامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ"
(1)
وفيهما يوم عرفة ويوم النَّحر ويوم التَّرْوية. وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالى الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحييها كلَّها
(2)
، وفيها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يُمكنهُ أن يُدْلِى
(3)
بِحُجَّةٍ صحيحةٍ
(4)
.
ومنها: أنه سُئِلَ عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم أيُّهما أفضلُ؟
فأجاب: بأن ليلة الإسراء أفضلُ في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم وليلةُ القدر أفضلُ بالنسبة إلى الأمّة، فحظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختصَّ به ليلة المعراج منها أكملُ من حظِّه من ليلة القدر، وحظُّ الأمَّةِ من ليلة القدر أكملُ من حظِّهم من ليلة المعراج وإن كان لهم فيها أعظمُ حظٍّ؛ لكن الفضل والشَّرَف والرتبة العليا إنما حصلتْ فيها لمنْ أُسرِيَ به صلى الله عليه وسلم
(5)
.
ومنها: أنه سئِلَ عن يوم الجمعة ويومِ النحر أيهما أفضل
(6)
؟
فقال: يومُ الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحرِ أفضلُ أيام العام، وغيرُ هذا الجواب لا يلمُ صاحبه من الاعتراض الذي لا
(1)
أخرجه البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما رقم (969).
(2)
أخرجه البخاري رقم (2024)، ومسلم رقم (1174) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
(ق وظ): "يدل".
(4)
انظر "الفتاوى": (25/ 287) وهو منقول من هنا.
(5)
انظر "الفتاوى": (25/ 286)، وهو منقول من هنا، وانظر:"زاد المعاد": (1/ 57).
(6)
"أيهما أفضل" من (ع).
حيلةَ في دفعه
(1)
.
ومنها: أنه سئِلَ
(2)
عن خديجةَ وعائشةَ أُمَّي المؤمنين، أيهما أفضل؟
فأجاب: بأن سبقَ خديجة وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرَها وقيامَها في الدين، لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثيرُ عائشةْ في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمَّة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجةُ ولا غيرها مما تميَّزت به عن غيرها، فتأمَّلْ هذا الجواب الذي إذا أجبْتَ
(3)
بغيره من التفضيل مطلقًا لم تتخلَّصْ من المعارضة
(4)
.
ومنها: أنه سئل عن صالحي بني آدَمَ والملائكة أيهما أفضل؟
فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال (ق/ 270 ب) النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإنَّ الملائكةَ الآن في في الرَّفيق الأعلى منَزَّهِين عما يلابسُهُ بنو آدم مستغرقون في عبادة الرَّبِّ، ولا ريبَ أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حالُ صالحي البشر أكملَ من حال الملائكة
(5)
.
وبهذا التفصيل يتبيَّنُ سرُّ التفضيل، وتتَّفِقُ أدِلَّة الفريقين، ويُصالَح كلُّ منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرفَ أسبابَ
(1)
انظر: "الفتاوى": (25/ 288 - 289).
(2)
سقط السؤال السابق بكامله إلى هنا من (ق).
(3)
(ظ)،:"لو جئت".
(4)
انظر: "الفتاوى": (4/ 393، 394). وفي (ع) بعدها: "يأتي تتمة هذه الفائدة وهو قوله: ومنها: أنه سُئل عن صالحي
…
" فأخر الجواب إلى آخر (ق/ 65 ب).
(5)
انظر: "الفتاوى"(4/ 350 - 392) وهي رسالة خاصة بهذه المسألة.
الفضل
(1)
أولاً، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيًا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثًا كثرةً وقوةً، ثم اعتبار تفاوُتها بتفاوُت محلِّها رابعًا، فرُبَّ صفة هي كمالٌ لشخص وليست كمالًا لغيره، بل كمالُ غيرِهِ بسواها، فكمالُ خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه. وكمالُ ابن عباس بفقهه وعلمه. وكمال أبي ذرٍّ بزهده وتجرُّده عن الدنيا، فهذه أربع مقامات يضطر إليها المتكلَّمُ في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهلُ من تفضيل الأشخاص على الأشخاص، وأبعدُ من الهوى والغرض.
وهاهنا نكتةٌ خفيَّةٌ لا يتنبَّهُ لها إلا منْ بصَّرَهُ اللهُ، وهي: أن كثيرًا ممن يتكلَّمُ في التفضيل يستشعرُ نسبتَه وتعلقَه بمن يفَضِّله ولو على بُعْد، ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبةُ والتعلُّقُ مُهَيِّجةً له على التفضيل، والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المُفَضَّل، والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضَّل عليه بالعكس.
ومن تأمَّل كلامَ أكثر الناس في هذا الباب رأى (ظ / 189 أ) غالِبَهُ غيْرَ سالم من هذا، وهذا منافٍ لطريقة العلم والعدل التي لا يقبلُ اللهُ سواها، ولا يرضى غيْرَها، ومن هذا تفضيلُ كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ، كلٌّ منهم لمذهبه أو طريقته أو شيخه، وكذلك الأنسابُ والقبائلُ والمدائن والحِرَف والصناعات، فإن كان الرجلُ ممن لا يُشَكُّ في علمِه وورَعِهِ خِيفَ عليه من جهة أخرى، وهو أنه يشهدَ حظَّه ونفْعَه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها؛ لأن نفعه مشاهدٌ له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضِّلُ
(1)
(ق): "سر التفضيل".
ما كان نفعه وحظُّه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه، فهذه نكتٌ جامعةٌ (ق/271 أ) مختصرة، إذا تأمَّلَها المنصفُ عظُمَ انتفاعُهُ بها، واستقامَ له نظَرُهُ ومناظرته، والله الموفق.
فائدة
(1)
اختلف ابنْ قُتَيْبَةَ وابنُ الأنباريِّ في السَّمع والبَصَر أيهما أفضل
(2)
؟.
ففضَّل ابنُ قتيبهَ السَّمع ووافقه طائفة، واحتجَّ بقوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)} [يونس: 42، 43]، قال: فلما قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر كان دليلًا على أن السمع أفضل.
قال ابنُ الأنباري: هذا غلط، وكيف يكون السَّمع أفضلَ وبالبصر يكون الإقبال والإدبار، والقربُ إلى النجاة والبعد من الهلاك، وبه جمالُ الوجه وبذهابه شيْنُهُ، وفي الحديث:"مَنْ أذْهَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ فصَبرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ أرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الجَنَّةِّ"
(3)
.
وأجاب عما ذكره ابن قتيبة بأن الذي نفاه اللهُ تعالى مع السَّمع بمنزلة الذي نفاه عن البصر، إذ كأنه
(4)
أرادَ إبصارَ القلوب، ولم يُرِدْ
(1)
هذه الفائدة بتمامها ساقطة من (ق).
(2)
تقدم البحث في هذه المسألة في أول الكتاب (1/ 123 - 130)، وكلام ابن قتيبة في كتابه:"تأويل مشكل القرآن": (ص/7)، وكلام ابن الأنباري لعله في كتابه "المشكل في الرد على أبي حاتم وابن قتيبة"، ذكره الخطيب في "تاريخه":(3/ 184)، والقفطي في "الإنباه":(3/ 204). أو في تفسيره.
(3)
أخرج البخاري رقم (5653) نحوه من حديث أنسٍ، وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ رقم (2401)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
(ع وظ): "كان".
إبصارَ العيون، والذي يُبْصِرُهُ القلبُ هو الذي يعقلُه؛ لأنها نزلت في قوم من اليهود كانوا يستمعون كلامَ النبي صلى الله عليه وسلم فيقفون على صحَّتِهِ ثم يكذبونه، فأنزل الله فيهم:{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي: المُعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} بعين نقص
(1)
، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي: المعرضين، {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)} ، قال: ولا حجَّة في تقديم السَّمع على البصر هنا، فقد أخبر في قوله تعالى:{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} [هود: 24].
قلت: واحتجَّ مفضلوا السمع بأن به ينال غايةَ السعادة منْ سمع كلام الله وسماع كلام رسوله. قالوا: وبه حصلتِ العلومُ النافعة. قالوا: وبه يدْرَكُ الحاضرُ والغائبُ، والمحسوسُ والمعقولُ، فلا نسبةَ لمدْرَكِ البصَر إلى مدْرَكِ السَّمع. قالوا: ولهذا يكون فاقدُه أقلَّ علمًا من فاقد البَصرَ، بل قد يكون فاقدُ البصر أحدَ العلماء الكبار، بخلاف فاقد صفة السمع، فإنه لم يُعْهَد من هذا الجِنس عالمٌ ألبتة.
قال مفضلوا البصر: أفضلُ النعيم النظرُ إلى الرَّبِّ تعالى وهو يكون بالبصر، والذي يراه البصرُ
(2)
لا يقبل الغلطَ، بخلاف ما يُسْمعُ
(3)
فإنه يقعُ فيه الغلط والكَذِب والوهم، فمدْرَكُ البصرِ أتمُّ وأكملُ. قالوا: وأيضًا فمحله أحسن وأكملُ وأعظمُ عجائبَ من محل السَّمع؛ وذلك لشرفه وفضله.
قال شيخنا: والتحقيق أن السمع له مزِيَّةٌ والبصر له مزية، فمزيةُ السمع العموم والشمول، ومزيَّة البصر كمال الإدراك وتمامه، فالسمع
(1)
(ع): "نقصان".
(2)
(ع): "البصير".
(3)
(ع): "السمع".
أعم وأشمل، والبصر أتم وأكمل، فهذا أفضل من جهة شمول إدراكه وعمومه، وهذا أفضل: من جهة كمال إدراكه وتمامه
(1)
.
فائدة
إذا تزوجها على خمرٍ أو خنزير صح النكاح واستحقت مهر المِثْل، ولو خالعها على خمر أو خنزير صحَّ الخُلْعُ، ولم تستحق عليه شيئًا في أحد القولين، والفرقُ بينهما عند بعض الأصحاب: أن البُضْعَ مُتقَوِّمٌ في دخوله إلى ملك الزوج ولا يُتَقَوَّمُ في خروجه عن ملكه، أما تقوُّمه داخلًا فلِتَعَلُّقِ أحكام المقوّمات به؛ من استقرار المَهر بالدُّخول، ووجوب المَهر بوطء الشُبْهة، ولهذا يزوج الأب ابنه الصغير (ظ/189 ب) ولا يخلَعُ ابنتَهُ الصغيرةَ بشيء من مالِها، ولا فرقَ بينهما إلا أن الابن حصل في ملكه ما له قيمةٌ، والبنت أخرج ما لَها في مقابلة ما لا قيمةَ له في خروجه إليها، ولو كان خروجُ البُضْع من ملك الزوج متَقَوِّمًا، لكان قد بذَل ما لَها في ما له قيمة، وذلك لا يمتنعُ.
ويدُلُّ عليه أنه لو طلَّق زوجَتَهُ في مرض موته لم يُعْتَبَرْ من الثُّلُث، ولو كان لخروج البُضع قيمةٌ لاعتبر من الثُّلُث، وأيضًا لو خالعها في مرض موته بدون مهر مثلها صَحَّ الخلعُ، ولو كان خروجُه متقوِّمًا لكان بمثابة ما لو باع سلعةً بدون ثمنها، فإنه محاباةٌ محسوبةٌ من الثُّلُث، ويدلُّ عليه أيضًا أنه يطلق عليه القاضي في الإيلاء والعَنَت والإعسار بالنَّفَقَة وغير ذلك مجانًا، ولا عهدَ لنا في الشريعة بمتقوم يخرج من مُلك مالكه قهرًا بغير عوض، ويدلُّ عليه: أنه لو كان لخروجه قيمةٌ لجاز للأب أن يُخرِجَهُ عن ابنته الصغيرة بشيء من
(1)
انظر: "درء التعارض": (7/ 325)، و"الرد على المنطقيين":(ص/ 96).
مالها، كما يشتري لها عقارًا أو غيره بمالها
(1)
.
قلت: وكان شيخنا أبو العباس ابن تَيْميِّةَ يضعِّف هذا القول جدًّا، ويذهبُ إلى أن خروج البُضع من ملكه متقوِّمٌ، ويحتجُّ عليه بالقرآن
(2)
، قال: لأن الله تعالى أمر المسلمين أن يردُّوا إلى من ذهبت امرأته إلى الكُفَّار مهرَهُ إذا أخذوا من الكفَّار مالًا بغنيمة أو غيرها، فقال تعالى:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 11] ومعنى عاقبتم: غنمتم
(3)
وأصبتم منهم عُقْبَى وهي الغنيمة، هذا قول المُفَسِّرين.
والمقصود أنه قال: {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} وهو: المهر، وقال تعالى في هذه القصة:{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10] فأمر المسلمين أن يسألوا مهورَ نسائهم، ويسألَ (ق/ 271 ب) الكفارُ مهورَ نسائهم
(4)
اللاتى هاجرنَ وأسلمنَ، ولولا أن خروجَ البُضْع متقوِّمٌ لم يكن لأحدٍ من
(5)
الفريقين على الآخر مهر.
وأختلف أهلُ العلم في ردِّ مهر منْ أسلم من النساء إلى أزواجهن في هذه القصة، هل كان واجبًا أو مندوبًا؟ على قولين، أصلهما
(6)
: أن الصُّلحَ هل كان قد وقع على ردِّ النساء أم لا؟.
(1)
(ق): "بشيءِ من مالها".
(2)
انظر: "الاختيارات": (ص/ 238 - 240).
(3)
(ع وظ): "عاقبتم: منهم فغزوتم وأصبتم
…
".
(4)
"ويسأل الكفار مهور نسائهم" سقطت من (ع).
(5)
(ق وظ): "لإحدى".
(6)
(ق): "أصلحهما"!.
والصحيح: أن الصُّلْح كان عامًّا على ردِّ من جاء مسلِمًا مطلَقًا ولم يكن فيه تخصيصٌ، بل وقع بصيغة "من" المتناولة للرجال النساء، ثم أبطلَ الله تعالى منه ردَّ النساء، وعوَّض منه ردَّ مهورِهِنَّ، وهذه شبهة من قال: إن حكمَ هذه الآية منسوخٌ، ولم يُنسْخ منه إلا ردُّ النساء خاصَّةً، وكان ردُّ المهور مأمورًا به، والظاهر أنه كان واجبًا؛ لأن الله تعالى قال:{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} ، فثبتَ أن ردَّ المهور حقٌّ لمن يسأله فيجُب رَدُّهُ إليه.
قال الزُّهريُّ: ولولا الهدنةُ والعهدُ الذي كان بينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يومَ الحُدَيْبيَة لأمسك النساءَ ولم يَرْدد الصَّدَاقَ، وكذلك كان يصنعُ بمن جاءه منَ المُسلمات قبل العهدِ
(1)
.
فلما نزَلَتْ هذه اْلآية أقرَّ المسلمونَ بحكم الله وأدُّوا ما أُمِرُوا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقِرُّوا بحكم الله تعالى، فيما أمر مبن ردِّ نفقات المسلمين إليهم، فأنزل الله تعالى:{وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 11] فهذا ظاهر القرآن يدلُّ على أن خروج البُضْعِ من ملك الزَّوج متقوِّمٌ.
قلت: ويدلُّ عليه أن الشارع كما جعله متقوِّمًا فى دخوله فكذلك في خروجه، لأنه لم يدخله إلى مُلك الزوج إلا بقيمة، وحُكْم الصحابة رضي الله عنهم في المفقود بما حكموا به منْ ردِّ صداق امرأته إليه بعد دخول: الثاني بها = دليلٌ على أنه متقوِّم في خروجه،
(1)
أخرجه الطبري: (12/ 70) عن الزهري، وابن هشام في "السيرة":(4/ 326 - 327) عن عروة بن الزبير.
وهذا ثابتٌ عن خمسة من الصحابة منهم عمرُ وعليٌّ
(1)
.
قال أحمد: أيّ شيء يذهب من خالَفَهُمْ؟ فهذا القرآن والسُّنَّة وأقوال الخلفاء لرَّاشدين دالَّةٌ على تقويمه، ولو لم يكنْ له قيمةٌ لما صحَّ بذلُ نفائس الأموال فيه، بل قيمتُه عند الناس من أغلى القيم، ورغبتهم فيه من أقوى الرَّغَبات، وخروجه عن الرجل (ظ / 190 أ) من أعظم المغارم، حتى يعده غرْمًا أعظمَ من غرم المال.
قلت لشيخنا: لو كان خروجُه من ملْكه متقوِّمًا عليه لكانت المرأةُ إذا وطِئَتْ بشُبهة يكون المهرُ للزوج (ق/272 أ) دونَها، فحيث كان المهرُ لها دلَّ على أن الزوج لم يملك البُضع، وإنما مَلَكَ الاستمتاعَ، فإذا خرج البُضع عنه لم يخْرُجْ عنه شيءٌ كان مالِكَهُ.
فقال لى: الزوجُ إنما ملَكَ البُضْعَ يستمتعَ به، لم يملكه ليُعَاوَضَ عليه، فإذا حصلَ لها بِوطْءِ الشُّبهة عِوَضٌ كان لها، لأن عقد النكاح لم يقتض
(2)
ملكَ الزوج المعاوضةَ عن بُضْعِ امرأتِهِ، فصار ما يحصل لها بجناية الواطئ بمثابة ما يحصل لها بغيره من أُروش الجِنَايات.
قلت له: فما تقولُ في خُلْع المريض بدون مهر المثل؟
فقال: هو يملكُ إخراجَ البُضْع مجانًا بالطَّلاق، فإذا أخَذَ منها شيئًا فقد زاد الوَرَثّةَ خيرًا، قال: ونحن إنما منعناه من المُحاباة فيما ينتقلُ إلى الوَرَثة؛ لأنه يُفَوِّتُهُ عليهم، وبُضْعُ الزوجة لا حَقَّ للوَرَثَةِ فيه ألبتَّةَ ولا ينتقلُ إليهم، فإذا أخرجَهُ بدون مهر المِثْل لم يُفَوِّتْهُمْ حقًّا ينتقل إليهم. انتهى.
(1)
أخرجه البيهقي: (7/ 446 - 447).
(2)
(ق وظ): "يقبض".
قلت: وأما منعُ الأب مِنْ خلع ابنتِهِ بشيءٍ من مالها فليست مسألةَ وِفاق، بل فيها قولان مشهوران، ونحن إذ قلنا: إن الذي بيده عُقدة النكاح هو الأبُ، وإن له أن يعفوَ عن صَدَاق ابنته قبل الدخول، وهو الصحيحُ لبضعة عشر دليلًا قد ذكرتها في موضع آخر
(1)
، فكذلك خلعُها بشيءٍ منْ مالها، بل هو أولى؛ لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانًا فَلأَنْ يملِكَ إسقاطَهُ ليُخَلَصَها من رقِّ الزَّوج وأسرِهِ ويُزَوِّجَها بمنْ هو خيرٌ لها منه = أولى وأحرى.
وهذه رواية عن أحمد ذكرها أبو الفرج في "مبهجه"
(2)
وغيره، واختارها شيخُنا.
وأما قولُكم: إنه يخرج من مُلْكِهْ قهرًا بغير عِوَض فيما إذا طلَّق عليه الحاكم لإعسار أو عَنَت أو غيرها، فجوابه: أن الشارع إنما مَلَّكهُ البُضْعَ بالمعروف، وإنما ملَّكَه بحقِّه، فإذا لم يستمتعْ به بالمعروف الذي هو حقُّه، أخرجه الشارع عنه، قال تعالى:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وقال:{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، فأوجب الله على الزوج أحدَ الأمرين، إما أن يُمْسِكَ بمعروف وإما أن يُسرِّحَ بإحسان، فإذا لم يُمسِكْ بمعروف ولم يُسَرحْ بإحسان
(3)
سرَّح الحاكم عليه قهرًا.
(1)
تقدمت الإشارة إلى هذا البحث (3/ 1031) وانظر التعليق هناك.
(2)
هو: أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي المقدسي الحنبلي ت (486)، من أصحاب القاضي أبي يعلى، له كتب منها "المبهج" نقل منه ابن رجب: بعض غرائبه. "ذيل الطبقات": (1/ 68 - 73).
(3)
من قوله "فإذا لم
…
" إلى هنا ساقط من (ق).
قلت لشيخنا: فلو قُتِلَتِ الزوجة لم يجبْ للزوجِ المهرُ على قاتلها، مع كونه قد أخرج البُضْع عن مُلْكه وفوَّته إياه، فلو كان خروجُه متقوِّمَا لوجب له على القاتل المَهْرُ.
فقال: النكاحُ معقودٌ على مُدَّة الحياة، فإذا قُتِلَتْ زال وقتُ النكاح وانقضى أمدُه، فلا يجِبُ للزوج شيء بحد ذلك كما لو ماتتْ.
قلت له: فلو أفسد مفسدٌ نكاحَها بعد (ق/272 ب) الدُّخول لاستقرَّ المهرُ على الزوج ولم يرجعْ على المفسد، فضَعَّف هذا القول، وقال: عندي أنه يرجعُ به وهوَ المنصوص عن أحمد، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل، فإذا ثبت أن خروجَ البُضْع من ملكه متقوِّم فله قيمتهُ على من أخرجه من ملكه.
قلت
(1)
: ويَرِدُ عليه ما لو أفسدت نكاحَ نفسها بعد الدخول، فإن مهرَها لا يسقطُ قولًا واحدًا، ولم أسألْه عن ذلك، وكان يمنعُ ذلك، ويختارُ سقوط المهر ويُثبتُ الخلاف في المذهب، ولا فرقَ بين ذلك وبين إفساد الأجنبي، فطَرَد قولَ من طَرَد هذا الأصل، وقالَ بالتقويم في حال الخروج أن يسقطَ المهر إذا أفسدته هي، ولو قيل: إن مهرَها لا يسقطُ بذلك قولًا واحدًا. وإن قلنا: بأنَّ خُروجَ البُضْع متقومٌ فيجب لها (ظ / 190 ب) مهرُها المسمَّى في العقد، وعليها مهرُ المِثل وقتَ الإفساد اعتبارًا بخروجهِ
(2)
عن ملكه حينئذٍ -لكان مُتَوَجِّهًا، ولكن يُشكِل على هذا أن الله -سبحانه- اعتبر في خروج البُضْع ما أنفقَ الزَّوْجُ،
(1)
هنا حاشية في (ع) نثبت ما ظهر منها: "الشيخُ في "المغني": (11/ 333) ذكر أنه لا يعلم خلافًا في عدم سقوطه بإفسادها بعد الدخول؛ ولكن في
…
شرح الهداية لأبي البركات ما يقتضي أن (فيه) خلافًا" اهـ.
(2)
(ظ): "لأن اعتبار خروجه
…
".
وهو المسمَّى لا مهر المثل.
وكذلك الصحابةُ حكموا للمفقود بالمسمَّى الذي أعطاها لا بمهر المثل، فطَرْد هذه القاعدة: أن مهرَها يسقطُ بإفسادها، وهو الذي كان شيخُنا يذهبُ إليه.
فإن قيل: فما تقولون في شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول أو بعده؟
قيل: أما قبلَ الدخول فيلزمُهُ نصفُ المهر، ويرجعُ به على الشهود. وفيها مأخذان: أحدهما: أنه يعوَّمُ عليه في دخوله بنصف المهر الذي غَرِمَه فيقوَّمُ عليه في خروجه بنظيره، والثاني: أنهم ألجأوه إلى غُرْمِه، وكان بصدَدِ السقوط جملة بأن ينسُبَ
(1)
الزوجةَ إلى إسقاطه، ورُجِّح هذا المأخذ بأنه لو كان الغرمُ لأجل التقويم للزمهم نصفُ مهر المثل؛ لأنه هو القيمةُ لا المسمَّى، وقد تقدم أن الشَّارع إنما اعتبر تقويمَهُ في الخروج بالمسمَّى لا بمهر المثل وكذلك خلفاؤُه الراشدون.
فإن قيل: لو كان الغُرمْ لأجل التَّقويم للزم الشهودَ جميعُ المهر؛ لأنهم أخرجوا البُضْعَ كُلَّه من مُلكه.
قيل: هو متقوِّم عليه بما بَذَلَهُ، فلما كان المبذول نصفُ المهر كان هو الذي رَجَعَ به، ولا ريبَ أنّ خروج البُضْع قبل الدّخول دونَ خروجه بعدَ الدخول، فإن المقصود بالنِّكاح لم يحصل إلا بالدخول
(2)
، فإذا دخل استقر له ملك البُضْع واستقر عليه الصَّداق، وأما إذا رجع
(1)
(ع وق): "تتسبب".
(2)
في هامش (ع): "قد قال بموجبه الشافعي في أحد قوليه".
الشهود بعد الدخول فكذلك يقول: يجبُ عليهم غُرْمُ المهر (ق/273 أ) الذي بذله الزوجُ، وهو إحدى الروايتينَ عن أحمد.
فإن قيل: فما في مقابلة المهر قد استوفاه بوَطْئِهِ فلم يَفُتْ
(1)
عليه شيء.
قيل: ليس كذلك؛ لأنه إنما بَذَلَ المهرَ في مقابلة بُضْع يَسْلَم له الاستمتاعُ به، فإذا لم يَسْلَمْ له رجع بما بذله، ويدلُّ عليه حكم الله في المُهاجرات، وحكم الصحابة في امرأة المفقود.
فإن قيل: فما تقولونَ فيما إذا أفسدت امرأةٌ نكاحَه بِرَضَاع؟.
قيل: إن أفسدَتْا قيلَ الدخول غَرِمَتْ نصفَ المهر، وفيه مأخذان: أحدهما: أنها قررته عليه، وهذا مأخذُ كثير من الأصحاب، لظنِّهم أنه لو كان لأجل التَقويم لغرِمت كمالَ المهر بعد الدخول والثاني: -وهو الصحيح- أنها إنما غَرِمته لأنه متقوِّم في خروجه، وقد يقوَّم بنصف المهر، وهو الذي بذله، فهو الذي يرجعُ به، وعلى هذا فإذا كان الإفسادُ بعد الدُّخول رجع عليها بكمال المهر، هذا منصوص أحمدَ في رواية ابن القاسم
(2)
، وقال بعضُ أصحابه: لا يرجِعُ بشيء، والمنصوصُ هو الأقوى دليلًا ومذهبًا. والله أعلم.
فائدة
(3)
إذا خاف على نفسِه الهلاكَ، وأبى صاحبُ الطعام أن يبذُلَهُ إلا
(1)
ق،:"يثبت"!.
(2)
هو: أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد، حدَث عن الإمام بمسائل كثيرة. "طبقات الحنابلة":(1/ 135).
(3)
(ق): "مسألة".
بعقد ربا، فهل يباحُ أخذهُ منه على هذا الوجه، أو يغالبه ويقاتله
(1)
؟.
فقال بعض أصحاب أحمد: الرِّبا عقدٌ محظور لا تُبيحُهُ الضَّرُورة، والمغالَبَةُ والمقاتلة للمانع طريق أباحَهُ الشرع، فينبغي لهَ أن يغلِبَهُ على قَدْر ما (ظ/ 191 أ) يحتاج إليه، ولا يدخل في الرِّبا، فإِن لم يقدر دخل معه في العَقد ملافظةً وعزم بقلبه على
(2)
أن لا يُتمِّمَ عقدَ الرِّبا، بل إن كان نسِيئًا
(3)
عَزَمَ على أن يجعلَ العِوَض الثابتَ في الذِّمَّة قَرضًا.
ولو قيل: إن له أن يُظْهرَ معه صورة الرِّبا ولا يغالبَهُ ولا يقاتلهُ، ويكون بمنزلة المُكْرَهِ، فيعُطيه من عقد الربا صورتهُ لا حقيقَتَهُ، لكان أقوى من مقاتَلتهِ.
فلو اتَّفق مثل هذا لامرأة فأبى صاحبُ الطعام أن يَبْدْلَهُ لها إلا بالفُجور بها؛ فهل يباحُ لها ذلك إذا خافتِ الهلاكَ؟ قال بعضُ أصحابنا: لها أن تبدلَ نفسَها، ويجري ذلك مجرى التهديد بقتلها من قادر، فإن المنعَ في هذا الحال قتلٌ، ولهذا يوجب القَوَدَ على صاحب الطعام إذا مَنع المضطرَّ حتى ماتَ، قال: وغاية ما يُمْكنُها مما يُبعدها عن الزنا يجب فعله بأن تقول: قدِّمْ عقد زوجيَّة على أرخص المذاهب ولو بِمُتعَة، ولا تمكِّنُهُ تمكينًا بغير عقدٍ رأسًا، مع إمكان أن يرغبَ إليه في عقدٍ على قولِ بعض أهل الإسلامِ.
فلو اتَّفق مثل هذا: لِصَبِيٍّ
(4)
صَبَرَ لحُكْمِ الله ولقائه، (ق/273 ب)
(1)
(ق): "أو بمغالبة ومقاتلة".
(2)
(ع): "فعليه"، و (ق):"وعزم على".
(3)
(ق): "كيسا"و (ع) غير بيّنة ويُشبِه أن تكون: "شيئًا".
(4)
(ظ): الرجل".
ولم يَجُزْ له التمكينُ من نفسه بحال؛ لأن الضَّرَر اللاحقَ له بتمكينه أعظمُ فسادًا من الضَّرَر اللاحق له بفوات الحياة، والله أعلم.
فائدة
(1)
رجل له على ذميٍّ دَيْن، فباع الذِّمِّيُّ خمرًا وقضاه من ثمنه، فأبى أن يأخذَه.
قال الإمام أحمد: ليس له إلا أن يأخذَه أو يبرئه، واستدلَّ بقول عُصَرَ في أخذ العُشْرِ منهم من ثمنِهِ:"ولُوهُمْ بَيْعها وخُذوا العُشْرَ مِنْ أثمانِها"
(2)
.
فائدة
إذا غصَبَ مالًا وبنى به رباطًا أو مسجدًا أو قنطرةً، فهل ينفعُه ذلك، أو يكونُ الثواب للمغصوب منه؟.
قال ابنُ عَقِيل: لا ثوابَ على ذلك لواحدٍ منهما، أما الغاصبُ فعليه العقوبةُ، وجميع تصرُّفاته في مال الغير آثامٌ متكررة، وأما صاحبُ المال فلا وجهَ لثوابه، لأن ذلك البناء لم يكن فيه نِيَّةٌ ولا حِسبة، وما لم يكنْ للمكلَّف فيه عمل ولا نية فلا يُثابُ عليه، وإنما يطالِبُ غاصِبَه يومَ القيامة فيأخذ من حَسنَاتِهِ بقدْر ماله.
قلت: في هذا نظرٌ؛ لأن النفعَ الحاصلَ للناس متولَّد من مال هذا وعمل هذا، والغاصبُ وإن عوقِبَ على ظلمه وتعدِّيه واقتَصَّ المظلومُ من حسناته فما تولَّد من نفع الناس بعَمَلِه له، وغَصْب المال عليه،
(1)
(ق): "مسألة" وكذا الفائدتان بعدها.
(2)
أخرجه عبد الرزاق: (8/ 195).
وهو لو غَصَبَه وفسَق به لعُوقبَ عقوبتين، فإذا غصبه وتصدَّق به أو بنى به رباطًا أو مسجدًا أو افتكَّ به أسيرًا فإنه قد عمل خيرًا وشرًّا:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}
(1)
[الزلزلة: 7، 8].
وأما ثوابُ صاحب المال؛ فإنه وإن لم يقصدْ ذلك فهو متولِّدٌ من مال اكتسبه، فقد تولَّدَ من كسبه خيرٌ لم يقصدْهُ، فيشبه ما يحصلُ له من الخير بِوَلدِه البَرِّ، وإن لم يقصدْ ذلك الخيرَ، وأيضًا فإن أخذ ماله مصيبةٌ، فإذا أنفِقَ في خيرٍ فقد تولَّدَ له من المُصيبة خيرٌ، والمصائبُ إذا وَلَّدَتْ خيرًا لم يعدم صاحبُها منه ثوابًا، وكما أن الأعمال إذا ولَّدت خيرًا أُثيبَ عليه وإن لم يقصِدْه، فالمصائبُ إذا ولَّدت خيرًا
(2)
لم يمتنع إن يُثابَ عليه، وإن لم يقصُدْه. والله أعلم.
فائدة
رجل ماتَ وترك في دينًا فورِثه ولدُهُ، ولم يستوفهِ، فهل المُطالبة به في الآخرة لهُ أو لولده؟.
قال بعضُ أصحاب أحمد: المطالبةُ للابن
(3)
؛ لأن الإرْثَ انتقلَ عن الأب إلى الابن فصار الحقُّ له.
قلت: وفي هذا نظرٌ، وينبغي التفصيلُ، فإن كان الموروثُ قد
(1)
في هامش (ع) تعقُّبْ نصُّه: "هذا البحث ضعيف جدًّا، فإن عمل الغاصب في ذلك لم يأمر الله به، وهو ملوم معاقب على التصرف الذي لم يأذن الله فيه، فكيف يُثاب عليه" اهـ.
(2)
من قوله: "أثيب عليه .. " إلى هنا ساقط من (ع).
(3)
(ق): "للولد".
عَجَز عن استيفائه وتعذَّرَ عليه، فقد وجب أجرُه له، وله (ق/274 أ) حقُّ المطالبة [لا للابن؛ لأن الإرث انتقل عن الأب إلى]
(1)
يوم القيامة، والحقوق الأخروية لا تُوَرَّثُ، وإن أمكنه المطالبةُ به فلم يطالبْ به حتى مات انتقلَ إلى الولد، فإذا لم يُوَفِّهِ إياه كان حقُّ المطالبة به للولد.
وقد قال بعض الناس: إنه إذا لم يُوَفِّ الميتَ ولا وارثَهُ حتى مات الوارثُ وورثه آخر (ظ / 191 ب)، ثبتَتِ المطالبةُ لكلِّ واحد منهم، وتضاعفتْ عليه المطالبةُ لاستحقاق كُلِّ واحدٍ منهم ذلك الحَقَّ عليه.
فائدة
(2)
تأمل سر {الم (1)} كيف اشتملتْ على هذه الأحرف الثلاثة، فالألفُ إذا بُدِئَ بها أولًا كانت همزةً، وهى أوَّل المخارج من أقصى الصدر، واللام من وسط مخارج الحروف، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان، والميم آخر الحروف ومخرجُها من الفَمِ، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني: الحَلْقَ واللِّسان والشَّفَتَيْنِ، وترتبت
(3)
في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية.
فهذه الحروف تعتمد
(4)
المخارج الثلاثة التي يتفرَّعُ منها ستة عسْر مخرجًا، فيصيرُ منها تسعة
(5)
وعشرون حرفا عليها مدارُ كلامِ
(1)
بينهما من (ظ) والمطبوعات.
(2)
بياض في (ظ).
(3)
كذا استظهرتها من (ع وظ)، و (ق):"وتنزّلت".
(4)
(ظ): "معتمد".
(5)
: "سبعة". والصواب المثبت، وانظر، "مفتاح دار السعادة":(2/ 216 - 217).
الأمم الأوَّلين والآخرين مع تضمُّنها سرًّا عجيبًا، وهو: أن الألف البداية واللام التوسط والميم النهاية، فاشتملتِ الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما، وكلّ سورة استُفتحتْ بهذه الأحرف الثلاثة، فهي مشتملة على بَدء الخلق ونهايته وتوسُّطه، فمشتملةٌ على تخليقِ العالم وغايَتهِ، وعلى التَّوَسُّط بين البداية والنهاية من التَّشرِيع والأوامر، فتأمَّلْ ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم.
وتأمَّلِ اقترانَ الطاء بالسين والهاء في القرآن فإنَّ الطَّاء جَمَعتْ من صفات الحروف خمسَ صفات لم يجمعْها غيرُها وهي: "الجهر، والشِّدَّة، والاستعلاء، والإطباق"
(1)
، والسين "مهموس، رِخْوٌ، مستَفِلٌ، صَفِيريٌّ، منفتح" فلا يمكن أن يجمَعَ إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.
وتأمَّلْ السُّورَ التي اشتملتْ
(2)
على الحروف المفرَدة، كيف تجدُ السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف، فمن ذلك (قَ) والسورة مبنيَّةٌ على الكلمات القافيَّة من ذِكر القرآن، وذكر الخَلْق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقي المَلَكَيْنِ قولَ العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقَرين، والإلقاء في جهنم، والتَّقَدُّم (ق/274 ب) بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر "القَبْل"
(3)
مرتين، وتشقّق الأرض وإلقاء الرَّواسي
(1)
هذه أربع صفات، والخامسة إما أن تكون "القلقلة" -وهو الأظهر كما في (شرح النونية: 1/ 309) لابن عيسى -لمقابلتها للصفير في السين، أو "التفخيم".
(2)
(ق): "جمعت".
(3)
كذا في (ع)، وفي (ق):"القيل".